أعلى
أعلى
جديد الموقع
 
الجمعة ... 6 – 7 – 2018... ما فى القلب يكتب حال العبد فى العمل
الجمعة ... 29 – 6 – 2018... كيف تُيسر العُسرى؟؟
الجمعة ... 22 – 6 – 2018 ... جماع الدين الإعطاء والإتقاء على قاعدة الإيمان
الجمعة ... 15 – 6 – 2018... ماذا بعد رمضان ؟؟
الجمعة ... 8 – 6 – 2018... كيف تُحدد ليلةَ القدرِ ولماذا ؟؟
الجمعة...1 – 6 – 2018... ما ثمرة من كفر بالطاغوت وآمن بالله؟؟
الجمعة ... 25 – 5 – 2018... كيف نحقق " فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله"؟
الجمعة ...18 – 5 – 2018... فضل اللهُ شهرَ رمضان فكيف قابلت هذا التفضيل؟
الجمعة ... 11 – 5 – 2018... ممن بلغ رمضان معرضٌ..ومستحيى..ومأويٌ
الجمعة ... 4 – 5 – 2018... ما هو توحيد الله فى ذاته وشأنه وتوحيد الله فى حقه؟؟
 
القناة الرسمية للدكتور سيد العربى..على اليوتيوب
فيديوهات د.السبد العربى
صفحة صوتيات السيد العربى على اسلام واى
ملتقى اهل الحديث
ملتقى اهل السنة
الشيخ ابو اسحاق الحوينى
الحور العين
 
ما الذى يثقل الموازين وما الذى يخففها فى القارعة؟؟ -
ما الذى يثقل الموازين وما الذى يخففها فى القارعة؟؟
13 - 1 - 2018

ما الذى يثقل الموازين وما الذى يخففها فى القارعة؟؟

الجمعة...12-1- 2018...

للدكتور / سيد العربى...

إن الحَمْدَ للهِ، نحْمَدُه، وَنسْتَعِينه، ونَسْتَغْفِره، ونَعُوذ باللهِ تَعالَى مِنْ شرُوِرِ أنفُسِنا، ومِنْ سَيٍئات أَعْمالِنا، مَنْ يَهْدِه الله فَهوَ المُهْتَد، ومَنْ يُضْلِل فَلَنْ تَجِدَ له وَلِيًا مُرْشِدًا، وأَشْهَدُ أَنْ لا إله إلا الله وحده لا شَرَيك له، وأشْهَدُ أنْ مُحَمدًا عَبَدَهُ، وَرَسوله، وصَفَيه مِنْ خَلْقِه، وخَلِيله، صَلَوات اللهِ وسَلامُه عَلَيْه، وعلى مًنْ تَبِعَ هداه بِإحْسانٍ إلى يَوْمِ الًدِين.
(يا أيها الذِينَ آمَنوا اتَّقوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَموتُنَّ إلا وَأنتم مسْلِمُونَ) [آل عمران: 102[.
(يَا أيها النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءَ وَاتَّقواْ اللهَ الذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ أن اللهَ كان عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء: 1.[
(يَا أيها الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب: 70-71] .. وبعد؛
فإنَّ أصدقَ الحديثِ كتابُ اللهِ ، وخيرَ الهَديِ هَدْيُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم, وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ مُحدثةٍ بِدعة، وكلَّ بِدعةٍ ضلالة، وكلَّ ضلالةٍ في النّار... ثم امابعد .

لابد للعبد أن يتفكر في مصيره ، وإلى أين هو ذاهب لأن عدم تفكره في ذلك يورثه الغفلة ... ولذلك أكثرَ الله علينا في القرآن من باب الهداية والبيان ذكرِ ما يتعلق بذلك المأل سواءٌ بذكر الساعة وأهوالها وما يدورُ فيها من أحوال ، وبيان أن العباد تنتهي بهم الأمور إما إلى جنةٍ وإما إلى نار مروراً بالصعق والإبادة ثم النشور ثم الحشر ثم الحساب ... وهذا أمر ينبغي أن يأخذ أسترعاء العبد المؤمن حتى يكون على وجلٍ من ربه ، وحتى يبحث دائماً في كل يومٍ وفي كل لحظة عن طريق الفوز أو عن طريق حسن المآل ، كيف يصل العبد إلى حسن المآل ... وقد جاء في كثيرٍ من القرآن ما يتعلق بإبراز حقيقة الساعة وما يتعلق بمجمل أمرها وتفصيله ومن ذلك سورةٌ من قِصار المفصل تبرزُ هذه القضية حتى يكونَ العبد منها على وعي ... يقولُ الله تعالى..{الْقَارِعَةُ (1) مَا الْقَارِعَةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (3) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (4) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (5) فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (6) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (7) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (8) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (9) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (10) نَارٌ حَامِيَةٌ}[القارعة: 1 - 11].

هذه السورة تتعلق بيوم القيامة ، تتعلق بالساعة.. التي سميت في القرآن بأسماء كثيرة منها الصاخة ومنها الطامة ومنها الغاشية ومنها القارعة وغير ذلك مما ذكر في آي القرآن الكريم ... هنا وصفها أو سماها باسم القارعة أو بوصف القارعة ، والقارعة أسمُ فاعل من القرع ، والقرعُ هو الضربُ بشدة الذي قد يُفزع من شدته ، أيُ ضربٍ على أي شيءٍ بشدة يسمى قرع ومنه قرعُ الطبول ، وتقولُ قرعتُ الرجل إذا أفزعته من شدةِ ما يُلاقي ، وسميت الساعة بالقارعة لأنها تقرعُ القلوب بأهوالها ، فكأن القلب أمنٌ ساكنٌ ثم عندما يعلم أو يعتقد أو يتصور ما يكون من يوم القيامة فأن في يوم القيامة من القوارع أي من المفزعات ومن الضرب الذي يُفزعُ القلب بشدة ما جعلها تستحق ذلك الوصف..

(الْقَارِعَةُ (1) مَا الْقَارِعَةُ)..ما هنا أستفهام للتعظيم والتفخيم وليس إستفهامٌ للمعرفة وليس إستفهامٌ إستنكاري.. كما تقول: أحمد وما أحمد ، كما في الحديث " وما أبو ذرع "  كأنه يبين أنه أمرٌ عظيم ، أمرٌ مهُول ، أمرٌ له قدرٌ كبير ... فعندما يُقال القارعةُ ما القارعة : يعني تنبه إننا نذكر أمراً عظيماً فخماً كبيراً له من الهول ما له...

(وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ) بعد ما ذكرت مرتين بالوصف ثم بالإستفهام التعظيمي ، جاء وما أدراك ما القارعة ، أي إنك لا يمكن أن يكون لك إدراكٌ ولا علمٌ بها إذ أنها مما لا يدخل في علم الإنسانِ ولا مدركاته بل هي أمرٌ لا يعلمُ مداه ولا حقيقته ولا ما يكون فيه ولا ما يتعلق بذلك الوصف وهو القارعة إلا الله وبالتالي لا يُطلبُ بيانه إلا من عند الله ... وما أدراك ما القارعة ... كما يُقال مثلاً وما أدراك ما فلان ، وما أدراك ما ذي سلطان ، وما أدراك من مالٍ ومن حالٍ ، من باب أنك لا تعلم عن ذلك شيئاً ... وما أدراك ما القارعة ... هذا كله إثباتٌ للوصف الذي وصفت به إجمالاً ، أنها تقرع القلوب وتقرع العقول وتجعل الإنسان في هولٍ مهيب ثم يذكرُ شيئاً من التفصيل..(يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ) والناسُ هم المكلفون من إنسٍ وجن ، كالفراش المبثوث حينما يُحشروا ، والفراش هو تلك الحشرة المتطايرة التي تجتمعُ على النار أو النور إذا ما وجدته في الظلمة ، هذه الحشرة إذا إنتشرت لا تنتشرُ بنظامٍ كالنمل ، ولا تنتشرُ بنظامٍ كمفردات الحيوانات والحشرات بل تنتشرُ جماعاتٍ متضادة الإتجاه ، وهذا معنى مبثوث ، مبثوث أي متفرق فإذا جئت بعدد من الفراش ثم أطلقته لا يتجه إثنان إلى إتجاهٍ واحد ، بل يصير كل واحدٍ في إتجاهٍ قد يُعاكس الأخر أو يكونُ فوقه أو يكونُ مقابله المهم هو أن الفراش له هذه الخاصية ، بالإضافة ألى أن الفراش من أضعف الحشرات ، ليس أضعفها على الإطلاق فالبعوضُ أضعف ولكنه من جنسه ، هو من جنس الذباب ، هذه الحشرة الضعيفة ما لها ؟  يكون شأنُ الناس وحالهم وشكلهم وما يكونُ من إنطلاقهم بعد أن عادوا في ما يتعلق بإبادتهم أو بسابق موتهم في قبورهم ، فعندما يقومون حشراً ينطلقون إلى غير إتجاه قبل أن يُحشروا .. هذا النشور يكونُ كالفراش المبثوث ، أي الفراش المتفرق وهذا معناه أنه سيكون من الهول والفزع وطرق القلوب ضعيفاً ضعيفاً من هول ما يجد ومما طرق قلبه حتى يكونُ كالفراش ... أنت بصولجانك ، بقوتك ، بصوتك العالي ، بما تملك من مال ، بما لك من شيء من السلطان ، أنت بعزوتك ، أنت بآلك وقومك ، أنت بما لك من نسب ، أنت بكل المعطيات تصيرُ في النهاية كالفراشة من الضعف والقلة والحيرة وقرع القلب والفزع والهول كالفراش المبثوث ، وفي المقابل من باب ضرب المثل في المقابل ومن باب بيان الحال فإن أمتن المخلوقات وهي الجبال ... الجبالُ متينةُ جداً بل وهي سبب رسوُ الأرض وعدم إضطرابها وعدم زلزلتها ، فالجبال أوتاد الأرض التي تثبتها وترسيها ويفنى الناسُ ولا تفنى ، وتفنى الجيوشُ ولا تفنى ... الجبال الأوتاد ومع ذلك ...( يوم يكون الناس ) المكلفون بكل معطياتهم ( كالفراش المبثوث )...(وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ) الجبال التي هي أمتن المخلوقات تصير كالعهن المنفوش ، والعهن هو الصوف أو القطن ، المنفوش هو الذي فصلت أليافه بعضها عن بعض ، فإذا أتيت بقطعة قطن ، أو أتيت بشيءٍ من الصوف ثم أخذت تفرقها وبرةً وبرة ، شعرةً شعرة فإن ذلك سيجعله متفرق ، ضعيف ، قليل الوزن ، لا يُبالى به ، إذا صدمته في أحد لا يُوثرُ فيه بشيء ، ليس كالعهن.. بل المنفوش إشعار بمدى رِقة وخِفة وذوبان وضياع الصلابة وضياعُ الكينونة فصارت الجبال التي هي من أصلب المخلوقات وأمتنها صارت ماذا ؟  صارت كالعهن المنفوش ، تكون قطعة من الصوف متكتلة فيكون لها بعض الأثر اليسير ... ولكن عندما تُنفش فلا يكون لها أي أثرٍ في الصدمةِ ، فكأن الإنسان من شدةِ هوله صار هباءاً كالفراش ، والجبال من شدة فزعها صارت مبعثرة مفرقة كالعهن المنفوش..(فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ) إذاً في أول الأمر ذكر الأسم والوصف ( القارعة ما القارعة وما أدراك ما القارعة ) والإستفهام هنا بما للتعظيم ، وما أدراك أيضاً بيانٌ إلى أن شأنها لا يعلمه إلا الله ، ولا يُستقى علمه إلا من عند الله..( يومُ يكون ) بعض بيان حال ذلك اليوم أو تلك الساعة ، أو تلك المفزعة ( يوم يكون الناس كالفراش المبثوث وتكون الجبال كالعهن المنفوش ) ثم ينتهي الأمر إلى ماذا؟..أنتم تعلمون أن الساعة أو يوم القيامة أو يوم الدين يبتدأُ بالصعق في الصورالصعقةُ الأولى ، وينتهي بقضاء الله وحكمه في خلقه بالجزاء بالإحسان أو مقابله بحسب حال كل عبد وعمله ، بحيثُ يقضي بعدله ولعله يقضي فيهم بفضله ... هذا هو يومُ الدين إجمالاً ما بين هذا وهذا أو ما بين هذا وتلك ، ما بين النفخ في الصور الذي يَفنى به الناس ثم نفخة النشورثم الحشر ثم بعد ذلك ينزل الله عز وجل فيقضي بين عباده فينتهي بهم الأمر إما إلى جنةٍ وإما إلى نار في منتهى الأمر ، فهنا ذكر أسمها وبعض شأنها ثم المأل..( فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (6) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (7) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (8) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (9) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (10) نَارٌ حَامِيَةٌ)..ذكر الوصف والأسم مع التنبيه على أنها أمرٌ عظيم بعيد المنال في العلم والفهم إلا بما يتلقاه العبد ممن يعلم السر وأخفى ، وممن لا يملك أمرها أي الساعة والقيامة إلا هو جل في علاه ، ثم بعد ذلك بعض أحوالها من صيرورة الناس كالفراش المبثوث ، والجبال كالعهن المنفوش حتى تعلم كيف يكون الأمر إذا كانت الجبال بما هي عليه من صلابة ومتانة ويَؤول أمرها إلى ذلك من حيث التفتت والتبعثر ، ثم النتيجة الإنتهاء ، فالكل سيكون كالفراش المبثوث الصالح والطالح والبعيد والقريب ، ومن ثقلُ ميزانه ومن خف ، والكل سيصيبه الفزع ، والكل سيصيبه الهول ... وفي الحديث ذكرت عائشة رضي الله عنها النار فبكت فقال لها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ما يبكيك يا عائشة (رضي الله عنها) فقالت ذكرت النار فبكيت ، هل تذكرون أهليكم يوم القيامة يا رسول الله فقال ( صلى الله عليه وسلم ):" أما في ثلاثٍ فلا يذكرُ أحدٌ أحدَا ، عند الميزان حتى يرى أيثقلَ ميزانه أم يخف ، وعند تناول الكتاب عندما يُقال ({هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ}[الحاقة: 19]) حتى يُرى أيُعطى كتابه بيمينه أم بشماله أم من وراء ظهره ، وعند الصراط عندما يُنصب على  ظهري جهنم" ... فهذا يعني أن الكل سيكونُ في مشغلةٍ عظيمة وهولٍ لا يعلمُ مداه إلا الله ويقفُ العبد لا يدري ولا يعرف ولا يبالي أحدٌ بأحد ، ولا يعرف أحدٌ أحدا ، ويُجيبها على سؤالها أوتعرفون أهليكم يوم القيامة يا رسول الله فأجابها بذلك ، ثم المأل والمصير ...قاعدة عامة وليس ذكراً لأعيان ( فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية وأما من خفت موازينه فأمه هاوية وما أدراك ما هية نار حامية ) وبالتالي فالعبرة بالميزان ، فمن كان له ما يُثقلُ ميزانه فإن الميزان الثقيل جزاؤه أن يحيا الإنسان في جناتٍ عرضها السموات والأرض حياةً مرضية له فيها ما يشتهي وله فيها ما يرجو بل ويكون له أكثرُ مما يتمنى ، فهو في عيشة راضية ، وأما من لم يكن عنده ما يُثقلُ ميزانه فصار ميزانه خفيف فأنه سيرتمي في حضن كما يرتمي الوليد أو الولد في حضن أمه ، هذا الحضن هو حضن الهاوية ، هذا الحضن الذي سيرتمي إليه ويسكنُ إليه كما يرتمي الوليد أو الصغير في حضن أمه هذا الحضن جزاء خفة ميزانه سيكون حضن الهاوية ، والهاوية أسمٌ من أسماء جهنم لأنها قد بَعُدَ قعرها فلا يُلقى فيها أحد إلا ويهوي سبعين خريفاً ... نسأل الله أن يُنجنا من ذلك ونسأل الله عز وجل أن يحرمنا عليها ... فلذلك لم يقل فمأله النار أو فمصيره جهنم إنما قال فأمه.. أي الذي تنتظره لتأخذه بأحضانها كما تأخذ الأم وليدها في أحضانها ، هذه الأم من؟..كأنه يقولُ أنما إذا خفت موازينكم فلن تسكونوا ولن تُحضنوا ولن تُضموا إلا من أم هذه الأم هي الهاوية ، وسميت هاوية لأنها يهوي فيها العبد سبعين خريفاً ولا يصل إلا قعرها..

( فأمه هاوية ) ولفظ أمه لفظ يبين أنه لا فوات له منها بل وأنه سيرتمي فيها ليس عن حبٍ ولا عن شوق ولكن عن مكافأةٍ ( جزاءً وفاقا ) ثم يبين من باب أنك لا تدري عن الساعة شيء إلا ما يُخبرك به الله ( وما أدراك ما هية ) أي وما أدراك هذه الأم التي هي الهاوية ..( نار حامية ) ، وهل هناك نارٌ باردة؟..لا ولكن إذا قال نارٌ فيسيستشعر من ذلك الحرارة والحرق وفظاعة الألم وشدة الحر فيما يتعلق بأنها نار، كما تقول سألمك بالنار ، سأحرقك بالنار ... إنما هنا قال نارٌ فعُلم وعُرف شأنها ثم جاءت حامية حتى يُعلم أنها قد أنتهى حرها أو أنها بلغت منتهى الحر...

وفي الحديث " إن نار الدنيا جزءٌ من سبعين جزءٍ من نار الأخرة " ونار الدنيا لا يُقصد بها ما يكونُ من أعواد السيقاب أو حرقٌ في قَش ، إنما ما يكون من عظيم نارها في الأفران العالية المذيبة للمعادن والحديد وغير ذلك وأكثر وأكثر ، فأكثر ما يمكن أن يكون من نار الدنيا فأنها جزءٌ من سبعين جزء من نار جهنم أعاذنا الله وإياكم منها لأن وقودها الناس والحجارة ، وما أدراك ما هذه الأم الهاوية التي سيسكن إليها صاحب الميزان الخفيف ، ما أدراك ؟ إنها نارٌ حامية ... وهذه الأيات ( فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية وأما من خفت موازينه فأمه هاوية ) ذكرت قضيةً عقدية ينبغي أن نكون منها على بصيرةٍ وبيان وهي قضية الميزان حيثُ أنكرها بعض الفرق الضالة وذهب بعض أهل الحق إلى إنها معنوية وليست حقيقية ولكن جمهور أهل العلم والصحابة والتابعون وكثيرٌ ممن بعدهم يرون أن الوزن يوم القيامة وزنٌ حقيقي وهذا ما سأبينه بعد الإستراحة إن شاء الله تعالى...

--------------------------------------------------------

الحمدُ للّٰهِ وكفى، وسلامٌ على عبادِه الذين اصطفى، وأشهدُ أنْ لا إلـٰه إلا اللّٰه وحدَه لا شريكَ له ،وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ،ورسولُه ، وصفيُّه مِنْ خلقِه وخليلُه ، صلواتُ اللهُ وسلامُه عليه وعلى آله وصحبِه أجمعين ، وأصلِّي وأُسلِّمُ على رسولِ اللّٰهِ صلاةً نحققُ بها أمرَ ربِّنا، حيثُ أنَّه قالِ: " إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً. " (الأحزاب"٥٦")...فاللَّهمَّ صلِّ على محمدٍ النبيّ ، وأزواجِه أمهاتِ المؤمنين ، وذريَّته ، وآلِ بيته ،كما صلّيتَ على آلِ إبراهيمَ إنَّكَ حميدٌ مجيدٌ...

يقول الله تعالى {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا} [الأنبياء: 47] ..والقسطُ هو تمام العدل ودقةُ الوزن ، إذا قلت لك قسم كيلو من الأرز بالعدل فستضعُ نصف في كفة والنصف الأخر في كفة فإذا تساويَا رأيت أن ذلك عدل في أن هذا يساوي هذا ،  أما إذا أردت منك أن تقسمه بالقسط فسيلزمك أن تكون حبات هذا النصف  كحبات هذا النصف وهذا معنى القسط ... فالموازين يوم القيامة تُوضع من أجل دقة الوزن وتُوضع من أجل تمام العدل وضبطه..وفي الحديث (إذا وُضعت السموات السبع والأرضين السبع في كِفة ووُضعت لا إله إلا الله في كفة لمالت بهن لا إله إلا الله) ، إشعار بأن الميزان له كفتان وأن هناك ميزان ووزناً حقيقاً وهذا أمرٌ قد ثبت بالكتاب والسنة ... {وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف: 8]..إذاً القرآن أثبت أن هناك ميزان ، والسنة أيضاً أثبتت أن هناك ميزان ، ففي الحديث أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال "  إن الله يخلص رجلٍ يوم القيامة من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة ثم يُعرض له تسع وتسعين سجلاً كل سجل منها مد البصر (يعني على منتهى الرؤية ، وسجل يعني كتاب) ، فيقال له أتنكرُ شيئا من هذا ، أظلمك كتبتي الحافظون ، أعندك حسنة أو عذر فيقولُ لا يارب فيقول الله له إنك لا تُظلم اليوم أحضر وزنك فتُخرج له بطاقة مكتوبٌ فيها لا إله إلا الله وأن محمدٌ رسول الله ( عليه الصلاة والسلام ) فيقول الرجل وقد أُخذ من شدة ما وجد من سجلات ذنوبه وأنه ليس له حسنة فيقول وما تفعل هذه البطاقة أمامُ هذه السجلات ، (بطاقة يعني ورقة..كفة فيها تسع وتسعين سجل كل سجل مد البصر والكفة الأخرة يُوضع فيها ورقة بمعنى بطاقة مكتوب ٌ فيها لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله) ... فيذهل الرجل فيقول وما تفعلُ هذه البطاقة أمام هذه السجلات فتُوضع البطاقة فتطيشُ السجلات أمام هذه البطاقة إذ لا يثقلُ أمام أسم الله شيء" ، وهذا معناه.. وإن كان يحتاجُ إلى بيانٍ في مقالٍ مفصل.. أن صاحب العقيدة وإن عظمت ذنوبه فهو أفوز ممن عظمت طاعاته بلا عقيدة ... ليس هذه دعوة للذنوب إنما أقصد أقول ممن مات على عقيدة وقد غُلب بالذنوب فهو أفوز وأرجى للنجاة من عابد ليس عنده عقيدة وهذا معناه أن كل عبدٍ ينبغي أن يبحث عما يُثقل الميزان ولا يُثقلَ الموازين يوم القيامة مثل العقيدةِ شيء ، وهذا الرجل الذي له تسع وتسعين سجلاً كل سجلٍ منها مدً البصر ماذا كان ؟ كان في المقابل بطاقة فيها عنوان العقيدة " لا إله إلا الله محمد رسول الله " مقبولة ، ولو كان ذو شركٍ أو كفر لم تكن لا إله إلا الله مقبولة ولم تكن لها قائمة ، لكن الشاهد في الحديث الذي يعنيني الأن هو إثبات أن هناك وزن حقيقي يوم القيامة وأن هذا الرجل يُقال له أحضر وزنك فيقف على الميزان فتوضع السجلات في كِفة والبطاقة في كِفة ... وفي الحديث أن ابن مسعود كان يجمع الأراك وهو السواك وكانت الريح تكفؤه فضحك القوم فقال النبيُ ( صلى الله عليه وسلم ) ما يُضحككم قالوا يا رسول الله نضحك من دقة ساقيه ، رجله رفيعة ، فقال والذي نفسي بيده أنها تثقل يوم القيامة عن أُحُد في الميزان ، يعني هاتان السيقان الرفيعة التي قد لا يكون لها وزنٍ بشيءٍ إلا القليل تثُقل من فضل الله ومن أنها لابن مسعود الذي هو من أئمة الصحابة رضوان الله عليه.. تثُقل اُحُدٌ في الميزان ... إذاً هناك ميزان..( ونضع الموازين القسط ليوم القيامة ) ، هناك ميزان ( والوزن يومئذٍ الحق ) ، هناك ميزان ثبتت الأحاديث والسنة بأن هناك وزن ... إذاً ما الذي يُوزن؟..توزن الأعمال ، بمعني أن الأعمال تترجم إلى قبول وعدم قبول وحسنة وسيئة معنوياً ، لا هنا لابد أن تعلم بقية القضية العقدية أن الأعمال يوم القيامة تتحول إلى عَرضٍ له وزن ، وقد ثبتت النصوص بأبراز ذلك المعنى من أن الأعمال تكون يوم القيامة لها صورة ، لها كيان ، لها كنه فيحولها الله عز وجل من وصف معنوي إلى حقيقة مادية تُوزن ... ففي الحديث أن النبي ( صلى الله عليه وسلم )  قال " أقرأوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لصاحبه ، وعليكم بالزهروتين   البقرة وأل عمران فإنهما يأتيان يوم القيامة كغمامتان أو كغياياتان أو كصفٍ من الطير تحاجان عن صاحبهما " ، إذاً تحول  البقرة وأل عمران إلى غياية أو غمامة أو صفٌ من الطير يُحاج عن صاحبه هذا معناه ليس القرآن نفسه ، ليست السورة نفسها كقرآن لأن القرآن ليس مخلوقاً ، إنما قرائته وأجره ... تنبه لذلك.. ولذلك في الحديث يأتي الرجلُ العظيم السمين يوم القيامة لا يزن جناح بعوضة والله يقول {فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا } [الكهف: 105].. أي أن من عظم في نفسه وطغى وتجبر وسمن وقد يكون وزنه مئة وخمسون كيلو لا يزن يوم القيامة جناح بعوضة لأن أعماله تخسف به ، فإن من العمل ما يرفع صاحبه وإن من العمل ما يخسف بصاحبه ... تنبه لذلك وأنت تعلم الحديث المشهور فيما يتعلق بورود العمل الصالح والعمل الطالح على المقبور في قبره وأن المؤمن صاحب العمل الصالح يأتيه شابٌ حسنٌ الصورة حسنُ الريح فيقولُ من أنت؟ يقولُ أنا عملك الصالح.. مما يعني أنه قد تجسد ... إذاً فالأعمالُ يوم القيامة تتجسد كالأعراض بصورةِ غيبية لا يعلمها إلا الله ولكننا أخبرنا فى الكتاب والسنة بما يستوجب التصديق والإيمان وهو خبر القرآن وخبر السنة الصحيحة ، فهذا يستوجب علينا ( سمعنا وأطعنا ) ونعتقدُ ذلك ونجزم به في قلوبنا ولا نقول كما قال فريقٌ من الناس أن الوزن معنى ، وأن الوزن قضية معنوية ، لا.. الوزن وزنٌ حقيقي وميزانٌ حقيقي .. وهل الميزان يوم القيامة واحد أو متعدد ؟ أختلف العلماءُ في ذلك وذهب كثير إلى إنه ميزانٌ واحد ، ولكن في الأية ( ونضع الموازين ) قالوا العدد هنا ليس للميزان ولكن للموزون ، على تفصيل ليس هذا  محله...

إذاً فالأعمالُ توزن يوم القيامة بناءاً على تحولها إلى عَرضٍ يزن ، هذا يعني ماذا؟..هذا يعني أن يفزع قلبك من هول القيامة وما سينتهي إليه أمرك وهو الفزع وأن تكون كالفراش المبثوث وأن تكون الجبال كالعهن المنفوش ...لابد أن تعلم أن الفوز يوم القيامة بناءاً على الوزن ، بناءاً على الميزان ، فليبحث كلُ أمريءٍ لنفسه عما يثقل ذلك الميزان ... أنت تهتم بدنياك لا يثقل ذلك الميزان ، أنت تتقلب في النعيم بما أن الله أعطاك من المال أو المتاع ليس هذا مما يثقل الميزان ، أنت تبحث عن كثرةُ مالك وكثرةُ ما تملك وتقولُ مالي مالي ، ليس هذا مما يثقل الميزان.. إنما يثقل الميزان عقيدة الحق ، معتقدٌ سليم وعملٌ صالح ، عملٌ يوافق الشرع ويكون مبنياً على المعتقد إذ لا يُرفع عملٌ إلى الله إلا إذا قام على أساس العقيدة ، أما بغير ذلك فإن كل عملٍ قام على غير العقيدة ما له؟؟( هباءاً منثورا ) لا قيمة له ، ولابد أن تعلم أن الله عز وجل لايقبل منك إلا ما كان صواباً..{إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10] ولا يسمى العمل صالح إلا إذا كان قائماً على قاعدة التوحيد ، على قاعدة العقيدة السليمة ثم موافقاً في الأداء والصورة والقول والعمل لما شرعه ربنا في كتابه وهدى إليه رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) ... أبحثوا لأنفسكم عما يثقل موازينكم ولا تتركوا أنفسكم حتى تدركوا حفرتكم.. فلا   تجدوا ما يثقل ميزانكم ، وأعلم أن اليوم عملٌ بلا حساب وغدٌ حسابٌ بلا عمل ، فلابد أن تبحث ولا تترك الأمر للأماني فإن قوماً تمنوا الأماني فقال الله لهم {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ } [النساء: 123] وإنما القاعدة {نْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا } [النساء: 123] ، القاعدة {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ } [الزلزلة: 7، 8]... أسأل الله أن يثقل موازيننا يوم القيامة وأن يجعلنا وإياكم في المقبولين وأن يحرم علينا جهنم وألا يجعلها أماً لنا ... اللهم اغفر لنا ذنوبنا وأسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وأنصرنا على القوم الكافرين ... اللهم كن لنا ولا تكن علينا ... أعنا ولا تعن علينا ...رد بطش الكافرين عنا وقنا برحمتك سيئات مكرهم ... أجعل حياتنا في إيمان وأجعل مألنا إلى الجنان وحرم أجسادنا على النار ... فرج كربنا وأزل همنا وطمئن قلوبنا على أولادنا وأجعلنا هداة مهتدين ... فرج كرب المكروبين وفك أسر المأسورين ورد الظلم عن المظلومين ... وأنجي بيت المقدس من أيدي أبناء القردةِ والخنازير وأحفظه من الهدم ومخطاطات الهدم يارب العالمين وأرزقنا فيه صلاةً قبل الممات ... وأجعلنا هداة مهتدين ... اللهم يارب رد علي الغائب يا ارحم الرحمين وأهدنا وأهد بنا وأجعلنا سبباً لمن أهتدى ولا تحرمنا سبيل الدعوة ما أحييتنا ... وأجعلنا من الراشدين و صل اللهم وسلم على محمد وعلى أله وصحبه أجمعين ... أقولُ قولي هذا واستغفر الله لي ولكم سبحانك اللهم وبحمدك اشهد إلا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك...

وكتبه : أمينه موسى...

راجعه وصححه وضبطه:

د / سيد العربى...

 

 




واحة العقيدة - موقع فضيلة الدكتور السيد العربي بن كمال
 
الجمعة ... 6 – 7 – 2018... ما فى القلب يكتب حال العبد فى العمل
الجمعة ... 29 – 6 – 2018... كيف تُيسر العُسرى؟؟
الجمعة ... 22 – 6 – 2018 ... جماع الدين الإعطاء والإتقاء على قاعدة الإيمان
الجمعة ... 15 – 6 – 2018... ماذا بعد رمضان ؟؟
الجمعة ... 8 – 6 – 2018... كيف تُحدد ليلةَ القدرِ ولماذا ؟؟
الجمعة...1 – 6 – 2018... ما ثمرة من كفر بالطاغوت وآمن بالله؟؟
الجمعة ... 25 – 5 – 2018... كيف نحقق " فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله"؟
الجمعة ...18 – 5 – 2018... فضل اللهُ شهرَ رمضان فكيف قابلت هذا التفضيل؟
الجمعة ... 11 – 5 – 2018... ممن بلغ رمضان معرضٌ..ومستحيى..ومأويٌ
الجمعة ... 4 – 5 – 2018... ما هو توحيد الله فى ذاته وشأنه وتوحيد الله فى حقه؟؟
 
art4islam
جميع الحقوق محفوظة لموقع واحة العقيدة - 1431 هـ

فتاوى فى إنتظار الرد: 27