أعلى
أعلى
جديد الموقع
 
الجمعة ... 16 – 11 – 2018... إحذر أن يكون عملك بين الشرك والابتداع
الجمعة ... 9 – 11 – 2018 ... مذهب الحق فى علاقة العمل بالإيمان
الجمعة ... 2- 11 – 2018 ... إيمانك هو ملف اتهامك وموجب عقوبتك
الجمعة ... 26 – 10 – 2018
الجمعة ... 19 – 10 – 2018 ... موقف المؤمن والمنافق من المحكم والمتشابه
الجمعة ... 12 – 10 – 2018 ... ياليت عندنا عقيدة وفهم الهدهد!!
الجمعة ... 5 – 10 – 2018 ... اين تقع مشيئة العبد من مشيئة الله؟؟
الجمعة ... 28 – 9 – 2018... الصبر زاد الطريق كيف تتدرب على تحصيله؟؟
الجمعة ...21 – 9 – 2018 ... أكبر الخذلان تقديم نعيم الدنيا على الجنة
الجمعة ... 14 – 9 – 2018... الهجرةُ حجةُ الله على خلقهِ
 
القناة الرسمية للدكتور سيد العربى..على اليوتيوب
فيديوهات د.السبد العربى
صفحة صوتيات السيد العربى على اسلام واى
ملتقى اهل الحديث
ملتقى اهل السنة
الشيخ ابو اسحاق الحوينى
الحور العين
 
حقيقة الحكم بغير ما أنزل الله -
حقيقة الحكم بغير ما أنزل الله
12 - 3 - 2018

 حقيقة الحكم بغير ما أنزل الله

 من مقتضى الإيمان بالله تعالى وعبادته الخضوع لحكمه والرضا بشرعه والرجوع إلى كتابه وسنة رسوله عند الاختلاف في الأقوال وفي الأصول وفي الخصومات وفي الدماء والأموال وسائر الحقوق .

فإن اللّه هو الحكم وإليه الحكم . فيجب على الحكام أن يحكموا بما أنزل اللّه . ووجب على الرعية أن يتحاكموا إلى ما أنزل اللّه في كتابه وسنة رسوله قال تعالى : " إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ " [ النساء : 58 ] ،

وقال في حق الرعية : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا " [ النساء : 59 ] ،

 

ثم بين أنه لا يجتمع الإيمان مع التحاكم إلى غير ما أنزل اللّه ، فقال تعالى : " أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (61) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (62) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (63) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (64) فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا " [النساء: 60 - 65]

 

فنفى سبحانه - نفيا مؤكدا بالقسم - الإيمان عمن لم يتحاكم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ويرضى بحكمه ويسلم له - كما أنه حكم بكفر الولاة الذين لا يحكمون بما أنزل اللّه وبظلمهم وفسقهم ،

قال تعالى : " إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44) وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (45) وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (46) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ " [المائدة: 44- 47]

 

ولا بد من الحكم بما أنزل اللّه والتحاكم إليه في جميع مواد النزاع في الأقوال الاجتهادية بين العلماء . فلا يقبل منها إلا ما دل عليه الكتاب والسنة من غير تعصب لمذهب ولا تحيز لإمام .

 

ويكون الحكم في المرافعات والخصومات في سائر الحقوق لا في الأحوال الشخصية فقط ، كما في بعض الدول التي تنتسب إلى الإسلام - فإن الإسلام كل لا يتجزأ . قال تعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً " [ البقرة : 208 ] ،

وقال تعالى : " أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ " [ البقرة : 85 ] .

وكذلك يجب على أتباع المذاهب أن يردوا أقوال أئمتهم إلى الكتاب والسنة ، فما وافقهما أخذوا به ، وما خالفهما ردوه دون تعصب أو تحيز . ولا سيما في أمور العقيدة ، فإن الأئمة رحمهم اللّه يوصون بذلك - وهذا مذهبهم جميعا - فمن خالف ذلك فليس متبعا لهم ، وإن انتسب إليهم . وهو ممن قال اللّه فيهم : " اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ " [ التوبة : 31 ] .

فليست الآية خاصة بالنصارى ، بل تتناول كل من فعل مثل فعلهم..

فمن خالف ما أمر اللّه به ورسوله صلى الله عليه وسلم بأن حكم بين الناس بغير ما أنزل اللّه ، أو طلب ذلك اتباعا لما يهواه ويريده ، فقد خلع ربقة الإسلام والإيمان من عنقه ، وإن زعم أنه مؤمن..

فإن اللّه تعالى أنكر على من أراد ذلك وأكذبهم في زعمهم الإيمان . لما في ضمن قوله : ( يزعمون ) من نفي إيمانهم فإن ( يزعمون ) إنما يقال غالبا لمن ادعى دعوى هو فيها كاذب لمخالفته لموجبها وعمله بما ينافيها يحقق هذا قوله تعالى : " وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ " [ النساء : 60 ]

لأن الكفر بالطاغوت ركن التوحيد . كما في آية البقرة (فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى) .... فإذا لم يحصل هذا الركن لم يكن موحدا .

 

والتوحيد هو أساس الإيمان الذي تصلح به جميع الأعمال وتفسد بعدمه ، كما أن ذلك بين في قوله : " فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى "

[ البقرة : 256 ] وذلك أن التحاكم إلى الطاغوت إيمان به  

ونفي الإيمان عمن لمن يحكم بما أنزل اللّه يدل على أن تحكيم شرع اللّه... إيمان ...وعقيدة ...وعبادة للّه ، يجب أن يدين بها المسلم ..

فلا يُحكِّمُ شرع اللّه من أجل أن تحكيمه أصلح للناس وأضبط للأمن فقط ، فإن بعض الناس يرتكز على هذا الجانب ، وينسى الجانب الأول - واللّه سبحانه قد عاب على من يحكم شرع اللّه لأجل مصلحة نفسه من دون تعبد للّه تعالى : فقال سبحانه : " وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ * وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ "

[ النور : 48 - 49 ] ، فهم لا يهتمون إلا بما يهوون . وما خالف هواهم أعرضوا عنه ، لأنهم لا يتعبدون للّه بالتحاكم إلى رسوله صلى الله عليه وسلم .

حكم من حكم بغير ما أنزل الله :

قال تعالى : " وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ " [ المائدة : 44 ] ،

في هذه الآية الكريمة يتبين بجلاء أن الحكم بغير ما أنزل اللّه كفر . وهذا الكفر تارة يكون كفرا أكبر ينقل عن الملة . وتارة يكون كفرا أصغر لا يخرج من الملة ، وذلك بحسب حال الحاكم ،

فإنه إن اعتقد أن الحكم بما أنزل اللّه غير واجب ، وأنه مخير فيه ، أو استهان بحكم اللّه ، واعتقد أن غيره من القوانين والنظم الوضعية أحسن منه ، وأنه لا يصلح لهذا الزمان..أو أراد بالحكم بغير ما أنزل الله استرضاء الكفار والمنافقين فهذا كفر أكبر ..

وإن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله وعلمه في هذه الواقعة وعدل عنه مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة فهذا عاص ، ويسمى كافرا كفرا أصغر ..

وإن جهل حكم اللّه فيه مع بذل جهده واستفراغ وسعه في معرفة الحكم وأخطأه فهذا مخطئ ، له أجر على اجتهاده وخطؤه مغفور [شرح الطحاوية صفحة ( 363 - 364 )] . وهذا في الحكم في القضية الخاصة ..

وأما الحكم في القضايا العامة فإنه يختلف:

قال شيخ الإسلام ابن تيمية [مجموع الفتاوى ( 35 / 388 )] : فإن الحاكم إذا كان ديّنا لكنه حكم بغير علم كان من أهل النار . وإن كان عالما لكنه حكم بخلاف الحق الذي يعلمه كان من أهل النار . وإذا حكم بلا عدل ولا علمِ أولى أن يكون من أهل النار . وهذا إذا حكم في قضية لشخص ..

وأما إذا حكم حكما عاما في دين المسلمين ، فجعل الحق باطلا ، والباطل حقا ، والسنة بدعة ، والبدعة سنة ، والمعروف منكرا ، والمنكر معروفا . ونهى عما أمر اللّه به ورسوله . وأمر بما نهى اللّه عنه ورسوله ، فهذا لون آخر يحكُم فيه رب العالمين . وإله المرسلين مالك يوم الدين الذي له الحمد في الأولى والآخرة : " لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ " [ القصص : 88 ] ، " هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا " [ الفتح : 28 ] .

وقال أيضا : ولا ريب أن من لم يعتقد وجوب الحكم بما أنزل اللّه على رسوله فهو كافر ..

فمن استحل أن يحكم بين الناس بما يراه هو عدلا من غير اتباع لما أنزل اللّه فهو كفر ..

فإنه ما من أمة إلا وهي تأمر بالحكم بالعدل . وقد يكون العدل في دينها ما يراه أكابرهم : بل كثير من المنتسبين إلى الإسلام يحكمون بعاداتهم التي لم ينزلها اللّه كسوالف البادية ( أي عادات من سلفهم ) وكانوا الأمراء المطاعين ، ويرون أن هذا هو الذي ينبغي الحكم به دون الكتاب والسنة وهذا هو الكفر ..

فإن كثيرا من الناس أسلموا ولكن لا يحكمون إلا بالعادات الجارية التي يأمر بها المطاعون . فهؤلاء إذا عرفوا أنه لا يجوز لهم الحكم إلا بما أنزل اللّه فلم يلتزموا ذلك . بل اذا استَحَلُّوا أن يحكموا بخلاف ما أنزل اللّه فهم كفار [منهاج السنة النبوية] ، انتهى .

وقال الشيخ محمد بن إبراهيم : وأما الذي قيل فيه : إنه كفر دون كفر إذا حاكم إلى غير اللّه مع اعتقاده أنه عاص وأن حكم اللّه هو الحق ، فهذا الذي يصدر منه المرة ونحوها ..

أما الذي جعل قوانين بترتيب وتخضيع فهو كفر وإن قالوا أخطأنا وحكم الشرع أعدل..فهذا كفر ناقل عن الملة [فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ( 12 / 280 )] .

ففرق رحمه اللّه بين الحكم الجزئي الذي لا يتكرر وبين الحكم العام الذي هو المرجع في جميع الأحكام أو غالبها ، وقرر أن هذا الكفر ناقل عن الملة مطلقا ، وذلك لأن من نحى الشريعة الإسلامية ، وجعل القانون الوضعي بديلا منها فهذا دليل على أنه يرى أن القانون أحسن وأصلح من الشريعة ، وهذا لا شك أنه كفر أكبر يخرج من الملة ويناقض التوحيد ..

 ادعاء حق التشريع والتحليل والتحريم:

تشريع الأحكام التي يسير عليها العباد في عبادتهم ومعاملاتهم وسائر شئونُهم والتي تفصل النزاع بينهم وتنهي الخصومات حق للّه تعالى رب الناس وخالق الخلق : " أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ"....[ الأعراف : 54 ] ، وهو الذي يعلم ما يصلح عباده فيشرعه لهم ..

فبحكم ربوبيته لهم يشرعّ لهم..وبحكم عبوديتهم له يقبلون أحكامه - والمصلحة في ذلك عائدة إليهم - قال تعالى : " فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا " [ النساء : 59 ] ،

وقال تعالى : " وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي " [ الشورى : 10 ] ،

واستنكر سبحانه أن يتخذ العباد مُشرِّعا غيره فقال : " أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ " [ الشورى : 21 ] ..

فمن قبل تشريعا غير تشريع اللّه فقد أشرك باللّه تعالى وما لم يشرعه اللّه ورسوله من العبادات فهو بدعة . وكل بدعة ضلالة - قال صلى الله عليه وسلم : « من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد » [البخاري ومسلم] . وفي رواية : « من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد » [رواه مسلم] .

وما لم يشرعه اللّه ولا رسوله في السياسة والحكم بين الناس فهو حكم الطاغوت وحكم الجاهلية : " أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ "

[ المائدة : 50 ] ، وكذلك التحليل والتحريم حق للّه تعالى ، لا يجوز لأحد أن يشاركه فيه . قال تعالى : " وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ " [ الأنعام : 121 ] ..

فجعل سبحانه طاعة الشياطين وأوليائهم في تحليل ما حرم اللّه شركا به سبحانه..

وكذلك من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل اللّه أو تحليل ما حرم اللّه ، فقد اتخذهم أربابا من دون اللّه ، لقول اللّه تعالى : " اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ " [ التوبة : 31 ] ، وعند الترمذي وغيره « أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية على عدي بن حاتم الطائي رضي اللّه عنه فقال : ( يا رسول الله لسنا نعبدهم . قال : أليس يحلون لحكم ما حرم اللّه فتحلونه ، ويحرمون ما أحل اللّه فتحرمونه ؟ قال : بلى . قال النبي صلى الله عليه وسلم فتلك عبادتهم ) » [ رواه الترمذي وابن جرير وغيرهما] فصارت طاعتهم في التحليل والتحريم من دون اللّه عبادة لهم وشركا - وهو شرك أكبر ينافي التوحيد الذي هو مدلول شهادة أن لا إله إلا اللّه فإن من مدلولها أن التحليل والتحريم حق له تعالى - وإذا كان هذا فيمن أطاع العلماء والعباد في التحليل والتحريم الذي يخالف شرع اللّه مع أنهم أقرب إلى العلم والدين ، وقد يكون خطؤهم عن اجتهاد لم يصيبوا فيه الحق وهم مأجورون عليه ، فكيف بمن يطيع أحكام القوانين الوضعية التي هي من صنع الكفار والملحدين - يجلبها إلى بلاد المسلمين ويحكم بها بينهم - فلا حول ولا قوة إلا بالله .

إن هذا قد اتخذ الكفار أربابا من دون الله ، يشرعون له الأحكام ، ويبيحون له الحرام ، ويحكمون بين الأنام .

حكم الانتماء إلى المذاهب الإلحادية والأحزاب الجاهلية:

1 - الانتماء إلى المذاهب الإلحادية : كالشيوعية والعلمانية والرأسمالية وغيرها من مذاهب الكفر ردة عن دين الإسلام . فإن كان المنتمي إلى تلك المذاهب يدعي الإسلام فهذا من النفاق الأكبر ، فإن المنافقين ينتمون إلى الإسلام في الظاهر ، وهم مع الكفار في الباطن - كما قال تعالى فيهم : " وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ"... [ البقرة : 14 ] ،

وقال تعالى : " الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ " [ النساء : 141 ]..  

فهؤلاء المنافقون المخادعون : لكل منهم وجهان : وجه يلقى به المؤمنين ، ووجه ينقلب به إلى إخوانه من الملحدين ، وله لسانان : أحدهما يقبله بظاهره المسلمون ، والآخر يترجم عن سره المكنون : " وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ " [ البقرة : 14 ] ، قد أعرضوا عن الكتاب والسنة استهزاء بأهلهما واستحقارا ، وأبوا أن ينقادوا لحكم الوحيين فرحا بما عندهم من العلم الذي لا ينفع الاستكثار منه إلا شرا واستكبارا . فتراهم أبدا بالمتمسكين بصريح الوحي يستهزئون : " اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ }  [ البقرة : 15 ] ، [صفات المنافقين رسالة لابن القيم ص 19]

وقد أمر اللّه بالانتماء إلى المؤمنين : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ " [ التوبة : 19 ] ..

وهذه المذاهب الإلحادية مذاهب متناحرة ، لأنها مؤسسة على الباطل ،

فالشيوعية: تنكر وجود الخالق سبحانه وتعالى ، وتحارب الأديان السماوية ، ومن يرضى لعقله أن يعيش بلا عقيدة ، وينكر البدهيات اليقينية فيكون ملغيا لعقله ،

والعلمانية: تنكر الأديان وتعتمد على الماديات التي لا موجه لها ولا غاية لها في هذه الحياة إلا الحياة البهيمية ؟..

والرأسمالية: همها جمع المال من أي وجه ولا تقيد بحلال ولا حرام ولا عطف ولا شفقة على الفقراء والمساكين . وقوام اقتصادها على الربا الذي هو محاربة للّه ولرسوله والذي هو دمار الدول والأفراد ، وامتصاص دماء الشعوب الفقيرة ،

وأي عاقل - فضلا عمن فيه ذرة من إيمان - يرضى أن يعيش على هذه المذاهب بلا عقل ولا دين ولا غاية صحيحة من حياته يهدف إليها ويناضل من أجلها .. إنما غزت هذه المذاهب بلاد المسلمين لما غاب عن أكثريتها الدين الصحيح ، وتربت على الضياع ، وعاشت على التبعية .

2 - والانتماء للأحزاب الجاهلية والقوميات العنصرية هو الآخر كفر وردة عن دين الإسلام ، لأن الإسلام يرفض العصبيات والنعرات الجاهلية يقول تعالى : " يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ " [ الحجرات : 13 ] ،

ويقول النبي صلى الله عليه وسلم : « ليس منا من دعا إلى عصبية ، وليس منا من قاتل على عصبية ، وليس منا من غضب لعصبية » [رواه مسلم] ، وقال صلى الله عليه وسلم : « إن اللّه قد أذهب عنكم عُبِّيَّة الجاهلية وفخرها بالآباء ، إنما هو مؤمن تقي أو فاجر شقي ، الناس بنو آدم وآدم خلق من تراب ، ولا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى » [رواه الترمذي وغيره]..

وهذه الحزبيات تفرق المسلمين ، واللّه قد أمر بالإجتماع والتعاون على البر والتقوى ، ونهى عن التفرق والاختلاف - قال تعالى : " وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا " [ آل عمران : 103 ] ، إن اللّه سبحانه يريد منا أن نكون حزبا واحدا ، هم حزب اللّه المفلحون..

ولكن العالم الإسلامي أصبح بعدما غزته أوروبا سياسيا وثقافيا ، يخضع لهذه العصبيات الدموية والجنسية والوطنية ، ويؤمن بها كقضية علمية وحقيقة مقررة وواقع لا مفر منه . وأصبحت شعوبه تندفع اندفاعا غريبا إلى إحياء هذه العصبيات التي أماتها الإسلام والتغني بها وإحياء شعائرها والافتخار بعهدها الذي تقدم على الإسلام ، وهو الذي يلح الإسلام على تسميته بالجاهلية . وقد من اللّه على المسلمين بالخروج عنها وحثهم على شكر هذه النعمة ..

والطبيعي من المؤمن أن لا يذكر جاهلية تقادم عهدها أو قارب إلا بمقت وكراهية وامتعاض واقشعرار . وهل يذكر السجين المعذب الذي يطلق سراحه أيام اعتقاله وتعذيبه وامتهانه إلا وعرته قشعريرة . وهل يذكر المعافى من علة شديدة طويلة أشرف منها على الموت أيام سقمه إلا وانكسف باله وانتقع لونه [من رسالة : ( ردة ولا أبا بكر لها ) لأبي حسن الندوي ] والواجب أن يعلم أن هذه الحزبيات عذاب بعثه اللّه على من أعرض عن شرعه وتنكر لدينه كما قال تعالى : " قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ "

[ الأنعام : 65 ] ، وقال صلى الله عليه وسلم : « وما لم تحكم أئمتهم بكتاب اللّه إلا جعل اللّه بأسهم بينهم » [من حديث رواه ابن ماجه] إن التعصب للحزبيات يسبب رفض الحق الذي مع الآخرين كحال اليهود الذين قال اللّه فيهم : " وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ "[ البقرة : 91 ] ، وكحال أهل الجاهلية الذين رفضوا الحق الذي جاءهم به الرسول صلى الله عليه وسلم

تعصباَ لما عليه آباؤهم : " وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا " [ البقرة : 170 ] . ويريد أصحاب هذه الحزبيات أن يجعلوها بديلة عن الإسلام الذي منَّ اللّه به على البشرية ...هذا والحمد لله رب العالمين...

جمعه واعده:

د / سيد العربى...

 

 

 




واحة العقيدة - موقع فضيلة الدكتور السيد العربي بن كمال
 
الجمعة ... 16 – 11 – 2018... إحذر أن يكون عملك بين الشرك والابتداع
الجمعة ... 9 – 11 – 2018 ... مذهب الحق فى علاقة العمل بالإيمان
الجمعة ... 2- 11 – 2018 ... إيمانك هو ملف اتهامك وموجب عقوبتك
الجمعة ... 26 – 10 – 2018... من اعتبر قصص القرآن حدوته فقد اختل إيمانه
الجمعة ... 19 – 10 – 2018 ... موقف المؤمن والمنافق من المحكم والمتشابه
الجمعة ... 12 – 10 – 2018 ... ياليت عندنا عقيدة وفهم الهدهد!!
الجمعة ... 5 – 10 – 2018 ... اين تقع مشيئة العبد من مشيئة الله؟؟
الجمعة ... 28 – 9 – 2018... الصبر زاد الطريق كيف تتدرب على تحصيله؟؟
الجمعة ...21 – 9 – 2018 ... أكبر الخذلان تقديم نعيم الدنيا على الجنة
الجمعة ... 14 – 9 – 2018... الهجرةُ حجةُ الله على خلقهِ
 
art4islam
جميع الحقوق محفوظة لموقع واحة العقيدة - 1431 هـ

فتاوى فى إنتظار الرد: 3