أعلى
أعلى
جديد الموقع
 
الجمعة ... 16 – 11 – 2018... إحذر أن يكون عملك بين الشرك والابتداع
الجمعة ... 9 – 11 – 2018 ... مذهب الحق فى علاقة العمل بالإيمان
الجمعة ... 2- 11 – 2018 ... إيمانك هو ملف اتهامك وموجب عقوبتك
الجمعة ... 26 – 10 – 2018
الجمعة ... 19 – 10 – 2018 ... موقف المؤمن والمنافق من المحكم والمتشابه
الجمعة ... 12 – 10 – 2018 ... ياليت عندنا عقيدة وفهم الهدهد!!
الجمعة ... 5 – 10 – 2018 ... اين تقع مشيئة العبد من مشيئة الله؟؟
الجمعة ... 28 – 9 – 2018... الصبر زاد الطريق كيف تتدرب على تحصيله؟؟
الجمعة ...21 – 9 – 2018 ... أكبر الخذلان تقديم نعيم الدنيا على الجنة
الجمعة ... 14 – 9 – 2018... الهجرةُ حجةُ الله على خلقهِ
 
القناة الرسمية للدكتور سيد العربى..على اليوتيوب
فيديوهات د.السبد العربى
صفحة صوتيات السيد العربى على اسلام واى
ملتقى اهل الحديث
ملتقى اهل السنة
الشيخ ابو اسحاق الحوينى
الحور العين
 
كيف تُيسر العُسرى؟؟ -
كيف تُيسر العُسرى؟؟
2 - 7 - 2018

كيف تُيسر العُسرى؟؟

الجمعة ... 29 – 6 – 2018

للدكتور / سيد العربى...

وإن الحَمْدَ للهِ، نحْمَدُه، وَنسْتَعِينه، ونَسْتَغْفِره، ونَعُوذ باللهِ تَعالَى مِنْ شرُوِرِ أنفُسِنا، ومِنْ سَيٍئات أَعْمالِنا، مَنْ يَهْدِه الله فَهوَ المُهْتَد، ومَنْ يُضْلِل فَلَنْ تَجِدَ له وَلِيًا مُرْشِدًا، وأَشْهَدُ أَنْ لا إله إلا الله وحده لا شَرَيك له، وأشْهَدُ أنْ مُحَمدًا عَبَدَهُ، وَرَسوله، وصَفَيه مِنْ خَلْقِه، وخَلِيله، صَلَوات اللهِ وسَلامُه عَلَيْه، وعلى مًنْ تَبِعَ هداه بِإحْسانٍ إلى يَوْمِ الًدِين.
(يا أيها الذِينَ آمَنوا اتَّقوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَموتُنَّ إلا وَأنتم مسْلِمُونَ) [آل عمران: 102[.
(يَا أيها النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءَ وَاتَّقواْ اللهَ الذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ أن اللهَ كان عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء: 1.[
(يَا أيها الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب: 70-71] ... وبعد؛
فإنَّ أصدقَ الحديثِ كتابُ اللهِ ، وخيرَ الهَديِ هَدْيُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم, وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ مُحدثةٍ بِدعة، وكلَّ بِدعةٍ ضلالة، وكلَّ ضلالةٍ في النّار ... ثم أما بعد...

عباد الله تناولت في مقال سابق في غير هذا المحل المبارك ما يتعلق ببداية سورة الليل محاولة أن نأخذ من معين النور ومن الهدى القرآني من القرآن الكريم بعض ما فيه من الهداية ولنتستضيء بنوره عسى أن تنشرح صدورنا وتهتدي قلوبنا وهذا أمرٌ ينبغي أن يهتم به كل مسلم إذ ليس هناك نورٌ وهدى إلا في كتاب رب العالمين وما يتبعه من سنة النبي الأمين ( صلى الله عليه وسلم ) ... يقول الله تعالى.. بسم الله الرحمن الرحيم: { وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (2) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (3) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (4) فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10) وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (11) إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (12) وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى (13) فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (14) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (15) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (16) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (17) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (18) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (19) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (20) وَلَسَوْفَ يَرْضَى} [الليل: 1 - 21]... 

ولقد وقفت في المقال السابق عند قول الله تعالى فسنيسره لليسرى ، بعد ما عرفنا قسم الله عز وجل بالليل حال إغتشائه لكل ما يتعلق بالليل في جزء الأرض وتجلي النهار من بعده وما في ذلك من الأيات العظيمة ثم ما في خلق الذكر والأنثى من أيات عجيبة ثم بعد القسم المقسم عليه ( إن سعيكم لشتى ) وعرفنا أن شتى جمع شتيت كجرحى وجريح ، وأن هذا الشتيت يكون في السخص الواحد ويكون في مجموع الناس ، فالواحد منا قد يكون له من شتيت المسعى وشتيت السعي والمسلك فإن أجتمع معه الأفراد الأخر إزداد ذلك الشتيت في المسلك ... ( إن سعيكم لشتى ) فمن هذا الشتات الشيء وضده فضرب الله مثلاً أو تقعيداً لأصل الأصول في مسلك الإيجاب ومسلك السلب ، فخالف الإيجاب (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى) وهذا من بديع القرآن وعظيم إعجازه أن يجعل الدين كله ويجمع كل مقتضى الإيمان ومقتضى مسلك السلامة الذي يؤدي إلى رضا الرحمن في ثلاثة أمور الإعطاء والإتقاء والإيمان ... فأما من أعطى هذا الإعطاء ، وأتقى هذا الإتقاء ، وصدق بالحسنى هذا الإيمان ... فوصف أهل المسلك الإيجابي أو أهل المسلك المفلح الذي يترتب عليه الفلاح أتصفوا بثلاث صفات  :  الصفة الأولى هي الإعطاء والإعطاء ليس متعلق بالمال بإعطاء العلم وإعطاء العدل من السلطان وإعطاء البر والإحسان والمال يعني كل ما يمكن أن يُعطى مما يأخذه في المقابل آخذ ، فبر الوالدين إعطاء ، والإحسان إلى الأهل والأولاد إعطاء ، وتعليم العالم للمتعلم إعطاء ، وبذل ذي السلطان من سلطانه ليقر العدل إعطاء ، وصاحب المال إنفاقه في وجوه البر عامةً وخاصة إعطاء ، فالإعطاء لا يقف على المال فقط ( فأما من أعطى وأتقى ) أي خاف ربه عز وجل وسار مسار أن يتقي غضبه ويتقي سخطه وأن يتقي عذابه كان ذلك هو مسلك الإيمان ومسلك الفلاح ومسلك الذين يطلبون السلامة في دينهم بشرط أن يكون الإعطاء والإتقاء قائمٌ على قاعدة الإيمان ( وصدق  بالحسنى ) فهذا من أعجاز القرآن البديع ، تخيل الدين كله يجتمع في هذه الثلاثة ألفاظ ( فأما من أعطى وأتقى وصدق بالحسنى ) فسيكون الجزاء ( فسنيسره لليسرى ) واليسرى هي كل مسلكٍ يؤدي إلى ما فيه اليسر والتيسير على العبد بمعنى اليسرى ليست هي مجرد مسلك دنيوي أو ليس مجرد أن ييسير له ما يكون فيه من ضنكٍ أو كربٍ أو ما شابه ، هي تلك المسالك التي تؤدي إلى سعادة الدنيا وسعادة الأخرة ... قالوا اليسرى هي الجنة وقالوا اليسرى هي رضا رب العالمين الباعث على كل فضل وقالوا اليسرى هي توفيق للطاعة والعبادة في الدنيا بما يترتب عليه الثواب والأجر الوفير في الأخرة ، كل خصلة تؤدي إلى اليسر ، اليسر التعبدي ، اليسر بين العبد وربه فالعبد لا يمكن أن يؤدي طاعة إلا إذا يسرها الله عليه ، والعبد لا يمكن ان يمسك عن معصيةٍ إلا إذا بغضها الله فيها وأعانه على تركها ويسر له عدم إرتكابها بأن خمد شهوته التي تطلع وتؤزه على فعلها وغير ذلك ... المهم هو أن تعلم أن اليسر ليست مجرد تفريج كربٍ أو خروجٍ من مشكل بل اليسر هي تلك السعادة الدنيوية والسعادة الأخروية التي هي مراد كل عبد مؤمن..( فسنيسره لليسرى ) ولذلك من يسر الله له أمره كان ذلك علامة من علامات رضا الرب عليه وفي المقابل  ( وأما من بخل وأستغنى وكذب بالحسنى )  هذه ثلاث صفات أيضاً : الصفة الأولى المنع التي عُبر عنها بالبخل ( وأما من بخل ) أي منع ، هناك أعطى وهنا منع ( وأما من بخل وأستغنى )  هناك وأتقى في مسلك المؤمنين ، في مسلك المفلحين ( وأتقى )  هنا وأستغنى أي أنه ظن أن ما خُول له في الدنيا وما خوله الله في الدنيا ظن أن ذلك يغنيه عن فضل رب العالمين وعن تيسير رب العالمين وعن توفيق رب العالمين في الدنيا ويغنيه يوم القيامة عما يكون للعبد من أجرٍ ومن نجاة من نار جهنم ، ولذلك كان التعبير ( وأما من بخل ) بمعنى أنه لزمه أن يؤديه ولكنه شحت به نفسه فأدى ذلك الى أن بخلٍ ، بخلِ في ماذا؟..ليس في المال فحسب بل بخلٍ في العدل من ذي سلطان ، بل بخلٍ في تعليم الجاهل من ذي علم  بل بخلٍ في بذل المعروف لأهله من والدين أو جيران أو أهل وزوج ، من قول عدلٍ مما ينبغي أن يُقال فيه بالعدل ، من حكم عدلٍ مما ينبغي أن يُحكم فيه بعدلٍ ... فكل مبذول مما ينبغي أن يُبذل ويحتاج أن يأخذه أخذ هذا هو الذي فى محل البخل والإعطاء ... المفلحون يعطون ويتقون ، والخاسرون يبخلون ويستغنون ، يعني لا يخافون ربهم ولذلك يستغنون وكأن الإستغناء هو الذي بعث على البخل ، ولذلك كانت العقوبة أو كانت النتيجة ( فسنيسره للعسرى )...

المؤمنون وصفوا بثلاث صفات : الإعطاء والإتقاء والتصديق بالحسنى ... الكفار والمخالفون والفجار وأصحاب مسالك السوء وصفوا بأنهم يبخلون أي يمنعون ويستغنون أي لا يتقون ويكذبون بالحسنى أي أنهم لا يؤمنون..فعبر عن عدم الإيمان بالتكذيب بالحسنى ، والحسنى هي كل مقتضىً إيماني حسن أعلاه الإيمان بالله وبأسمائه وصفاته والإيمان  بثوابه وجزائه ، فجزاؤه حسنى وثوابه حسنى وجنته حسنى وأعلى منه أسماؤه الحسنى وصفاته حسنى..( وكذب بالحسنى )..أي أنه فقد القاعدة الإيمانية التي تكون سبباً فى أن يعطي ويتقي فأجتمع فيه ثلاثة خصال نكدة :  بخلٌ ، منعٌ ، إستغناء..أي أنه لا يتقي أي أنه لايخاف ربه مستغنيٍ في ظل أو قائم على قاعدة التكذيب ( كذب بالحسنى ) فكان الجزاء أو النتيجة ( فسنيسره للعسرى ) وهنا بليغ من بليغ القرآن ، بلاغةٌ عظيمةٌ من بليغ القرآن ، هل في العسرى تيسير؟..إذا قلت سنيسره لليسرى إذا سمعت ذلك فاليسرى تيسر ، أما العسرى تيسر هذا أمرٌ عجيب لكن هذا ينبغي أن تتفهمه ، تيسير العسرى أو تيسير العسر او الشيء القبيح هو من علامات غضب الله تعالى ... هناك من يريد أن يعصي فيعسر الله عليه المعصية من باب أن ييسر له الطاعة ، هناك من يريد أن يخالف فيعسر الله عليه المخالفة فلا يقع فيها بمعنى أراد أن يزني فتجده يحاول محاولة من الحماقة أو لحظة فجور أو لحظة نقص إيمان لكنه يضرب أو يُمنع أو يُهان ولا يُحسن أن يقع في ذلك بخلاف من إذا أراد أن يزني كل ساعة وجد أسباب ذلك ، ومن أراد أن يضرب أو يشتم أو يظلم وجد ذلك والطريق إلى ذلك مفتوح وتجد أن حاله وأمره يتيسر من ظلمٍ لظلم ، من جرمٍ لجرم ، من معصيةٍ لمعصية ، تجدها مسهلة عليه ، تجدها مبسطة له ومقربة له فتسهيل المعاصي وتقريبها للعبد عنوان غضب ، ليس الوقوع في المعاصي عنوان غضب بقدر تسهيلها ، فالتسهيل عنوانٌ أبين وعنوانٌ أوكد فيما يتعلق بأن هذا العبد مغضوبٌ عليه ... فإذا ما رأيت ظالماً يظلم ثم يظلم وطريق الظلم متتابعة معه لا يقف عند حد إعلم إن هذا قد يسر الله له العسرى ، إذا وجدت أحداً يزني ثم يزني وطريقه في ذلك مُسهل فاعلم أن هذا ميسر له للعسرى وإذا وجدت سارقاً أو ماجناً أو معتدياً , إذا وجدت متعدياً فاحشاً كل ذلك عندما تجده ينتقل من سوءٍ لأسوء يكون هذا من أهل المعاصي ، هذا من أهل الميل والفجور والزنا و السرقة والظلم والتعدي والبطش ، كل ذلك يقع منا جميعاً ... الصحابة وقع فيهم مثل ذلك لكن مرة لم تقع ممن وقعت منه مرة ثانية ، ماعز رضي الله عنه زنا لكنه لم يكن زانياً ينتقل من زنا إلى زنا حتى أنه تاب توبةً جعلته من أهل الجنة ، والغامدية كذلك زنت ولكنها تابت توبةً لو قسمت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم من شدة ذلها لله رب العالمين وإنكسارها وندمها الذي جعلها تسلم نفسها ليقام فيها حد الله عز وجل لكن لم  تكن ممن يتعاطى ذلك ومسهل طريقه لها ، المعنى ليس كل من وقع في معصية فهو ميسرٌ له العسرى ولكن أصحاب العسرى الميسرة أنظر إلى المقابلة أنه سهل له طريق الباطل وسُهل له طريق الشر وسُهل له طريق المعاصي جزاءاً بما بخل وأستغنى وكذب بالحسنى ... العبد المؤمن الذي يُقيم أمره على قاعدة الإيمان ويعطي ويتقي ما أستطاع ، وأنظر المؤمنون تقع منهم المعصية كبيرة كانت أو صغيرة وخاصة الكبيرة قد تقع لكن هو يعطي في  مقابلها توبة فيتبعها توبة تمحوها ( اتبع السيئة الحسنة تمحوها ) تنبه {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ } [المؤمنون: 96] فهم يفعلون ذلك فحتى في عصيانهم ميسرة لهم اليسرى ، أيُ يسرى في واحد عصى؟  تيسر له التوبة وفعل الطاعة وندم القلب ودمع العين وهذا من الإعطاء العظيم ، الندم توبة كما قال ابن مسعود رضي الله عنه ، عندئذٍ لابد أن تستشعر الفرق ، إذا وجدت لنفسك طريقاً مسهلاً للمعاصي وطريقاً ميسراً وتقع من هذه لتلك ومن هذه لما بعدها أعلم إنك ميسراً لك في العسرى وأن هذاعنوان غضبٍ شديد لابد أن تفهم ذلك وتتدبره ، فهذه السورة جمعت كل المعاني العقدية التي ينبغي أن يتفهمها العبد وكذلك علامات يتميز بها الصالح من الطالح وتميز بها من يُقدم على الشر ومن يُقدم على الخير ومن رضي الله عنه ومن غضب عليه ( فأما من بخل وأستغنى وكذب بالحسنى ) أي منع وإستغناء وتكذيب أي عدم إيمان ، والإيمان هو القاعدة التي لا يكون إعطاءاً ولا إتقاءاً مقبولاً عند الله الا به {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا } [طه: 112]..لابد أن تفهم أن هذا شرط .. لايمكن أن يُقبل منك إعطاءاً ولا يُقبل منك إتقاءاً إلا إذا قام على قاعدة التوحيد ، على قاعدة الإيمان ... هذا فريق النجاة ، وهذا فريق المسلك الإيجابي ، وفي المقابل فريق المسلك السلبي ( فأما من بخل وأستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى ) عرفت السر البديع في هذه البلاغة القرآنية كيف يكون العسر ميسر أو بالأصح كيف يكون للعسر تيسير ، نعم هناك تيسير للعسر أن يكون مسهل لك " طوبى لعبدٍ عزم على السوء فصده الله عنه وهلاكٌ لعبد وضياعٌ لعبد لم يهم بالسوء ثم تفتح له أبوابه فيقتحمها بلا مشقة ، يعني هناك من يعزم على السوء.. غفلةً.. شهوةً.. تقليداً.. لصحبة سوءٍ.. عرضاً ولكن الله عز وجل يصعبها عليه يغلق دونه الأبواب...وهناك من تسهل له أبواب الباطل وأبواب التعدي والظلم والفجور والمعاصي والمخدرات والزنا وما شابه والعقوق والظلم والإساءة للجيران وعدم رعاية الأهل والأولاد وعُد من المخالفات تجدها مفتوحة أمامه ، تجده والعياذ بالله عبد سوء ..( فسنيسره للعسرى وما يغني عنه ماله إذا تردى ) هذا العبد الذي أستغنى ، هذا العبد حمله إستغناؤه على ألا يعطي ، على أن بخل ، هذا العبد الذي يُعاقب بأن تيسر له أسباب الشر وتُفتح له أبواب المعاصي وينتقل بينها كما يتجول في المراعي ، هذا العبد يُوبخ أو ينكر عليه ذلك المسلك فيقال ( ما يغني عنه ماله إذا تردى ) إيش ينفعه ماله الذي ركن إليه وظن أنه بماله أنه بما يملك يعمل كذا ، (أشتريك بفلوسي أجيب عشرة زيك وأجيب زي بيتك زي اللي أنت قاعد فيه وهكذا) إستغناءاً وإستعلاءاً وإءستكباراً لماذا؟..لأن القلب فقد الإيمان ، والمسلك فقد الإتقاء وهو قائمٌ على البخل والإستغناء فهذا لا يبعث إلا على الكبر والغرور عفانا الله و إياكم لأنك تستغنى مهما أُعطي..{كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (7) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى}[العلق: 6 - 8].. تنبه قد يجد الإنسان عنده بعض الأموال أو عنده بعض المتاع أو عنده بعض العرض أو عنده بعض المبنى أو السكنى فيتطاول بها على الأخرين ويتميز ويغتر ويتكبر وما يدري المسكين إنه سيموت ويترك ذلك وأنه لن يغنيه إذا مات ( وما يغني عنه ماله إذا تردى ) أيش ينفعه ماله هذا إستنكار عليه ، هذا إستفهامٌ إستنكاري أي أنه عندما يتردى والتردي له حالتان : تردي في الدنيا..وتردي في الأخرة ، التردي هو السقوط من أعلى ، والتردي هو وصفٌ لمن كان على شيء شاهق ثم سقط منه كالذي يسقط من فوق الجبل أو يسقط في بئرٍ عميق يسمى تردى .. والتردي إما أن يكون في الدنيا بأنه يتردى في قبره.. أنت تأتي بالميت قد يكون أباك ، قد يكون ولدك الذي تحبه وتحمله ثم تلقيه في الحفرة ترديه في الحفرة فهذا تردي ... وأما التردي الأعلى ، وأما التردي الأهلك هو أن يتردى في نار جهنم حتى يكاد أن يصل إلى قعرها عفانا الله و إياكم ( وما يغني عنه ماله إذا تردى ) سواءٌ تردى في القبر أو تردى في جهنم ، لو كان معه مثل الأرض ذهب ، لو كان معه الأرض ومثلها أضعافا مضاعفة ..مئة أرض وكل أرض منهم ذهب وأراد أن ينجو بها لن ينجى من التردي أبداً ( وما يغني عنه ماله إذا تردى ) وهذا معناه أن يتدبر العبد هذا المعنى فيعلم علم اليقين أن المسكين المغبون الموكوس هو من أُعطي من الدنيا عرضا ثم ركن إليه فبخل به وأستغنى به عن ربه ، عن رضا ربه ، عن ثواب ربه ، عن البعد عن عذاب ربه فبعثه ذلك على أن يتكبر ويتجبر ويستشعر كينونته وهو عند الله عز وجل بلا إيمان كالجعلان وإن الجعلان ليتكأكأ بأنفه في الخراء أعزكم الله ... المتكبرون يُبعثون يوم القيامة أمثال الذر ، وهو النمل الصغير الأسود والكبير منه يسمى نمل ، تنبه من باب أنهم كانوا في الدنيا منتفخون يستشعرون ألا موت ولا أخرة ..وأن ما في يديه من أي شيء من مال من عرض من سلطان من كذا ..باق وأنه به يكون شيء ..سبحان من لا إله إلا هو ، سبحان من جعل عنوان العبد ما في قلبه من إيمان.. فلا يعلو العبد بمالٍ ولا يعلو العبد بسلطان ولا يعلو العبد بأهلٍ وأقرباءٍ وقبيلة وعشيرة بل لا يعلو العبد إلا بما في قلبه من إيمان ( فأما من أعطى وأتقى وصدق بالحسنى فسنيسره للحسنى ) هذا هو سبيل النجاة أما أن يظن العبد أن له كيانٌ بغيره ، ولذلك أنت ترى أن من أعطي من الدنيا عرض تفاخر به على غيره ومن كان ليس له فإنه دائماً يستشعر أمام أصحاب العرض بالمسكنة والقلة ووالله ما حوى قلب عبد إيمان إلا وأرتفع بذلك الإيمان ..{وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } [آل عمران: 139] ..صاحب الإيمان تجده متعال بما حوى قلبه من إيمان وبصيرة ..فإن قابله ذي سلطان يستشعر أنه أعلى وأنه لن يُصيبه ذي سلطان في نفسه إلا بما كتب الله عز وجل ولن يبلغ ذو مالٍ بماله إلا بحسب تقدير الملك ، وأن أصحاب الأموال إنما هم مغرورون وأنهم ينظرون إليهم {وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ} [القصص: 80] ..هذه نظرة المتعالي بإيمانه ، أما الموكوس أمام مظاهر الدنيا والذي يقف أمام أهل الدنيا تتخبط ركبه من شده إعجابه أو فزعه أو خوفه أو رهبته مما يملك عرض دنيوي سواءٌ كان عرض مالياً أو متاعياً أو سلطانياً أياً كان ... إعلم تماماً أنه لا ترتعد فرائص قوم أمام أصحاب الأعراض إلا إذا خلت قلوبهم من الإيمان حتى أنهم يقولون من شدة الرهبة ومن شدة الإعجاب { يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [القصص: 79] ، بمعنى يا ليت لنا مثل ما أوتي فلان من أصحاب كذا وكذا ، أما أهل الإيمان فإنهم يعلمون إنه لا كرامة إلا بالإيمان {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ } [الحجرات: 13] ..( فسنيسره للعسرى وما يغني عنه ماله إذا تردى ) ولذلك إذا رأيت صاحب مال أو ذي سلطانٍ أو ذي أعراض وعماراتٍ وأملاكٍ أنظر له عندما يكون في القبر إذا نظرت له في الدنيا إذهب عدة مرات إلى الأمام وقل هذا سيكون في القبر ماذا؟  سيكون جيفة وسيكون قبره حفرة من حفر النار وسيكون أوكس وأهون على من الجعلان لأنه تعاظم في الدنيا بما لا يتعاظم به وأستعلى في الدنيا بما لا يستعلى به ... إذاً ما الذى يستعلى به؟..الإيمان .. أسأل الله أن يجعلني وإياكم من المؤمنين ...

----------------------------------------------------

الحمدُ للّٰهِ وكفى، وسلامٌ على عبادِه الذين اصطفى، وأشهدُ أنْ لا إلـٰه إلا اللّٰه وحدَه لا شريكَ له ،وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ،ورسولُه ، وصفيُّه مِنْ خلقِه وخليلُه ، صلواتُ اللهُ وسلامُه عليه وعلى آله وصحبِه أجمعين ، وأصلِّي وأُسلِّمُ على رسولِ اللّٰهِ صلاةً نحققُ بها أمرَ ربِّنا، حيثُ أنَّه قالِ: " إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً. " (الأحزاب"٥٦")..فاللَّهمَّ صلِّ على محمدٍ النبيّ ، وأزواجِه أمهاتِ المؤمنين ، وذريَّته ، وآلِ بيته ،كما صلّيتَ على آلِ إبراهيمَ إنَّكَ حميدٌ مجيدٌ...

 ( إن علينا للهدى وأن لنا للأخرة والأولى ) كأن الله عز وجل يقول لقد صار الناس مسارات شتى منها من أعطى وأتقى وصدق بالحسنى ومنها من بخل وأستغنى وكذب بالحسنى وهذا سنيسره لليسرى وهذا سنيسره للعسرى عقوبة له على بخله وتكذيبه لكن هذه المسالك كلها..الله لم يظلم أحد ولم يُعاقب أحد بناءاً على علمه بل يُعاقب كل أحد بناءاً على فعله الذي أختاره بعلمه وإن كان علم الله فينا حق ، ولو أخذنا الله بعلمه ماظلمنا ولكنه يُقيم الحجة علينا حيث أننا يمكن يوم القيامة ان نتنكر لما فعلنا أو ندعي أننا نؤخذ بالعلم ونحن إذا تركنا للعمل سنفعل خلاف ما أخذنا به بالعلم على تفصيل ليس هذا محله ... فبين الله تعالى ( إن علينا للهدى ) إن من عدل الله عز وجل ومن عظيم تفضله على خلقه أنه لما خلق الخلق ليعبدوه وبالأولهية يفردوه {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ } [الذاريات: 56] لم يتركهم سدىً  وهملا بل إنه سبحانه تعالى بين أن لهم النجدين ، بل إنه سبحانه وتعالى هداهم لما فيه نجاتهم وأعلمهم طريق الخير والشر ( إن علينا للهدى )، والهدى في القرآن على أربع معاني منها هذا المعنى المعنى الأول :  هداية الخلق لما خلقوا له {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى} [الأعلى: 1 - 3] ..خلق فسوى ثم قدر فهدى ، فهذا النوع من الهدى أو الهداية هو هداية الخلق لما خلقوا له ، هداية الرضيع ليلتقم ثدي أمه وهداية كل ذكر أن يأتي أنثاه وغير ذلك ... والنوع الثاني : هداية يوم القيامة إما إلى جنة وإما إلى نار {فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ} [الصافات: 23] كما قال سبحانه وتعالى ... وأما الهداية المتعلقة بالدين ، المتعلقة بالإيمان فهما هدايتان الهداية الأولى : هي هداية البيان والإرشاد وهي التي أثبتها الله لنفسه وأثبتها لرسوله وللعلماء ولدعاة الخير {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52]..هذه أثبتها الله لنبيه وهي التي قال الله فيها هنا ( إن علينا للهدى )  الهدى هنا هو هدى البيان والإرشاد الذي جاء في قوله تعالى {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى} [فصلت: 17]..وأما الهدى الذي هو مطلق الهداية وهو أكثر ما ذكر في القرآن وهو مراد المؤمنين ومراد الصالحين هو هداية القلوب وتوفيقها لما فيها فلاحها وصلاحها ، هداية القلوب وخلق التوفيق وإرادة البر في القلب هذا لا يملكه إلا الله وهو الذي أثبته لنفسه ونفاه عما سواه  حتى عن نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) فقال {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ } [القصص: 56]..يهدي هنا ليست معناها يبين ويرشد ولكن معناها يوفق ويخلق إرادة البر في القلب ... هذا بعجلة شديدة..مرتب الهداية أو معنى لفظ الهدى في القرآن على  أربع مراتب..هنا يقول ( إن علينا للهدى ) والهدى هنا هو الإرشاد والبيان والدلالة ، دلالة إلى طريق الخير وتميز طريق الخير من طريق الشر ( فهديناه النجدين فلا أقتحم العقبة )..( إن علينا للهدى ) أي إن الله سبحانه وتعالى لم يقدر أن يجعل لعبدٍ تيسيراً لليسرى ويجعل لعبدٍ تيسيراً للعسرى ويجعل لعبدٍ خيراً ويجعل لعبدٍ عقوبةً بعلمه ولو كان ذلك ما كان فيه إلا العدل المطلق ولكن بما يختاره العبد تكليفاً ولا يختار العبد تكليفاً إلا إذا عُرض عليه ما يُختار فهداه الله عز وجل ، ما من عبدٍ إلا وهداه الله عز وجل أو بالأصح عرض عليه الهداية ، الحلال بين والحرام بين تنبه ، فلذلك من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ، العبد بحسب ما يختار تنبه لذلك ، ( إن علينا للهدى ) الذي يفرق بين المهتدي والضال ، بين المعطي وبين المانع ، بين المتقي وبين المستغني ، بين المؤمن وبين المكذب هذا يكون بعد الهداية لأن الله يقول {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ} [التوبة: 115] هذه قاعدة {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15]..لا يؤاخذ الله عبداً بعلمه أبداً بل لابد أن يبين له ما يتقي ويبين له طريق الخير من طريق الشر فقال عز وجل ( إن علينا للهدى وإن لنا للأخرة والأولى ) أي ليعلم العبد أنه إن ظن أنه يمكن أن يُنظم لنفسه أمر الدنيا بحيث يكون ذو مالٍ ولا ينفق هذا المال إلا ليجعل جنته في الدنيا ، كثيرٌ من الناس وهبهم الله المال فتنة بحيث أنه لما أوتاهم الله المال يريدوا نساء ( يشتروا النساء زناً يعنى ) ، عايزين مخدرات ، عايزين خمور وكأنه ينقل الجنة الأخروية إلى الدنيا ، طبعاً ما فيش جنة أخروية في الدنيا ، الجنة التي يرسُمها كل ذي مالٍ فجوراً هي في الحقيقة عين جهنم ، عين العذاب لأنه ظن أن ما ينفقه على شهواته التي تحرق قلبه والتي تسود قلبه بالران يظن أن ذلك إستمتاعاً يعوض به فقد الجنة ، كثير من الناس مذهبهم أحيني اليوم وأمتني غداً ، كثير من الناس مذهبه أحنا لن نعيش مرتين أستمتع يا بني بحياتك ، أستمتعي يا بنتي بحياتك ليه تلبسي خيمة وتلبسي سواد وتغمغمي نفسك ليه؟؟..أستمتعي بجمالك وبحلاوتك ..كلام لم يوحي لهم به إلا الشيطان {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ } [الأنعام: 121] ..كثير من الناس مذهبهم أن تنتقل الجنة الأخروية إلى الدنيا فإذا أوتوا سلطان أو إذا أوتوا مالاً أو أعراض ..فينبغي على طريقته أن يسهر في الكباريهات والفنادق يتقلب بين نساء ماجنات يأتي بالمشروبات والمخدرات من باب أن يحيا ويتمتع وهذا في الحقيقة وإن كان يستشعر أنه متعة إنما هو تسويدٌ للقلب ..ولابد أن علم هنا مسألة أختم بها.. أن التمتع هو تمتع القلب ، كيف حال المبتلين وكيف كان حال من شق عليهم الأمر في الأولين وإلى يومنا هذا ممن أبتلوا بجهادٍ وأبتلوا بأعداء ، أبتلوا بأمراضً ، أبتلوا بقلة وجد وفقرٍ شديد ، أبتلوا بأمراضٍ عظيمة كيف كان أمرهم؟..هناك منهم الشقي وهناك منهم السعيد وهم سواء ، مريض سرطان ومريض سرطان ، مظلومٌ ومظلومٌ هذا يشتكي ويتأفف وليه كده يارب وعملت أيه يارب هذا شقي ، والأخر يعاني من نفس الألام والأوجاع والأسقام ولكنه يقول الحمد لله لعل الله يكفر بذلك من خطاياي ويرفع بذلك درجاتي ، لعل الله عز وجل يجبر بذلك نقص عملي هذا من السعداء ، (سعداء في أيه يا عم هذا رجل يتأوه من شدة الألم ويتوجع) ، نعم سعادته قلبه ، عُرض عليَّ مشاكل ناس كثيرة جداً كانت تحيا بأموالٍ طائلة وكانت تتقلب في الشهوات التي ترجوها النفوس ومع ذلك لم ينتهي بهم الأمر إلا بأن صاروا أصحاب أمراض نفسية لماذا؟..لأن إمتاع الجسد مع شقاء القلب لا يُورث إلا النكد والكدر{وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [طه: 124] ..هل تعرف الضنك..قد يقول قائل هناك كفار وما أكثرهم وناس ظلمة وما أكثرهم عايشين في الرغد والوسع والعربات والبيوت والأكل والشقق أي ضنك عندهم؟..الضنك هو ضنك القلوب ضيق القلوب على إستيعاب فعل الله في العبد وما وراءه من خير ، الضنك ليس قلة وجدٍ ... هل كان أيوب عليه السلام في ضنك؟..لم يكن في ضنك ، أبتلي بالمرض الذي كان يتأفف منه الناظرون وعندما دعى ربه ، أنا أسألك سؤال هل تعلم لماذا دعى أيوب عليه السلام ربه وقال {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ } [الأنبياء: 83]..هل تعلم لماذا؟.. كان أيوب بعدما تأفف كل أصحابه وأقاربه منه ألقوه في خربة فلم يكن يختلف عليه إلا أثنان من أصحابه أو ممن يعرفونه حتى بعد طول وقت قال واحدٌ منهم للأخر لابد أن هذا العبد قد أرتكب ذنباً عظيماً فأبتلاه الله بما هو فيه فبلغ ذلك الكلام مسامع أيوب عليه السلام فتألم لذلك ألماً شديداً أن يُساء الظن به وبدلاً من أن يعتب كان صابراً محتسباً سعيداً بقلبه مؤلماً متألم بجسده الذي يحصي من ورائه مراتب عالية حتى جُعل أيوب عنوان الصبر وذكر بأنه أواب أُعطيَ مراتب إيمانية ، مراتب سعداء بالرغم من أن جسده كان متأكل لم يتألم من تآكل جسده لأنه لم يكن يشقى بذلك ولكن تألم عندما أساؤا به الظن هذا هو موقف المؤمن ، المؤمن يتألم عندما يُساء به الظن عندما يُتهم بما ليس فيه ، عندما يُتهم في دينه ، أما أن يتألم في جسده يقول لعل الله يكفر بذلك من سيئاتي ، لعل الله أختار ليَ الأقل ، أي عاقل مؤمن أو أي مؤمن ذو بصيرة عندما يُبتلى بالألم والمرض والبلاء يقول سل نفسك ، يخاطب نفسه سل نفسك أن يُعطيك الله عز وجل سلامةً من البلاء أم يؤخرها لك ويؤخر لك الألم إلى غمس في نار جهنم أيهما أخف وأيهما أيسر أن تطرح على الفراش سنوات مريضا عافانا الله و إياكم من هذا وذاك ولكن إن قدر الله ذلك أهون أم أن تغمس في جهنم أهون لا شك أن المؤمن يعلم أن هذا الأوجاع والآلام والأمراض التي يعاني منها أهون بكثير من غمسه في نار جهنم فلعل الله اختار له الأيسر هذه نظرة لا يستشعرها إلا السعداء الذين سعدوا بقلوبهم أما كثير منا يفقد تلك السعادة لماذا لأننا لا نرى السعادة إلا بتنعم الجسد ..مر ابن حجر العسقلاني المعلوم المشهور صاحب فتح الباري في شرح صحيح البخاري مر في طريقه يوما وكان على عربة له تجرها البغال ومر في الطريق برجل يهودي سمان أي يبيع السمن والزيت فقال اليهودي له أيها الشيخ أنتم يقول نبيكم (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر) وأنت ترى ثيابي وترى حالي والسمان يكون ملطخا بالزيت والدهن وثيابه وسخه مزيته فشكله وحاله مزرى..فكأنه يريد أن يقول أيّنا في السجن يعني هو يرى أنه ليس مؤمن وبالتالي هو في حالته هذه وأنت مؤمن منعم وتسير بك العربة بالبغال فقال أيها الرجل ما أنا فيه في الدنيا بالنظر إلى نعيم الأخرة وما أعد الله للمؤمنين فهو سجن وما أنت فيه من قله دنيا بالنسبة لما أعد لك من عذاب - إن لم تؤمن - في الاخرة لهو الجنة ... انظر إلى النظرة يعني المؤمن إن أعطي من الدنيا ما أعطي فهو في الحقيقة بالنظر إلى ما أعد الله له يوم القيامة في سجن وهذا الرجل وإن كان في ضيق ليس متوسع عليه فهو بالنسبة لما أعد له من العذاب الأخروي في جنة كبيرة بالمقارنة .. بمعنى أنه لو آتى يوم القيامة ووجد العذاب الذي ينتظره لتذكر أن ما كان فيه من اتساخ الثياب ودهنها جنة .. هذه النظرة التي ينبغي أن تتعمق في قلب المؤمن (إن علينا للهدى وإن لنا للآخرة والأولى) فهي كلها لله يعطيها لمن يشاء إن شاء أعطى وإن شاء منع وأما الدنيا فهو له كلها من يسرها وعسرها وضيقها ووسعها وأما الأخرة فإن الملك { لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ } [غافر: 16]..في الدنيا هناك ملوك ورؤساء وأمراء ولو شكلا أما في الأخرة لا ملوك ولا رؤساء ولا أمراء بل إن الملك له وحده فيستبين الأمر بأن يكون المالك والملك يوم الدين هو الله وحده .. اسأل الله ان يكتبني وإياكم في السعداء ولا يجعلنا في الأشقياء...

اللهم اغفر لنا ذنوبنا واسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين اللهم كن لنا ولا تكن علينا اعنا ولا تعن علينا اكتب الإيمان في قلوبنا اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان اغفر لنا ذنوبنا اغفر لنا ذلاتنا اغفر لنا عيوبنا واسترها يارب العالمين فرج كرب المكروبين وفك أسر المأسورين ورد الظلم عن المظلومين ورد علينا الغائبين برحمتك يا أرحم الراحمين يارحمان يا رحيم فرج الكرب وأزل الهم ونفس الهم اللهم يارب كنا لنا ولا تكن علينا اعنا ولا تعن علينا اللهم عاملنا بجودك واعف عنا بلغنا الحج ولا تجعلنا من المحرومين .. وصل اللهم وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم .. سبحانك الله وبحمدك أشهد أن لا إله ألا أنت أستغفرك أتوب إليك...

وكتبه : أم مجمد موسى...

راجعه وصححه وضبطه:

د / سيد العربى...

 




واحة العقيدة - موقع فضيلة الدكتور السيد العربي بن كمال
 
الجمعة ... 16 – 11 – 2018... إحذر أن يكون عملك بين الشرك والابتداع
الجمعة ... 9 – 11 – 2018 ... مذهب الحق فى علاقة العمل بالإيمان
الجمعة ... 2- 11 – 2018 ... إيمانك هو ملف اتهامك وموجب عقوبتك
الجمعة ... 26 – 10 – 2018... من اعتبر قصص القرآن حدوته فقد اختل إيمانه
الجمعة ... 19 – 10 – 2018 ... موقف المؤمن والمنافق من المحكم والمتشابه
الجمعة ... 12 – 10 – 2018 ... ياليت عندنا عقيدة وفهم الهدهد!!
الجمعة ... 5 – 10 – 2018 ... اين تقع مشيئة العبد من مشيئة الله؟؟
الجمعة ... 28 – 9 – 2018... الصبر زاد الطريق كيف تتدرب على تحصيله؟؟
الجمعة ...21 – 9 – 2018 ... أكبر الخذلان تقديم نعيم الدنيا على الجنة
الجمعة ... 14 – 9 – 2018... الهجرةُ حجةُ الله على خلقهِ
 
art4islam
جميع الحقوق محفوظة لموقع واحة العقيدة - 1431 هـ

فتاوى فى إنتظار الرد: 3