أعلى
أعلى
جديد الموقع
 
الجمعة ...7 – 12 – 2018 ... ما هى أسرار معانى يطعمنى يسقينى يشفينى
الجمعة ... 23 – 11 – 2018 ... لكل مقهور مظلوم..إن بطش ربك لشديد
الجمعة ... 16 – 11 – 2018... إحذر أن يكون عملك بين الشرك والابتداع
الجمعة ... 9 – 11 – 2018 ... مذهب الحق فى علاقة العمل بالإيمان
الجمعة ... 2- 11 – 2018 ... إيمانك هو ملف اتهامك وموجب عقوبتك
الجمعة ... 26 – 10 – 2018
الجمعة ... 19 – 10 – 2018 ... موقف المؤمن والمنافق من المحكم والمتشابه
الجمعة ... 12 – 10 – 2018 ... ياليت عندنا عقيدة وفهم الهدهد!!
الجمعة ... 5 – 10 – 2018 ... اين تقع مشيئة العبد من مشيئة الله؟؟
الجمعة ... 28 – 9 – 2018... الصبر زاد الطريق كيف تتدرب على تحصيله؟؟
 
القناة الرسمية للدكتور سيد العربى..على اليوتيوب
فيديوهات د.السبد العربى
صفحة صوتيات السيد العربى على اسلام واى
ملتقى اهل الحديث
ملتقى اهل السنة
الشيخ ابو اسحاق الحوينى
الحور العين
 
اللسان والشفتان أدوات النجاة والهلاك -
اللسان والشفتان أدوات النجاة والهلاك
19 - 3 - 2018

اللسان والشفتان أدوات النجاة والهلاك

الجمعة ... 16 – 3 – 2018 ...

للدكتور / سيد العربى...

إن الحمد للهِ، نحْمَدُه، وَنسْتَعِينه، ونَسْتَغْفِره، ونَعُوذ باللهِ تَعالَى مِنْ شرُوِرِ أنفُسِنا، ومِنْ سَيٍئات أَعْمالِنا، مَنْ يَهْدِه الله فَهوَ المُهْتَد، ومَنْ يُضْلِل فَلَنْ تَجِدَ له وَلِيًا مُرْشِدًا، وأَشْهَدُ أَنْ لا إله إلا الله وحده لا شَرَيك له، وأشْهَدُ أنْ مُحَمدًا عَبَدَهُ، وَرَسوله، وصَفَيه مِنْ خَلْقِه، وخَلِيله، صَلَوات اللهِ وسَلامُه عَلَيْه، وعلى مًنْ تَبِعَ هداه بِإحْسانٍ إلى يَوْمِ الًدِين.
(يا أيها الذِينَ آمَنوا اتَّقوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَموتُنَّ إلا وَأنتم مسْلِمُونَ) [آل عمران: 102[.
(يَا أيها النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءَ وَاتَّقواْ اللهَ الذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ أن اللهَ كان عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء: 1.[
(يَا أيها الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب: 70-71] ... وبعد؛
فإنَّ أصدقَ الحديثِ كتابُ اللهِ ، وخيرَ الهَديِ هَدْيُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم, وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ مُحدثةٍ بِدعة، وكلَّ بِدعةٍ ضلالة، وكلَّ ضلالةٍ في النّار ... ثم أما بعد.

عباد الله لازال الإغتراف من معين النور وسبب الهداية والبصيرة من تلك البصائر التي أنزلها رب العالمين .. الكتاب الكريم ، وآي القرآن الحكيم ... أيضاً مع سورةٍ من قِصار المفصل .. سورة مكية بمجموعها المكون من عشرينَ أية ، نقف مع عشر أيات منها حتى لا يطول بنا المقام ونكملها في مقامٍ ومقالٍ أخر إن شاء اللهُ تعالى ... يقولُ اللهُ عز وجل عَز من قائل سبحانه وتعالى .. {بسم الله الرحمن الرحيم : لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (1) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (2) وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (3) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (4) أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (5) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا (6) أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (7) أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (9) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ}..هذه هي الأيات التي سنقف مع بعض معانيها نغترفُ من معين نورها ولعل الله سبحانه وتعالى يشرح بذلك الصدور ويهدي بذلك النفوس ويجعلنا نقدر قدر ذلك القرآن الكريم الذي صار مهجوراً بيننا إلا عند من رحم الله رب العالمين ...

يقول الله تعالى ( لا أقسمُ بهذا البلد ) ونحن قد عرفنا في مقالات سابقة إن الله سبحانه وتعالى يقسم بما شاء ، القسم من المكلفين ، القسم من الخلق لا يكون إلا برب العالمين " لا تحلفوا إلا بالله ولا تحلفوا إلا وأنتم صادقون "..وفي الحديث " من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك " فهذا أمرٌ ينبغي أن نعلمه ، أما هو سبحانه وتعالى فلأن كل شيءٍ ملكه ولأن كل شيءٍ عنده ولأن كل شيءٍ له فيقسمُ بما شاء ، وأن القسم من الله إنما هو لإبراز قيمة في المقسوم به وكذلك إشارة إلى معنى عظيم سيأتي بالمقسوم له ... هنا يقول سبحانه ( لا أقسم بهذا البلد ) وهذه الصيغة التي تسبقها لا..هل هي لا نافية أم هي صيغة من صيغ القسم المشهورة عند العرب التي تأتي فيها لا لأثبات معنى معين ... وهنا لابد أن نعلم معلومة هامة : عندما يُقسمُ الله عز وجل بغير لا ، لا يقولُ أقسمُ بالشمس وضحها ، ولا يقول أقسم بالليل إذا يغشى ، ولا يقول أقسم بنفس وما سواها ، إنما يسوقها بصيغة القسم ، والقسم معلومٌ أنه يكون بالواو ( والله ) ، والباء ( بالله ) ، وبالتاء ( تالله ) ...أو بحسب ما يكون من المقسم به من الله سبحانه وتعالى ، فصيغة القسم من الله سبحانه وتعالى لا يسبقها كلمة أقسم..حتى أذا ما كان هناك معنىً معين يقول لا أقسم .. إنما لا تأتي كلمة أقسم إلا إذا كان يسبقها لا ( لا أقسمُ بهذا البلد ) فلابد أن نفهم ذلك ونستوعبه أن القسم عندما يكون بلا يأتي معه لفظ أقسم ، أما إذا كان قسم بغير لا فلا يأتي معه لفظ أقسم.. بل يأتي بصيغة القسم التي هي الصيغة المعلومة بالواو أو الياء أو التاء..

هنا يقولُ ( لا أقسمُ ) بماذا تأتي اللام مع القسم وهي صيغةٌ من صيغ القسم ، المعنى كثير ، ذكر العلماء لهذا الأمر معانيٍ كثيرة لكن أشهرها وأدقها وما يدلُ على المعنى أن الله سبحانه وتعالى كأنه يقول أنا أقسم على أمرٍ هو من الوضوح بمكانةٍ لا يحتاج إلى أن أقسم عليه حتى يتضح ، فهو أبين من إن يبين و أوضح من أن يوضح وهو قضية تكوين الإنسان التي أقسم بها هنا  ( لا أقسم بهذا البلد ) ثم جاءت جملة عرضية ( و أنت حل بهذا البلد ) ثم قسمٌ تاني  ( ووالد وما ولد  ) عطفٌ على القسم الأول : ( لقد خلقنا الإنسان في كبد ) هذا هو المُقسم عليه ... إذاً أقسم الله بالبلد ، وأقسم الله بوالدٍ وما ولد ، أقسم على ماذا؟..أقسم على أن الإنسان خلقه الله في كبد ، قضية الإنسان في كبد هي قضيةٌ أبين من أن تبين وأوضح من أن توضح ... فلذلك جاءت في الصيغة لا أقسم وكأنه يقول أن هذه القضية أبينُ من البيان وأوضح من الوضوح لا يحتاج لأن يقسم عليها حتى يتنبه السامع إلى قيمته ووضوحها وبيانها ... ولو كنت مُقسم لأقسمتُ بالبلد وأقسمتُ بالوالد وما ولد ... وقال أهل العلم ( لا أقسم ) صيغةُ من صيغ القسم فيها التلويح بالقسم يعني أنه سبحانه وتعالى جعل (لا أقسمُ) بهذا المعنى الذي ذكرت فيقول ( أقسم بهذا البلد )... الله عندما يقسمُ بشيءٍ فإن ذلك يعني هذا الشيء فيه من الهداية ، فيه من الشرف ومعلومٌ أن هذا البلد هو المقسمُ به في مواطن أخرى كما في قوله تعالى ( والتين والزيتون وطور سينين وهذا البلد الأمين )..هذه صيغة قسم ... ( وهذا البلد الأمين )..هنا يقول ( لا أقسم بهذا البلد ) وقد عرفت فيما يتعلق بلا أقسم..والبلد هنا هي مكة بالإجماع ، وهي البلد الأمين كما في سورة التين ... تنبه..وهذا لشرفها فإن مكة أحبُ البقاعُ إلى  الله ، وأشرفُ مكان فهي موطن الكعبة التي هي قبلةُ المسلمين ، وفيها مقامُ إبراهيم ، وفيها كان مستَقرأسماعيل عليه السلام عند بيتٍ في وادٍ غير ذي زرع ، هذا البلد ما له.. زاده الله شرفاً على شرف بأن جعله مُقام محمدٍ ( صلى الله عليه وسلم ) ولذلك قال ( وأنت حلٌ بها البلد )..وحلٌ لها عدة معانيٍ أفضلها وأدقها وأشهرها وأضبطها معنيان ، المعنى الأول : أنت حلٌ أي مقيم ، من حل فلان بالمقام أو حل فلانٌ بالمكان وأقام به فهو حال به...

( وأنت حلٌ بهذا البلد ) أي الله عز وجل يقسمُ بمكة المشرفة بذاتها والتي زادت شرفاً بوجودِ محمد ( صلى الله عليه وسلم ) فيها مقيماً وما كان من بعثته ( صلى الله عليه وسلم ) فيها ، فقد بُعثَ النبيُ ( صلى الله عليه وسلم ) وهو مقيمٌ بمكة ... ونحن نعلم أن البقعة شرفها من شرف ساكنيها ، فليس هناك أشرف ساكنٍ من النبي محمد ( صلى الله عليه وسلم ) فلذلك قال (لا أقسمُ بهذا البلد وأنت حلٌ بهذا البلد) هذا هو المعنى الأول...

والمعنى الثاني : هو الحل من الحلال ، ( وأنت حل بهذا البلد ) أي قد جعل الله لك هذه البلد المحرمَ أبداً ، جعل لك فيها حل ، وهذه السورة مكية ولم يكن قد فتحت مكة بعد ولم يكن قد أذنَ بذلك بعد ولكن لما لاقى النبي ُ ( صلى الله عليه وسلم ) الشدائد في مكة وعانى هو وأصحابه وأتباعه ممن خالفوه وكفروا بدعوته ولاقى معهم المكابدة والمشاق والتعب من التربص والتعذيب و الأضهاد والطرد وغير ذلك ، فكأن الله يواسيه ويبشره إنك سيكون لك في هذه البقعة المحرمة ساعةً تحل لك مكة..عندئذٍ تقتص من كل ما كبادوك وتقتص من كل من شاقوك وتقتص من كل من فعلوا فيك ما فعلوا وهذا قد حدث يوم فتح مكة ... أحلها الله تعالى لنبيه ( صلى الله عليه وسلم ) حتى قتل ابن أخطل وغيره وأمر بقتلهم وهم متعلقين بأستار الكعبة لأن مكة صارت حلال أي حلال القتال والقتل فيها الذي هو محرمٌ أبداً ... وفي الحديث يقول النبيُ ( صلى الله عليه وسلم ) " إن الله حرم مكة ولم يحرمها الناس وأنه سبحانه وتعالى قد أحلها لى ساعة من نهار ولن تحل لأحد قبلي ولن تحل لأحدٍ بعدي )  والمقصود بالساعة من النهار هو يوم فتح مكة وما كان فيه من دخول على أهل مكة برفع السيف الذي هو محرمٌ أصلاً في سائر الأوقات وفي سائر الأزمان حرمةً للبقعة..( وأنت حلٌ ) أي وأنت حلالٌ فهنا تعتبر بشرى ، وتعتبر مواساة لأن هذا الكلام كان في مكة وهو يعاني الأمَرين ، وهو يعني المشاقة والتتبع والإضطهاد الشديد له ولأتباعه من صناديد قريش ، فيقولُ له وأنت حلٌ بهذا البلد ... إما حلٌ بمعنى مقيم ، أما حلٌ بمعنى حلال وهو الأقرب لأنه حتى في اللغة معنى حلٌ بمعنى مقيم أبعد من حلٌ بمعنى حلال...

( لا أقسم بهذا البلد .. وأنت حلٌ بهذا البلد .. ووالدٍ وما ولد ) والسياق لا أقسمُ بهذا البلد ووالدٍ وما ولد ، ولكن جاءت الجملة في الوسط وأنت حلٌ إشارة إلى فضل مكة بأن الله عز وجل إما سيطهرها بالحل له ( صلى الله عليه وسلم ) أو أنها مشرفة شرفاً على شرف بمقام محمدٍ ( صلى الله عليه وسلم )...( ووالدٍ وما ولد ) آدم وذريته وقالوا كلُ مولودٍ له والد ، وكل والدٍ يلد ووراء ذلك من الأسرار الخلقية والبدائع الكونية وما يكونُ في الولادة وما يكونُ في التوالد ، ومنهم من قال ووالدٍ وما ولد من كل أجناس من يلد ويُلد سواءٌ كان من الإنس أو غير الإنس من الدواب والحيوان وغيره ، وأن ذلك فيه من الإعجاز ما يَحار فيه أهل العلم والتفكر والتدبر وأهل الطب وما شابه فكيف تكونُ الولاده وكيف يتكون المولود وكيف هذا المولود يتكون في أحيان ويُصعب ويستحيل تكوينه في أحيان مع توفر نفس الظروف ... قد يكون الرجل متزوج ولا تنجب أمرأته ، لا تلد وبالرغم من أن مثلها ومثله تماماً يلد وأمرأته تلد ، معنى يلد أي يتولد منه أي يكون ذلك ثمرة وجودهم ، وهذه أيضاً أية من بابِ أن النسل يتصل بذلك فيدوم ولو وقف الميلاد في الكون لفنت الأرض وفنى أهلها بالموت ولكن سبحان الله يموتُ عبدٌ ويوُلدُ أخر وقد يكون الذي يُولد أكثر ممن يموت لماذا..لتستمر الذرية وتَعمُرُ الأرض وتتم السنة الكونية في بقاء النفوس التي مرادها عبادة رب العالمين ... تنبه لماذا الولادة ولماذا الميلاد ولماذا الوالد وما يلد ولماذا الوالد والولد؟..إن الله ما جعل ذلك الكون وما أقام هذه المعمورة وما خلق الإنسان فيها أو المواليد من إنسانٍ أو غيره لكي يكون الإنسان خليفته في الأرض ولكي تكون المواليد الآخر من الحيوانات سخرةً لذلك الخليفة {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً } [البقرة: 30]..أنت خليفة الله في هذه الأرض ، مستخلف بماذا؟..أن تقومَ بأمر من أستخلفك ، وأن تحكم في نفسك وفي غيرك وولدك الذي ولدته شرع من أستخلفك ، وأن تطيع من أستخلفك وأن تأتمر بأمر من أستخلفك وأن تنتهي بإنتهاء من أستخلفك ( ووالدٍ وما ولد ) إستمرار الذرية المنوط بها عبادة من خلق الذرية ، لابد أن تعلم ان النفوس هي مِحل التعبد والعقول هي مناط التعبد فلذلك كان لازاماً أن يُحافظ على العقول وعلى النفوس ، والأموال هي قيام التعبد فلن تقوم للناس قائمة إلا بحوائجها فلذلك جُعل المال ضرورة ... تنبه..المهم هو أن تعلم أن القسم بالوالد وما ولد ليس مجرد ذكر بل هو وراءه من الأيات والمعجزات ومقتضيات التفكير وما يُثيرُ الذهن وتتفتق عنه العقول تفكراً لهذه الأيات أو في هذه الأية وهي أية الولادة ، أية الوالد ووالد ( ووالدٍ وما ولد ) ولو تكلم المتكلمون وبين أهل العلم والفهم ما يتعلق بأسرار الوالد ووالولد كان وراء ذلك من العجب وقد كتب كثيرٌ من الناس مصنفاتٍ كاملة فيما يتعلق بصنوف المخلوقات وكيف أسرارها وكيف هذه المخلوقات تتوالد وعجائب توالدها ومن يلد وهوقائم .. ومن يلد وهو نائم .. ومن يلد وهو راكع .. ومن يلد وهو مخفضاً نصفه الأسفل على غير ذلك من الأمور التي حكيت بأشياء عجيبة ، منها كلامٌ بديع وممتع لأبن القيم رحمه الله في كتاب شفاء العليل ..ليس هذا محِل ذكره ولكن أقصد أقول أن أية الولادة أي التناسل وما فيها من توالد ووالدٍ وولد في كل المخلوقات أياتٌ تلو أيات وعجائب تلو عجائب فذلك سر القسمُ بها ... أنت تقرأ هذه السورة تقرأ هذه الأيات لكن لابد أن تعلم أن وراءها من الهداية ما الله به عليم لأن كل نقطة في القرآن وراءها من الأسرار البيانية والعجائب التي ينبغي أن تكون سبباً لهدايتك بحيث تقدر القرآن بتقدير من تكلم به ... القرآن كلام رب العالمين ... القرآن ملك الكلام لأنه كلام الملك ... وما المراد بتناول الأيات ومحاولة بسط بعض البيان فيها إلا ليتوق قلبك لهذا القرآن وأن تعرف قدره الذي ينبغي أن يكون له عندك قدرٍ عظيم ..( ووالد وما ولد ) هذا هو القسم كما تقول والله ، ورب الكعبة ... هذا المقسم به ، ما هو جواب القسم ، ما هو الذي تقسمُ له ؟..( لقد خلقنا الإنسان في كبد )..وجاءت "لقد" مؤكدة بالام ، لام القسم وقد للتحقيق ، "قد" للتوكيد ... لقد خلقنا الإنسان في كبد... وهذه الأية جمعت كل ما يتعلق بالأوصاف السيئة ، أو الأحوال التي تكون من الإنسان عند إسائته بمعنى إنه في مشقة ، في مكابدة ، في ألمٍ ، في شدةٍ ، في وطئةٍ ... { إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا} [المعارج: 19 - 21]..( لقد خلقنا الإنسان في كبد ) {وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب: 72].. {كَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا} [الكهف: 54] .. وغير ذلك من الأيات التي بينت أن الإنسان ضعيف ، هلوع ، منوع ، جزوع ، مجادل ..وغير ذلك لماذا؟  حتى يُعلم الله تعالى خلقه أن مكونكم الذي أنتم مركبون منه ، أو هو موجودٌ في مضامينكم ، وفي مكنون مركباتكم فيها من الصفات التي لو تركت بغير تقويم ، ولم يُضف إليها ما يُقومها وما يُحسنها وما يخرج من شرها ويحصل خيرها فإنها ستبقى كما هي يعاني منها الإنسان فلا يجدُ من نفسه إلا الشر ولا يسيرُ إلا إلى طريق الغي لماذا؟..لأن الظلوم ، الجهول ، الجزوع ، المنوع ، الهلوع ، لأن الظلوم  ، لأن الضعيف ، المجادل لا يمكن أن يسير مسار الهداية إلا إذا أضاف لذلك مقتضيات تقَوم تلك المقومات السيئة ( والعصر إن الإنسان لفي خسر ) لماذا هو في خسر لأنه هلوع ، لماذا هو في خسر ؟ لأنه منوع ، لماذا هو في خسر ؟  لأنه جزوع ، لأنه خلق من عجل ، لماذا ؟ لأنه ضعيف ، لماذا ؟ لأنه ظلومٌ ، جهولٌ ، لأنه أكثر شيءٍ جدلا ... إذاً هو في خسر ، هل الله يخبرك إنك في خسر من باب أن يبين لك أنك هالك وأنه خلقك لكي تكون هالك؟..أبداً ، بل بين لك أن هذا التركيب إنما هو إختبار ، إما أن تترك نفسك له فتكون مسارك على وفق تركيبك ، وإما أن تداوي ذلك بماذا ؟  ( إلا الذين ءامنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ) ( لقد خلقنا الإنسان في كبد ) والكبد أصله من المكابدة وسمى بذلك لانه راجع الى وجع كبد الرجل أو توجع هذا أصله ، أصل كلمة كبد من وجع الكبد ، فإذا توجع الرجلُ من كبده يسمى كابد الرجل ، ثم أطلق على كل ما فيه من المشقة والمعاناة والمشاق ، أطلق على ذلك فيقال كابد فلانٌ من كذا وكذا من الشدائد والمشاق ، أويعيش فلان يكابد بكذا وكذا من المشاق ومن الألام ومن الأوجاع وما شابه ... وهنا إشاة هامة ما من إنسان إلا وهو يكابد ، فصاحب المال يكابد في حفاظه على ذلك المال ويخاف أن يفقد ذلك المال أو يقل ذلك المال ، بل قد يكابد بأنه فرح بكثرت ماله وفقد عياله بأخلاقهم السيئة بأنماطهم الفاسدة ، وصاحب السلطان قد يفرح بسلطانه ويظن الناس أنه لا يكابد ولكنه يكابد ثم يكابد أن يكون ذليلاً لمن فوقه ثم يكابد إلا يجد أحداً يحبه ثم يكابد إلا يجد من أمرأته وولده من الإهانة من رغم أنه يتجبر على الأخرين ، فكل من يتجبر على أحد يجعل الله له ذلة ومهانة عند أحدٍ أخر ، فما من أحد إلا وهو يكابد وقد يتعالى صاحب العافية ويقول أنا ذو صحة متينةٍ وعافية ، ثم يكابد في ماله ، ثم يكابد من ذي سلطان ظالم ، ثم يكابد من أهلٍ وولد ومن جيرة سوء ومن أرحام يكرهوه أو غير ذلك ... المهم هو أن تعلم إما تكابد بمرض ، وإما تكابد بفقر ، وإما تكابد بسلطانٍ يطغى عليك ، وإما تكابد بعدم وجود رفيق يرفق بك ، وإما تكابد بإن تجد في أهلك وولدك الأعداء بدلاً من أن يكون الأولياء والرفقاء والرحماء وغير ذلك ... المهم أنه ما من إنسانٍ إلا ويكابد ، حتى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) كابد مع قومه ووجد منهم العنت والتكذيب ، ووجد منهم المشقة ، ووجد منهم التعذيب والإضطهاد والصد والطرد وغير ذلك ...  هذه سنةٌ كونية في كل مخلوق مكلف ، وانتبه لأمرٍ مهم..خلق الإنسان ، خلق الحيوان ، أما الحيوان فلا يكابد لأن الحيوان ليس عنده مخاوف ولا يضطرب ولا يخشى على مالٍ يُفقد ولا يخشى من سلطان يبطش به ولا يخاف أن يُظلم ، وقد يُظلم لكن الحيوان لا يشغله ذلك ، بل إنه مسخرٌ تفعلُ فيه ما تشاء ... فإذاً هذا سر قوله تعالى ( لقد خلقنا الإنسان ) الإنسان ولم يقل خلقنا المخلوقات ، لأن الإنسان بما عنده من عقل وأحاسيس وفهوم ينظرُ إلى الغد وينشغل بالغد بالرغم من أنه قد لا يحيا إليه ... يقول المستقبل ، والبيت أكمله والشركة والعيال والعربية العمارة ، دائماً مشغول بالغد مع إنه قد لا يحيا إلى الغد تنبه ... كم من بانيٍ بيت لم يسكنه ، وكم من زارعٍ لزرعٍ لم يحصده وكثير من ذلك لماذا؟..لأن الأمور تمشي بمقادير بحسب ما يُقدر رب العالمين ( لقد خلقنا الإنسان في كبد ) في مكابدة ، في مشاق ، في تعب ، في نصب ، هذا هو ...وهنا سؤال كيف يفعل العبد الإنساني أو المكون الإنساني ، أو المخلوق الإنساني في هذه المكابدة ؟..لا دواء لها إلا بالإيمان ، فالإيمان يجعلك إذا ظلمت أحتسبت ، وإذا أبتليت صبرت ، وإذا أنعم عليك شكرت ، وإذا ما ألمت بك لامة لم تفكر في الغد لأن رب الغد قد يحيك إليه وقد لا يحيك إليه وإن أحياك دبر لك أمرك ، فمدواة المكابدة التي هي سنةٌ كونية لا يخلو منها مخلوق إنساني هي بالهدى والإيمان ( إلا الذين ءامنواوعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ) أسأل الله عز وجل أن يجعلني وإياكم من المهتدين ...

----------------------------------------------------

الحمدُ للّٰهِ وكفى، وسلامٌ على عبادِه الذين اصطفى، وأشهدُ أنْ لا إلـٰه إلا اللّٰه وحدَه لا شريكَ له ،وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ،ورسولُه ، وصفيُّه مِنْ خلقِه وخليلُه ، صلواتُ اللهُ وسلامُه عليه وعلى آله وصحبِه أجمعين ، وأصلِّي وأُسلِّمُ على رسولِ اللّٰهِ صلاةً نحققُ بها أمرَ ربِّنا، حيثُ أنَّه قالِ: " إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً. " (الأحزاب"٥٦")...فاللَّهمَّ صلِّ على محمدٍ النبيّ ، وأزواجِه أمهاتِ المؤمنين ، وذريَّته ، وآلِ بيته ،كما صلّيتَ على آلِ إبراهيمَ إنَّكَ حميدٌ مجيدٌ...

 ( لقد خلقنا الإنسان في كبد .. أيحسب أن لن يقدر عليه أحد )  هذا العبد المُهلك بالمشاق ، المُهلك بالمكابدات عندما ينطلق في التعاظم والتعالي والطغيان تجده يستشعر نفسه إلهٌ يعبد وأنه ينبغي ما قاله يُفعل وأنه وأنه وأنه .... إلا ترى إلى فرعون الذي بلغ به أن قال أنا ربكم الأعلى ... ألم ترى إلى قارون الذي أستعظم نفسه بماله ، ما الذي حدث ؟..أخذ الله من فرعون سلطانه وجعله مهاناً بل وأرداه في أدنى أدنى الأرض ثم أخذ من قارون ماله ثم جعله يتجلل في الأرض بحيثُ أنه لا يُرفع بشيء بل يتسفل وهكذا ... فإن العبد الذي تهلكه المشاق يظن أنه على شيء فيظن أنه لن يقدر عليه أحد ، وكأن العبد تجتمع عليه أفاتان ... الأفة الأولى : أنه يعاني المكابد ويكابد المشاق ، هذا سنة كونية كلٌ بحسبٍ وكلٌ بما يُصاب به وكلٌ بما يعاني منه ولله في خلقه شئون سبحانه وتعالى جل في علاه ، وأيضاً الأفةُ الأخرى : ظنه أنه لن يقدر عليه أحد فتجده يتكلم بلغة أنا وأنا و أنا وما ينبغي لعبد يعلم أن الله فوقه ويعلم أن الله سبحانه وتعالى قادرٌ عليه وأن الله قادر على أن يهلكه بلسعةِ بعوضة أو بمكروب يتدسس في بدنه فيفسد عليه أعضاءه ، يكون رجل معافي ثم سبحان الله تصيبه حمى فيذهب للأطباء يقولوا قد فسدت كل الأعضاء وضرب الفيروس سائر الأعضاء فالكلية أصابها والكبد أصابه والأعضاء الأخرى أصابها وغير ذلك في لحظة بين ليلة وضحها ، عندما ينظر إلى ذلك حتى لو كان في غيره يعلم أنه مقدورٌ عليه ، أما إذا عمى بما أعطي كما قال تعالى ( إن الإنسان ليطغى أن راءه أستغنى ).. لو أعطاك الله بعض المال تطغى ، أعطاك بعض المتاع تطغى ، بعض الأملاك تطغى ، تطغى بماذا؟..  تطغى بما أعطاك ربك لا تشكر ، لا تقول قد أعطيت بعد عدم ، لا تقول أنا فقير والغنى بيد الله إنما تقول أنا وأنا وهذا شأن كل طاغ وهذا شأن كل هالك ... فهنا يقول ( أيحسب أن لن يقدر عليه أحد ) أيحسب أن لن يقدر عليه من هو على كل شيءٍ قدير ، من إذا أراد أن يأخذه لن يكلفه إلا كن ، من أراد أن يأخذه لن يكلفه إلا جندٍ من جنوده بل مما لا يرى بالعين المجردة من ميكروبٍ أو غيره ، لو كان الانسان يتدبر لكان دائماً مفتقر لربه بحيثُ أنه يتوبُ إليه دائماً ويجدد التوبة دائماً ويعترفُ بتقصيره دائماً وكلما وجد سبيل للبر فعل وكلما وجد سبيلٍ للخير تقدم ، لو كان كذلك ثم إذا أذنب استغفر ، ثم إذا أبتلي صبر ، ثم إذا اعطاه الله شكر ، لو كان الإنسان ممن يعلم حقيقة الأمر ولكن يكابر من جهة ويتكبر من جهة...

( يقول أهلكت مالاً لبدا ) يعني ينظر إلى ما أعطي وأنه صاحب أموال وأنه عنده من الأملاك وعنده من الدراهم والدنانير لُبدا ، واللبد هي مفرد لبد.. وهذه اللبد هي ما يكون من القطن أو الصوف إذا تبلل فأجتمع بعضه على بعض وألتصق بعضه ببعض ، فاللبد..يقول أهلكت مالاً لبدا أي كثيراً متراكم متلاصق بعضه فوق بعض وهنا ينبغي أن تقف وقفة مع بديع القرآن : لم يقل أنفقت مالاً لُبدا إنما قال اهلكتُ إشارة على أنه أنفقه فيما لا يعود عليه بخير ... فالمنفق ثلاثة إما منفق تعود نفقته عليه بخير ، وإما منفق تعودُ نفقته عليه بشر ، وإما منفق في المباح لا خير ولا شر ... فمن أنفق لكي يأكل ويشرب فذلك مباح ومن أنفق ليغنم مكرمة ويُعلي براً ويحقق محمدة فذلك خير ، ومن أنفق ليطغي ، ومن أنفق ليتسلط ، ومن أنفق ليعلي نفسه ويصد عن سبيل الله ومن أنفق لكي يحارب دين الله أو في الشهوات أو في الملذات أو في الزنا والخمور أو المخدرات فهذا إهلاك ، هذا إنفاق هلكة ، ويقال أن هذه الأية نزلت في رجلٍ يسمى أبو كلدة كان عنده من الأموال الكثيرة وكان يتفاخر بأنه أنفق في محاربة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) أمولاً طائلة...

 يقولُ أهلكتُ..وليس أنفقت ( أهلكت مالاً لبدا .. أيحسب أن لم يره أحد ) هذا الذي أنفق المال اللبد ، المال الكثير المتكاثر المتكدس بعضه على بعض الذي أنفقه هلكةً أي مسلك الهلاك  فصار هذا المال خراباً عليه لأنه يوم القيامة سيسُأل من أين جمعه وفيما أنفقه وفي نفس الوقت سيسأل عما وقع فيه من الهلكة فيكون عليه خراب ..( أيحسب أن لم يره أحد ) وكأن المعطيات الدنيوية تُورث الإنسان الطغيان ، الطغيان ، توُرثه إستغلال فتجعله يطغى بناءاً على أنه يظن أنه شيء وأن ماله أخلده فهذا نوعٌ من أنواع العور بأنه لن يقدر عليه أحد ، (مين يقدر عليَّ) أنا أقول كذا وأنا أءمر بكذا وأنا أفعل كذا وأنا معايا فلوس كذا ومعايا أموال كذا ... وكذلك عندما يأتي تكون معه الأموال وينفقها في الصد عن السبيل والمحاربة وتصرف كما لم يراه أحد ، ونحن نعلم أن الرؤية من الله سبحانه وتعالى رؤية حقيقية وكل ما أثبته لنفسه من صفات أو أفعال فهي على الحقيقة بناءاً على مدلول اللغة الذي نزل به القرآن {قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [الزمر: 28].. {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشعراء: 195]..هذه أيات تبرزُ شأن القرآن...

( أيحسبُ أن لم يره أحد ) وإذا رءاك ربك أحصى عليك ما يرى فإذا أحصى عليك ما يرى جمعه عليك ساعة تلقاه فيعطيك كتابك بشمالك إن كان شراً ويعطيك كتابك بيمينك إن كان خيراً تنبه ... فإذاً أنت لابد أن تعلم ولابد أن تجدد في نفسك أن الله عليك رقيب وأن الله يراك حيثُ تكون وأنك لا يخفى على الله منك شيء وإن دق وأن الله يراك في الجمع كما يراك في الخلوة والإنفراد ، ومن ءامن بأن الله يراه إتقاه تنبه...

( أيحسب أن لم يره أحد .. ألم نجعل له عينين ) أيها الإنسان الكنود ، أيها الإنسان الذي يطغى ، أيها الإنسان الذي ما تتصرف وفق الشرع وأن الشرع صار بالنسبة لك عورة أو شيءٍ منكر أو شيءٍ لا يصح لأنه لا يرضي أولياءك من الكفار من اليهود والنصارى والغرب ، أيها الإنسان الذي لا تقيم بيتك على شرع رب العالمين وعلى الإهتداء يالقرآن الكريم ، أيها الإنسان ألم يجعل الله لك عينين وأنت بهذين العينين تتمتع برؤية كل ما ينبغي أن يُرى وينبغي عليك أن تغض طرفك وتغض بصرك عن كل ما لا ينبغي أن يُرى ، فإن من أستعمل العينين في رؤية أيات الله وألائه الباعثة على التذكر بشأن رب العالمين ومعرفة قدره والإيمان به فإن ذلك تقديرٌ لتلك النعمة ... ألم نجعل لذلك الذي يطغى ، ألم نجعل لذلك الذي يرى إنفاق المال اللبد في الصد عن سبيل الله مفخرة برغم من إنها مقبرة ومهلكة ، ألم نجعل له عينين وما وراء ذلك من الأسرار والعجائب ، العينُ فيها من الأسرار والعجائب ما لو تحدث فيها المتحدثون سنين ما وفوها مع ضغر حجمها وعظيم وظيفتها..( ولساناً وشفتين ) وما السر في ذكر اللسان والشفتين؟..العينان تسجلَ كل مرئي ثم هذا المرئي وراءه منطوق ، وراءه تعبير يريد النفس أن تعبر أن الذي رأيته علمني كذا ، أنكرت منه كذا ، وافقتُ منه على كذا ، أهتديتُ به لكذا وغيرُ ذلك مما يتعلمه الإنسان أو يحدث البصر وتحدثا لعين أثراً في النفس ... لن يستطيع الإنسان ولن تكونَ له قيمة فيما رأى إلا إذا حدث بذلك وذكره وعلمه لنفسه وغيره ولن يكون ذلك إلا بالتكلم ولولا اللسان والشفتين ما تكلمَ أحد ، فليست اللسان والشفتين من باب حسنُ الصورة في الوجه بأن الشفتين تغطي الأسنان وما فيهما ولكن أنت تعلم أن الكلام هو عبارة عن هواءٍ يخرج من موطن هواء الصدر ثم مع الشفتين واللسان تخرج الحروف والكلمات ولو كان لسانٌ بلا شفتين ما كان إلا زغردة ، ولو كان شفتان بغير لسان ما كان إلا زن ولكن بلسانٍ وشفتين يأتي الكلام والبيان والمخارج سبحان من لا يقدرُ على ذلك إلا هو ..( ألم نجعل له عينين .. ولساناً وشفتين .. وهديناه النجدين )  الله أكبر إنعامٌ بعد إنعام {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: 36]..فلم يجعل لك العينين التي تستطيعُ أن تصل بهم إلى الهداية ، ولم يجعل لك اللسان لتدعو إلى ذلك وتبين ما رأيت وتكلم غيرك وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ، كم للسان والشفتين من قربات لا يعلم مداها إلا الله ، فمن ذكر الله .. لسانٌ وشفتين ، ومن أمر بالمعروف ..لسانٌ وشفتين ، ومن نهى عن منكر .. لسانٌ وشفتين ، ومن دعى إلى الله ..  لسانٌ وشفتين ، ومن علم نفسه وعلم غيره .. لسانٌ وشفتين ... عُد ، أنا أضرب مثال أنت قس عليه ... فكم من خيرٍ وكذلك في المقابل كم من شرٍ .. هو لسانٌ وشفتين ، الكذب والغيبة والنميمة والغناء والفحش والفجور وقول الباطل ومناصرة الباطل والهتاف بأسم الباطل وزم الحق والطعن فيه أيضا كل ذلك لسانٌ وشفتين..( ألم نجعل له عينين .. ولساناً وشفتين .. وهديناه النجدين ) النجد هو المكان المرتفع ولذلك سميت نجد في أرض الحجاز بناءاً على إنه مرتفعة عن بقية أرض الحجاز ، والنجدُ هو النهد وجمعه نهود وجمعه أيضاً نجد ونجود ... هنا قال وهديناه النجدين المعنى البسيط القريب هو هدينا الصبي الصغير عندما يُولد إلى إلتقام ثديي أمه فيكون النجدين هنا هما الثديين عندما يُهدى الصغير والرضيع إلى إلتقامهما ، ولكن المعنى الأعم والأكبر..كما أتفق غالب المفسرين على ذلك.. أن النجدين هما طريق الخير وطريقُ الشر ، ولماذا سموا بنجدين ؟  لأن النجد مرتفع والمرتفع لا يختلط أحد في معرفته ، فإذا كان جبلاً أو إذا كانت عمارة شاهقة أو إذا كانت تلة مرتفعة لا يختلف الناظر إليها أبداً بأن هذه هي التلة ، هذا هو البيت العالي ، هذا هو الجبل أو غير ذلك ... فلذلك سرٌ بديع وبليغ في أن وصف طريق الخير وطريق الشر بالنجدين لماذا ؟..لأن الله يقول لنا ويعلمنا إن طريق الخير وطريق الشر صاروا من الوضوح والبيان " إن الحلال بينٌ وإن الحرام بينٌ " أي أنه معلومٌ بدلالاته وأوصافه وتفاصيله تماماً لا يختلط على الرائى لا يختلط على الناظر أبداً كما لو كان نجداً لأنه لو كان مكاناً مستوياً فلعله يكون مغموراً يراه البعض ولا يراه البعض..أما المكان المرتفع الأتي من بعيد يقول ما هذا المكان المرتفع ما هذا النجد؟..يُقال كذا أو كذا.. فكذلك طريق الحق هو رايةُ مرفوعة ، هو نجدٌ مرفوع لا يختلطُ على من ينظرُ إليه ... وطريقُ الباطل كذلك ، فهنا قال وهديناه النجدين ، ليس السبيلين ولا الطريقين وهذا إعجاز بمعنى بدلاً من أن يقول وهديناه سبيلين واضحين بينين مفصلين جمع كل تلك المعاني في كلمة نجدين لأنه واضح ويكفي في الحديث "  الحلال بينٌوالحرام بينٌ وبينهما أمورٌ مشتبهات لا يعلمها كثيرٌ من الناس )..إذاً أنعم الله على العبد الذي هو مكابر والذي هو مفتريٍ مغتر الذي يظن أن لم يره أحد ، ويظن أن لن يقدر عليه أحد أنعم الله عليه باللسان والشفتين بما فيهم من أسرارٍ وعجائب وأنعم عليه بـأن هداه النجدين ولذلك في الحديث " هما نجدان نجدُ خير ونجدُ شر لا يختلطان  فلما يُحب نجد الشر " كأنه يستفهم إستفهام إنكاري كيف لكم وقد بان هذا وبان هذا وعُلم هذا وعُلم هذا ثم إنكم تستحبون نجد الشر لماذا ؟..لأن الدين عندما يرخُص تقدم الأهواء فإذا ما قلت لأحد لماذا لا تصلي يقول الشغلُ وكذا ومش فاضين ، في رمضان تجد الناس أسأل الله أن يبلغنا رمضان على الرضا ، تجد الناس تجاهر بالإفطار سنة عن سنة كأن رمضان ينسلخ في نفوس الناس من إحترامه وتقديره وإنزاله منزلته ، في كل الأمور تجد أن الأكثر هو الفحش ، الأكثر هو الحرام ، الأكثر هو الخنى ، الأكثر هو الممنوع لماذا؟...مع إن الناس تملك أن تمسك بدينها وأن يمسكوا بالكتاب وأن يسيروا على وفقه في بيوتهم حتى وإن لم يكن هذا موجودٌ على النظام العام أو على النظام الموجود في كل البلدان لكن أنت يمكن أن تكون مصلياً ، أن تكون عفيفاً متقياً الحرام ، متقياً للكبائر ، أنت تقدرُ على ذلك ولكن الناس وكأنهم تصالحوا على المنكرات وصار أكثر شيءٍ منكرات وصار المنكر لا يُنكر ، يقولك العرف كده والبنات كده والصبيان كده والأولاد كده وده فرح وده مناسبة وده شغل كده ولو ما عملناش كده مانكلش عيش ولومشينا بالنظام ده مش هنشتغل وغير ذلك من الأمور التي فيها تقديمُ كل شيءٍ إلا الدين وإتباع كل شيءٍ إلا الدين إلا عند من رحم الله تعالى ... أسأل الله أن يجعلني وإياكم في المرحومين ... اللهم يارب العالمين اغفر لنا ذنوبنا وأسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وأنصرنا على القوم الكافرين ... اللهم كن لنا ولا تكن علينا أعنا ولا تعن علينا ... رد بطش الكافرين عنا وقنا برحمتك سيئات مكرهم ... اغفر لنا وأرحمنا وعافنا وأعف عنا ... اللهم أهدنا فبمن هديت وتولنا فيمن توليت وقنا وأصرف عنا شر ما قضيت ... تقبل منا أنك أنت السميع العليم وتب علينا أنك أنت التواب الرحيم ... برئنا من كل ما لا يرضيك ، برئنا من طواغيت العرب و العجم أجمعين على مشارق الأرض يارب العالمين ... وصل اللهم وسلم على محمد وعلى أله وصحبه أجمعين ورد علينا الغائبين رحمة منك يا ارحم الراحمين وأربط على قلوبنا وأمن روعاتنا وأستر عوراتنا وأمنا مما نخاف وتقبل سعينا وأعظم أجرنا ولا ترد علينا أعمالنا وصل اللهم وسلم على محمد وعلى أله وصحبه أجمعين ... أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم سبحانك اللهم وبحمدك اشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك ...

وكتبه : أم مصطفى موسى...

راجعه وصححه وضبطه:

د / سيد العربى...

 




واحة العقيدة - موقع فضيلة الدكتور السيد العربي بن كمال
 
الجمعة ...7 – 12 – 2018 ... ما هى أسرار معانى يطعمنى يسقينى يشفينى
الجمعة ... 23 – 11 – 2018 ... لكل مقهور مظلوم..إن بطش ربك لشديد
الجمعة ... 16 – 11 – 2018... إحذر أن يكون عملك بين الشرك والابتداع
الجمعة ... 9 – 11 – 2018 ... مذهب الحق فى علاقة العمل بالإيمان
الجمعة ... 2- 11 – 2018 ... إيمانك هو ملف اتهامك وموجب عقوبتك
الجمعة ... 26 – 10 – 2018... من اعتبر قصص القرآن حدوته فقد اختل إيمانه
الجمعة ... 19 – 10 – 2018 ... موقف المؤمن والمنافق من المحكم والمتشابه
الجمعة ... 12 – 10 – 2018 ... ياليت عندنا عقيدة وفهم الهدهد!!
الجمعة ... 5 – 10 – 2018 ... اين تقع مشيئة العبد من مشيئة الله؟؟
الجمعة ... 28 – 9 – 2018... الصبر زاد الطريق كيف تتدرب على تحصيله؟؟
 
art4islam
جميع الحقوق محفوظة لموقع واحة العقيدة - 1431 هـ

فتاوى فى إنتظار الرد: 4