أعلى
أعلى
جديد الموقع
 
الجمعة ... 15 – 6 – 2018... ماذا بعد رمضان ؟؟
الجمعة ... 8 – 6 – 2018... كيف تُحدد ليلةَ القدرِ ولماذا ؟؟
الجمعة...1 – 6 – 2018... ما ثمرة من كفر بالطاغوت وآمن بالله؟؟
الجمعة ... 25 – 5 – 2018... كيف نحقق " فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله"؟
الجمعة ...18 – 5 – 2018... فضل اللهُ شهرَ رمضان فكيف قابلت هذا التفضيل؟
الجمعة ... 11 – 5 – 2018... ممن بلغ رمضان معرضٌ..ومستحيى..ومأويٌ
الجمعة ... 4 – 5 – 2018... ما هو توحيد الله فى ذاته وشأنه وتوحيد الله فى حقه؟؟
الجمعة ... 27 – 4 – 2018... لماذا اهتمَ القرآنُ ببيان دقائق صفات المنافقين؟؟
الجمعة ... 20 - 4 – 2018... ما هى عمارة شعبان بالبر والعبادة؟؟
الجمعة...13- 4- 2018... ما هو أعظم اليسر مع أى عسر؟؟
 
القناة الرسمية للدكتور سيد العربى..على اليوتيوب
فيديوهات د.السبد العربى
صفحة صوتيات السيد العربى على اسلام واى
ملتقى اهل الحديث
ملتقى اهل السنة
الشيخ ابو اسحاق الحوينى
الحور العين
 
ما هو أعظم اليسر مع أى عسر؟؟ -
ما هو أعظم اليسر مع أى عسر؟؟
15 - 4 - 2018

ما هو أعظم اليسر مع أى عسر؟؟

الجمعة...13- 4- 2018...

للدكتور / سيد العربى...

إن الحمد للهِ، نحْمَدُه، وَنسْتَعِينه، ونَسْتَغْفِره، ونَعُوذ باللهِ تَعالَى مِنْ شرُوِرِ أنفُسِنا، ومِنْ سَيٍئات أَعْمالِنا، مَنْ يَهْدِه الله فَهوَ المُهْتَد، ومَنْ يُضْلِل فَلَنْ تَجِدَ له وَلِيًا مُرْشِدًا، وأَشْهَدُ أَنْ لا إله إلا الله وحده لا شَرَيك له، وأشْهَدُ أنْ مُحَمدًا عَبَدَهُ، وَرَسوله، وصَفَيه مِنْ خَلْقِه، وخَلِيله، صَلَوات اللهِ وسَلامُه عَلَيْه، وعلى مًنْ تَبِعَ هداه بِإحْسانٍ إلى يَوْمِ الًدِين.
(يا أيها الذِينَ آمَنوا اتَّقوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَموتُنَّ إلا وَأنتم مسْلِمُونَ) [آل عمران: 102[.
(يَا أيها النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءَ وَاتَّقواْ اللهَ الذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ أن اللهَ كان عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء: 1.[
(يَا أيها الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب: 70-71] ... وبعد؛
فإنَّ أصدقَ الحديثِ كتابُ اللهِ ، وخيرَ الهَديِ هَدْيُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم, وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ مُحدثةٍ بِدعة، وكلَّ بِدعةٍ ضلالة، وكلَّ ضلالةٍ في النّار ... ثم أما بعد...

عباد الله : لازال الكلام متعلق بسورةٍ قَلت أياتها عدداً وعُظمت معانيها كثرةً وهي سورة الإنشراح أو ألم نشرح ، هذه السورة تناولت فيها في مقالٍ سابق إلى قوله ( ورفعنا لك ذكرك )...

( ألم نشرح لك صدرك ) والشرح كما عرفنا هو جعل الصدر مسننيراً بالهداية حتى يتسع للتكاليف الشرعية وخاصةً تكاليف النبوة لمحمدٍ ( صلى الله عليه وسلم ) بحيثُ يكونُ فيه من الوسع ، أو من السعة والفسحة والإتساع ما يجعله قابلاً لكل مقادير الله وتقديره ، سواءاً كان شرعياً أو قدرياً..( ألم نشرح لك صدرك .. ووضعنا عنك وزرك ) وعرفنا أن وضع الوزر على معنيين إما وضع الضيق الذي في الصدر من مواجهة قومه له بالتكذيب والنكران ، أو ما كان للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) من المخالفات التي تُعدُ في مقام النبوة أموراً ثقيلة جداً وهي في حق غيره ليست بهذا الحجم ، وضعها الله أي أزالها وغفرها وأسقطها وأبعدها حتى لا تكون ثقيلة فى حملها أو تكونُ ثقيلة على ظهره..( ووضعنا عنك وزرك .. الذي أنقض ظهرك )..أي الذي كان حملاً ثقيلاً فيحدث نقيضاً كما يُحدث المحمل الثقيل جداً نقيض ، أي بصوةٍ من شدة الحمل وكثرة الوزن يصدرُ صوتاًعلى ظهر البعير ، فجعل حِمل النبي ( صلى الله عليه وسلم ) للأوزار كأنها تُحدثُ نقيضاً كما يُحدث الحمل الثقيل على ظهر البعير..( ووضعنا عنك وزرك .. الذي أنقض ظهرك .. ورفعنا لك ذكرك ) ورفعُ الذكر يقتضي أمرين ، الأول  : أن ذكره صار سامياً رفيعاً محموداً ممدوحاً في مقابل ما كان يصفه به الكفار من إنه ساحر أو مجنون أو تتنزل عليه الشياطين أو غير ذلك ، فرفع الله عز وجل ذكره ، بمعنى أن جعل ذكره سامياً رفيعاً حتى أنه لا يذكر إلا ويصلى عليه ، وهذا هو المقتضى الأول للرفع ، وأما الرفعُ مع المقتضى الثاني  :  فهو جعله علياً ومن علوه ،أي من علو ذكر النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أن جعل  الله تعالى نبيه يُذكر عندما يُذكر الله ، فنحن نرى كلمة الإسلام  " اشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله " ولو أراد أحد أن يدخل الإسلام وشهد أن لا إله إلا الله ولم يشهد أن محمداً رسول الله لم ينفعه ذلك بشيء ، وكذلك جعل ذكره في الآذان ، وجعل ذكره في التشهد ، وما من مقامٍ إلا ويذكر فيه الله عز وجل إلا ويُذكر فيه النبيُ ( صلى الله عليه وسلم ) وفي الحديث أن جبريل أتى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) " وقال أتعرف كيف رفع الله ذكرك ، قال الله أعلم ، قال يقول الله إذا ذُكرتُ ذُكرتَ "..فنحن نرى في شرعنا أنه ما من مقامٍ يُذكر فيه الله إلا ويُذكر فيه محمد ( صلى الله عليه وسلم ) فجعل ذكره عالياً مرتفعاً مساوياً مذكوراً مع الله سبحانه وتعالى ، والله أعظمُ مذكور ولا أعظم منه سبحانه الأعلى جل في علاه ، وجعله أيضاً في المقتضى الأول أنه ذُكرٌ سامياً رفيعاً ، ذكراً فيه من المناقب وعلو الشأن ، فهذا هو رفع الذكر ، وللأمة من كل ذلك نصيب بناءاً على القاعدة التي ذكرناها في المقال السابق وهي أنه ما من شيءٍ  أو مقتضاً أو خصيصةً أو فضل للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) مما لا يخصه شخصياً إلا ولأمته نصيبٌ أو كفلٌ منه ... فشرحُ الصدر معلومٌ أنه من نعمة الله وسبب هداية الله لأي عبد مؤمن {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ} [الأنعام: 125]..فهذا الشرح ليس خاصاً بالنبي ( صلى الله عليه وسلم ) وكذلك وضعُ الوزر سواءٌ بتوبة أو بغير توبة فضلاً وعفواً من الله وهو ثابتٌ لكثير من أحاد الأمة غير النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، وكذلك رفعُ الذكر فلازال الصحابة والتابعون وغيرهم من العلماء المهديين يُذكرون بالخير ويذكرون بما فيه سمو المكانة ورفيعُ الذكر ، ورفع الذكر من عظيم العطاء الذي يُعطيه الله لعبد بحيثُ أنه ما ذكر في ملأ علا وصفه وترضي عنه أو تُرحم عليه ، فأنت تسمع أسماء الصحابة تقول رضيَ الله عنهم ، وأنت تسمع أسماء التابعين تقول كذلك ، وأنت تسمع أسماء العلماء المهديين  تقول رحمهم الله ، قدس الله أرواحهم..وغير ذلك مما هو من عظيم فضل الله على العبد ، في المقابل يكون الذكر دنياً موضوعاً هابطاً بل قد يصل إلى أن يكونَ مدنس كما تذكر أهل الباطل وأهل الظلم وأهل الضلال وأهل الفجور وأهل الزنا وأهل المجون فما يُذكر إلا ويقال  أعوذ بالله منه..عليه لعنة الله ، ألا لعنة الله على الظالمين ، فهناك فارقٌ كبيرٌ جداً بين أن يكون ذكرك مرفوع وبين أن يكون ذكرك مدنى مدنس ، نسأل الله أن يرفع ذكرنا وأن يجعلنا في المهديين..ورفعنا لك يا محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ذكرك...ثم وقفنا عند قوله تعالى (ورفعنا لك ذكرك)..لأني كما ذكرت هذه السورة بالرغم من قلة عدد أياتها إلا أن كل أية فيها من المسائل والبيان والبسط والشرح ما يطول ويطول ، ثم قال له ( فإن مع الغسر يسرا .. إن مع العسر يسرا ) وهذه بشارةٌ للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) وتسلية له ولكل عبدٍ مؤمن بمعنى أنه ما خلى من العسر أحد ، والنبي ( صلى الله عليه وسلم ) كان وهو أصحابه رُضوان الله عليهم الذين تحملوا أعباء التكاليف الشرعية بحيثُ أنهم حملوا الرسالة تديناً وحملوها نقلاً ، حملوا الرسالة تديناً بأن دانوا بها ، وأحسنوا القيام بذلك على خير وجه وهم خيرُ ما دانوا حتى قال فيهم النبي ( صلى الله عليه وسلم ) " خيرُ الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم " فهذا معناه أن هؤلاء الناس الذين صحبوا محمد ( صلى الله عليه وسلم ) وتابعيهم بإحسان كانوا خير الناس في ماذا؟..في أموالهم أم في ممتلكاتهم أم في عزوتهم؟...لا إنما في دينهم فالخيرية لا تطلق ولا يستحسن الذكر من الله أو من رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) لأحدٍ أو لطائفةٍ إلا بناءاً على دينهم ، خير الناس أي في دينهم ، خير الناس أي في تكليفهم، فقد قاموا بذلك وهو حمل التكليف ، أو حمل التدين وكذلك أفلحوا وأحسنوا وأجادوا في حمل النقل ، وقد واجهوا من أجل ذلك أي من أجل أن يدينوا بالإسلام ومن أجل أن ينقلوه واجهوا في ذلك وفي طريق ذلك العسر فوق العسر حتى أن الكفار كانوا يعيبون محمداً ( صلى الله عليه وسلم ) وأصحابه بأنهم فقراء وأنهم قلة وأنهم لا عزوة لهم وأنهم منبذون في قومهم وأنهم لا يملكون أسباب النصر عليهم وأنهم وأنهم ، في مقابل ذلك قال الله لنبيه ( صلى الله عليه وسلم ) في هذه السورة وغيرها مثل سورة الضحى التي قبلها حتى أن بعض العلماء قال الضحى والشرح سورة واحدة لأن فيها أي في الضحى من مِننُ الله على نبيه صلى الله عليه وسلم وفي الإنشراح مِننُ الله على نبيه ، وقد جاء في الأثر أن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه كان يقرأهم على أنهما سورةٌ واحدة ، والصحيح المتفق عليه هو أنهما سورتان بينهما بسملة ، لكن الموضوع واحد ، أي موضوع سورة الضحى وموضوع سورة الإنشراح واحد وهو مواساة الله تبارك وتعالى بذكر مِننه على نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) في مقابل تعيير وتعييب ولمز وهمز الكفار لمحمدٍ ( صلى الله عليه وسلم ) ، فهنا يقول له هم عيبوك بقلة المال ، وعيبوك بقلة الأنصار ، وعيبوك بفقد الأسباب المقتضية لأن تنال ما تريد فنحن قد أعطيناك شرح الصدر ، وقد أعطيناك وضع الوزر الذي أنقض ظهرك ، وقد أعطيناك رفعُ الذكر ، وكل واحدةٍ من هذه المعطيات سواءٌ لك أو لأمتك أو لعبدٍ مؤمن من أمتك تساوي ما في الأرض جميعاً وأمثاله ، فشرح الصدر لو أن رجلاً معه ما في الأرض جميعاً من مال و حُرم من هذه النعمة وهي شرح الصدر وجعل الله صدره ضيقاً حرجا كما قال {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ} [الأنعام: 125].. تنبه.. إذاً فهم يعيرونه بفقد أسبابٍ من الدنيا والله يذكره بأنه أعطاه مِنن المِنة الواحدة منها تفوق وتسبق وتعلو ما لو جمع العبد ما في الأرض جميعاً بل ولو جمع مثل الأرض ذهباً ، فإنه إن فقد في مقابل ذلك نعمة واحدة من هذه النعم : شرح الصدر ورفع الذكر ووضع الوزر وما شابه فإنه عبدٌ منقوصٌ موكوسٌ مخزولٌ ومحروم ... وهذا يعني أن الله عندما يمنُ على نبيه صلى الله عليه وسلم لا يقول له أعطيناك المال وجعلنا جبلاً لك ذهباً وأخر فضة ورزقناك بكذا وأعطيناك من الحدائق والجنان كذا وكذا لأن كل هذه الأشياء لا تساوي جناح بعوضة ولا تساوي شيءً لأنها من الدنيا أما الذي يُمنُ به والذي يُنظر إليه على أنه عظيمٌ المن هو الفضل الذي ينفعُ في الدنيا والأخرة ، الفضل الذي يصير به العبد عاليٌ في دينه ، كبيرٌ في شأنه ، تقيٌ مع ربه هذا الذي يُذكر ... وفي المقابل أيضاً وساه ربه سبحانه وتعالى هو وأتباعه أن كل خطاب تكليفي ومتعلق بأمر الدين لمحمدٍ ( صلى الله عليه وسلم ) فهو خطابٌ لأمته من بعده ، فحتى ما يتعلق بأمر الدنيا وفقد الأموال والعسر الذي يجده من فقد الأسباب وتملؤ المخالفين عليه وتربصهم به هذا عسر ، عسر فوق عسر ، هذا العسر يُوجد عند كل إنسان بشكلٍ أو بأخر  ، بنوعٍ أو بأخر ، هذا العسر يمكن أن يكون قلة مالٍ مع كثرة متطلبات ، هذا العسر ممكن أن يكون ظلم ظالم مع فلة أسبابٍ للنجاة فى يده ، هذا العسر يمكن أن يكون ضيق في المعايش بسبب صحبة سوء أو جيرة سوء ، هذا العسر يمكن أن يكون مرض شديد لا يجد الإنسان راحة من ألامه ولا يجد له القدرة على الدواء ، هذا العسر يمكن أن يكون ضيقٌ في الأولاد أو سوءٌ في الأولاد أو في الزوجات ولا يجد له مخرج ، المهم أن ما أصاب المؤمن من عسرٍ في طريق إيمانه أو دينه أو على حسب ما يقدر الله عز وجل فيما تتقلب به مقادير الدنيا التي يقدرها رب العالمين ( فإن مع العسر يسر .. إن مع العسر يسر ) وهنا مسألة بلاغية جميلة  وهي العسرُ ذُكر مرتين واليسر ذُكر مرتين ، أما المرتان اللتان ذكر فيمه العسر ذكر معرفاً ( فإن مع العسر ) و( وإن مع العسر ) وهذه ( ال ) تسمى كما يعرف أهل اللغة ال العهد أو العهد الذكري ، يعني هو معهودٌ ما بين المخَاطِب والمخِاطَب ، وكان معلوم أن الكفار يعسرون أمر المؤمنين ويعسرون طريقهم ويعسرون أمرهم ويعسرون عليهم إتباع دين محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ويعسرون عليهم بقائهم وما وجده النبي ( صلى الله عليه وسلم ) في مكة أكبر شاهد حتى أمره الله تبارك وتعالى بتركها وهي أحبُ البقاع إليه من شدةِ ما وجد ويجد وأستمرار ذلك العسر... العسر الأول والعسر الثاني هما عسرٌ واحد شيءٌ واحد بغض النظر عن حجمه هو هو ، فالعسر المذكور في الأية الأولى هو هو العسر المذكور في الأية الثانية لأنه معرف ، كما تقول للقائل فإن الكتاب موجود وبعدُ تأتي تكرر فإن الكتاب موجودٌ ، فعندما تقول فإن الكتاب كثير وإن الكتاب كثير ، الكتاب الأول والكتاب الثاني في المعنى عند المخَاطب واحد ، هو كتاب معين هذا الكتاب أنت تريد أن تقول له أنه كثير جداً ، موجود منه طبعات كثيرة جداً فبدلا من ان تقول الكتاب  الكثير قلت الكتاب كثير ، الكتاب كثيراً ، يعني الكتاب هذا كثير كثير كثير ، فإذاً كلمة كثير الأولى تختلف عن كلمة كثير الثانية ، هنا قال فإن مع العسر يسرا النكرة معناها متعدد ، معناها متسع كأنه إن مع العسر من فقرٍ وقلة حيلة وتربص المخالفين وتربص الكافرين وعلوهم في الأرض ورفع راياتهم ومحاربتك يا محمد ( صلى الله عليه وسلم ) أنت وأتباعك هذا العسر هو العسر ، إنما مع هذا العسر يسراً ، صنوفاً من اليسر ، ثم الجملة التي بعدها فإن مع العسر يسر..العسر الثانية هي الفقر والضيق والمواجهة وما تجده من معاندتهم ومن حربهم لكم هو هو ، فإن معها صنوف من اليسر ... فالمذكور من العسر معه صنوفٌ من اليسر ثم صنوفٌ من اليسر ، صنوفٌ من اليسر الأولى تختلف عن صنوف من اليسر الثانية كأنه يقول إن مع هذا البلاء حلول ، فكأنه يقول كلمة حلول غير معرفة من باب أن يقول لك أن مع هذا البلاء المعلوم لك ستكون حلول كثيرة ثم تكرر إن مع هذا البلاء المعلوم لك حلولٌ كثيرة ، فحلولٌ كثيرة في الجملة الأولى تقتضي التنوع وحلولٌ كثيرة في الجملة الثانية تقتضي التنوع ولذلك قال السلف ومنهم قال ابن عباس رضي الله عنهما  لن يغلب عسرًٌ يسرين ، والبعض يرفعه إلى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ولا يصح مرفوعاً ولكن ثبت من أقوال الصحابة رضوان الله عليهم " لن يغلب عسرٌ " لأن العسر في الاية الأولى والثانية هو واحد " يسرين " بمعنى أن اليسر سيكون متعدد الوجوه ، وأن اليسر سيكون له من الواقع ما تعلمه وما لا تعلمه سيكون أكبر وأقوى وأكثر من العسر فكانت من عظيم المواساة السببية بحيث يعلم أنه سيكون له مع ما يواجهه..أولا ذكره بأنه سبحانه مَن عليه بمِنن ، المنة الواحدة أكبر من الدنيا وما فيها ثم بعد ذلك حتى ما يتعلق بالدنيا قال له ( فإن مع العسر يسرا .. إن مع العسر يسرا )  عرفت العسر وعرفت بعض أمثلته فهو كل ما يُضيق على الإنسان شأنه وأمره وحياته يسمى عسر ، إن ضاقت الأموال وضيقت عليك معيشتك فذلك عسر ، إن ضيق عليك المرض عافيتك وصرت بسبب ألام المرض وما شابه فذلك عسر ، إن ضيق عليك أحدٌ من الناس فعنفك وضايقك وعذبك فذلك عسر ، إن وجدت عدم معاونة من أولادك وأهلك وأنهم يتنكرون لك بالرغم من أن لك عظيم الحق عليهم فذلك عسر...المهم أن العسر هو كل ما يضيق عليك أمرك وحالك أو معيشتك ، يقال له له عسر؟.. وله عسر ، ويقع.. يقع العسر .. والعسر معلوم...فأما اليسر فينبغي أن تعلم أن منه ما هو حسي ومنه ما هو معنوي ، أما الحسي فقد يكون ضيق الرجل من المال سبباً لعسره فيوسع الله عليه بسعة مال أو بإيجاد سبباً يجد فيه من المال ما يوسع على نفسه أو ييسر ذلك العسر ، فإن كان مريضاً يعاني من الألام ويعاني من تذمر من حوله منه لقلة عافيته وإحتياجه لغيره فإن الله قد يعافيه أو يرزقه بمن يخفف عنه أو يعينه على أمره قيكون ذلك يسرٌ لعسره ، أو يكون الإنسان في حالٍ أو في أرضٍ أو في بلدٍ و يجد فيها ما لا يطيقه فيجعل الله له مخرج فذلك يسرٌ لذلك العسر ... هذا معلومٌ وهذا هو اليسر المحسوس..لكن ما هو أعظم اليسر ... أسمع لهذا الكلام ... أعظم اليسر وأعلاه هو أن يرزقك الله عز وجل صبراً يجعل ما أنت فيه من العسر هيناً ، بمعنى أنك قد تكون مبتلى بعسرٍ لن يكون لك إنفكاكٌ منه إلا بموتك بتقدير الله سبحانه وتعالى بحسب ما يقدر جل وعلا ، هل معنى ذلك أنك تظل معسوراً لا يسر لك وهو قدر الله عليك في حالك هذا إلى أن تلقاه لحكمة أو لرفع درجة أو لتكفير ذنبٍ أو لأبتلاءٍ بغيرك ، حِكمٌ كثيرة جداً إن علمنا بعضها لا نعلم كثيراً غيرها ، لكن أعظم اليسر هو أن تُرزق الصبر الذي يهون عليك ما أنت فيه أو ما تعاني منه من عسر ولذلك النبيُ ( صلى الله عليه وسلم ) عانى في مكة من الكفار..تربصوا به ليقتلوه وقتلوا كثيراً من أصحابه بالتعذيب وتربصوا بهم تفريقاً حتى  أن الرجل عندما يتبع محمد ( صلى الله عليه وسلم ) يسير مهاناً حتى عند أبيه وأمه وعند قومه وغير ذلك..ما الذي حدث؟..هل تركه الله عز وجل في عسره بلا يسر؟..أبداً بل إنه قد رزقه أعظم يسر وهو أن أفرغ على قلبه صبراً صار يرى ذلك الأمر العظيم الذي تنوء به الجبال صار يراه يسيراً ... وصدق من قال: صبراً..فإن الصبر للأحرار زادُ ، ولو زاد البلاء بهم لزادوا..لأنه ليس هناك عطية أعظم من الصبر ، أنت تعلم أن الصبر يُؤجر الله عليه أجراً مفتوحاً..{وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة: 155 - 157]... إذاً الجزاء بثلاث  نعم ، ثلاث جوائز ، الجائزة الأولى : أولئك عليهم صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ ، الجائزة الثانية : ورحمة ، والجائزة الثالثة : وأولئك هم المهتدون ... إذاً أنظر لهذا أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون ...إذا..صلوات من الله ورحمة من الله وهدىً من الله هذه الثلاث كما قال أهل العلم لم يجتمعوا في العطية أو في الجزاء إلا في الصبر..{إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } [الزمر: 10] كل الأعمال مهما إن عظُمت حسابها معلومٌ وإن كان مضاعفاً فهو محدد إلا الصبر ، فلذلك أعظم اليسر هو أن يُفرغ الله عليك صبر يهَون عليك ما أنت فيه من عسر وإلا فإن حكمته كما نرى فلان مريض وله عشرين سنة على الفراش إلى أن لقيَ ربه ، فلان عانى من أسرٍ أو من ظلمٍ حتى لاقى ربه ، فلانٌ كان في كذا أو في مخمصةٍ معينة حتى لاقى ربه ، هذا الإنسان مؤمن هل هذا الإنسان لا يسر له أو لا يسر لعسره؟ ( فإن مع العسر يسرا )..وهنا لطيفة وهي قوله سبحانه ( إن مع ) ولم يقل ( إن بعد ) وهذه اللطيفة أن مع تأتي للمصاحبة ولذلك في الحديث من حديث أنس عند ابن حبان حديث أنس رضي الله عنه قال " كان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) جالساً حيال جحر فنظر إلى الجحر وقال لو دخل العسر ذلك الجحر لدخل اليسر وراءه فأخرجه "..بمعنى أن العسر واليسر يأتيا فيدخل العسر أولاً حتى يبتلى العبد من باب فيدخل من باب الإبتلاء فيدخل وراءه اليسر ليطرده ليس بعد وقتٍ طويل وليس بعد قدرٍ كبير فإن مع أشارت إلى تطمين قلوب المؤمنين الذين يثقون في كلام ربهم ويدينون به ويعلمون أنه الحق من ربهم وأن قوله الحق ، يعلمون أن مع تعني قرب اليسر وأنه إذا دخل عليك العسر أنظر إلى باب البلاء وأنظر إلى تقدير الله وأنظر إلى رحمات الله تنتظر منها دخول اليسر ، فيقول قائل المريض يظل مريض سنين والمعسور وصاحب القلة في زاده أو ماله ، لو أنك نظرت أن صاحب البلاء الذي تطول مدته قد أعطيَ صبراً ، ستعرف يقيناً أن مع العسر يسرا ، وأن العسر مجرد أن دخل دخل وراءه مباشرةً اليسر ، في أي شيءٍ اليسر؟..أنت ترى أن اليسر هو ذهاب العسر ، طالما العسر موجود إذاً لا يسر ، لا ..لقد حدثتك وأخبرتك بأن أعظم اليسر هو أن يُفرغ الله على قلبك صبراً يهون عليك ذلك العسر ، أعظمُ يسر بمعنى أن تؤتى مرض أو أي ضيق من الضيق أو أي عسرٍ من العسر فتخير.. ولنضرب مثالا للتقريب بين أن تُرزق صبر على هذا العسر وبين أن يُزال ، أن يُزال عسرك ، فتختار أن يُزال ولا تدري أن أختيارك للصبر المخفف لكل تداعيات العسر هو أعظُ أجراً لك وأعظمُ قدراً لك وأن ذلك ينبغي أن يكون أحبُ إليك لماذا؟..لأن المؤمن همه الحسنة ، همه ما يقربُ إلى رضا الرب ، المؤمن ليس همه صحته فأنت بالنفس لا بالجسم ، المؤمن لا يهمه أن يكون معه فلوس كثير لأن من معه فلوس يساوي ومن ليس معه فلوس لا يساوي ، المؤمن لا ينظر إلى أن له معارف وله أصحاب وله ذوي كذا وكذا.. إنما المؤمن يبحثُ بكل ما أوتي من قوة وما أوتيَ من أسبابٍ ومن مملوك يبحثُ عن الحسنة ، فإن كان بابٌ سيأتيك منه الحسنات كسيل المطر أو كسيل المجر لابد أنك بمقتضى إيمانك إن كنت مؤمناً وتقدر الحسنات ولا تُسر إلا بها كما في الحديث   " المؤمن من سرته حسنته وساءته سيئته " عندئذٍ تقول لا أصبر ... هذا الكلام ليس أختراعاً مني فقد كان في زمن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أمراةٌ سوداء تصرع ، فأتت النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فقال لها:" إن شئت دعوت الله أن يشفيك وإن شئت صبرت والجنة" ، ..خيرها يعني أدعو الله أن يصرف عنك الصرع ويصرف عنك المرض والسرطان وكل ما نبتلى به وكل ما هو موجود فينا أو في أبائنا أو أمهاتنا أو أهلينا ، فأتته قال إن شئت دعوت الله إن يشفيك ، أي يرفع عنها ، إذاً العسر سيزال ، وإن شئت صبرت والجنة قالت:" أصبر والجنة ولكن سل الله أن يسترني فإني أصرع فأسقط فأتكشف" ، ما طلبته أمر أخروي أن تستر لأنه عندما يصيب الإنسان الصرع يمكن أن يلقى على الأرض ويُصرخ ويتحرك فعندئذٍ إذا كانت أمرأة يمكن أن تتكشف نسأل الله أن يستر نساء المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ، هذا هو لمن عرف التجارة مع الله ، لكن نحن لا نفرح بالحسنة بل نفرح بالجنيه بدليل أن العبد يمكن أن يُضحي بالحسنات بأن يُتاجر تجارة محرمة أو يُتاجر تجارة مشبوهة أو يعمل في أمور مغشوشة أو يرابي أو يعمل ظالماً أو غير ذلك ... المهم أن المسألة بتجيب جنيه ( المسألة بتجيب فلوس ) فهذا أمرٌ ينبغي أن نتفهمه ... فإذاً وأكرر.. أعظم اليسر هو الصبر الذي يُفرغه الله عليك حالة عسرك فيجعل أمر العسر عليك يسير هين وتحتسبُ ذلك فيكون لك زخرا وأجر... تنبه من جهة.. يهونه عليك ، أنت تدخل على كثير من الناس قد أصيبوا بكثير من الأحوال التي تمصمص شفتيك شفقة عليهم وتجد ألسنتهم تلهث بالحمد ويحدثوك بالرضا وأنت عندما تشك شوكة أو يأتيك كما يقال دور برد تجد نفسك تتصخب وتتزمر وكأنك تريد أن تلقي بنفسك من أعلى من شدة ما تجد من ألم أو صداع أو حمى أو ما شابه ... عباد الله ( فإن مع العسر يسرا .. إن مع العسر يسرا ) إذاً هما يسران ، هذان اليسران متعددان يمكن أن يكون يسرٌ في الدنيا ويسرٌ في الأخرة ، يمكن أن يكون ما كان على الخصوص من تيسيرٌ للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) بأن رزقه المدينة ثم بعد ذلك رزقه فتح مكة ، كل ذلك وارد في المعاني لكن الأمر العام والمعنى العام هو أن تتلمس من الله عز وجل يسراً يعود عليك بالخير...لا يفهم أحد من كلامي أن المريض إذا رفع يده إلى السماء يطلب من الله أن يعافيه أو يطلب من الله أن يشفيه ذلك منافي للإيمان أو خطأ لا ولكن إذا دعى الله بأن يصبره ويأجره هذا أعلى ، فأنت مريض إن دعوت الله بأن يشفيك فذلك خير وإن دعوت الله بأن يصبرك ويُأجرك فذلك أعلى ، والمؤمن يطلب في مقامات دينه الأعلى لابد أن نفهم ذلك ... نسأل الله أن يهدينا وإياكم لما فيه الأعلى...

------------------------------------------------------

الحمدُ للّٰهِ وكفى، وسلامٌ على عبادِه الذين اصطفى، وأشهدُ أنْ لا إلـٰه إلا اللّٰه وحدَه لا شريكَ له ،وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ،ورسولُه ، وصفيُّه مِنْ خلقِه وخليلُه ، صلواتُ اللهُ وسلامُه عليه وعلى آله وصحبِه أجمعين ، وأصلِّي وأُسلِّمُ على رسولِ اللّٰهِ صلاةً نحققُ بها أمرَ ربِّنا، حيثُ أنَّه قالِ: " إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً. " (الأحزاب"٥٦")...فاللَّهمَّ صلِّ على محمدٍ النبيّ ، وأزواجِه أمهاتِ المؤمنين ، وذريَّته ، وآلِ بيته ،كما صلّيتَ على آلِ إبراهيمَ إنَّكَ حميدٌ مجيدٌ...

ثم أعلم أن التريض يُورثُ السهولة في الأداء ، ما معنى هذه العبارة؟  أنت لو كنت بطيء في المشي ولا تُحسن الجري إذا تريضت يوماً على يوم وأسبوع وشهر تجد الأمر صار سهلاً يسيراً عليك ، فالتريض يُورث السهولة في الأداء، ولذلك قال الله تعالى لنبيه ( صلى الله عليه وسلم ) بعد ما أعلمه أن كل عسرك سيتبعه يسر وهو خطاب لكل مؤمن ، قال له ( فإذا فرغت فأنصب .. وإلى ربك فأرغب ) أي تريض رياضة الإيمان ، تريض رياضة العبودية ... الذي يحافظ على النوافل في الصلوات تكون الصلاة الفريضة سهلة محبوبة إليه ، والذي ينقر صلاة الفريضة تكون الفريضة عليه ثقيلة..{وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا } [النساء: 142] أنظر في المقابل يقول النبي ( صلى الله عليه وسلم ) " وجُعلت قرة عيني في الصلاة "..العين عندما تقر معناه أن الإنسان لا يزيغ ، معناه أن الإنسان مرتاح فيقول عينه قريرة ، لكن عندما يكون مصدع متعب قلق زائغ تجد العين رايحة وجاية من غير وجود شيء أمامه لكن هو متعب مرهق نفسياً ، فهناك من يُرهق نفسياً بالصلاة حتى لو كان يصلي ، وهناك من صلاته قرةُ عينه ، بناءاً على ماذا ؟..بناءاً على فضل الله أولاً ولكن كسبب وتكليف في التريض ، فلذلك قال له ( فإذا فرغت فأنصب ) أي أدي العبادة بجهد لأن النصب هو التعب فقال ( فإذا فرغت فأنصب .. وإلى ربك فأرغب ) هنا رياضتان : رياضة جسد ، ورياضة قلب ، وأهل المقامات في العبودية يقولون من تريض سهُل عليه العمل ، هذه عبارة شرعية ، تريض بمعنى عام .. طبعاً كلمة الرياضة عندما تسمعها تكون كرة القدم والأجوان والتصفيق ورسم الألوان على الوجوه هذه هي الرياضة ، لكن الرياضة في الشرع هي تعويد اللسان على نطق القرآن لأن القران له منطوق وله طريقة يتحكم في كل منطوق القرآن اللسان سواءٌ كان في حروفٍ حلقية أو حرفٌ من الأسنان الأمامية أو حروفٌ من الأضراس بغض النظر ليس هذا مِحل البيان إنما الذي يتحكم في ذلك هو اللسان يذهب يمنةً ، يذهب يسرةً ، يعلو ، يصطدم بالأسنان العلوية ، يحتجز نفسه خلف الأسنان السفلية المهم طرق معينة ، اللسان لا يمكن أن يبلغ نطق القرآن إلا بالتريض ولذلك قالوا أحكام التجويد ترييضُ اللسان على الأداء ، أحكام التجويد وهي معرفة مخرج الحرف وطريقة أداءه وصفة الحرف وما شابه .. مما يعلمها أهل القرآن ، هذه الأشياء هي تريض ، أنت تتريض بلسانك وكلما تريضت كلما حُسن نطقك في القرآن ، الصلاة تريض فإذا عود الإنسان نفسه أن يكون مثل السوستة ينزل ويطلع معنى ذلك إنه حتى لو صلى خلف أمامٌ ولا نقول أطال إنما اقام الصلاة على الصفة الشرعية سيعتبره ثقيل طويل لأن هو متريض على السوستة ، لكن لو تريض على أن يصلي فيحسن الركوع ويخشع حتى إذا ركعت تطمئن راكعاً ثم ترفع حتى تطمئن قائماً ثم تسجد حتى تطمئن ساجداً ... حديث المسيء صلاته المشهور عند الفقهاء بهذا الأسم ، لماذا يقول النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وهو يعلمه حتى تطمئن .. أن تريض جسدك ، أى أن تريض جنباتك على الأداء الذي يليق بشأن الرب تبارك وتعالى فتطمئن ، تركع أطمئن راكع وفي بعض الروايات حتى يعود كل فقار إلى مكانه ، يعني كل مفصل يأخذ وضعه ، هذا هو ، تريض ، هنا قال له ( فإذا فرغت فانصب ) أي أدخل التمرين بقوة وليس متلهى..الناس حالياً تروح ما يسمى (الجيم) تأكل كثير فتعمل كروش وتعمل دهون وتصرف كثير عشان تنزل اللي أكلته ثم توقف الجيم فيأكل كثير ويربي دهون ويجري عشان ينزلها ، طيب لا تأكل كثير أصلاً وبالتالي لا تحتاج للجري ، وهل في مقابل الجري تصلي.. في المقابل تعرق هناك ولما يقولك خلص التمرين يا كابتن تقوله ليه الساعة لسه وعايز تزود لعل ذلك قد يعوضك ، وأنت لما رحت الجيم كنت ثقيل جداً وأصبحت مرن وخفيف ، نحن نريد منك كما أراد الله تعالى وهو أن تكون خفيفاً في الصلاة ، أن تكون خفيفاً في قيام الليل ، لما أمر النبي ( صلى الله عليه وسلم ) بذلك كان يُقيم حتى تفطرت قدماه ، عائشة رضي الله عنها قالت يا رسول الله غفر الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر وتقوم حتى تفطرت قدماك قال:" يا عائشة أفلا أكون عبداً شكوراً" ، ( فإذا فرغت فأنصب ) أدخل التمرين بجد ، أدخل العبادة بقوة حتى تريض نفسك ، حتى تحب الصلاة ، حتى تحب القيام ، حتى تحب تلاوة القرآن بترييض اللسان وهكذا ، تريض فإذا فرغت فأنصب حتى تتعود ، فإذا تريض العبد هان عليه الأداء ، وإذا هان عليه الأداء عُظم إيمانه لأنه أصبح عليه قيام الليل وصلاة النوافل أمر هين عليه..يطمئن في صلاته فيزيد الإيمان ، ولما يزيد الإيمان يُرزق الصبر ، فإذا رُزق الصبر لا يعاني مع العسر ولذلك قالوا :" أهل المقامات لا عسر لهم" ، كيف لا عسر لهم ، أهل المقامات الشيخ فلان مريض وفلان عنده سرطان والأخ فلان عنده قولون تاعبه وبتروا له كذا وهذا كذا وهذا كذا.. طيب فين لا عسر لهم ، من قال أصحاب الدين لا عسر لهم ، ليس معناه لا يقع أو لا يحل بهم عسر إنما معناه أنهم يُرزقوا يسر الصبر الذي يُهون كل عسر ... تنبه أيوب عليه السلام كان نبياً وكان مبتلى بلاءاً شديداً حتى أنه من فرط أمراضه وسوء صورته المرضية وسوء حالته نفر منه كل أتباعه فحتى لم يبق إلا أثنين هذان كانا يأتيانه ويختلفان عليه فوقف مرةً من المرات من كثرة ما وجدوا من معاناته في المرض قالوا ما هذا العبد لعله أذنب ذنباً فابتليَ بهذا البلاء الذي لا يُطاق..عندئذٍ دعى ربه فقال {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ } [الأنبياء: 83] ..متى قالها؟..الضر هنا بمعنى المرض هو مريض لعشرين سنة وأكثر لكن الضر هنا هو سوء ظن أصحابه وأتباعه به ، أن يُظن به أنه صاحب سوءٍ وأنه يُعاقب على هذا السوء مع أنه كان صاحب مكرمة ، لأنه كان مريضاً أمراض تأفف منه كل من حوله فكيف كان دواءه ، كيف كان يسره؟..هو الصبر ولذلك الناس تقول لك يا صبر أيوب..بمعنى أنه ضُرب به المثل في الصبر ... إذاً كان يسره في صبرٍ خفف عنه ما لا يُطاق...نسأل الله أن يرزقنا ذلك وأن يجعلنا وإياكم من المهتدين ... وأما التدريب الأخر كلمة أختم بها ليكتمل المعنى هو تدريبُ القلوب ، تريض القلوب ( وإلى ربك فأرغب ) أن تقطع الرغائب في الدنيا ، أن تقطع الرغائب في ملذات الدنيا وأموال الدنيا وأملاك الدنيا وتجعل الرغبة كلها في جمعيتها إلى الله سبحانه وتعالى بحيثُ يكون همك مرضاته ،  أنت راغبٌ إليه درب بدنك ريضه بالنَصَب في العبادة بعد ما تفرغ ، أذن الله لك في عمل الدنيا وأذن الله لك بالإنشغال بأمر الدنيا لتقوم بمعاشك وولدك ولكنه لم يجعل لك فراغ بمعنى أن رجعت من الوظيفة الساعة أثنين وعندي فراغ لثاني يوم ، لا..فإذا فرغت فأنصب ، عندك برنامج تلاوة وردك كل يوم وأذكارك التي تتركها وأعمال البر والقيام بالنوافل وقبل أن تنام شيءٌ من القيام يخفف عنك الوطأة ويقربك من الرحمن وهكذا ( فإذا فرغت فأنصب ) تريض الأبدان ( وإلى ربك فأرغب ) تريضُ القلوب ...

أسأل الله أن يرزقنا وإياكم حسن العمل وإن يرزقني وإياكم صبراً يهون علينا ما نحن فيه من عسر ... اللهم أفرغ علينا صبراً وتوفنا مسلمين ... اغفر لنا وأرحمنا وعافنا واعف عنا ... اللهم أهدنا فيمن هديت وتولنا فيمن توليت وقنا وأصرف عنا شر ما قضيت ... اللهم اغفر لنا مغفرةً تُرضيك عنا وتُسكنا بها جنتك ... خفف الوطأة علينا يسر عسرنا وفرج كربنا وأشف مرضانا ... اللهم يارب أهدنا فيمن هديت ... اللهم يارب اغفر لنا ولوالدينا وأجعلنا هداة مهتدين وصل اللهم وسلم على محمد وعلى أله وصحبه أجمعين ... أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم ... سبحانك اللهم وبحمدك اشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك ...

وكتبه : أم مصطفى موسى...

راجعه وصححه وضبطه:

د / سيد العربى...

 

 

 




واحة العقيدة - موقع فضيلة الدكتور السيد العربي بن كمال
 
الجمعة ... 15 – 6 – 2018... ماذا بعد رمضان ؟؟
الجمعة ... 8 – 6 – 2018... كيف تُحدد ليلةَ القدرِ ولماذا ؟؟
الجمعة...1 – 6 – 2018... ما ثمرة من كفر بالطاغوت وآمن بالله؟؟
الجمعة ... 25 – 5 – 2018... كيف نحقق " فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله"؟
الجمعة ...18 – 5 – 2018... فضل اللهُ شهرَ رمضان فكيف قابلت هذا التفضيل؟
الجمعة ... 11 – 5 – 2018... ممن بلغ رمضان معرضٌ..ومستحيى..ومأويٌ
الجمعة ... 4 – 5 – 2018... ما هو توحيد الله فى ذاته وشأنه وتوحيد الله فى حقه؟؟
الجمعة ... 27 – 4 – 2018... لماذا اهتمَ القرآنُ ببيان دقائق صفات المنافقين؟؟
الجمعة ... 20 - 4 – 2018... ما هى عمارة شعبان بالبر والعبادة؟؟
الجمعة...13- 4- 2018... ما هو أعظم اليسر مع أى عسر؟؟
 
art4islam
جميع الحقوق محفوظة لموقع واحة العقيدة - 1431 هـ

فتاوى فى إنتظار الرد: 25