أعلى
أعلى
جديد الموقع
 
الجمعة ... 16 – 11 – 2018... إحذر أن يكون عملك بين الشرك والابتداع
الجمعة ... 9 – 11 – 2018 ... مذهب الحق فى علاقة العمل بالإيمان
الجمعة ... 2- 11 – 2018 ... إيمانك هو ملف اتهامك وموجب عقوبتك
الجمعة ... 26 – 10 – 2018
الجمعة ... 19 – 10 – 2018 ... موقف المؤمن والمنافق من المحكم والمتشابه
الجمعة ... 12 – 10 – 2018 ... ياليت عندنا عقيدة وفهم الهدهد!!
الجمعة ... 5 – 10 – 2018 ... اين تقع مشيئة العبد من مشيئة الله؟؟
الجمعة ... 28 – 9 – 2018... الصبر زاد الطريق كيف تتدرب على تحصيله؟؟
الجمعة ...21 – 9 – 2018 ... أكبر الخذلان تقديم نعيم الدنيا على الجنة
الجمعة ... 14 – 9 – 2018... الهجرةُ حجةُ الله على خلقهِ
 
القناة الرسمية للدكتور سيد العربى..على اليوتيوب
فيديوهات د.السبد العربى
صفحة صوتيات السيد العربى على اسلام واى
ملتقى اهل الحديث
ملتقى اهل السنة
الشيخ ابو اسحاق الحوينى
الحور العين
 
العلمُ كرامةٌ من الله يُحرمها الإنسانُ الذى يطغى -
العلمُ كرامةٌ من الله يُحرمها الإنسانُ الذى يطغى
3 - 3 - 2018

العلمُ كرامةٌ من الله يُحرمها الإنسانُ الذى يطغى

الجمعة ... 2 – 3 - 2018...

للدكتور سيد العربى...

وإن الحَمْدَ للهِ، نحْمَدُه، وَنسْتَعِينه، ونَسْتَغْفِره، ونَعُوذ باللهِ تَعالَى مِنْ شرُوِرِ أنفُسِنا، ومِنْ سَيٍئات أَعْمالِنا، مَنْ يَهْدِه الله فَهوَ المُهْتَد، ومَنْ يُضْلِل فَلَنْ تَجِدَ له وَلِيًا مُرْشِدًا، وأَشْهَدُ أَنْ لا إله إلا الله وحده لا شَرَيك له، وأشْهَدُ أنْ مُحَمدًا عَبَدَهُ، وَرَسوله، وصَفَيه مِنْ خَلْقِه، وخَلِيله، صَلَوات اللهِ وسَلامُه عَلَيْه، وعلى مًنْ تَبِعَ هداه بِإحْسانٍ إلى يَوْمِ الًدِين.
(يا أيها الذِينَ آمَنوا اتَّقوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَموتُنَّ إلا وَأنتم مسْلِمُونَ) [آل عمران: 102[.
(يَا أيها النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءَ وَاتَّقواْ اللهَ الذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ أن اللهَ كان عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء: 1.[
(يَا أيها الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب: 70-71] ... وبعد؛
فإنَّ أصدقَ الحديثِ كتابُ اللهِ ، وخيرَ الهَديِ هَدْيُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم, وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ مُحدثةٍ بِدعة، وكلَّ بِدعةٍ ضلالة، وكلَّ ضلالةٍ في النّار ... ثم أما بعد ...

عباد الله لازال الطريقُ مستمر في الإغتراف من معين النور وسبيل الهداية الذي جعله الله عز وجل هدىً ونور من كتابِ الله الكريم ومن أيات القرآن العظيم ، وفي سورةٍ بلغت أياتُها تسعة عشر أية جاء فيها كثير من القضايا العقدية والعلمية والعملية ، نتناول نصف هذه الأيات في هذا المقال حتى لا أُطيل وحتى نستطيع أن نتفهمَ بعض ما في هذه الأيات من معانىً ونستنيرُ بنورها ونهتدي بهداها ... يقولُ الله عز وجل  : أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ... بسم الله الرحمن الرحيم {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (7) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (8)}...هذه هي الأيات التي لعلنا نستفيدُ من إفادتها ونهتدي بهداها ونتعلمُ بعض ما فيها في هذه العجالة...

يقولُ الله تعالى ( أقرأ ) وهو أمرٌ منه سبحانه وتعالى لنبيه وبالمناسبة أول خمسٍ أياتٍ من هذه السورة هي أول شيءٌ نزل من هداية رب العالمين ووحيه إلى رسولِه الأمين الذي كانت بداية الخير للعالمين ، أولُ خمس أيات وعلى الصحيح هي أول ما نزل من القرآن ، وإن جاءت روايات صحيحة بأن أول ما نزل الفاتحة ، فمحمولةٌ هذه الرويات على أن أول سورةٍ نزلت كاملة هي الفاتحة ، وما جاء من نصوصٍ أخر تبينُ أن بعض السور نزلت أولاً كالمدثر فإن دلالات ورويات ما يتعلق بهذه الأيات تدل بالقطع أنها أول ما نزل من القرآن ... فكان النبيُ ( صلى الله عليه وسلم ) كما في الحديث من حديث عائشة رضي الله عنها عند البخاري " تقول أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ فِي النَّوْمِ فَكَانَ لاَ يَرَى رُؤْيَا إلاَ جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إلَيْهِ الْخَلاَءُ فَكَانَ يَأْتِي حِرَاءَ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ وَهُوَ التَّعَبُّدُ..اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا حَتَّى جَاءَهُ الْحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءَ فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فِيهِ، بعد طول رُؤى ، بلغت ستةَ أشهر يرى الرؤية في أنه سيُبعث كما تكون كفلقِ الصبح ، ثم بعد ستةً أشهر أي في رمضان نزل عليه جبريل عليه السلام وهو في الغار فقال له ( أقرأ ) فقال ما أنا بقاريء ، وليس معنى ما أنا بقاريء أنه ممتنع عن القراءة بل هو يريدُ أن يبين له أنا لستُ ممن يقرأ ويكتب لأن الله عز وجل اصطفى نبيه وهو أمِي لا يقرأ ولا يكتب ولكن الله كان يعلمه بخلق العلم في صدره حتى أنه كان يتلو القرآن أكثر وأجود وأعظم وأعرق مما لو كان يقرأه من صحيفة ... فَقَالَ اقْرَأْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْت مَا أَنَا بِقَارِئٍ، قَالَ فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ اقْرَأْ، فَقُلْت مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ اقْرَأْ فَقُلْت مَا أَنَا بِقَارِئٍ فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّك الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ حَتَّى بَلَغَ مَا لَمْ يَعْلَمْ...هذه هي الخمسُ أيات التي علمها جبريل لمحمدٍ ( صلى الله عليه وسلم ) أول غيثِ الهداية ، وأول بسقٍ من النور القرآنيِ المبين تنبه وكان أول ما أمر به ( صلى الله عليه وسلم )   " أقرأ " وهذا إشارة إلى أهمية التعلم وأن التعلم هو الذي يُرَقي..فقال له ( أقرأ باسم ربك الذي خلق ) وبسم هنا بمعنى مستعيناً باسم الله ... ونحن نعلمُ في قضايا العقيدة أن الأسم في حق الله هو عين المسمى ، وأن الأسم هو دالٌ على الذات بحيثُ تقول الرحمن اسمٌ من أسماء الله ، فهو من جهةٌ دالٌ على الذات بالمطابقة ودالٌ على صفةِ الرحمة بالدلالة ... فلابد أن نعلم أن العبد عندما يقول باسم الله هذا معناه.. أنا أبدأ باسم الله أو مستعيناً باسم الله أو متبركاً ياسم الله أو مستحضراً من الخير مما جاء به الله عند ذكر اسِمِه وكثير من المتعلق..ولذلك عُلمنا في السنة أن نذكر اسم الله عند الطعام والشرابِ والدخول والخروج بل حتى عند الجماع..حتى يتأتى للعبد من ذكر اسم الله ما يكون من البركات والنعم والهداية التي جعلها الله عز وجل عند ذكر اسمه ، وما يذكرُ اسم الله على شيء إلا يسره مهما كان عسيراً وكثره مهما كان قليلاً وجعل فيه من البركة والنماء والخير مهما كان حقيراً..لأن اسم الله لا يضر معه شيء في الأرض ولا في السماء سبحانه وتعالى .

( أقرأ باسم ربك ) أي مستعيناً متبركاً مبتدأً حيثُ أنك لا تستطيع أن تقرأ إلا بعونه ، وإلا بفضله ، وإلا بعطائه ، اللهم لولا أنت ما أهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا ، اللهم لولا أنت ما قرأنا ولا تعلمنا..

( أقرأ باسم ربك الذي خلق ) وهنا بديعٌ في المعاني ، كأنه يقول له أقرأ مستعيناً ملتمساً العون والإيجاد ، ملتمساً وجود القراءة في صدرِك بالرغم من أنك أمِي لأنك تلتمسها ممن خلق ، وخلق الأولى في الأيات هنا أي خلق كل الخلق {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} [الزمر: 62]..سبحانه وتعالى..

(  أقرأ باسم ربك الذي خلق ) خلق المخلوقات كلها ، الذي خلق ما تعلم وما لا تعلم ، وما تدري وما لاتدري ، خلق كل شيء وبالتالي لا يُعظمُ عليه خلق القراءةِ وخلق شرحُ الصدر للمقروء وأنت لا تعلم ، وأنت لست من أهل القراءة والكتابة ، كأنه يقولُ له إقرأ وأنت مؤمن بأن الله قادرٌ على أن يخلق القراءة في صدرك ، لأنه خالقُ كلِ شيء سبحانه وتعالى..

( أقرأ باسم ربك الذي خلق .. خلق الإنسان من علق ) هذا يسمى ذكرُ بعضٍ من كل ، فبعدما قال خلق بمعنى خلق كل شيء ثم ذكر شيء من كل شيء ، ذكر بعض من الكل وهو الإنسان ، ولماذا خص الإنسان بالذكر وهو داخلٌ في الكل " أقرأ باسم ربك الذي خلق " كل شيء..المعنى ومنها الإنسان...عندما يُخصصِ الله ذكر خاصٌ من عام ، أو بعضٌ من كل..هذا دليلٌ على إختصاصه ببعض المعاني أو تشريفاً أو تكريماً أو إختصاصه ببعض الأحكام ،على تفصيل ليس هذا محِله ... عموماً عطفُ الخاص على العام ، أو فرد من الكل يذكره الله ويعطفه على الكل بعد ذكر الكل..له كثير من المقتضيات و العلل ليس محِل بسطها هنا ، ولكن لابد أن تعلم أنه هنا ذكر الإنسان لأنه مكرمٌ خِلقةً وتكويناً ، فالإنسان كرمه الله {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا } [الإسراء: 70]..تنبه فالإنسانُ مخلوقٌ من المخلوقات وليس هو الوحيد الذي خُلقَ من علق ولكنه خُلقَ مكرماً في هيئته ، في صورته ، في تركيبه ، في عقله ، في ذهنه ، في فهمه ، في نطقه ، في تأهله للقراءة ، في تأهله للعلم ، فلذلك خُص بالذكر...

( خلق الإنسان ) وهنا بديعةٌ علميةٌ وعقديةٌ جميلة ، الله عز وجل عندما يُعلمنا يبينُ لنا مدى قدرته ، ويبينُ لنا كثير من الأصول التي ينبغي إلا تغيب عنا ، فالإنسان المكرم المصور المطور البديع في خِلقته وفي صورته المركب على صورةٍ حسنة المؤهل لكثير من الخيرات ليست لكل الحيوانات ، هذا الإنسان أصله علقة ، وعلق لفظُ جمع مفرده علقة ، كشجر وشجرة..( خلق الإنسان من علق ) العلق هو الدمُ المتجمع المتجمد الذي يكونُ كهيئة الدودة ولذلك تسمى الدودة في اللغة علقة وسميَ علق لأنه يعْلق في الرحم ، وإن كانت هذه العلقة التي تعلقُ في الرحم قبل منها هناك نطفة ، لكن النطفة قد تصلُ إلى النهاية فى إخراج الإنسان ، قد تصلُ إلى إكتمال تكوينه أو لا تصل ، قد تفوت مرحلتها في الطريق أما العلقة في الغالب لابد أن تكتمل ، فإذا ما زُرعت ولذلك تسمى زرع حتى بالطب تسمى هذه المرحلة زرع ، أي زرعُ الجنين في جدار الرحم حتى ينبُتُ منه الولد على تفصيل ليس هذا محِله ، لكن خلق الإنسان ، هذه العلقة شكلها وصورتها مقذذة ، قطعةُ دمٌ متجلطة تشبه الدودة الكبيرة ليست فيها جمال ولا صورة ، يُخلقُ منها الإنسان الجميل ويُخلق منها الصورةَ الحسنة ويُخلق منها ذلك التكوين الذي أنت أحد أفرده سبحان من له القدرة على ذلك ولا يقدرُ على ذلك إلا هو سبحانه...

( خلق الإنسان ) عندما تقرأ كلمة الإنسان أي خلق الناطق المصور ذو العينين القائم على قدمين الذي يتناول طعامه بيده ليس كالحيوانات تتناول طعامها بفمها ليس وجهه إلى الأرض بل إلى السماء ، ينطق يتكلم يتفهم يتعلم ، كلمة الإنسان من حيثُ الخِلقةِ والتكوين تعني ذلك ... خلق الإنسان بهذا المعنى ، أو هذا بعضُ المعنى من علق ، قادر ، لو أنك أتيت إلى أحد بصورة أو بحقيقة أو بتصوير يبين العلقة ما تصور أبداً أن ينتهي بتلك العلقة الأمر إلى إخراج ما هو في صورته حاصةً إذا كان فيه شيءٍ من الجمال أو الوجاهةِ أو الوسامة ، فيقول أنا كنت من هذه الحقيرةِ المحقرة المهينة..لكنه القادر على كل شيء ... إذاً الله ذكر العلق ليدلك على مدى قدرته ، قدرته الخلقية والإيجادية والجمالية والتركيبية التي لا يقدرُ عليها أحدٌ غيره سبحانه وتعالى هو على كل شيءٍ قدير جل في علاه تنبه..( أقرأ باسم ربك الذي خلق ) عموماً ( خلق الإنسان من علق ) خصوصاً ( أقرأ وربك الأكرم ) وهنا مسألةٌ مهمةٌ جداً أن تعلم أن الله عز وجل قد يخلق الخلق فيجعل لهم تركيباً وعطايا خلقية تكون للجميع ، فالكل يأكل والكلُ ، يشرب ، والكلُ ينام ، والكلُ يقوم ، والكلُ يتكلم وهكذا والكلُ يلبس ويداري عورته ، والكل يأخذ ويعطي إلى غير ذلك ، لكن ليس الكل يتعلم لأن العلم كرامة فتناسب أن يُقال عند التعليم وعند مقام التعليم ( أقرأ وربك الأكرم ) لماذا؟..( علم الإنسان ما لم يعلم )..

( أقرأ باسم ربك الذي خلق .. خلق الإنسان من علق .. أقرأ وربك الأكرم ) ما موضع الإكرام هنا؟..هل هو الخلق ، هل التسوية ، هل التركيب ، هل الصورة؟..لا..موقعُ الإكرامِ هنا هو أنه قد يمنُ على أحدٍ بقلادةِ الكرامة من العلم والفهم " من يرد الله به خيراً يفقه في الدين "..لماذا أسجد الله الملائكة لآدم تنبه وتعلم ، لأن آدم شُرف بشيء ليس عندهم , وهو{وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [البقرة: 31، 32]..فلما صار عند آدم من العلم ما ليس عندهم ، هم أولى منه خِلقة وأفضلُ منه تكويناً لأنهم من نور بينما خلق آدم من تراب ، من طين ، من حمأٍ مسنون ، من صلصالٍ كالفخار..تنبه هذا هو أصل خلق آدم عليه السلام ، هذا الذي بهذا التكوين الذي هو أقل من النور سجد له من خُلقوا من النور لماذا؟..لأنه كُرم بالعلم.." تعلم فليس المرءُ يُولد عالماً وليس ذو علمٍ كم هو جاهلٌ ".." العلمُ يرفعُ بُيوتاً لا عماد لها والجهلُ يهدمُ بيوتاً العز والشرف " تنبه ، فليس هناك شيء أكرم من العلم ، أنت ترى أن أهل العلم في الناس إذا كانوا ذو إنصاف ليس في زمن الطواغيت والبطش وليس في زمن إهدار العلم وأهله إنما في زمن إحترام الإنسان لآدميته وتكوينه وإحترام العلم وإحترام القرآن وأهله ، تجد ماذا؟..تجد كم كان في حال الأولين الكبار والسلاطين والأمراء يطأطئون روءسهم في حجور العلماء لحاجاتهم إلى علمهم يسألوهم ويتعلموا منهم ، وكان العالم ذو ثقة وذو ثِقل إذا ما أرسل إليه السلطان يقول لا يأتى العلم بل يؤتى إليه..لأن العلم هو الذي يرفع الإنسان ، قد يكونُ إنسان فقير قليل لكنه في قومه عظيم بعلمه ليس بماله ، بل إن القرآن عُنيَ بأن يربي المؤمنين على أن من أكثر الأفكار العقدية الباطلة التي ينهدمُ معها الدين هي تعلق الإنسان بالدنيا وحب المال ، وأن كثيراً من الناس يظنون زوراً وبطلاناً أن الكرامة في المال {فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16) كَلَّا} [الفجر: 15 - 17]..أي أعطاه كما تُكرمُ ضيفك ( فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن ) بناءاً على معتقدٍ فاسد أن الكرامة في الدنيا ، وأن الكرامة في المال ،  لا أن الكرامة الحقيقية في العلم { يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ } [المجادلة: 11]..فالإيمانُ يرفع والعلم يرفع فوق الرفع ، رفعٌ بعد رفع ، فإن ءامنت فقد رُفعت من وحلةِ الباطل والشرك والكفر والبدع والضلالات ، فإن تعلمت فقد رُفعت فوق هذا الرفع ، رفعٌ فوق رفع..تنبه ، ولذلك قال تعالى {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28]..هم أهلُ الخشية ، والخشية هي الخوف مع العلم بقدر المُخوف ، أو المُخاف منه..تنبه ، لكن عموم المؤمنين {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [النحل: 50]..فلابد أن تستوعب ذلك..

( أقرأ وربك الأكرم ) ليس أكرمُ منه وقد تنال من الكرامة إذا علمك ربك ، وقد تنال من الكرامة إذا فقهك ربك فلا يُعطى أحداً ابداً في الدنيا مثلما يعطى أهل العلم لأن العلم يرفع صاحبه في الدنيا يعنى وهو حي ، ثم يبقي ذكره مرفوعاً بعد الموت..ألا ترى أننا لازلنا حتى الأن نقول قال ابن تيمية رحمه الله ، قال الإمام أحمد رحمه الله ، قال الإمام الشافعي رحمه الله ، لازال ذكرهم مرفوعاً ويُترحم عليهم ويُذكرُ بالفضل بناءاً على ماذا؟..على أمواله أم شركاته أم أراضيه أم عماراته؟..لا..بناءاً على ما أكرمه الله من علم..( أقرا وربك الأكرم )  ما وجه هذا الإكرام ، وما وجه التكريم ؟.. ( أقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم ) وهذه إشارة إلى أن تكريمُ الله عز وجل للأفراد ثم للجماعات ثم للأمم بناءاً على المعلوم.. وأنه لم يُجد أحد سبيل للعلم إلا بما أوجده الله تعالى ، فإن الله من فضله على خلقه ، ومن تكريمه لأهل الكرامة منهم جعل القلم بينهم سبباً لدوام العلم ، وسبباً لنقل العلم ، وسبباً لإثبات التواريخ ، وسبباً لذكر الفضائل ، فنحن لم ينقل إلينا السنة بل ولم يُنقل إلينا القرآن في كثيرٍ من الأحيان إلا بالقلم ، صحيحٌ أن القرآن خُص بالتناول أي بالمشافهة بعضاً عن بعض ، أو كابر عن كابر أو صاغر عن كابر أو غير ذلك بالمناولة والإجازة وما شابه ، لكن عموم العلم سواءٌ علمٌ شرعي وهو حقيقة العلم والذي هو أحق بوصف العلم ، أو منافع دنيوية ويقال له علم بحسب ما يكون له من نفع ، لم يُنقل إلا بالكتابة ، والقلم هنا ليس المقصود به ما يُقلم فقط بل كل ما يكون به الكتابة ، نحن الأن نكتبُ ونتناقل المكتوبات وتُكتب الكتب الكبار والمجلدات العظام في عدد صفاحاتها وتعداد أوراقها بغير قلم ، بغير قلم ويُكتب على أجهزةٍ كاتبة وعلى ألاتٍ كاتبة وعلى حسوبات كاتبة وغير ذلك ، كل ذلك يدخلُ في القلم ، يدخل فيما يتناقل به العلم..( الذي علم بالقلم ) كرامةٌ أن يكون بين الأمم ولذلك هذا إشارة إلى أن الأمم وخاصةً الأمم الأسلامية التي تهتدي بالقرآن ، والتي أرسل الله لهم خير البرية ( عليه الصلاة والسلام ) عليهم أن يهتموا بالعلم ... الأمةُ الأن صارت على المجموع جاهلة ، يُذكر الحديث ما يدري هل هو حديث أم كلام أم مثل شعبي ، تُذكرُ الأية حتى أن البعض سمعت بأذني من يتجرأ ويقول قال الله تعالى أسعى يا عبد وأنا أسعى معاك ، هكذا تجرأ لأنه جهل ، وأنت جاهل وحولك جهال وقبلك جهال وبعدك جهال وأولادك جهال فبالتالي لا تسر في هذا الوسط إلا عدوى الجهل ، فإذا ما خُطبت بالعلم كان ردك ، أو كان كلامك أن العلم لا يُطعم ، أن العلم لا يُأّكل عيش مع أن العلم هو سبب الرفعة ، مع أن العلم هو سبب الكرامة ، مع أن الأمم بقوة علمها ، وأنت الأن تتغنى بما عند الغرب من حضارات دنيوية ومن تقدم في المعطيات الدنيوية والألات المستخدمة في الدنيا ، كل ذلك ما هو إلا معادلة ثم ترتيب لها ثم جمعها مع غيرها بما يتحقق بمجموع العلم ومجموع ما يُكتب بالقلم فكرة ثم تتحول هذه الفكرة إلى تنفيذ فينتجُ منها شيءً ينتفعُ به الناس ، هذا هو..لو تعلم..لكن الغرب لما أهتموا بأمر الدنيا وتركوا أمر الدين وداسوا عليه وصار الدين لا قيمة له لا في بلادهم ولا بلادنا ، لما صار الأمر كذلك صار التحاسد ، وصار النظر ، وصار مد النظر والبصر بناءاً على ماذا؟..على معطيات الدنيا ، انظر إلى سياراتهم ، انظر إلى أدواتهم ، انظر إلى ألاتهم وهكذا فكان ذلك ، حتى هذا لم نفلح في أن نتعلمه ، حتى هذا الدني ، حتى هذا القليل {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (6) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ } [الروم: 6، 7]..أنت عندك من العلم الأعلى ، وعندك من العلم الذي يرفع وعندك من العلم الذي يبلغ به العبد الدرجات ومع ذلك أنت تزهد في هذا وذاك ، وجاهلٌ في هذا وذاك وبعد أن كنا أمة تقود العالم بعلمها ، وتقود العالم بفهمها ، وتقود العالم بنور معارفها صرنا في أذيل أذيل بل صرنا كالبعر الملصوق في أذيال الأبل ، حتى لسنا من الذيل لماذا لأننا هنَّا على أنفسنا فهنَّا على غيرنا...

( أقرأ وربك الأكرم .. الذي علم بالقلم .. علم الإنسان ما لم يعلم )  هل تعلم أن الله قدر أن يكون في يد الناس محمول ، هاتفٌ نقال ، قدر ذلك فهداهم كما هداهم إلى إنبات ما يأكلون وترك ما لا يأكلون بالرغم من إنهم لما خلقوا في غالب الناس لا يعلموا  {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا } [النحل: 78]..الأصل أننا لا نعلم ثم نصير نعلم بالتعلم ، إنما العلم بالتعلم..( علم الإنسان ما لم يعلم ) لم يكن الإنسان في خطته ومعارفه تلك الألات التي قلبت حال العالم وقلبت حال الدنيا وقربت البعيد وصارت الدنيا أو الكرة الأرضية كالقرية الصغيرة يتعارف بعضهم كما لو كانوا جيراناً في بيتٍ واحد ، وكان الأولون إذا أرادوا أن يعرفوا شيأ في أخر البلدان سافروا الشهور الطويلة من أجل أن يأخذوا خبراً أو معلومةً أو معرفةً عند من هم في البلاد البعيدة ، أما أنت الأن بضغطة بلمسة بسيطة جداً يمكن أن تصلك معلومة أو رسالة أو بيان أو كلام ، واحدٌ بينك وبينه سفر الشهور بالدواب والأبل أو مسافات بعيدة مهما إن كانت الوسائل الناقلة كل ذلك لماذا؟..لأن الله علم الإنسان ما لم يعلم ، فكل ذلك من تعاليم الله ، لكن العبد قد يهتم وقد يتكالب على ما يكون من علوم الدنيا ظناً منه أن ذلك يُورث السعادة ويُورث الرفاه أي الرفاهية ليس الأمر كذلك ، إذا من علمه الله عز وجل ، من علمه الله علم الكرامة هو ذلك الذي علمه ربه علم دينه حتى صارت له البصيرة لأن الله عز وجل وصف القرآن وما جاء فيه والعلوم الشرعية والهداية الربانية التي تعَّرف برب البرية بأنها بصائر  ، وأن من أبصر فإنما يُبصرُ لنفسه ومن عميَ فعليها تنبه ، {قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ } [الأنعام: 104] ..فالبتالي لابد أن تعلم أننا أمةٌ أجرمت في حق نفسها وصرنا مجرمين مجرمون لماذا؟..لأننا فرطنا في سبيل كرامتنا ، لأننا تركنا سبيل عزنا ورفع ذكرنا ، فلو كانت أمتنا أمةٌ تعلم لكان الناس إليها أحوج ، لكن صرنا لا نعلمُ دنيا ولا نعلم دين ، فصرنا أقرب للدواب ، ولكن ينبغي أن نكونَ مكرمين ، إن الله أكرمك بكرامة وأمرك أن تسلك مسلكاً لتُكَرم بها قمةُ الكرامة ، أما الأولى فهي تكريمك في خلقك..( خلق الإنسان ) وخلقك وكرمك من علق لإبراز قدرته التي لا منتهى لها..ثم أمرك أن تسير على الهدى {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } [الأنعام: 153] ..والإتباع لا يأتي إلا بعد العلم ، ففاقدُ الشيء لا يعطيه ، وجاهل الأمر يعاديه.. تنبه وتدبر ... أمرك بسلوك الصراط والإستقامة على العلم الذي يهديك لماذا؟..لكي تكون ممن قال فيهم ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم )  فقد كرمك كرامة آدمية لتتعلم لأنك مؤهل للتعلم..عندك ذاكرة ، عندك فهم ، عندك جمع معلومات ، عندك نطق ، عندك نظر ، عندك قدرة على القراءة ، عندك قدرة على إستعمال القلم وأدوات الكتابة ، عندك قدرة على تحصيل العلوم ، ليس عند البقر ولا عند الغنم ولا عند سائر الحيوان هذه القدرة أبداً ، فقد كرمت بذلك وغيره  لماذا؟..لتستعمل تلك الكرامة للوصول إلى كرامة التقى...( أقرا وربك الأكرم .. الذي علم بالقلم .. علم الإنسان ما لم يعلم ) أسأل الله أن يعلمني وإياكم ما ينفعنا في الدنيا والأخرة...

---------------------------------------------------

الحمدُ للّٰهِ وكفى، وسلامٌ على عبادِه الذين اصطفى، وأشهدُ أنْ لا إلـٰه إلا اللّٰه وحدَه لا شريكَ له ،وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ،ورسولُه ، وصفيُّه مِنْ خلقِه وخليلُه ، صلواتُ اللهُ وسلامُه عليه وعلى آله وصحبِه أجمعين ، وأصلِّي وأُسلِّمُ على رسولِ اللّٰهِ صلاةً نحققُ بها أمرَ ربِّنا، حيثُ أنَّه قالِ: " إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً. " (الأحزاب"٥٦")...فاللَّهمَّ صلِّ على محمدٍ النبيّ ، وأزواجِه أمهاتِ المؤمنين ، وذريَّته ، وآلِ بيته ،كما صلّيتَ على آلِ إبراهيمَ إنَّكَ حميدٌ مجيدٌ...

ثم يقول الله تعالى ( كلا ) وكلا تأتي في القرآن على معاني أشهرها ، وأكثرها في الإستعمال..تأتي بمعنى حقاً وتأتي بمعنى الزجر والردع ، فقد تكون في موطن بمعنى أيها الناس إنزجروا وأرتدعوا فليس الأمر كما تظنوا..كما في قوله تعالى ( وأما إذا ما أبتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهنن ) وهنا يُقال له ( كلا ) أي أزدجر وأرتدع ، ليس الأمر كما تظن ، وكلا هنا فيما بين أيدينا من أياتٍ وهدىً ونور بمعنى حقاً على أصح التأويلات ، كلا أي حقاً ، أي ينبغي أن تعلم حقيقةً لا ينبغي أن تفوتك ولا ينبغي أن تبتعد عن فهمك وعلمك ومفهومك أن الإنسان بتركيبته الإنسانية بغير المعطيات الإيمانية..ليطغى..وأن هذا الطغيان سببه أنه يركن إلى ما أعطيَ من أسباب ، فيستغني بها ويظن أنه صار بها شيء وهو ليس على شيء ، فمهما أعطى الله تعالى العبد من أسباب من مالٍ ، من عافيةٍ ، من صحةٍ ، من متاعٍ من أملاكٍ ، من سلطانٍ ، مهما أعطى الله تعالى فإن العبد ينبغي كلما أوتيَ كلما أزداد فقراً لربه .. لأنه لم يأتي به.. كما ظن قارون ..ولكنه أعطاه له ربه ، ومن يُعطى بغير مقابل يمكن أن يُسلب ، فكل عطيةٍ هي عطية قابلةٌ للسلب ، فلذلك على الإنسان عندما يُعطى يشكر ويفتقر لله وينكسر بقلبه ويجمع جمعية قلبه على ربه أنك أنت الذي أعطيتني ولو شئت أخذته مني وأن ذلك لا يُطغيني ، وأن ذلك لا يرديني ، بل هذا يزيدني إفتقارا إليك لأن الأمر بيدك إعطاءاً ومنعاً  ، هذا هو المعنى الذي ينبغي أن يسير عليه المؤمن أما الإنسان بطبيعته عندما يخلو قلبه من مقتضى الإيمان الذي يُرثه البصيرة والعين الناظرة والقلب المتفقه والنفس المنشرحة ، عندما يفقدُ كل المعطيات التي تؤدي إلى ذلك تجده يطغى ، بمجرد أن يكون معه أشياء حتى لو من فتات الدنيا ، لو أن أحداً يجمعُ مالاً فجمع مئة ألف لصار يعني في الناس كما لو يريد أن يحرقهم من باب أنا و أنا..وسبحان من سلب قارون ماله وكان لا يُعد وسلب فرعون سلطانه وكان يرى أنه ليس أحد غيره تنبه ... فالبتالي إن تركيبة العبد بطبيعته التي تجعله يطغى.. والطغيان هو مجاوزة الحد ومنه قوله تعالى ( إن لما طغى الماء ) أي خرج عن حده وطف..تنبه ، فالطغيام مجاوزة الحد ، أنت لك حد أن تكونَ عبد مفتقر لربك ذليل تلتمسُ العزةُ منه بذِلك له وتفتقر إلى الغنى منه بفقرك إليه وإفتقارك إليه {يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ } [فاطر: 15] الناس وليس المؤمنين والأتقياء والصالحين ، الناس ( أنتم الفقراء)  عد نفسك مهما إن أعطيت من الفقراء لأنك إن لم تعد نفسك من الفقراء ، وأنك مهما إن أعطيت 
فتتساوى تماماً مع المسلوب ، إن لم يكن هذا هو فهمك فلابد أن تعلم أن ذلك يجرك إلى طغيانك..فتنسى في عافيتك المرض ، تتجاوز مجرد أن عندك بعض الصحة ،وتنسى بثيابك العري ،وتنسى بشبعك الجوع، وتنسى بسلطانك سلطان رب العالمين فتتجبر وتظلم لمجرد إنك هلفوت مع بعض السلطان ، كل ذلك ماذا؟..هو نوعٌ من أنواع التنبيه أن هناك تركيبٌ يخرج عن الكرامة...( أقرأ باسم ربك الذي خلق .. خلق الإنسان من علق .. أقرأ وربك الأكرم .. الذي علم بالقلم .. علم الإنسان ما لم يعلم )..هناك فريقٌ لم يعط معطيات الإيمان ولم ينل كرامة الرب عز وجل الرحمن فصار في طريق الضلال ، طريق البعد ، طريق الخلو ، طريق اللا كرامة ، طريق المهانة ، طريق الندامة وهو..( إن الإنسان ليطغى).. وسر طغيانه أن رءاه استغنى ، في جيبك عشرة جنيهات تلاقي نفسك مش عايز تروح الشغل النهاردة ويتصل بيك صاحب المحل يقول لك يابني عندنا شغل محتاجينك ولغاية ما يخلص وأول ما يخلص اللي في جيبه تلاقيه يقف مدلدل على باب المحل لأنه طغى ، هذا موجود في الإنسان ممكن يطغى بملاليم ، ممكن يطغى ببعض الأشياء ، عندما يكون مريض يعض في البلاط من شدة الألم والوجع فإذا ما أعطيَ بعض العافية تجده يصرخ ويلطم ويسب ويلعن طغيانا ، قس على هذا أنا أذكر لك القليل وقس عليه ما هو كبير..(إن الإنسان ليطغى .. أن رءاه استغنى ) وهذه موجودة في تركيبك ، أنت طيب ، أنت صالح ، أنت مؤمن ، أنت تحاول أن تتعلم لكن إعلم أن في تركيبك أصلٌ هذه الخصيصة ، ولو نظرت في دقة أمرك وفي مسلكك وفيما تكون عليه من حال لوجدت ذلك طغيان يتسرب إليك أحياناً ويغلبك أحياناً بسبب أنا فلان ، أنا ترتان ، أنا علان..وأنت يا مسكين من علقة تنبه ، من نطفةِ مِزرة تنبه..( كلا إن الإنسان ليطغى .. أن رءاه استغنى ) قالوا أن هذا في كل من له من المال والسلطان مما يتميز به على غيره أو مما يستشعر بأي معطاً دنيويَ أنه ذو شأن ... يكون الإنسان عنده بعض العافية ، يكون عنده بعض المال ، عنده بعض الأملاك ، عنده بعض السلطان ، عنده بعض المعطيات فينظر لنفسه أنه ذو شأن وهذا ضد العبودية لأن العبودية من التذلل فكيف يمكن أن تكون ممن يطغى وأنت تتذلل ، لا يجتمع النقيضان تنبه ... ( إن الإنسان ليطغى .. أن رءاه استغنى ) ثم يأتي القرع والتنبيه حتى يفيق الغافل..( إن إلى ربك الرجعى )  والرجعى مصدر بمعنى الرجوع ، إن إلى ربك الرجوع وقد تأولوها العلماءُ..أختم بذلك كلامي..قد تأولها العلماء على معنين :  معنى عام ، ومعنى خاص ... أما المعنى الخاص وهو عليه غالبُ المفسرين إن إلى ربك الرجوع ، إن إلى ربك الرجعى أي يوم القيامة.. تنبه أنت تمشي على هذه الأرض ثم تقفز في قبرك ثم ينتظرك ما بعد القبر ، والإنسان له أربعُ دور ... كل آدمي له أربع دور  :  الدار الأولى بطنُ أمه .. والدار الثانية الدنيا ، عنده شقة ، عنده حجرة .. والدار الثالثةُ القبر .. والدار الرابعة ما يأول إليه بحاله إما إلى جنة وإما إلى نار..تنبه ... فالإنسان له أربع دور أنت خرجت من الدار الأولى بطن أمك وأنت الأن تحيا في الدار الثانية هي الدنيا ، وتنتظرك دارك الثالثة وهي القبر والحياة البرزخية ، ثم دارُ المأل ... دار المأل ستكون بعد الرجعى ، لأنك منقلب إلى ربك ، أنت مصيرك إلى ربك {إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ} [الغاشية: 25، 26]..تنبه ، هذا هو المعنى الخاص والذي عليه غالب المفسرين ... والمعنى العام ( إن إلى ربك المرجع )  في كل شيء..المرجع في الحكم ، والمرجع في القضاء ، والمرجع في التقدير ، والمرجع في الإنابة ، والمرجع في العبودية ، والمرجع في الأخرة ، عموماً لكن كلا التأولين صحيح لأن المرجع شئت أن أبيت والمرد شئت أن أبيت وما ينبغي عليك أن تستقيم عليه شئت أم أبيت هو ما أمر الله به ... عندما يقول الله تعالى  ( كلا إن الإنسان ليطغى ) إشارة إلى التركيب الإنساني الموجود في كل منا ، وأن علة هذا الطغيان ( أن رءاه استغنى ) ينبهك ويذكرك ويعلمك ( إن إلينا أيابهم ثم إن علينا حسابهم ) وأنت تعلم أنه لا يغفل عما يعمل الظالمون ، وأنت تعلم أنه لا يغفل عما تعمل أنت وغيرك  (  إن إلى ربك الرجعى )  لو تنبه الإنسان وتتدبرأن إلى ربه الرجعى والله ما رفع أصبعٌ على أحد ليظلمه ، ولا أكل مالاً حراما ولا غش ولا جمع المال واكتسب في ذلك وفتح لنفسه باباً لجهنم بهذا الجمع ثم تركه لورثته ليفجوروا به ، وما يدعو له أحد منهم.. تنبه وتدبر لنفسك وأعلم تماماً أن الدنيا دار عملٍ بلا حساب وأن الرجعى إلى الله عز وجل إلى دارٍ فيها حسابٌ بلا عمل ، تدبر لنفسك وقدم لنفسك وإياك ثم إياك أن تغفل على أن تسلك مسالك المؤمنين وأن تدفع طغيان النفس بمسلك المهتدين حتى لا تكون من أهل الطغيان ولا من الطاغين ...

اللهم اغفر لنا ذنوبنا و أسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا و أنصرنا على القوم الكافرين ... اللهم أجعلنا هداة مهتدين ... كن لنا ولا تكن علينا ... أعنا ولا تعن علينا ... اللهم أجعل خير أيامنا يوم لقائك وأجعل خير أعمالنا خواتيمها ولا تمتنا ألا وأنت راضٍ عنا ... اللهم تقبل منا إنك أنت السميع العليم وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم ... اللهم أهدنا فيمن هديت وتولنا فيمن توليت وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ... لا تمتنا ياربنا إلا وأنت راضٍ عنا ... أرزقنا قبل الموت توبة وعند الموت شهادة وبعد الموت جنة ونعيما ... اغفر لنا ذنوبنا واسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وأنصرنا على القوم الكافرين ... فرج كرب المكروبين وفك أسر المأسورين ورد الظلم عن المظلومين وأشف مرضى المسلمين وأشف مشايخنا وأخواننا ودعاتنا يارحمن يارحيم ... اللهم رد علينا الغائبين رحمةً منك يا أرحم الراحمين وجوداً وكرماً منك يا أكرم الأكرمين ولك الحمد حتى ترضى والحمد لله رب العالمين..وصل اللهم وسلم على محمدٍ وعلى أله وصحبه أجمعين  ... أقولُ قولي هذا واستغفرُ الله لي ولكم سبحانك اللهم وبحمدك اشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك...

وكتبه : أمينة موسى...

راجعه وصححه وضبطه:

د / سيد العربى...

 

 




واحة العقيدة - موقع فضيلة الدكتور السيد العربي بن كمال
 
الجمعة ... 16 – 11 – 2018... إحذر أن يكون عملك بين الشرك والابتداع
الجمعة ... 9 – 11 – 2018 ... مذهب الحق فى علاقة العمل بالإيمان
الجمعة ... 2- 11 – 2018 ... إيمانك هو ملف اتهامك وموجب عقوبتك
الجمعة ... 26 – 10 – 2018... من اعتبر قصص القرآن حدوته فقد اختل إيمانه
الجمعة ... 19 – 10 – 2018 ... موقف المؤمن والمنافق من المحكم والمتشابه
الجمعة ... 12 – 10 – 2018 ... ياليت عندنا عقيدة وفهم الهدهد!!
الجمعة ... 5 – 10 – 2018 ... اين تقع مشيئة العبد من مشيئة الله؟؟
الجمعة ... 28 – 9 – 2018... الصبر زاد الطريق كيف تتدرب على تحصيله؟؟
الجمعة ...21 – 9 – 2018 ... أكبر الخذلان تقديم نعيم الدنيا على الجنة
الجمعة ... 14 – 9 – 2018... الهجرةُ حجةُ الله على خلقهِ
 
art4islam
جميع الحقوق محفوظة لموقع واحة العقيدة - 1431 هـ

فتاوى فى إنتظار الرد: 3