أعلى
أعلى
جديد الموقع
 
الجمعة ...7 – 12 – 2018 ... ما هى أسرار معانى يطعمنى يسقينى يشفينى
الجمعة ... 23 – 11 – 2018 ... لكل مقهور مظلوم..إن بطش ربك لشديد
الجمعة ... 16 – 11 – 2018... إحذر أن يكون عملك بين الشرك والابتداع
الجمعة ... 9 – 11 – 2018 ... مذهب الحق فى علاقة العمل بالإيمان
الجمعة ... 2- 11 – 2018 ... إيمانك هو ملف اتهامك وموجب عقوبتك
الجمعة ... 26 – 10 – 2018
الجمعة ... 19 – 10 – 2018 ... موقف المؤمن والمنافق من المحكم والمتشابه
الجمعة ... 12 – 10 – 2018 ... ياليت عندنا عقيدة وفهم الهدهد!!
الجمعة ... 5 – 10 – 2018 ... اين تقع مشيئة العبد من مشيئة الله؟؟
الجمعة ... 28 – 9 – 2018... الصبر زاد الطريق كيف تتدرب على تحصيله؟؟
 
القناة الرسمية للدكتور سيد العربى..على اليوتيوب
فيديوهات د.السبد العربى
صفحة صوتيات السيد العربى على اسلام واى
ملتقى اهل الحديث
ملتقى اهل السنة
الشيخ ابو اسحاق الحوينى
الحور العين
 
اين تقع مشيئة العبد من مشيئة الله؟؟ -
اين تقع مشيئة العبد من مشيئة الله؟؟
7 - 10 - 2018

اين تقع مشيئة العبد من مشيئة الله؟؟

الجمعة ... 5 – 10 – 2018 ...

للدكتور / سيد العربى...

إن الحَمْدَ للهِ، نحْمَدُه، وَنسْتَعِينه، ونَسْتَغْفِره، ونَعُوذ باللهِ تَعالَى مِنْ شرُوِرِ أنفُسِنا، ومِنْ سَيٍئات أَعْمالِنا، مَنْ يَهْدِه الله فَهوَ المُهْتَد، ومَنْ يُضْلِل فَلَنْ تَجِدَ له وَلِيًا مُرْشِدًا، وأَشْهَدُ أَنْ لا إله إلا الله وحده لا شَرَيك له، وأشْهَدُ أنْ مُحَمدًا عَبَدَهُ، وَرَسوله، وصَفَيه مِنْ خَلْقِه، وخَلِيله، صَلَوات اللهِ وسَلامُه عَلَيْه، وعلى مًنْ تَبِعَ هداه بِإحْسانٍ إلى يَوْمِ الًدِين.
(يا أيها الذِينَ آمَنوا اتَّقوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَموتُنَّ إلا وَأنتم مسْلِمُونَ) [آل عمران: 102[.
(يَا أيها النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءَ وَاتَّقواْ اللهَ الذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ أن اللهَ كان عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء: 1.[
(يَا أيها الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب: 70-71] ... وبعد؛
فإنَّ أصدقَ الحديثِ كتابُ اللهِ ، وخيرَ الهَديِ هَدْيُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم, وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ مُحدثةٍ بِدعة، وكلَّ بِدعةٍ ضلالة، وكلَّ ضلالةٍ في النّار ... ثم أما بعد ...

عباد الله لازال الكلام مستمر في الإغتراف من معين النور ، من الأخذ من أسباب الهدى والنور التي بسطها الله عز وجل في كتابه القرآن الكريم العظيم ، وكنت قد تناولتُ في هذا المقام وفي هذا المكان وفي غيره أياتٌ من سورة الدهر أو هل أتى على الإنسان حين من الدهر أو ما سماها بعضهم بسورة التنعم والإنعام ، وقد وصلت إلى قول الله تعالى (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (24) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (25) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا) وقد عرفنا في هذه الأيات أن الله تبارك وتعالى دل نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) ومن وراءه من المؤمنين ممن يهتدون بهديه ويستنون بسنته أنهم ينبغي أن يكونوا من الصابرين بناءاً على أن الله عز وجل له حكمٌ وله حكمة فيما يقع في كونه خاصة فيما يتعلق بالصراع بين الحق والباطل (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا ) وهذا الصبر أيضاً دل الله سبحانه وتعالى عليه وهدى الله نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) ومن تبعه من المؤمنين كيف يحصلون ذلك الصبر ويتدربون على تحصيله فقال (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً) أي صلاة الفجر وقد عرفنا في الكلام السابق أن الفرائض أحب ما يتقرب به العبد إلى ربه ، وأن الفرائض هي طريق تحصيل المفاوز والخير كله خاصة الصبر الذي يُعين العبد على الإستمرار في طريق الحق فالصبر زاد الطريق ، ومن لا صبر له لا إيمان له ومن لا صبر له لا دين له ، وصدق ابن مسعود إذ يقول " الصبر شطر الإيمان واليقين الإيمان كله " فكان من المهم أن يعرف المؤمنون أن الصبر هو أكبر وأكثر أمرٍ أمر به المؤمنين في الكتاب فيما يتعلق بتكليف القلوب وأعمال القلوب ومعظمها الصبر لأن بالصبر يستطيع العبد أن يقيم به الأوامر ، فمن صبر أطاع ويستطيع العبد أن يترك المناهي ، فمن صبر ترك ، ويستطيع العبد أن يرضى عن ربه عند وقوع المساخط من الإبتلاءات والمصائب الدنيوية ، فالبصبرتطيع وبالصبر تترك المعاصي وبالصبر ترضى عن ربك عند وقوع المصائب والبلايا وهذا لا يكون إلا بالصبر ، كيف تحصله وكيف تُرزقه من الله عز وجل ؟  يقول الله تعالى {وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [التغابن: 11] والهداية هنا هي الصبر ، أي أن من يؤمن بالله ويستقيم على ما نظمه له ربه من أسباب تحصيل الصبر يرزقه الله الصبر ويهدي قلبه به فلذلك هنا قال له وأمره كما بينت ذلك في المقام السابق (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) أي صلاة الفجر (وَأَصِيلًا ) الظهر والعصر (وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ) المغرب والعشاء ثم فليكون لك نافلة من الليل تتهجد بها لربك (وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا) هنا خارج الفرائض ثم بين له أن هذا طريق الصبر لأن الصراع بين الحق والباطل أزليٌ أبدي وأنه سيظل في صراع مع أهل الباطل فبين له كيف مساره وكيف أنهم أعرضوا عن الأخرة وأقبلوا على العاجلة فقال ( إن هؤلاء ) أي الكفار والآثمين إن هؤلاء أئمة الباطل ، أئمة الكفران والأثم (إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا ) إن هؤلاء مسالكهم ، حقيقتهم ديدنهم أنهم مقبلون على الدنيا يفتنون بها ، يقبلون يحبون العاجلة ويذرون الأخرة تنبه هذا بيانٌ إلى أن من أكبر علامات مسلك أهل الباطل الأقبال على العاجلة وترك وإهمال الأخرة ، ومن أكبر علامات أهل الإيمان الإقبال على الأخرة وعدم الإهتمام والإكتراس بالعاجلة بحيث أنها ليست هي أكبر الهم ولا مبلغ العلم ، وسميت العاجلة لأنها يُعجل أمرها وتفنى ولا يبقى منها شيء ، فالدنيا باقية بقاء الكون ، فإذا أذن الله بقيام الساعة فلا دنيا وتفنى وبالتالي هي أمرها متعجل (إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ) إن هؤلاء ما جعلهم آثمين او كافرين أو أئمة باطل أو يصارعون الحق او يعرضون عنك ولا يتبعون أمرك أو لا يقيمون لدينهم قائمة ( إن هؤلاء ) سبب ذلك كله وغيره هو أنهم يقبلون على العاجلة ويحبون العاجلة وفي نفس الوقت حبهم للعاجلة يجعلهم تاركين للأخرة ...لا يمكن أن يجتمع في قلب العبد حب الدنيا وحب الأخرة لأن حب الدنيا يطرد من القلب حب الأخرة ، وكل عبد تزينت له الدنيا وتطلعت له وتشوفت فبدأ يتشوفها وبدأ يشعر بزينتها وبدأ يشعر بملذاتها لا يمكن أبداً يقبل في نفس الحال على الأخرة ، إذ من عظيم مقتضيات الأخرة إن يعرض عن الدنيا وألا يهتم بها وألا تقع في نفسه موقعاً .. مهما قل ... دخل عمر رضي الله عنه على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وقد نام النبي ( صلى الله عليه وسلم ) على الحصير فأثر في جنبه الشريف ( صلى الله عليه وسلم ) فلما رأى ذلك عمر تأثر بذلك وقال يا رسول الله أولئك ملوك فارس وكسرى ينامون على الحرير وأنت تنام على الحصير حتى أثر في جنبك فقال أنت في ذلك يا ابن الخطاب ..وكأنه ينكر عليه تلك النظرة وهي نظرة الإهتمام بالدنيا ونظرة الإهتمام بتنعم أهلها فيها .. ثم قال له مالي والدنيا إن أنا فيها إلا كعابر سبيل .. تنبه بمعنى أنه يمر فيها مروراً فلا يكترس أنام  فيها على الحرير أم على فيها على الحصير لا يؤثر وليس هناك فارق بين هذا وذاك ( إن هؤلاء ) والضمير هنا إشارة إلى الجمع إشارة إلى هؤلاء الذين حاربوا محمد ( صلى الله عليه وسلم ) وكذبوه وأعرضوا عنه وأتهموه وحاربوا أتباعه وصدوه عما دعوته وعرضوا عليه من مالهم ظناً منهم أنه يقول ما يقول ويدعو إلى ما يدعو من الحق طلباً للدنيا كما هو شأنهم ، هم لا يطلبون بسعيهم وبوجودهم الدنيوي وبخلقتهم التي خلقهم الله عليها لا يطلبون بذلك إلا الدنيا ... فهذا يقول له لو أردت مالاً أعطيناك مالاً كثيراً حتى صرت أكثر أهل مكة مالاً ، وإن أردت نساءاً زوجناك من بناتنا أجملهن وأتيناك بهن إلى بيتك بغير مهر.. وغير ذلك مما عرضوه عليه ( صلى الله عليه وسلم ) ظناً منهم أنه يفكر بطريقتهم ... ومن أوكس ما يُصاب به أهل الدنيا أنهم يكونون في خطة وكسٍ وخسف ويظنون أنهم موفقون بناءً على طلب الدنيا والسعي وجمعها وجمع أعراضها وجمع متاعها فكلما تحقق لهم شيءً من ذلك ظنوا أنهم بذلك قد فازوا وما يدرون أن الدنيا جيفة وطلبها كلاب ، والكلب لا يسر أبداً بأن يجد لحماً مطهواً بل يُسر عندما يجد جيفة ينهش فيها لأنه هذا شأنه وهذا أمره وهذه هي خسيسة نفسه ، فالدنيا كذلك جيفةٌ لا يطلبها إلا الكلاب بينما الأخرة هي مطلب الأبرار ومطلب المؤمنين ومطلب عباد الله الصالحين ... نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم ، وكذلك يبين الله تعالى في هذه الأيات لنبيه ( صلى الله عليه وسلم ) أن هؤلاء عندما يعرضون عنك ويحاربونك ويصارعونك ويصدونك عن سبيل الله ذلك لأنهم يحبون العاجلة وبالتالي يذرون الأخرة ، هذا أمرٌ لا يمكن أن يجتمع أن يحب العاجلة والأخرة فلابد أن يذر الأخرة (إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا)..الأخرة.. تنبه في سورة يقول ( ويذرون الأخرة ) وهنا يقول (وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا) وهنا لفتة مهمة جداً كيف يكون العبد عندما يقبل على الدنيا ويكون فيها كالكلب الذي يطلب الجيفة كيف يكون قد ترك وراءه أمر الأخرة ، والأخرة لا تكون وراءه وهنا المعنى لابد أن تفهمه من إعجاز القرآن البياني ، كلمة وراء تأتي في القرآن بمعنى أمام وتأتي بمعنى وراء وهو من الألفاظ المقلوبة التي تستخدم في الشيء وضدده ، فمثلاً يقول الله تعالى {وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا} [الكهف: 79] ..هو خرق السفينة قبل أن تصل إلى الملك لأنها لو وصلت إليه سليمة لأخذها ، فكان الملك أمامهم وليس وراءهم لكن هنا قال ( وكان ورائهم ) أي أمامهم..وأيضاً يقول الله تعالى {مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ} [إبراهيم: 16] أي أمامه لأن جهنم لم تأتي بعد ولم يصلاها بعد ... بالقرآن يأتي الوراء بمعنى أمام ويأتي أيضاً بمعنى الوراء ، فإذا قال الله تعالى (إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا) كيف وراءهم ، المعنى أي أمامهم على حسب الأستعمال القرآني والبيان القرآني أن وراء بمعنى أمام أي أن هؤلاء المحبون للدنيا الطالبون لها إنما هم تركوا أمامهم أي ما يقدمون عليه يوما ثقيل ، وأيضاً إذا كانت بمعنى وراء (وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا) إذا كانت بمعنى وراء أي أنهم بدلاً من أن يهتموا بما سيقدمون عليه أهملوه وجعلوه وراءهم إشارة على عدم إهتمامهم كما يُقال لك لقد جعلت أمرك ورائك ، لقد جعلت أمر قومك وأهلك وولدك وراءك أي أهملته وأخرته وكان ينبغي عليك أن تقدمه ، كذلك هنا المؤمن يقدم أمر ربه والكافر يؤخره ويهمله فيجعله وراءه من باب أنه لا يهتم به فجاء لفظ الوراء بمعنيين ، إما بمعنى أمام وإما بمعنى وراء ، فطلاب الدنيا والمهتمون بالدنيا يحبون العاجلة ويذرون الأخرة ... ثم بين الله تعالى أن هؤلاء الذين يتمردون بأسباب القوة عندهم التي وهبهم الله بها إنه من الأمر العجيب وليعلموا أن الذي خلقهم سبحانه وتعالى (إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (27) نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا) إن هؤلاء المتمردون على الحق ، إن أولئك الذين يرون أنه أحيني اليوم وأمتني غداً وأن المطلب العظيم هو مطلب الدنيا ، أولئك من الذي خلقهم ؟  خلقهم من أعرضوا عنه..خلقهم من إستعملوا خلقه في الكفر به ، خلقهم من أستعملوا قوتهم وعافيتهم وتركيب خلقهم في الصد عن سبيله تنبه لذلك فهو سبحانه وتعالى يعلم نبيه ويعلم أولئك أيضاً (نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ) أي خلقهم من عدم والذي سواهم والذي ركبهم هو سبحانه وتعالى (وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ) والأسر أي قوة الخلق وشدة الخلق ويقال الأسر هو الرباط الشديد ، تقول أسرت الأمر أي ربطته بشدة ومنه الأسير عندما يربط ويشد..قال أهل العلم شددنا أسرهم أي وضبطنا أعصابهم ومفاصلهم برباط أعجب مما يعجب منه ، بمعنى إن الله خلق الإنسان كما قال {الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى} [الأعلى: 2، 3]..فهو خلق هذا الخلق ، وسوى جعل الخلق مسوى ، جعل الخلق غير مشوه ، جعل الخلق فيه أعجايب بحيث انه ربط مفاصل وأربطة وأعصاب بحيث تكون متينة قوية يعجب لها الرائي وهذه مسألة في الطب والتشريح في كيف ان المفاصل مربطة وكيف أن هذا القائم ليس على أربع كالحيوان كيف رُبطت حيث لا يختل ولا يقع الجزء العلوي على السفلي (نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا) فالله عز وجل إنما يمهل ولا يُهمل ، والله عز وجل رحمن رحيم يترك من عصى ويترك من تجبر ويترك من صد عن سبيله ويترك من كفر يتركه عسى أن يتوب قبل موته ، عسى أن يرجع ، عسى أن يؤوب ، ليس تركه لجبار ولا ماجناً ومن عتى عتواً ولا كافراً ولا أثماً لم يتركه عجزاً منه حاشى لله بل يتركه عسى أن يتوب ولو شاء الله تبارك وتعالى لذهب بكل كافر ثم أتى بغيرهم مثلهم في الخلق ومثلهم في العافية ومثلهم في الأسر المشدود (وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ) ولكنهم سيكونوا إذا أخذ الله قوماً وأستبدلهم يكون المُبدل أسوء والمُبدل به أحسن ، لو شاء الله تبارك وتعالى لخلق أمثال هؤلاء الذين تجبروا على أمر الله ولكنهم يكونون أطوع لله والتبديل موجود كسنة ماضية غير التبديل المتعلق بالإيمان ، فالتبديل في خلق الله على مرتبتين : تبديل الأعمار والأجيال فمثلاً الأن يولد مواليد بالعشرات والمئات والألاف حتى تبلغ الملايين ، هذه المواليد إذا كانت في بلدة ما تبلغ ألاف مؤلفة فيكون منها جيل ، هذا الجيل قد ولد وله أباء والأباء ذو عافية وذو قوة ، هؤلاء الأباء عندما يصير الذين ولدوا اليوم أباء يكون جيل أبائهم قد فنيَ وهذا أمرٌ موجودٌ فيَ وفيك نحن الأن نحيا وصرنا أباءاً وأجداداً ، أين أبائنا وأين أجدادنا ؟ لقد ذهبوا أو غالبهم وهذا يعني أن جيلاً فنى وجيلاً قام ثم تظل السنة جيلٌ يفنى وجيلٌ يقوم ، وأما النوع الثاني هو أن الله عز وجل قد يأخذ أقواماً كما يأخذ أي قرية بما يأخذهم مما قص الله علينا أمرهم فيما سبق يأخذهم لكفرهم جميعاً صغيرهم وكبيرهم ممن كفر وممن وافق على ذلك الكفر فيأخذهم وهذا الأخذ يأخذهم ثم يبدلهم فيخلق غيرهم مؤمنين ، أو يخلق غيرهم حتى يكونوا من المؤمنين كما أهلك الله ونظف الله الأرض تنظيفاً حسياً في زمن نوح عليه السلام ، في زمن نوح عليه السلام أمر الله تبارك وتعالى نوحاً أن يبتكر سفينة وأن يجمع فيها الذين ءامنوا معه ولوكانوا قلة ثم جعل الله عز وجل الماء يخرج من باطن الأرض وينزل من السماء حتى أغرق كل من على الأرض فتطهرت الأرض طهارة حسية بالماء الذي خرج من الأرض ونزل من السماء أغرقت كل كافر وكل مشرك وكل ضالٍ حتى تطهرت الأرض ولم يبقى فيها بعد هذه الطهارة الحسية إلا مؤمن وهم أهل السفينة الذين نجوا مع نوح عليه السلام ، وهذا هو الأخذ الثاني أو سنة التبديل أن الله بدلهم ... فلابد أن نعلم أن الله تبارك وتعالى يحدث حقيقة موجودة نراها لأنه قادر على أن يبدل أمثالنا تبديل أجيال أو يبدل أمثال أولئك النفر من أهل القرى الباطلة والكافرة والصد عن السبيل ، أيضا قادر على أن يأخذهم أخذ عزيز مقتدر فيفنيهم ثم يأتي بقومٍ أخرين فهذه سنة من سنن الله تعالى تنبه ... إذاً لابد أن تعلم أن الله يُخبر بذلك نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) ويُخبر بذلك كل من يسمع وكل من يتدبر ما قاله الله تعالى أن الله قادرٌ على أن يخلق بدلاً من أولئك النفر الذين أقبلوا على الدنيا فتسبب ذلك في أن يُعرضوا عن الأخرة فتسبب ذلك في أن يحاربوا أهل الأخرة ويصدوا عن سبيل رب العالمين بسبب أنهم يرون أنه لا حياة إلا الدنيا ولا فوز إلا بالدنيا ... إذاً إقبالٌ على الدنيا معه تركٌ للأخرة والإعراض عنها ثم معه محاربة لأهل الأخرة وصدهم عن سبيل الأخرة فيكون بذلك مرسوم وموصوف ومعالم الصراع بين الحق والباطل تنبه ... إذاً أمر نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (24) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (25) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا (26) إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا ) ولماذا قيل ثقيل ؟  لأنه يوم الحساب ، لأنه يومٌ كل ما يقع فيه على أحدٍ شيئاَ من مقتضيات ذلك اليوم إلا كان ثقيلا ، فالموقف ثقيل والعرق الذي يأخذ الناس بحسب أعمالهم ثقيل وإنتظار الحساب حتى يأنُ الناس ويطلبوا أن يُقضى فيهم ولو إلى النار من شدة الموقف ، ثم بعد ذلك ما يكون من الفزع ، ثم بعد ذلك ما يكون من القلق كيف سيقضى فيهم وإلى أين سيكون المأل حتى تستقر الأمور إلى أن أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار ... كل ذلك ثقيل ، شديد ، وقد وُصف ذلك في الفرآن أيضاً بأوصافٍ تشابه ذلك فهو يومٌ ثقيل ٍ ، يومٌ عسير {فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (9) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ} [المدثر: 9، 10] وغير ذلك مما وُصف به ذلك اليوم ، فهم يتركونه وراءهم وقد عرفت معنى وراء...( نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ ) الله يبين لنبيه صلى الله عليه وسلم ويبين لهم ويبين لنا ويبين لكل مخلوق ..من الذي خلق ؟  هو الله ، ومن الذي سمى ؟  هو الله ، ومن الذي شدد الأسر وأمتن الخلق وسواه وربطه ؟  (نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا) وهنا إشارة إلى أن التبديل ليس فقط في المعنى ، أو ليس فقط في المقصد والنية ، او ليس فقط في الخُلق ، فقد يبدل الله عز وجل {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ } [الرعد: 11] قد يكونوا قوم على كفر فيهديهم الله فبذلك يكون قد بدل مقاصدهم ، قد بدل مسالكهم قد بدل دينهم ...  قد يكونوا قومٌ على هدى فيضلهم ربهم لإستحقاقهم ذلك أو لما قدموه من أسباب الضلال ، هذا أيضاً نوع من التبديل لكنه هنا قال سبحانه وتعالى ( تبديلا ) أي أنه تبديلٌ مطلق أي أنه سيبدل أنفسهم وخلقتهم وأجسادهم ونفوسهم وأمرهم كما وقع في الأمم التي أخذها الله تعالى بالقوة وبالعذاب الشديد (إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (27) نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا ) إن الله يمهل ولا يُهمل ، إن الله سبحانه وتعالى يقول {فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا} [مريم: 84] تنبه ( وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا إن هذه تذكرة ) وهذا ما أبينه بعد الإستراحة إن شاء الله تعالى...

----------------------------------------------------

الحمدُ للّهِ وكفى، وسلامٌ على عبادِه الذين اصطفى، وأشهدُ أنْ لا إلـٰه إلا اللّٰه وحدَه لا شريكَ له ،وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ،ورسولُه ، وصفيُّه مِنْ خلقِه وخليلُه ، صلواتُ اللهُ وسلامُه عليه وعلى آله وصحبِه أجمعين ، وأصلِّي وأُسلِّمُ على رسولِ اللّٰهِ صلاةً نحققُ بها أمرَ ربِّنا، حيثُ أنَّه قالِ: " إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً. " (الأحزاب"٥٦")...فاللَّهمَّ صلِّ على محمدٍ النبيّ ، وأزواجِه أمهاتِ المؤمنين ، وذريَّته ، وآلِ بيته ،كما صلّيتَ على آلِ إبراهيمَ إنَّكَ حميدٌ مجيدٌ...

وأعلم عبد الله أن الله قد يبدل أمة ، وأن الله قد يبدل فرداً ، وهذا يعني إنك تنظر لحالك فإن كنت من أهل الطاعة فسل الله إن يقبضك على ما أنت عليه من طاعة وزيادة ، وإن كنت والعياذ بالله غير ذلك فسل الله عز وجل إلا يقبضك على ما أنت عليه من الباطل حتى تتوب لأن الله عز وجل إذا قضى فيك بالخير فلإنك ستقبض على الخير وإذا قضى فيك بغير ذلك ستقبض على الشر ويختارك بحسب علمه وحكمته شر ساعاتك ، فإن من أغضب الغضب من الله أن يختار لك شر ساعاتك ، ومن أرضى الرضى من الله أن يختار لك خير ساعاتك ... أنت عبد لك طاعات ولك معاصي وقد يكون مأثمك أكبر من طاعتك وقد يكون مسلكك أقرب للشر من الخير ، فإذا غضب الله عليك وقدر عليك الضلال أختار لك خاتمة شر ساعاتك .. شر أوقاتك .. شر أحوالك ، وإذا قضى الله عز وجل فيك بالخير نسأل الله أن يقضي فينا بالخير أختار لك خير أحوالك .. وأخير أحوالك بناءً  على أنه سبحانه وتعالى عليمٌ حكيم ... هنا سبحانه وتعالى يختم السورة بعدما عرض فيها خلق الإنسان ومسار تكليفه وإنقسام الناس إلى مؤمن وكافر ، ثم ما أعده للكافرين ، ثم ما أعده للمؤمنين حتى تتشوق النفوس لأن تكون من المؤمنين وتأنف أن تكون من الكافرين فيقبل العبد على ربه متشوقاً إلى ذلك النعيم والتنعم الذي ذكره بشيء من التفصيل في كثير من أيات السورة ثم بيان أنه سبحانه وتعالى هو الذي أوجد الخليقة وأنه قادر على تبديلها وأنه لن يفنيها إلا هو سبحانه وتعالى لأنه ليس خالق سواه ، لا إله غيره ولا رب سواه سبحانه وتعالى جل في علاه تنبه ، ثم بين أن كل ما ذكره وكل ما فصل فيه إنما هو هداية ، إنما هو نوعٌ من  بيان الحق وعاقبته وثوابه وأجره ، والباطل وعاقبته وثوابه وعذابه أو حسابه وعذابه ، وما ينبغي عليك أن تكون مع الحق ، وهو أن تعبد الله وأن تكون مع الأبرار ، وما هو الباطل ثم ما سبب الباطل أو ما الذي يُوقع فيه وهو حب الدنيا والإقبال على العاجلة ، وما هو طريق الحق.. الصبر والتزود به {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ } [السجدة: 24] {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } [الزمر: 10] تنبه ..ولذلك أنت مطالب بأن تسأل الله ذلك.. أن تكون من الصابرين {رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 250] تنبه.. كل ذلك وما تحتويه كل هذه التفاصيل التي فُصلت في سور أخرى لكنها جاءت بهذا البيان في هذه السورة العظيمة التي شأنها شأن القرآن العظيم قال (إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ) وهذه إشارة للقريب أي أن هذا المذكور .. وذلك المتلو .. وذلك المسموع مما يتلوه النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قد تليَ عليه فتدبرته نفسه ثم يتلوها أيات على أتباعه وعلى المؤمنين به (إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا) أنت مطالب أن تتخذ إلى ربك سبيلا ، لماذا أوجدك الله في هذه الدنيا {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] وكيف تعبد ربك {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } [الأنعام: 153] {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الحشر: 7] إلى غير ذلك من البيان الذي تعرف به طريق الحق وتحقق به ما خُلقت له وهو أن تكون عبداً لله { يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 21] (إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا) سبيلا أي طريقاً ، وسبيلا أي وسيلة ، يعني ينبغي أن تتخذ وسيلة تركبها تُوصلك إلى الله ، أو تسير على السبيل وهو الصراط (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا) وأن هذا الصراط طرفه في الدنيا والطرف الأخر في الجنة لمن إستقام عليه تنبه ، أما من حاد ولذلك هنا قال (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) يعني لا تميلوا ولا تبتعدوا ولا تخرجوا ، وأعظم شيءٌ يُخرج العبد عن الصراط طلب الدنيا وحبها والتعلق بملذاتها العاجلة وشهواتها الفانية ، لماذا لا يصلي الفجر ؟  الدنيا ... لماذا لا يصلي أصلاً ؟  الدنيا ... لماذا لا يتقي ربه ؟ الدنيا  ... ستجد العلة في أي تقصير في أي بعدٍ عن الحق في سبب عدم الإستقامة ستجد الدنيا ... هي الدنيا تقول بملىء فِيها حذاري حذاري من بطشي وفتكي ، فلا يغرركم مني إبتسامٌ فالقول مضحكٌ والفعل مبكي ... فالدنيا حلوة خضرة كما قال سيدنا النبي الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) والله مستخلفكم فيها فناظرٌ  كيف تعملون ، فبائعٌ نفسه في طريق الدنيا والحياة ، في المسار من الولادة إلى الموت ، من الميلاد إلى اللحد ... فبائعٌ نفسه موبقها أو معتقها ، إما أن توبق نفسك أي تهلكها بطلب العاجلة وترك الأخرة وإما أن تنجيها وتعتقها (إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا) ثم أعلم علم اليقين أنك لن تهدي نفسك بنفسك ولن تضل نفسك بنفسك فقط ، قد تتخذ أسباب الهداية لكن الهدى هدى الله { إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [القصص: 56] وأكبر محبوب عند العبد نفسه حتى أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لما حرض المؤمنين على مسلكٍ إيماني في علاقة المؤمنين بعضهم ببعض قال فيما يتعلق بأمر الإيمان ، أو بمسلكٍ من مسالك الإيمان قال إن تحب لأخيك ما تحبُ لنفسك ولم يُطلب منك في الشرع أن تحب غيرك أكثر من نفسك لأنك لن يكون منك ذلك أبداً إلا في حق الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) لأن محبته إيمانية وليست محبة ذاتية لذاته ، لما قال النبي صلى الله عليه وسلم " لا حتى أكون أحب إليك من نفسك ومالك وولدك أو من نفسك التي بين جنبيك " فعمر رضي الله عنه قال ومن نفسي التي بين جنبي قال نعم ، فلما سَلمَ عمر بذلك وأستحضر نيته في ذلك قال الأن يا عمر ... هذا فيما يتعلق بشأن حبك للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) لأن هذا حب إيمان ، أما حب العلاقة والحب المتعلق بين العبد والعبد لا يمكن أن يحب عبد أخر أكثر من نفسه بل غايتك في الإيمان أن تحبني أو أن أحبك أو أن تحب غيرك مثلك ، أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك ...ولذلك أحب مخلوق عندك هو أنت فإن قومت ذلك بالإيمان أحببته لغيرك وإن لم تقومه بالإيمان كنت أناني تريد لنفسك وفقط وهذه مذمة ، أما أن تحب نفسك وتحب أحاد المؤمنين ممن حولك مثل نفسك فذلك الإيمان ، وذلك بعد عن سوء الأنانية والشعور بالنفس والذات وحب أن تتعاظم وان تعلو على غيرك (إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (29) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا) معلومٌ أن الله لا يقول إلا لحكمة ولا يعمل إلا لحكمة فالله عليمٌ بمن يستحق الهدى ، وعليمٌ بمن يستحق الضلال ، الله عليمٌ بالسعيد وعليمٌ بالشقي ، فإذا قدر أن تكون سعيداً بناءً على علمه وحكمته ، وإن قدر أن تكون شقياً فتبعاً لعلمه وحكمته سبحانه وتعالى ، إذ ان الأمور عنده ليست عبث ، لا يُقال حادي بادي شقيٌ أم سعيد ، لا يلقى بالحفنة فيُقال هؤلاء للنار ، ويلقى بحفنة ويُقال هؤلاء مخلدون فى الجنة ، بل كل نفسٍ قائمٌ عليها وقيامه بعلمه وحكمته حتى في نفس الهواء الداخل وكيف يخرج ، في شربة الماء الداخلة ، في لقمة الطعام الداخلة وكيف تخرج وما يكون منها من عافية أو من مرض لأنه صمد .. ولأنه له كمال العلم وكمال الحكمة ... ولذلك أنت تشاء ومشيئتك لا تخرجك من تحت مشيئة الله ، وهذا يعني إنك إن أرردت الهداية يلزمك أمران :  الأول أن تسعى مسعى من يريد الهداية ، أنا أريد الهداية  ، أنا أريد أن أدخل الطب ، أنا أريد أن أتوظف في الوظيفة الفلانية ماذا يحدث ؟  لا أنام وأضع رأسي تحت الوسادة وأقوا أنا أريد هذه الوظيفة بل ستجد نفسك بالضرورة تسعى إليها وتتخذ الأسباب وتحضر ما يستلزم ذلك من أوراق ومن شهادات ومن مقتضيات وغير ذلك لعلك تصاب بالموافقة على هذه الوظيفة ، ولله المثل الأعلى أنت في وظيفتك مع الله وهي وظيفة "عبد لله" التي ما خلق الخلق إلا لها ، هذه الوظيفة أيضاً لها مقتضيات والحصول عليها ليس بالهين ، بل تحتاج منك لتعبٍ ومشقة ومقتضيات ومستلزمات ومسوغات فتسعى فيها وتحاول أن تحصلها لكن لابد أن تعلم أنه ليس بإرادتك أنت فقط وليس بسعيك أنت فقط تنال ذلك بل هناك لجنة عليا تنظر في الطلبات وتوافق أو ترفض بناءاً على أسباب ومعاير ولله المثل الأعلى ، أنا أحاول أن أكون عبداً لله أقوم بتلك الوظيفة إذاً الدور الذي عليك له شقان : الشق الأول: أن تنظر إلى المسوغات وتسيرُ في تحضير الطلبات وتسعى في مسار العبودية ، الشق الثاني: هو أهم وأعلى إيماناً مني بأنني ما أشاء إلا أن يشاء الله ، وما أريد إلا أن يريد الله.. تنبه ، ألح على الله عز وجل هذا هو الشق الأخر أقدم الطلب وأسعى في المسوغات والأسباب التي تجعلني موظف في هذه الوظيفة ، وظيفة عبدٍ لله تعالى في ظل الشق الثاني يارب اهدني .. كان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) إذا كان النصف الأخير من الليل وقد أخبر فيما أخبر به ربه أن الله ينزل إلى السماء الدنيا نزولاً يليق به في الثلث الأخير من الليل ويقول هل من تائب فأتوب عليه ، هل من مستغفر فاغفر له ، هل من سائل فأعطيه ويظل كذلك إلى طلوع الفجر فكان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) يدعو بدعاء السحر وهو " اللهم أهدنا واغفر لنا وأكسنا وأطعمنا فإنه لا يهدي إلا أنت ولا يغفر إلا أنت ولا يكسو إلا أنت  ولا يطعم إلا أنت " ففيه طلب الهداية وفيه المغفرة عن التقصير وفيه مطالب الدنيا التي جماعها الطعمة والكسوة ... وعلم النبي ( صلى الله عليه وسلم ) كل مصلي في الليل بالوتر طيلة العام إذا أراد أن يدعو طيلة العام في الوتر أن يقول اللهم أهدنا فيمن هديت وتولنا فيمن توليت وقنا وأصرف عنا شر ما قضيت ... إذاً الإلحاح في ساعات الغلس وفي ساعات القبول وفي ساعات أن يتعرض الله عز وجل لمطالب الخلق أهمها وأعلاها مما علمها النبي ( صلى الله عليه وسلم ) للخلق اللهم أهدنا فيمن هديت ... إذاً أنت تؤمن بأن الهداية مطلبٌ منك ولا تكون إلا بمشيئته وأن الضلال أنت تنفر منه ومكروهٌ عندك ولا يكون إلا بمشيئته وبالتالي أنت مطالب بالمسلكين ... فعندما يقول الله لك (إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا ) أي إن إتخاذ السبيل لا تظن أنه بإرادتك فقط وبمشيئتك فقط بل لابد أن تعلم إن هذه المشيئة (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا) فلا يتخبط بل الأمرٍ عنده بعلمٍ وحكمة .. لا يقول إلا لحكمة .. ولا يدبر إلا لحكمة .. ولا يفعل إلا لحكمة سبحانه وتعالى حكيمٌ عليمٌ ... إيماناً منك بذلك ويعلمك هنا ماذا ؟ ما علاقة وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين بقوله فمن شاء أتخذ إلى ربه سبيلا ؟  فمن  :  إثباتٌ لمشيئتك لأن تسير في شقين ، أن تقوم باللازمين ، الازم الأول: أن تشاء أنت وهذا يظهر في ماذا ؟ هذا يظهر في إتخاذك لأسباب النجاة ، يظهر في توبتك ، يظهر في أن تتخذ أسباب العبودية ... إذاً أنت تشاء وأنت تريد أن تكون مهتد وأن يكتبك الله في العتقاء وأن يكتبك في المقبولين ... لكن الأمر لا يتم بهذا فقط بقيَ أن تلح على من بيده الأمر والذي مشيئته غالبة على مشيئتك ... الله مشيئته غالبةٌ لمشيئتك وأنت تؤمن بذلك فتستعمل مشيئتك وهذا مهم ثم تستسلم لمشيئته وهذا أهم تنبه.. فتلح على الله عز وجل إيماناً منك بأن الأمر بالأهم مع وجود المهم ، أن الأمر بالأهم الذي هو مشيئة الله مع وجود المهم الذي هو مشيئتك ولذلك قال ( ومن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ) هذا مهمٌ ولكن حتى من شاء أن يؤمن فلن يؤمن إلا إذا شاء الله ، وحتى من شاء أن يكفر فلن يكفر إلا إذا شاء الله ... فلذلك الشقيُ من أشقاه الله بناءً على علمه وحكمته ، والسعيد من أسعده الله بناءً على علمه وحكمته (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (30) يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) وهذه هي القضية النهائية وهي أنه إذا شاء كان ، ولكن إذا شئت أنت تمهلت ، قدمت الورق قد يقبل وقد لا يُقبل وإذا شاء هو لابد أن تُقبل (يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ ) وطالما رحمته إذاً تنتهي بجنته ، لا يدخل أحدٌ الجنة بعمله ... قالوا يا رسول الله ولا أنت ، قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته ، فلما قال (يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ) تنتهى إلى جنته ( والظالمين أعد لهم عذاباً أليما ) لأنه شاء أن يعذبوا فيكون ما شاء ولذلك القاعدة " ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن " نسأل الله عز وجل أن يجعلني وإياكم ممن شاء هداهم ... اللهم أجعلنا ممن شئت هداهم ولا تجعلنا ممن شئت ضلالهم وأجعلنا في المهتدين ... أهدنا وأهدي بنا وأجعلنا سبباً لمن أهتدى ... أهدنا فيمن هديت وتولنا فيمن توليت وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ... اللهم اغفر لنا ذنوبنا وأسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وأنصرنا على القوم الكافرين ... كن لنا ولا تكن علينا أعنا ولا تعن علينا ... رد بطش الكافرين عنا وقنا برحمتك سيئات مكرهم ... فرج كرب المكروبين .. أشف مرضى المسلمين .. اقض الدين عن المدينين .. فك أسر المأسورين .. ورد علينا الغائبين يا أرحم الراحمين وصل اللهم وسلم على محمدٍ وعلى أله وصحبه أجمعين ... أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم سبحانك اللهم وبحمدك اشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك ...

وكتبه: أم محمد موسى...

راجعه وصححه وضبطه:

د / سيد العربى...

 

 

 

 

 




واحة العقيدة - موقع فضيلة الدكتور السيد العربي بن كمال
 
الجمعة ...7 – 12 – 2018 ... ما هى أسرار معانى يطعمنى يسقينى يشفينى
الجمعة ... 23 – 11 – 2018 ... لكل مقهور مظلوم..إن بطش ربك لشديد
الجمعة ... 16 – 11 – 2018... إحذر أن يكون عملك بين الشرك والابتداع
الجمعة ... 9 – 11 – 2018 ... مذهب الحق فى علاقة العمل بالإيمان
الجمعة ... 2- 11 – 2018 ... إيمانك هو ملف اتهامك وموجب عقوبتك
الجمعة ... 26 – 10 – 2018... من اعتبر قصص القرآن حدوته فقد اختل إيمانه
الجمعة ... 19 – 10 – 2018 ... موقف المؤمن والمنافق من المحكم والمتشابه
الجمعة ... 12 – 10 – 2018 ... ياليت عندنا عقيدة وفهم الهدهد!!
الجمعة ... 5 – 10 – 2018 ... اين تقع مشيئة العبد من مشيئة الله؟؟
الجمعة ... 28 – 9 – 2018... الصبر زاد الطريق كيف تتدرب على تحصيله؟؟
 
art4islam
جميع الحقوق محفوظة لموقع واحة العقيدة - 1431 هـ

فتاوى فى إنتظار الرد: 4