أعلى
أعلى
جديد الموقع
 
الجمعة ...7 – 12 – 2018 ... ما هى أسرار معانى يطعمنى يسقينى يشفينى
الجمعة ... 23 – 11 – 2018 ... لكل مقهور مظلوم..إن بطش ربك لشديد
الجمعة ... 16 – 11 – 2018... إحذر أن يكون عملك بين الشرك والابتداع
الجمعة ... 9 – 11 – 2018 ... مذهب الحق فى علاقة العمل بالإيمان
الجمعة ... 2- 11 – 2018 ... إيمانك هو ملف اتهامك وموجب عقوبتك
الجمعة ... 26 – 10 – 2018
الجمعة ... 19 – 10 – 2018 ... موقف المؤمن والمنافق من المحكم والمتشابه
الجمعة ... 12 – 10 – 2018 ... ياليت عندنا عقيدة وفهم الهدهد!!
الجمعة ... 5 – 10 – 2018 ... اين تقع مشيئة العبد من مشيئة الله؟؟
الجمعة ... 28 – 9 – 2018... الصبر زاد الطريق كيف تتدرب على تحصيله؟؟
 
القناة الرسمية للدكتور سيد العربى..على اليوتيوب
فيديوهات د.السبد العربى
صفحة صوتيات السيد العربى على اسلام واى
ملتقى اهل الحديث
ملتقى اهل السنة
الشيخ ابو اسحاق الحوينى
الحور العين
 
حال كل إنسان إما شاكرا وإما كافورا -
حال كل إنسان إما شاكرا وإما كافورا
15 - 7 - 2018

حال كل إنسان إما شاكرا وإما كافورا

الجمعة ... 13 – 7 – 2018 ...

للدكتور / سيد العربى...

إن الحَمْدَ للهِ، نحْمَدُه، وَنسْتَعِينه، ونَسْتَغْفِره، ونَعُوذ باللهِ تَعالَى مِنْ شرُوِرِ أنفُسِنا، ومِنْ سَيٍئات أَعْمالِنا، مَنْ يَهْدِه الله فَهوَ المُهْتَد، ومَنْ يُضْلِل فَلَنْ تَجِدَ له وَلِيًا مُرْشِدًا، وأَشْهَدُ أَنْ لا إله إلا الله وحده لا شَرَيك له، وأشْهَدُ أنْ مُحَمدًا عَبَدَهُ، وَرَسوله، وصَفَيه مِنْ خَلْقِه، وخَلِيله، صَلَوات اللهِ وسَلامُه عَلَيْه، وعلى مًنْ تَبِعَ هداه بِإحْسانٍ إلى يَوْمِ الًدِين.
(يا أيها الذِينَ آمَنوا اتَّقوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَموتُنَّ إلا وَأنتم مسْلِمُونَ) [آل عمران: 102[.
(يَا أيها النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءَ وَاتَّقواْ اللهَ الذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ أن اللهَ كان عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء: 1.[
(يَا أيها الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب: 70-71] ... ثم أما بعد:

عباد الله لا فلاح للعبد ولا توفيق في دنياه ولا إستقامة لمساره ولا هدىً يهدى به قلبه وعمله إلا من القرآن الكريم الذي أذن بأن يكون هناك مقامٌ يُوجب الإتباع للرسول الأمين فالقرآن هدانا وأمرنا بأن نتبع الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ولذلك لابد ثم لابد أن يكون تعاملنا وتفقهنا وتدبرنا كله من القرآن الكريم ... والحقيقة أن الناظر في أحوال المسلمين يجدهم إلا ما ندر للكتاب الكريم هاجر {وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا } [الفرقان: 30]..نحن نهجر القرآن ، نهجر تدبره ، نهجر فهمه ، نهجر العمل به ، نهجر الحكم به ، الى غير ذلك من وجوه الهجر أو من وجوه الهجران لذلك أجدُ لزاماً عليَ دائماً أن أستقي وأحاول أن أستقي جمع من الهدى والنور من معين الإيمان من القرآن الكريم ما ينبغي أن يُخرجنا من الهجران وما ينبغي أن يجعلنا من المهتدين وما ينبغي أن يُخرجنا من الضلال المبين لأننا لايمكن ولن يكون لنا هدىً إلا من كلام رب العالمين ... يقول الله تعالى في سورة عظيمة بينت حقيقة الإنسان وأصله وعدمه قبل أن يكون ثم سائر الخلق بحسب سعيهم ثم ما جعله الله للمتقين فضلاً عما أعده للكافرين.. الذي هو دأب القرآن والذي هو التشابه والمثاني ، التكرار الذي هو في الكتاب ليؤكد ويُبرز القضايا من الجوانب المتعددة ، مع سورة من أيات بلغت الحادي والثلاثين أيه ، هذه السورة أتناول منها بعض الأيات فيقول الله تعالى : أعوذ بالله السميع العليم  من الشيطان الرجيم ... بسم الله الرحمن الرحيم :{هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (1) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (2) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3) إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا (4) إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (5) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (6)}...

لعلي أتناول مع حضراتكم هذه الأيات وما فيها من الهدى والنور وما فيها مما ينبغي أن نتعلمه ونُخرجُ أنفسنا بتعلمه والعزم على العمل بذلك سواءٌ كان إعتقاد أو قول أو عمل من الذين يهجرون كتاب الله لأن هجران كتاب الله يجر في الدنيا إلى الضلال المبين ، ويجر في الدنيا إلى إستحسان مسالك الكافرين ، ويجر في الدنيا إلى إستقباح مسالك المؤمنين ...وتنقلب الأمور فيسير الهدى ضلال والضلال هدى عياذاً بالله...

يقول الله تعالى في صيغة إستفهام (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا) وهل أتى حملها كثيرٌ من أهل العلم على أنها خبرية ليست على سبيل الإستفهام كما في قوله ( هل أتاك حديث الغاشية ) بمعنى قد أتاك ، وهذا في لسان العرب معلوم ، إذا حدثت أحداً رأى شيئاً فتقول له هل رأيت ، وأنت تعلم أنه رأى ولكنك تقرره فكأنك تقول قد رأيت ، وهذا هو المعنى (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ) أي بمعنى قد أتى على الإنسان حينٌ من الدهر ، والدهر هو الزمن الطويل المتدد من أول الدنيا إلى أخرها ، والحين هو جزء منه سواءٌ طال أو قصُر ، فالدقيقة حين واليوم حين والسنة حين وألف سنة حين من الدهر ، فلذلك قال ( هل أتى على الإنسان ) والمقصود بالإنسان في هذه الأية سواءٌ آدم على الخصوص أو جنس الإنسان على العموم أي ما من إنسان على وجه البسيطة إلا قبل أن يكون كان لا شيء  ، كان عدماً ، كان لا ذكر له ولا زهو ولا كينونة ولا أثر ثم بعد ذلك وُجد ، فما من إنسانٍ حتى آدم عليه السلام ظل طيناً ينتظر نفخ الروح فيه أربعين سنة..( لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا) هنا يقول الله تعالى ( قد أتى ) في صيغة إستفهام ، هل أتى على الإنسان ، عليِ وعليك وعلى جنس الإنسان ( حين من الدهر ) أي قدرٌ من الزمن الذي هو جزءٌ من الدهر سواءٌ طال أو قصر ، قل أو زاد (حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا)..والجواب على هذا إن كان إستفهام فيكون الجواب نعم أتى عليً أنا حينٌ من الدهر لم أكن شيئاً مذكورا ، وأتى عليك وعلى أبيك وعلى جدك وعلى ولدك وعلى حفيدك ، أتى عليه حين لم يكن شيئاً مذكورا ، إذاً تكررت هذه الحقيقة أن كل آدمي ، كل إنسان كان في لحظة من اللحظات ، وقت من الأوقات عدم لا أثر له  ... إذاً فليس للوجود أصل إلا من عدم ، ليس وجود الإنسان أصل إلا من عدم ... (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا) وقوله مذكورا هو أقل الأثار التي تثبت وجود أحد ،يعني عندما يُقال فلان لا ذكر له ، فلان لا يذكر .. لكن عندما يقول له عمل له أثر ، له وجود ، له علو ، له رايات هذه أمور آخر كثيرة ، إنما حتى الأقل الأقل أقل القليل وهو الذكر لم يكن له ذلك ثم بعد هذه الحقيقة وتقريرها والتي إن كانت إستفهاماً ( هل أتى ) فالجواب نعم أتى على كل إنسان من الناس حينٌ من الدهر لم يكن شيئاً مذكورا ، من الذي أوجده بعد إن كان عدم (  إنا )   وعندما تسمع إنا تستشعر عظمة المتكلم لأن هذه ال " إنا "  لا تأتي إلا من عظيم ، إذ إن هذه الصيغة جمع ، إما تُقال للجمع فليس فيها تعظيم ، وإما لمفردٍ معظم ( إنا خلقنا ) وأيضاً هنا انظر إلى ضمير المخاطب أن الذي خلقنا ، إنا خلقنا الإنسان الذي ما من أحدٍ منه إلا مر عليه حينٌ من الدهر لم يكن شيئاً مذكورا تثبيتاً لشيئين : أنك أصلاً في نسب الوجود كنت معدوماً ، إذا غُرت في الزمن وبحثت عن سلسال وجودك فإنك كنت معدوماً ثم أوجدك من يُوجد كل شيء ، وهذه الحقيقة الأخرى أن الذي خلقك هو الله سبحانه وتعالى ، والحقيقة الثالثة أنك مخلوق من أشياءٍ قد تكون هذه الأشياء أنت لا تعرف عنها شيء ولكنها ليست من الأمور المقدرة المعظمة الجوهرة (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ)  هذا معناه ليس هناك من أوجدك من عدم إلا الله الذي تكلم بصيغة المخاطب المعظم (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ ) وهي الماء الذي يُنطف من الرجل ( من نطفة ) انظر وكل ماءٍ قليلٍ في إناء يسمى نطفة ، ومنه قول ابن رواحة يا نفس مالي أراك تكرهين الجنة إن أنت إلا نطفة في شَنة ، يعني قطرة من الماء في قربة ، لما تكون القربة مملؤة ثم تفرغ فيبقى منها قطرات تسمى القطرات نطفة تنبه (مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ) والأمشاج هي الأخلاط ، تقول مشج فلان شيء بشيء إذا خلطه بعضه ببعض ، فالمشج والمشيج والأمشاج الأخلاط ، والأخلاط لها عدة معاني :  أول معنى هو أختلاط ماء الرجل ببويضة الأنثى التي هي ماؤها .. تنبه هذا إختلاطٌ تركيبي وهذا المختلط التركيبي يدل على أن المكون سيخرج مختلط ، فالإنسان بنفسه هناك طولٌ وهناك عرض وهناك سمن وهناك نحافة وهناك سوادٌ وهناك بياض وهناك شكلٌ للعين .. هذا فى التركيب..وفى المعنويات هناك حلمٌ وهناك صبرٌ وهناك غلظة وهناك رحمة وهناك قسوة وهناك فجور وهناك ميلٌ للشر وهناك حنوٌ للبر ، كل هذه أخلاطٌ تكوينية ومعنوية وتركيبية ، فالإنسان فيه أخلاط في التركيب تكون من شيئين خلط بعضهما ببعض وهو ماء الرجل أو نطفته وكذلك ماء المرأة ، هذا في التركيب ، هذا في المعمل التجريبي في بطن الأم لكن هذه الأخلاط تحمل كل المكون المعنوي والتركيبي للإنسان ، ألا ترى أن الماء تركيبه الشكلي واحد والبويضة الأنثوية تركيبها الشكلي والتشريحي واحد ولكن سبحان من جعل من هذا الخليط أخلاطاً في التكوين وأخلاطاً في المعنويات والنفوس ، أنت وأخوك لا تتشابه وأنت وأبوك لا تتشابه إلا في البعض لأن أنت كنت خليطاً يؤدي إلى تركيب وإلى معنويات معينة وأبوك كان تركيب أدى لتركيب ومعنويات معينة قد يكون عندك من عند أبوك ولكن ليست صورة كربونية ، وأنا من يخاطبك وأنت من يسمع لسنا متفقين إلا في خطوطٍ عامة ، رأسٌ وكتف وذراعين ورجلين لكن تعالى حتى في تركيب الجلد ، خلية الجلد تختلف من واحدٍ لأخر ، حتى في البصمة ، حتى في العين ، كل ذلك لأنه خُلق من أمشاج وهذا سر لفظ أمشاج ( إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج ) أي من نطفة خُلطت فتكون منها مركب خليط ، هذا الخليط خليطٍ في تركيبه ما بين ماء امرأة وماء رجل ، وخليطٌ في نتيجته فينتج منه خليط مركب في تركيب الأعضاء والأشكال والصور وخليط..في النفس وخليطٌ في الطباع وخليطٌ في الأخلاق سبحان من خلق ( من نطفة أمشاج ) ولماذا خلق الإنسان هل ليعبث ، ليلعب ، ليلهو تعالى الله عن ذلك {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ } [المؤمنون: 115] ..تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً لأنه حكيم ، وجل الحكيم على أن يكون له قولٌ أو فعلٌ بغير حكمة عالية لا تبلغها العقول ، سبحان من لا تملك العقول حكمته ... ( نبتليه )  إذاً سر الخلق وعلة الخلق وعلة الإيجاد نبتليه (نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا)  إذاً علة الوجود بعد أن كان عدماً وهذه حقيقة الإنسان ، إذاً أنت كنت عدم في سلسال الوجود ثم خلقك الله تعالى ليس من ذهبٍ وفضة ولا من جوهرٍ وماس بل من أمشاج ، من نطفةٍ خلطت ثم نتج منها مركب مختلط لماذا؟..لتبتلى فلأنه خلقك لتبتلى جعلك خليط في أصل التكوين ثم كان من رحمته أن أعطاك أدوات تعينك على التكليف ، تعينك على التميز (فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) ثم بعدها (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) والعلماء يقولون في الأيات تقديمٌ وتأخير ، والمعنى إنا خلقنا الإنسان من نطفةٍ أمشاج نبتليه فجعلناه سميعاً بصيرا وهديناه النجدين ليكون إما شاكراً وإما كافورا...وهنا قال (فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) ولم يقل جعلناه يسمع ويبصر ، وما الفارق بين أن يُقال فلان يسمع وفلانٌ يُبصر وبين أن يُقال فلانٌ سميع وفلانٌ بصير؟..فارقٌ كبير جداً ، فارق كما بين السماء والأرض ، فالبقر أعزكم الله والدواب والطيور تسمع وتبصر بل من الشجر من يسمع ويتحسس الأصوات ويؤثر فيه الضجيج عن أبحاث ليس هذا محل ذكرها ، فالسمع هو بلوغ الأصوات للسامع أما السميع هو من يحلل المسموع ويصل به إلى نتائج ، فالسميع يسمع ويستنتج والبصير هو من تصله المبصرات ويستنتج منها نتائج ، فجعل الله عز وجل الإنسان الذي كان معدماً والذي خُلط من أخلاط حتى لا يتفاخر ويتعالى وحتى لا يظن أنه له خلود وأن له أيات وأنه عالٍ  وأنه ينبغي للخلق أن يعبدوه أو يكرموه أو يرفعوه رفعاً لا نزول له هو في الحقيقة كان معدماً ، وفي الحقيقة هو مخلوقٌ من أمشاجٍ مختلطة أصلها نطفةٌ من رجل..فجعله الله تعالى ليمده بأدوات التكليف بأن جعل له سمع ، هذا السمع ليس مجرد ليسمع به..بل سميع ، وجعل له بصر بحيث يكون السمع يعينه على تدبر ما يتلى عليهم من كتاب الله والحكمة ومن كلام رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ومن أمرٍ ونهي ، ومن عرضٍ لسير الأولين ومن عرضٍ لما للموحدين من جزاء كريم، كل ذلك يحتاج إلى إستنتاج ، يحتاج إلى تفكر وإلى تدبر ، ولذلك إذا لم يستعمل الإنسان كونه سميعاً ، وإذا لم يستعمل الإنسان كونه بصير ..يصير كالأنعام لأن الأنعام تسمع وليست سميعة وتبصر وليست بصيره.. ولذلك كان من عظيم أدوات التكليف الموجبة للتكليف السمع والبصر أو أحدهما بدليل أن من أمتنع عنده ومن أنتفى عندهم السمع والبصر لا تكليف عليهم ، فالأصم الأبكم لا تكليف عليه حتى يختبر في الأخرة لأنه فقد أدوات التكليف ، سميعاً بصيرا ، ليس هذا فحسب لم يُترك الإنسان بحيث كما يُقال.. الله عرفوه بالعقل ، هذه الجملة تمسك قلماً أحمر وتشطب عليها بالطول والعرض لأن الله لا يُعلم بالعقل ولا سبيل للعقل لأن يعرف ، جُعلت سميعاً لكي تستنتج الحقائق مع معرفة ربك ومعرفة حقه ومعرفة ما له من أسماءٍ وصفاتٍ عليا بسمعك بكونك سميع ، وجُعلت بصيراً حتى ترى الدلائل في الكون فتعرف {هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ } [لقمان: 11]..فتتعرف على ألاء الله بحيث أنك تنظر {أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ} [الغاشية: 17 - 20] ..ينظرون نظر البصير وليس نظر من يبصر ( إلى الأبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت ) إلى أخر الأيات التي فيها في هذه سورة أو غيرها دعوة إلى النظر في الألاء الكونية المثبتة لوحدانية رب العالمين ، كيف يعرف الإنسان ربه إن كان ليس بالعقل؟..بالدلائل التي يبنصبها الله تعالى هداية لخلقه بحيث يستعملون العقل في الإهتداء بتلك الهداية فلذلك قال ( فجعلناه سميعا بصيرا ) هذه الأدوات التي سيستعملها في الوصول (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا)..إذاً جعلك سميعاً بصيرا وهداك السبيل حتى تستعمل السمع والبصر كسميع بصير في أسباب الهداية ، ولولا أن هدانا الله ما أهتدينا ، لولا أن هدانا الله لم نكن لنعرف أن الله واحد أحد فردٌ صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ، ونحن نرى الخلق من حولنا بالمليارات يقولون إن لله ولد ويقيمون الدلائل ويجتمعون ويجيشون الجيوش لذلك ويقيمون مواكب الدعوة إلى أن لله ولد ، هل بالعقل تجابه ذلك وتثبت وحدانيته المطلقة بمجرد أنك عاقل؟..لا..لولا أن الله علمنا وهدانا وأخبرنا ما كنا لنصل وما كنا لندري ولذلك لم يكتب الله العذاب على أمة المسلمين بل كل العالمين إلا بعد إرسال الرسل {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15]..لأن الرسل هم حملة الهداية ، الرسل يجيئوا بكتاب رب العالمين ، الرسل يجيئون بالهداية من مسالكهم التي يوحي إليهم بها ربهم ، فمثلاً محمد ( صلى الله عليه وسلم ) خاتم النبيين والمرسلين هدانا بأن بلغنا كلام رب العالمين الذي نزل به الروح الأمين على قلبه ليكون من المؤمنين والمهتدين والمنشرحة صدورهم للحق المبين فبلغنا الكتاب ، القرآن كما بلغه ثم هدانا بالبيان والتفصيل بسنته التي أوحى إليه بها سبحانه وتعالى ( إنا هديناه السبيل ) لماذا خلقك من أمشاج ولماذا جعلك سميعا بصيرا ولماذا نصب لك أدلة الهداية؟..ليبتليك حتى تكون النتيجة إما شاكراً وإما كفورا ... ولكل لفظٍ في القرآن توضيحٌ كبيرٌ جداً لو كتب المفسرين والعلماء في بيانه لظل المعنى بكر يبينه لنا ربنا يوم القيامة يوم نعرض عليه ، هنا يقول الثمرة من الإبتلاء أن تصل إلى محطة إما شاكرا وإما كفورا ، وأنت معد لأن تكون شاكراً أو كفورا ، أنت تعرضت للهداية ( هديناه النجدين ) هديت إلى الطريق الخير والشر وحذرت من الشر وعاقبته وحببت ورغبت في الخير وعاقبته وجعلت معداً لذلك بسبب سمعك وبصرك ولو فقدتهم لسقط عنك التكليف..ولماذا كل ذلك؟..حتى تختار فإن صرت شكوراً فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء بإختيارك وتوفيق الله لك ، وإن صرت كفوراً فهذا من إضلال الله لك وبإختيارك وعقوبة لما أخترت وأردت ... إذاً فالنتيجة النهائية إما شاكراً وإما كفورا ، شاكر أسم فاعل حقها في اللغة إما شاكراً وإما كافراً ، إنما هنا قال إما شاكراً وإما كفورا شاكراً أسم فاعل ، وإما كفورا صفة إنتهاء لماذا؟..لأن الغالب في الأرض والأصل في الناس إلا ما قل أو ندُر الكفور ، والشاكر قليل فلذلك جاء لفظ شاكر إنضماماً للصف صف الشاكرين ، صف الشاكرين أقل بكثير {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ: 13]..الشكور من العباد قليل والمقابل الكثير من العباد وهم كفور ، فالكثير يسمى كفور والقليل يسمى شاكر ، لكن قد يكون شكور وكفور موجود في القرآن لكن هنا المقابلة تشعرك بالكم القليل من الشاكرين والكم الكثير من الكافرين...( إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ)..هذا بعدما بين الله عز وجل قضية وجود الإنسان ثم فصل في كيفية خلقه وما يتعلق بكونه أمشاج خليط ثم أنه أمده بأدوات التكليف ثم لم يتركه لنفسه ولا لعقله فيحار ويتخبط بل هداه السبيل ( إنا هديناه السبيل ) ليقتضي ذلك أو يصل الى إما شاكراً وإما كفورا ... أين يصار بالكفور؟ هناك مصير وعقوبة ما أعد الله للكافرين وهذا ما أذكره بعد الإستراحة إن شاء الله تعالى ...

-----------------------------------------------------

الحمدُ للّٰهِ وكفى، وسلامٌ على عبادِه الذين اصطفى، وأشهدُ أنْ لا إلـٰه إلا اللّٰه وحدَه لا شريكَ له ،وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ،ورسولُه ، وصفيُّه مِنْ خلقِه وخليلُه ، صلواتُ اللهُ وسلامُه عليه وعلى آله وصحبِه أجمعين ، وأصلِّي وأُسلِّمُ على رسولِ اللّٰهِ صلاةً نحققُ بها أمرَ ربِّنا، حيثُ أنَّه قالِ: " إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً. " (الأحزاب"٥٦")...فاللَّهمَّ صلِّ على محمدٍ النبيّ ، وأزواجِه أمهاتِ المؤمنين ، وذريَّته ، وآلِ بيته ،كما صلّيتَ على آلِ إبراهيمَ إنَّكَ حميدٌ مجيدٌ...

فبعدما بين الله تعالى ما يتعلق بقضية وجود الإنسان والعلة من إيجاده وأن مراده من خلقه أن يبتليهم ثم أنه أعدهم وهيأهم بأسباب التكليف والإبتلاء ، بين مسار كلٌ من الفريقين الشاكر والكفور (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا)..أما السلاسل فقد جاء وصفها في قوله تعالى {ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ } [الحاقة: 32] وليست هناك في عرف الناس ولا في أحوالهم ولا إختلاف مشاربهم ولا إختلاف بيئتهم أن يربط حيوان أو إنسانٌ أو دابة في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا ولكن هذا تعبيرٌ عن شدة النكاية و أنه سيسلسل بسلاسل غريبة عجيبة قد لم يكن يراها أبداً لأن ما في الأخرة ليس له وجود في الدنيا إلا مسمىً فقط ، سلاسل والسلاسل هي ما يربط بها الأطراف خاصة الأقدام ، الأرجل ... والأغلال {إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ } [غافر: 71]..ما يجعل في العنق واليدين ... إذاً هذا من الإمتهان والإذلال ووضع المقام للأنسان الذي وُجد من عدم والذي مكونه من أمشاج مع ذلك كلما أعطي عطاءاً من الدنيا ، يوم يكون معه ألف جنيه ولا يبقوا عشرة ولا يكملوا مئة ألف..يريد أن يقتل من حوله أو يتجبر فيهم وإذا سمعت المتكلم من أي وصفٍ ومن أي مقامٍ ومن أي مقالٍ أنا وأنا .. أعلم أنه نازع الله سبحانه وتعالى إزاره وردائه وهو الكبرياء تنبه لأن الكبرياء ينبغي ألا يكون إلا لله لأنه ليس أحد عنده مقتضى ما يتكبر به ويعلو به إلا الله ، أما أنت فما أعطيتم تتكبر به فيأخذه منك تصير ذليلاً وتمد يدك بعدما كنت متكبر متجبر ، العافية تجعلك متكبر متجبر ، الأموال تجعلك متكبر متجبر ، السلطان يجعلك متكبر متجبر ، يأخذها منك ويأخذها منك بكن لا يأخذها منك بسنين ومجهود وقوات بل بكن فتصير بعد إن كنت متكبر بعافيتك مريضا ذليلاً وبعد أن كنت قوياً بمالك فقيراً ذليلاً ، وبعد أن كنت متكبر بسلطانك حقيراً وضيعاً ذليلاً ، فالكبرياء لله وحده ولذلك جُعلت السلاسل والأغلال حتى يتدبر العبد إن كان يتدبر ومن لا يتدبر فيبكي على نفسه لأن القرآن هدىً ونور {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ } [المائدة: 15]..هذا الكتاب وصفه في ما يتعلق بنزوله ، نزول كتاب على عيسى وموسى ومحمد بأنه هدىً ونور ، هذا الهدى والنور أن لم تتدبره فأبكي على حالك لأنك دخلت في خندق الهلاك إذ لا نجاة إلا بتدبر الكتاب حتى تعرف أين أنت ، واقف أم قاعد ، وأين إيمانياً وأين إهتداءاً وأين تكليفاً أين في حق الله عليك حتى تستعد قبل الموت لأنك بعد الموت " إذا مات ابن آدم أنقطع عمله "  إذاً العمل بالنسبة لك ينتهي وجوده وينتهي أثره وإمتداده عند القبر ( إنا أعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالاً وسعيرا ) سلاسل للإذلال ، وأغلال في الأعناق إمعاناً في الإذلال والوضع لأنه كان متعاظماً في الدنيا ، وسعيرا ... بهذه الهيئة المسلسلة المغلغلة يلقى في سعير والسعير هي تلك النار التي كلما خبت استعرت نسأل الله أن يحرمنا على جهنم وأن يحرمنا على النار وأن يحرم أجسادنا عليها ، ولذلك هذا سر من وصف السعير بأنه يأتيك بالسلاسل والأغلال حقيراً وضيعاً ثم تلقى وأنت بهذه الذلة في السعير ( إن الأبرار ) الفريق الأخر ، الفريق الشكور ، الفريق الشاكر ، الفريق المؤمن هنا ذكرهم وقال كأن الشكر يجعلك باراً..والبار هو من أتسع خيره وأصله من البر ، أنت تقول الشط والبر ، البر هذا الصحراء السهلة الممتدة ، فكل من كثر خيره يسمى أو يُوصف بأنه بار أو بر ، ولذلك لأنه ما من أحدٍ كثُر خيره وممتدٌ خيره إلى الأبد مثل الله عز وجل فلذلك سميَ بالبر {إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ } [الطور: 28] سميَ البر سبحانه وتعالى لكثرة خيره.. (إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا)..وقف معي ثواني كلمة كأس معناها القدح الذي يُملأ خمراً ، فعندما تقول فلانٌ شرب كأس من غير ذكر كلمة خمر فقد شرب خمرا..ولذلك الأية ذكرت الخمر بالمعنى ( إن الأبرار يشربون من كأسٍ ) - ومن لها أمر لوحدها - وليس في كأسٍ لكن من كأسٍ ، لا يسمى كأس إلا إذا كان فيه الخمر ، فإن كان فارغاً يسمى قدحاً (إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا) الشرابُ دائماً عادة الإنسان مهما كان مستواه إذا قُدم له شراب لا يعرفه تجده تلقائيا يشمه ، قد لا يقال له شمه أو تحسسه لكن لا إرادي طالما أنه لم يشربه ولم يعرفه من قبل إشارة إلى أن الرائحة مقدمة عند الشارب عن الطعم وأنه إذا أستقبح رائحتها حتى ولو كان طعمه مقبول قد لا يشربه ، هنا قال مزاجها كافورا ، تشويقاً للمؤمنين أي أن شرابهم خمر الجنة وهذا الخمر ممزوجٌ بالكافور ، والعلماء يقولون الكافور هو طيبٌ لينٌ باردٌ يؤتى من أشجار في الصين والهند وهو من أطيبُ وأنفس العطور أو الطيب عند العرب ، الكافور الطبيعي لا أقصد المصنع .. هنا قال أنه يشرب كأساً ، يشرب خمراً ومذاقه عظيم لأنه خمر الجنة ولكنه مُزج بما يُطيب رائحته فيجعل النفس تشتاق ويكون على أطيب ما يكون طعماً وريحاً (إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا ) مزاجها يعني مزجت ، تقول مزج الماء بالعسل..( عينا ) يعني هل يشرب كأس وبعدين يلف الجنة على أن يملأه ..لا بل ستكون معه عين ، قال سبحانه وتعالى (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا) وصفهم بأنهم شاكرا وأنهم أبرار ثم أعطاهم اللقب المتمنى لكل عبدٍ مؤمن أن يعطيه الله هذا اللقب وليس هو من يقول على نفسه أنا عبد الله ، يعني أرجو أن نكون كذلك لكن إذا قال لك الله أنت عبدُ الله أو وصفك بذلك..{وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا } [الفرقان: 63] من أستحق ذلك الوصف ودخل فيهم فقد نال المراد لأن الله لا يعطي هذا الوصف إلا لمن يستحقه ( عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا ) قالوا يكون مع الرجل من أهل الجنة بين بيوته وقصوره عوداً كلما همست نفسه رغبةً في أن يشرب أشار بالعود فتقربت إليه العين أينما كان ومتى كان ، يعني العين تسير معه كما لو كان إناءاً يحمله وليست إناء لكنها عين ولكن هذا صُنع الله ونعيم الجنة الذي ما لا عينً رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر ، كلما أراد أن يشرب جاءت العين حيثما كان (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا) هذا معنى يفجرونها تفجيرا ، أي مجرد أن يشير بعود تنفجر العين بجواره ، هذه العين التي بجواره ممزوجة خمرٌ وكافور ، ولكن هنا قال عينٌ يشرب بها ، وهناك قال يشربون من كأس ، والمستحق لغةً أن يُقال عين يشربون بكأس ، إذ أن الأداة التي تحمل بها المشروب إلى فمك  يتعدى لها بالباء ، تقول شربت بالإناء أو شربت بالقارورة أو شربت بالقدح لا تقول من القدح لأنك تريد أن تذكر ما شربت به ، والعين التي يغترف منها لا يُقال عيناً يشربُ بها كأن العين إناء ، كأن العين التي تتفجر والتي يخرج ماؤها وخمرها ومزيجها كأنها كأس تشربه ، فإذا قلت يشربون من كأس تستشعر أن الكأس أنت تغترف منه وإذا قلت عين يشرب بها يستشعر كأن العين إناءٍ ترفعه على فمك ولكن الأمر ليس كذلك ، الأمرُ هو أن تعرف أن العين لها أوصاف أخروية أوصافٌ من الجنة ، أنها تتفجر تفجيرا كلما أراد العبد وجودها وجدها ، فإذا أراد أن يشرب منها أخرجت كؤوساً منها ملئت بالممزوج فلا يحتاج الإنسان بعد وجود العين أن يأتي بإناءٍ ليغترف به فإذا هم المنَّعَم ..اللهم أرزقنا ذلك ولا تحرمنا بذنوبنا ، إذا هم المنعم أن يشرب تفجرت العين حيثما أراد ، فإذا أراد أن يشرب أخرجت العين كؤوساً مملؤة لا يكون فيها السائل يغترفه الرجل أو المنعم من رجلٍ أو أمرأة ثم يبحث عن إناء إنما تخرج العين خمرها وماءها الممزوج بالكافور في كؤوسٍ تنالها الأيدي ، انظر إلى هذا المعنى كل ذلك في معنى من والباء ، تعدي بمن والباء ( إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا )  ( عينا يشرب بها عباد الله ) بها ليس منها ، السياق العربي يقتضي منها لكن هنا قال بها ، كيف يشرب العبد بها؟..لأنها تُخرج كؤوسها يمشروبها ( عينا يشرب بها عباد الله ) انظر إلى هذا الوسام ( عباد الله يفجرونها تفجيرا )....

أسأل الله العلي الكبير أن يجعلني وإياكم مما يتدبر الكتاب ويهتدي بهداه وأن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ويجعلنا وإياكم ممن يغترفون من معين النور ومن الكتاب الكريم الهدى والنور ... اللهم اهدنا فيمن هديت وتولنا فيمن توليت وقنا وأصرف عنا شر ما قضيت ... اللهم اغفر لنا وأرحمنا وعافنا واعف عنا ... اللهم أنا إلى موت فأحسن خاتمتنا وأقبضنا على طاعة يارب العالمين ... فرج كربنا وأزل همنا وأشف مرضنا وأقضي ديننا وأقضي حوائجنا ولا تحوجنا إلا لك رد الظلم عنا وبور المكر عنا وأدفع الكيد عنا وأكفنا شر كل ذي شر أنت أخذ بناصيته ... تول أمرنا وأحسن خلاصنا وأهد قلوبنا وأذهب غل نفوسنا وأجعلنا هداة مهتدين ... فرج كرب المكروبين وفك أسر المأسورين ورد الظلم عن المظلومين وأجي المستضعفين من المؤمنين في كل مشارق  الأرض ومغاربها هون عليهم ترك أرضهم وهون عليهم تهجيرهم وهون عليهم قتلهم وهون عليهم إغتصاب نسائهم ... اللهم يسر لهم بطعامهم وشرابهم ودوائهم وقضاء حوائجهم ... ورد الغائبين عنا يا رحمن يا رحيم ... اللهم رد الغائبين عنا برحمتك يا رحمن يا رحيم وصل اللهم وسلم على محمدٍ وعلى أله وصحبه أجمعين ... أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم سبحانك اللهم وبحمدك اشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك ...

وكتبه : أم محمد موسى...

راجعه وصححه وضبطه:

د / سيد العربى...

 

 




واحة العقيدة - موقع فضيلة الدكتور السيد العربي بن كمال
 
الجمعة ...7 – 12 – 2018 ... ما هى أسرار معانى يطعمنى يسقينى يشفينى
الجمعة ... 23 – 11 – 2018 ... لكل مقهور مظلوم..إن بطش ربك لشديد
الجمعة ... 16 – 11 – 2018... إحذر أن يكون عملك بين الشرك والابتداع
الجمعة ... 9 – 11 – 2018 ... مذهب الحق فى علاقة العمل بالإيمان
الجمعة ... 2- 11 – 2018 ... إيمانك هو ملف اتهامك وموجب عقوبتك
الجمعة ... 26 – 10 – 2018... من اعتبر قصص القرآن حدوته فقد اختل إيمانه
الجمعة ... 19 – 10 – 2018 ... موقف المؤمن والمنافق من المحكم والمتشابه
الجمعة ... 12 – 10 – 2018 ... ياليت عندنا عقيدة وفهم الهدهد!!
الجمعة ... 5 – 10 – 2018 ... اين تقع مشيئة العبد من مشيئة الله؟؟
الجمعة ... 28 – 9 – 2018... الصبر زاد الطريق كيف تتدرب على تحصيله؟؟
 
art4islam
جميع الحقوق محفوظة لموقع واحة العقيدة - 1431 هـ

فتاوى فى إنتظار الرد: 4