أعلى
أعلى
جديد الموقع
 
الجمعة ... 16 – 11 – 2018... إحذر أن يكون عملك بين الشرك والابتداع
الجمعة ... 9 – 11 – 2018 ... مذهب الحق فى علاقة العمل بالإيمان
الجمعة ... 2- 11 – 2018 ... إيمانك هو ملف اتهامك وموجب عقوبتك
الجمعة ... 26 – 10 – 2018
الجمعة ... 19 – 10 – 2018 ... موقف المؤمن والمنافق من المحكم والمتشابه
الجمعة ... 12 – 10 – 2018 ... ياليت عندنا عقيدة وفهم الهدهد!!
الجمعة ... 5 – 10 – 2018 ... اين تقع مشيئة العبد من مشيئة الله؟؟
الجمعة ... 28 – 9 – 2018... الصبر زاد الطريق كيف تتدرب على تحصيله؟؟
الجمعة ...21 – 9 – 2018 ... أكبر الخذلان تقديم نعيم الدنيا على الجنة
الجمعة ... 14 – 9 – 2018... الهجرةُ حجةُ الله على خلقهِ
 
القناة الرسمية للدكتور سيد العربى..على اليوتيوب
فيديوهات د.السبد العربى
صفحة صوتيات السيد العربى على اسلام واى
ملتقى اهل الحديث
ملتقى اهل السنة
الشيخ ابو اسحاق الحوينى
الحور العين
 
ياليت عندنا عقيدة وفهم الهدهد -
ياليت عندنا عقيدة وفهم الهدهد
14 - 10 - 2018

ياليت عندنا عقيدة وفهم الهدهد

الجمعة ... 12 – 10 – 2018 ...

للدكتور سيد العربى...

إن الحَمْدَ للهِ، نحْمَدُه، وَنسْتَعِينه، ونَسْتَغْفِره، ونَعُوذ باللهِ تَعالَى مِنْ شرُوِرِ أنفُسِنا، ومِنْ سَيٍئات أَعْمالِنا، مَنْ يَهْدِه الله فَهوَ المُهْتَد، ومَنْ يُضْلِل فَلَنْ تَجِدَ له وَلِيًا مُرْشِدًا، وأَشْهَدُ أَنْ لا إله إلا الله وحده لا شَرَيك له، وأشْهَدُ أنْ مُحَمدًا عَبَدَهُ، وَرَسوله، وصَفَيه مِنْ خَلْقِه، وخَلِيله، صَلَوات اللهِ وسَلامُه عَلَيْه، وعلى مًنْ تَبِعَ هداه بِإحْسانٍ إلى يَوْمِ الًدِين.
(يا أيها الذِينَ آمَنوا اتَّقوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَموتُنَّ إلا وَأنتم مسْلِمُونَ) [آل عمران: 102[.
(يَا أيها النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءَ وَاتَّقواْ اللهَ الذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ أن اللهَ كان عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء: 1.[
(يَا أيها الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب: 70-71] ... ثم أما بعد بعد؛
عباد الله في محاولة لإستخراج بعض الدروس العقدية من كتاب الله ، كتاب رب البرية سبحانه وتعالى ، القرآن العظيم ، الكتاب الكريم ... أتناول معكم درساً عقدياً عظيماً من أياتٍ من سورة النمل ... هذا الدرس ينبغي أن نتفطن له ونعلم أن الكائنات كلها إنما تقر وتوالي وتعادي وتغضب فيما يتعلق بحق الله عز وجل ، فيما يتعلق بالتوحيد إلا الإنسان هو الوحيد الذي منه من هو كافر ومنه ما هو مؤمن ، فإن عرف كل مؤمن أن الكون كله ممن يُعلم لغته وممن لا يُعلم {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ } [الإسراء: 44]..( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ) حتى الإنسان يسبح بحمد الله سبحانه وتعالى ولو بقدر بسيط سواءٌ يسبحه وهو موحد أو يسبحه وهو غير موحد ، لكن وإن من شيءٍ إلا يسبح بحمده ، يقول الله تعالى في هذه الأيات واصفاً أمراً وقع مع سليمان عليه السلام الذي ملكه الله الدنيا في زمنه وسخر له الطير وسخر له الجن وسخر له من الإنس ما سخر وسخر له كثير من الكائنات الحية ، وكان سليمان ملك عظيم له من الملك ما ليس لأحدٍ سواه ولم يحدث أن كان لأحد مثله قبله ، ولم يحدث أن كان لأحدٍ بعده ، فقد جعل الله عز وجل لسليمان ملكاً عظيماً ، وكان سليمان يتعاهد ملكه وقد جند الله له من الإنس والجن ومن الطير بل ومن غير الطير من يستمعون لقوله ويأتمرون بأمره ويعملون له ما يريد ... ففي وقتٍ من الأوقات كان يريد أن يخرج مع جنده وهو في هذا الأمر يحتاج إلى الطير لأسباب كثيرة كتطلع الطرق ومعرفة الأحوال والإطمئنان إلى المسار ويساعده في ذلك ، أو سخر الله له في ذلك الطير على إختلاف أنواعه ، وممن سخره الله له الهدهد ... والهدهد فيما يتعلق بوصف الإحتياجات التي يحتاجها السائر في الطرقات وخاصةً في الصحراء وفي الفلاه يعد منظومةً عظيمةً جداً ، إن شئت فقل منظومة أقمارٍ صناعية تتحسس ما فوق التربة وما تحتها ، مخلوقٌ صغيرٌ يمكن أن يقوم بما تعجز عنه في لغة عصرنا الأجهزة والأقمار الصناعية والطائرات بطيارٍ أو بغيره التجسسية أو التي تعرف الأشياء أو التي تعرف مخازن الأعداء أو غير ذلك حيث أن الهدهد كان يرى الماء في باطن الأرض ، وكان يعلم المخبوء في الأرض ، وكان يعلم بما يراه لأن الله أعطاه من القدرة ، ولذلك جُعل له منقار طويلة لأنه لا يأكل مما هو على سطح الأرض بل يعلم ما خبء في باطنها فينقرها حتى يصل إلى ما يأكله بمنقاره الطويل ... أراد سليمان عليه السلام أن يخرج فأحتاج ألى الطير كلٌ في مهنته وخاصةً الهدهد لأن الجيش يحتاج إلى الماء فكان الهدهد يعين مكان الماء بما خلق الله فيها من هذه الخاصية ثم يقوم الجن بحفر الأماكن التي يعينها أو يدل عليها الهدهد فينفجر الماء وتظهر الأبار بغض النظر عما يتعلق بقصة سليمان كملك أو ما كان يريده إلا أنه في هذه الحالة وفي هذا الموقف تفقد الطير من باب أنه يتفقد مملكته ومن باب أنه يتعهد جنده الذين سخرهم الله له وهذا من دأب الملوك الذين يقومون بأمورهم أو يتولون شأن حكمهم بالإنضباط ، فقال الله عز وجل (وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ) حكاية عن سليمان الذي له الملك أو الذي أعطاه الله ذلك الملك (فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (20) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (21) فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ) أي الهدهد (فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22)   إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (24) أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (25) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) هذه الأيات سبع أيات من سورة النمل فيها من الدرس العقدي العظيم الذي إذا أحترم الإنسان عقله وقف أمام ذلك الدرس مشدوهاً ، ووقف أمام هذا الدرس أيضاً محتقراً لنفسه لأن الإنسان دائماً ينظر إلى نفسه أنه المخلوق الكامل الذي عنده ويملك ما لا يملكه غيره من المخلوقات ، هو ينظر إلى نفسه بأنه أكرم من الطير .. وأكرم من الحشرات .. وأكرم من الدواب والبهائم والسوائم ، وهو لا يدري أن من هذه الأشياء من يكون له من العقل والحكمة ما لا يبلغه ملايين من الإنسان الذي سفه ببعده عن دين الله ... وفي قصةٍ تملي عبرة وحكمة كيف لمخلوقٌ صغيرٌ تدعسه بقدمك وتحطمه كيف كان لها من العقل والحكمة والنصح ما لا يتحمل المقال بيانه..لكن أنظر إلى هذا الدرس حتى تقارن نفسك بالهدهد ، والهدهد أنت تعرفه طائرٌ ضعيف صغيرٌ قليلٌ ليس ضخم ليس كالنعام ... تفقد سليمان ، ومعنى تفقد أي إنه ينظر هل من فاقد فيما يريد أن يجده كما تتفقد بيتك .. متاعك .. تتفقد مرؤسيك .. تتفقد أيٍ مما يحتاج متباعتك ، فمعنى تفقد أي تبحث عما يمكن أن يكون مفقوداً مما تطلب ، فلما عرض عليه أمر الطير وتفقد الطير كله (فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ) إشارة إلى أنه يستنكر أن يكون الهدهد غير موجود أو متخلف عن طابور العرض ، ثم بعد ذلك لما تشكك في أن يكون غائب أو موجود ولكنه لا يراه (مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ) لما تأكد أنه غير موجود قال (أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ) أم هنا بمعنى بل ، فكأنه يقول أنا لا أرى الهدهد ثم رجع لنفسه وقال أم هو من الغائبين  ، والملك الحازم والسلطان العادل يحكم بضبط ويشدد على من هو في مملكته ومن جنده وممن تعطى إليهم المهام.. بشدة وبقوة مع إلتماس العذر إن وُجد عذر (لَأُعَذِّبَنَّهُ) لما أستشغر فقده وغيابه عن طابور العرض (لَأُعَذِّبَنَّهُ) بطريقته وذكر العلماء في تعذيب الهدهد أشياء كنتف ريشه وتسليط النمل عليه وغير ذلك من الأشياء (لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا) قوة في الإرادة .. وقوة في الأدارة (أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ) وهي خاتمة الأمر فيما يتعلق بالطير موته ، أو ليأتيني بعذر أو يبين أن هناك عذر منعه من أن ينضبط (أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ) والسلطان يطلق على العلم ، ويطلق على الحجة ، ويطلق على الأمر القاطع ، ويطلق على ما فيه البيان الذي يبين ما خفى ، كل ذلك يسمى سلطان ، أو ليأتيني بحجة بينةتبين سبب غيابه وتكون مقنعة ، ولماذا كان من معناها أن تكون مقنعة لأنه قال سلطان ، والسلطان هو الأمر الحازم الذي يقطع ما سواه ولذلك سميت قوة الملك وقدرته على أن يحرز ما يريد سلطان (أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (21) فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ) أو ليأتيني بسلطانٍ مبين فيه إشارة إلى أن قوة الملك .. أو قوة القائد .. أو قوة الأدارة لا تعني بطش وظلم وقهر ولا تعني أن تكون قوتك في بطشك .. وقوتك في ظلمك .. وقوتك في إهدار كل من أمامك .. وأنا ومن دوني الطوفان وأن الكل يهلك والمهم أن أبقى أنا ، لا بل إن هذا الملك الذي جعله الله لملك الدنيا.. أستعظم ، أو من باب الحزم والضبط في الأدارة والقيادة ، بحث في طابور عرض الطير عن الهدهد فاستشعر غيابه أو تيقن من غيابه فلما تيقن من غيابه بين أن هذا يتعرض بسببه للعقوبة وليس للبطش ..  وليس للظلم وليس للقهر إنما العقوبة التي يستوجبها تخلفه عن وظيفته وعن إنضباطه في طابور عرض الطير ، فقال لأعذبنه عذاباً شديداً أو لأذبحنه إذا كان هو يتكاسل أم يستهتر أو ينظر إلى الأمر بغير إهتمامٍ وبغير مسؤلية أو ليأتيني بسلطان مبين لأنه قد يكون عنده من العذر المقبول وهذا هو دأب العادل أنه يرى أن من حقك أن تخالف بعذر لكن الباطش والظالم والمجرم والمتعدي في أي مقام تجده لا يرى إلا البطش .. ولا يرى إلا العقوبى لمجرد أنك خالفت ، تخالف تهلك .. تخالف تقتل .. تخالف تعذب .. تخالف تعاقب ، عندك عذر أو لا ..هو الأمر كذلك ... كما كان من فرعون رمز السلطان الباطش .. والسلطان الفاجر .. والسلطان الذي عتى عتواً كبيرا .. والسلطان الظالم .. والسلطان الذي تعتدى حتى جعل من نفسه ألهاً ..رمز هذا فرعون ... وكل من أستن بسنته وكل من سار على مساره ، كان يذبح الأبناء ويستحي النساء {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ} [البقرة: 49]  لكن السلطان العادل ليس معناه أنه مرتخي .. أو أنه غير حازم .. أو أنه غير صالح للقيادة .. أو أنه مفرط .. أو أنه مضيع لا بل انظر.. إن الغائب يستحق العقوبة ولكن إن كان معه عذر فلا عقوبة عليه (أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ) ومعنى مبين أي مبين للأمر ، مبين لسبب غيابه (أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (21) فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ ) سواء الكلام متعلق بسلميان أو متعلق بالهدهد ، بمعنى مر وقتٌ غير طويل ومر وقتٌ قليل وإذ بالهدهد يظهر ، ولما ظهر لم يقف ساكت وهو قد استشعر أن سليمان قد استشاط غضباً عليه وأنه ينتظره بما يعلمه من سنة سليمان ، يعلم أنه لا يفوت ولا يطنش ولا يتراخى بل يأخذ بالذنب من باب العدل ، ومن باب أن من أخطيء يعاقب ومن أحسن يُثاب ، فلم ينتظر أن يُسأل أين كنت ولم ينتظر أن ينظر إليه سليمان بغضب أو بتوعد ولكن بادره هو ، وانظر إلى هذا الدرس (فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ) انظر هو يكلم من ، يكلم سليمان ملك الدنيا ، يكلم سليمان الذي سخر الله له القاصي والداني ، وسخر له من المخلوقات وأعلمه منطق المخلوقات {وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ } [النمل: 16] ..يعني يتكلم مع الهدهد كما يتكلم مع مثله من الإنس دون أن يكون هناك غضاضة ولا إختلاف لغة ولا عدم فهم عبارات وجمل ، بل الخطاب الهدهد يتكلم لا يفهمه إلا سليمان ، وسليمان يكلمه قد لا يفهمه إلا الهدهد أومثله من الطير ، ويقول له مع ذلك أنا أحطت أي جمعت علماً بأمرٍ من كل جانب ... وأصل الإحاطة من الحائط ، وسميِ الحائط حائط لأنه يحيط بالمكان ، انظر إلى جدران المسجد حوائط تحيط بالمسجد ، هذا أصل كلمة أحطت أو الإحتياط .. أو الإحاطة ، ونحن نعلم أن الله بكل شيءٍ محيط سبحانه وتعالى ، فهنا لم يقل له علمت .. أخبرتُ .. وجدتُ إنما قال أحطت إشارة إلى أنه كل ما يتعلق بهذا الأمر الذي سأخبرك به أنا قد علمت كل جوانبه ، ومن الذي لم يحط؟..سليمان الملك الذي له ملك الدنيا ولم يعب على نفسه الهدهد ولم يستحي ولم يقلل من شأن معلومته وهو يخاطب بها ملك الدنيا لماذا؟ لأنه يتكلم في قضية هو مثارٌ بها جداً ويعلم تماماً أن هذه القضية إذا عُرضت على سليمان ستقوم الدنيا ولا تقعد لأنه من أهل الفهم .. لأنه من أهل الدين .. لأنه من أهل العقل ، الهدهد فهمه ودينه يزن أمم من أمثالنا وسترى (فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ) أنت يا سليمان لم تحط بهذا الأمر (وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ) وسبأ أسمٌ لملك قبيلته سميت بهذا الأسم ثم صار المكان الذي وجدوا فيه وأستقروا فيه بهذا الأسم ..وهي مدينة يمنية تبعد عن صنعاء مسيرة ثلاثة ليال وهي معلومة ومشهورة وكانت معلومة لأن الهدهد لم يعرف سليمان بسبأ ولكن ذكر له الأسم فقط إشارة إلى إن سليمان كان يعرف سبأ وغيرها من البلدان ومن الأماكن لما له من ملك الدنيا (أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ ) ما هو النبأ اليقين؟..كانوا يأكلون الذرة .. كانوا يطبخون القلقاس .. كانوا يبعيون كذا .. عندهم من الأموال كذا ، كل ذلك هباء ولا قيمة له ، إنما القيمة أو الأمر هو القضايا الشرعية فالخبر والأمر الذي أحاط به والذي خاطب به سليمان وهو يعلم مدى الخطورة ، انظر إلى إدراك الهدهد وفقهه وفهمه (إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ) المشكلة لما مات كسرى قال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) من ولوا قالوا ولوا ،   عليهم أبنته ، قال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) والحديث في صحيح  البخاري (لن يُفلح قومٌ ولوا أمرهم أمرأة) ، تخيل إن هذا الكلام يفهمه الهدهد ، وأن مما أغضبه وأستفزه ، ومما أحاط به ، ومما لفت نظره ، ومما كان قضية كبيرة ينبغي أن يبلغها لسليمان عليه السلام (إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ) أول منكر ، هناك منكر أقل البسيط قبل أن يذكر المنكر العظيم وهذه أيضاً من فن الخطاب أو فن المواجهة أو فن التعريف والتعليم أن تعلم المسألة البسيطة قبل المسألة العظيمة وأن تعلم المعلومة القليلة قبل المعلومة العظيمة (إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ) تعريفاً لسليمان بمأمكنيتها المادية وأنها من جهة الملك كما ذكر الله عز وجل عن سليمان أتاه الله من كل شيء ( وأوتينا من كل شيء ) كذلك هي ، وأوتيت من كل شيء معناها مما يحتاجه الملوك من أسباب الملك وقوة المملكة وما يكون من جندٍ وما يكون من أعوانٍ وما يكون من أشياءٍ هذه الأشياء تكون سبباً لمجدها وقوة ملكها وأوتيت من كل شيء ، وكل شيء لفظ عام يراد به خاص ... يعني ليس المراد وأوتيت من كل شيء في الدنيا إنما المراد أوتيت من كل شيء عند الملوك فهو يصف أنها تحكم وأن عندها من أسباب الملك والحكم أشياء كثيرة وأنها لها عرشٌ ، هذا العرش أعظم من عروش كثيرة من أمثالها ، ولها عرشٌ عظيم ... قال ابن عباس عظيمٌ في شأنه قد صُنع من الذهب وسيقانه من الزبرجد و الياقوت أي أنه شأنه عظيم وليس حجمه لأن كلمة عظيم تطلق على السعة ، تقول عرش عظيم أي واسع ممتد ، وتقول عرشٌ عظيم له من الجودة وعلو الهيئة والشأن والمكون فعرض له ، ثم بعد ذلك انتقل للقضية الفاصلة التي إن سمعها سليمان فزع (وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ) الهدهد لما وجدهم بما أحاط بهم لأنه قال (أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ) إذاً هو علم مملكتهم وعلم مكونات مملكتهم وعلم من يعبدون وكيف يعبدون فعلم أنهم من عبدة الكواكب المجوس وعلم أنهم يسجدون للشمس ..بما أحاط به فقال (إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ) هذا الذي أستشاط به غضباً ، ثم يبين من فهمه أن هذا الذى وقعوا فيه انه هو بسبب إتباع خطوات الشيطان ، وبسبب تسلط الشيطان عليهم حتى صدهم عن السبيل ، فهو يخبر ويعلل.. الهدهد الذي أخر ما تتعامل به معه لو وجدته أن تلقي له بعض الحب ، الذي إن دعسته فمات تلقيه على القمامة ولا تستشعر شيئاً ، أفقه منك وأعلم منك وأفهم منك ... انظر (إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ) هذه مخالفة يسيرة ، لكن العظيم (وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ) قال أهل العلم وهذا درس من أعظم دروس الوعظ فيه بيان أخطر ذنبٍ وعلته ، أخطر ذنبٍ الشرك والسجود لغير الله كفرٌ وشرك .. وعلته تزيين الشيطان الذي يزين للعبد الشرك والكفر وهذا معناه أن الشيطان إذا قدر على ان يزين لبني آدم الغافل ولبني آدم التافه السفيه الذي يرغب عن ملة إبراهيم {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ } [البقرة: 130] تنبه وتدبر وتفهم ، فإذا قدر الشيطان على أن يزين للعبد ما يصده عن التوحيد فكونه يزين له الزنا والخنا والظلم والتعدي والفجور والمخدرات وعقوق الوالدين والإساءة للجيران وعدم القيام برعاية الأهل والأولاد وعدم القيام بحق الله في الرعية وغير ذلك أهون على أبليس أن يزينه لأنه إن كان يمكن أن يزين لك الشرك فتزيينه لما هو أقل أقدر ... فشرح كأنه يشرح مع أن سليمان عليه السلام يعلم تماماً أنهم إن كانوا يسجدون للشمس من دون الله فإنهم بالضرورة ما وقعوا في ذلك إلا بتزيين الشيطان وصده لهم عن السبيل ، لأنه نبي وقضية الأنبياء هي قضية التوحيد {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25] {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ } [النحل: 36] ..قضية الأنبياء والرسل قضيتهم التي كلهم أشتركوا فيها والتي هي الأمر الأول والمسؤلية الأولى في أقوامهم هي التوحيد ، لكن الهدهد غار والله يعلمنا على لسانه القضية وهي أن من أتبع خطوات الشيطان فإن الشيطان سيزين له وبالتزيين يصده عن التوحيد فيبلغه السقوط الذي لا قيام معه {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ } [النساء: 48] تنبه لذلك وتتدبره (وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ) انظر لأنهم إذا صدوا عن السبيل ساروا في مسار الهلاك فلا يهتدوا ، وكل عبدٍ لم يُخرج نفسه من  براسن أبليس ومن براسن الشيطان يمكن أن يبلغ ما بلغ أولئك فهي قضية عامة..ولكن أنظر إلى فقه الهدهد ... أنا أريد أن تتدبر مثل هذه المعاني وتسأل نفسك بالله عليك أنت عندما ترى أناس  يسجدون للقبور ويطوفون بها كما يُطاف بالكعبة ويهبون لها النذور ويذبحون لها الذبائح ويسألونها بكل إطمئنان ما لا يُسل إلا الله ، أو غير ذلك مما يعبدون دون الله ويعظمون شأنه ويحبونه كحب الله ... هل أنت تغار وتنظر إلى الأمر بأنه منكر عظيم وأن قلبك يشمئذ وأن نفسك تتضايق وأن نفسك يحدث لها من الكراهية والبغض لهذا الحال فتنفر منه ثم تستعيذ بالله من الشيطان الرجيم الذي صدهم وتعلم علم اليقين أنهم ما بلغوا ما بلغوا وما وقعوا فيما وقعوا إلا بسبب صد الشيطان لهم الذي يزين لهم ما هم فيه وغيره ، هل أنت عندك مثل هذه النظرة ، هل أنت عندك مثل هذا الفهم والفقه أم أنك دون الطير ، أم أنك دون الحمام والعصافير والهدهد والغراب ، أسأل نفسك أنت الذي ترى نفسك مكرماً ، أنت الذي ترى نفسك منعماً تغتسل وتتطيب وتلبس الثياب وتنتفش بريشك هل عندك في فهمك ووجدانك مثل ذلك أم في النهاية أنت مجرد جسد لا جوهر له ، وأنت لابد أن تعلم أنت بالنفس لا بالجسم إنسانٌ أسأل الله أن يهدينا لما فيه رضاه ويجعلني وإياكم من المتدبرين ...

----------------------------------------------------------

الحمدُ للّهِ وكفى، وسلامٌ على عبادِه الذين اصطفى، وأشهدُ أنْ لا إلـٰه إلا اللّٰه وحدَه لا شريكَ له ،وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ،ورسولُه ، وصفيُّه مِنْ خلقِه وخليلُه ، صلواتُ اللهُ وسلامُه عليه وعلى آله وصحبِه أجمعين ، وأصلِّي وأُسلِّمُ على رسولِ اللّٰهِ صلاةً نحققُ بها أمرَ ربِّنا، حيثُ أنَّه قالِ: " إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً. " (الأحزاب"٥٦")...فاللَّهمَّ صلِّ على محمدٍ النبيّ ، وأزواجِه أمهاتِ المؤمنين ، وذريَّته ، وآلِ بيته ،كما صلّيتَ على آلِ إبراهيمَ إنَّكَ حميدٌ مجيدٌ...

والمتدبر عباد الله لهذا الدرس العقدي العظيم وكيف أن الهدهد ..وهذا ليس معناه أن هذا الهدهد على الخصوص هو الذي يفهم ذلك.. {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ } [الإسراء: 44] معنى يسبح أي ينزه ، أي يعلي شأن الله ، أي يُنزل الله المنزلة التي تليق به .. معنى يسبح ليست سبحان الله سبحان الله ، لا ..عندما يقول الله عز وجل هذا يسبح أي يثبت له أنه قد فعل وأعتقد وقال ما ينزه به ربه عن كل نقيصة ويثبت لهم في المقابل كل كمال ، هذا معنى التسبيح ، التسبيح هو التنزيه تنبه ، فعندما يقول ( وإن من شيء إلا يسبح ) أي إلا ينزه ربه عن كل نقيصة ويثبت له كل كمال (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ) الدجاجة التي تذبحها تسبح ربها والحمامة التي تذبحها وتأكلها تسبح ربها وقد يكون عندها من التسبيح ما ليس عندك ... أنا أريدك أن تقف عند هذا الدرس العقدي القرآني وتسأل نفسك هل أنا عندي من الفهم ما كان عند الهدهد ، أو ما هو عند الهداهد كلها وكل الحمام وكل الدجاج وكل الطيور ( وتفقد الطير)  ليس تفقد الهدهد لكن الهدهد هو الذي أطلع وهو الذي رأى ، وأنت تطلع على المنكرات ليل نهار هل يتمعر لك وجه وهل تغضب لك نفسك وهل يتعكر لك قلب ... ترى المنكرات.. الظلم ، ترى الفحش ، ترى الزنا..ترى الخنا ، ترى الناس وقد تنكروا للمعروف وأستحبوا المنكر وتعاونوا عليه ، هل أنت تغضب ؟  هل أنت تنفر ؟  هل أنت تشمئز بقلبك ؟ أم أن الأمر صار إلف ومعتاد فلا تنكر ولا تتمعر ، ومن لا يتمعر وجوهه لله فلا مأب له إلا النار {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ } [المائدة: 78، 79] ..ونحن صرنا في هذا الحال لا نتناهى عن منكر بل ( معاك برشامة . معاك سيجارة . لف لنا بتاع ....ومنكرات  ) (كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) غيرة الهدهد .. فهم الهدهد .. فقه الهدهد مفقودٌ فينا ، قد  يكون مفقود في أنا (وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ) انظر إلى الفقه وإلى الفهم وإلى الموعظة التي يعلمها ويخاطب بها ملك الدنيا لأنها قضايا لا مجاملة فيها (وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ) ثم يبين الحق الذي ينبغي أن يكون وما هو الذي يعيبهم ، أنهم أشركوا برب السموات والأرض الذي التوحيد حقه ، فالتوحيد هو حق الله على العبيد ، من أقامه نجى ولو كان له من الذنوب مثل زبد البحر ... ومن لم يقمه لم ينج ولو كانت له طاعات لا تعد..تنبه ، فلا يفلح عبد مع شركٍ أبداً ، ولا يضيع عبدٍ مع توحيدٍ أبداً  (أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ) أنظر إلى بقية الدرس ... الهدهد يقيم درس ... وهذا أزهريٌ يقول أنا عميد كلية وعند الازهر ليس في الأزهر ولا في الكتب ولا في العلم ولا في الكذا ولا في الكذا ولا في الكمياء ولا في الراديو ولا في البوتجاز ولا في التلجات شيء أسمه نقاب ، والمذاهب كلها أتفقت على أن النقاب واجب إلا من قول ابي حنيفة ... تخيل يقول لك لا يوجد في الأزهر ولا عندنا .. ولا عندنا ... عند مين ؟ عند منافقين يريدون إرضاء الطواغيت ويتلمسون رضاهم ويغنون الأغنية التي يستجيبون لها ويطربون بها ... انظر إلى هذا وانظر إلى الهدهد حتى لأنك لو تدبرت لقلت اللهم أجعلني مثل الهدهد ليس في خلقته فقد كرمك الله تعالى {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا } [الإسراء: 70] ولكن في فهمه ، فالعبد بفهمه ، والعبد بدينه والعبد بعلمه وفقهه ( من يرد الله به خيرا يفقه في الدين )..لا يورثه الفدادين تنبه (أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) يتحسر ويقول أما ينبغي عليهم أولئك النفر الذين يسجدون للشمس أن يسجدوا للواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ، إلا يسجدوا لله.. ثم ذكر لله أمر وهو له كل أمر ( قل إن الأمر كله لله ) إنزال المطر .. وإخراج النبات .. وخلق المخلوقات .. وتسوية المخلوقين .. وخلق الدواب والجبال وكل أمر لله ، لكن انظر إلى الهدهد ... كل واحدٍ دائماً إذا ما حدثته عن الله ذكر لك الأمر الذي يتعلق به من باب أنه يحمد الله على نعمه ويخص الله بذكر النعمة التي قد أختصه بها ... فمثلاً لو كان رجلا كفيفاً ولكن أوتيَ من الفهم وأوتيَ من القدرة على أداء مصالحه وهو كفيف فتقول له الحمد لله فيقول نعم الحمد لله الذي جعلني لا أعجز عن أمري وأقوم بشأني وأتحسس فأكون أكثر ممن يرى ، لماذا يذكر ذلك لأن هذا أمرٌ هو يلامسه وهنا سر قول الخبء ، لماذا قال الهدهد (أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ) كان يقول رب السموات والأرض ) ، إلا يسجدوا لله رب العالمين إنما قال (الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ) والخبء هو المخبوء ، لماذا ذكر ذلك؟ لأن الهدهد خُص بأن يرى المخبوء ، يرى الماء في بطن الأرض ... كان سليمان يسيره ويقول له دلنا على مواطن الماء فيراه في بطن الأرض ، وكان يأكل من دودٍ معين ومن نباتٍ معين ينبت تحت الأرض مثل الجذور فكان يراها فينقر بمنقاره فيأكلها ، إذاً هو يتقلب في نعمة رؤية المخبوء والعلم به فلذلك لما تحدث عن ربه حدث بالنعمة التي يتقلب فيها دون أن ينكر بقية النعم ، هذا هو الأمر الذي خُص به ، فقال حتى المحبوء يخرجه الله عز وجل ويعلمه ولا يخفى عليه شيء (أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) وخبء السموات المطر وغيره ، وخبء الأرض النبات حتى من الأرض ما تخرج بنزول المطر عليها نبات لم يزرعه أحد ، وقد يكون من أنفع النبات .. في دراسات معينة تتعلق بعملي كنا نجد أن هناك أنواع من الأعشاب الطبية التي يستخرج منها مستخلصات طبية في أماكن صحراء عالية لم ينبت فيها أحد نباتاً ولم يزرع فيها أحد زرعاً ولكنها خرجت بفضل رب العالمين لأنها كان أصلها محبوء في الأرض قبل (أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) والأرض ما يكون فيها ..ومخبوء الأرض ليس فقط النبات ، بل والبترول والغاز والذهب والفضة والمعادن كل ذلك مخبوء الأرض من الذي يخرجه ؟ ومن الذي أوجده ؟  الله سبحانه وتعالى ، فلذلك حدث الهدهد بالخبء لأنه يتعلق بما يتقلب فيه من قدرة أعطاه الله إياها ولأنه موطن رزقه أن يقلب في المخبوء فيختار منه (الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ) تخفون في صدوركم أو في وجدانكم أو تخفون عن غيركم فهو يعلمه ، قد تخفي مالاً في بئر .. في خزنة ..في مكان لا يعلمه إلا الله ويخرجه ويدل عليه غيرك ، كل ما تخفيه من ضميرٍ .. من نيةٍ .. من دينٍ إيجابي أو سلبي في قلبك يعلمه ، فالله عز وجل عالم الغيب والشهادة ن وهل تعلم أن الشهادة عند الله كالغيب سواءٌ بسواء ، الشهادة يعني المشاهد والغيب هو ما غاب ، الله يعلم الغيب والشهادة سواءٌ بسواء ، فليست الحواجز ولا الحوائط ولا سُتر الأرض تبعد الأمر عنه أو تحول دون علمه به فهو يعلم سبحانه وتعالى (أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (25) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) الله اكبر عليك يا هدهد (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ) كلمة التوحيد وعنوان التوحيد ، هو يقولها بعد أن بين ، إذاً يقولها مثلنا لا إله إلا الله وحدو ونحن لا ندري لها معنى ، ولا نقيم لها مقتضى ولا نفهم لها حيثيات وبيان ، فنكون كالذي يلغو ؟ ما هو اللغو ؟ عندما يُقال فلان يلغو ، اللغو هو صوت الطير ، يكرره ..أي صوت ، صوت الغراب ، صوت العصفور ، صوت الحمام أي صوت يكرره " صو .. صو .. صو ) هذا هو اللغو نحن كذلك حتى أن رجل يختبر في قلبه فيُسأل عن لا إله إلا الله فيقول :  "كلمةٌ سمعت الناس يقولونها فقلتها" " لغو " لكن انظر للدرس الذي أعطاه لي وإياك وسائر العالمين في قرآن يتلى إلى يوم الدين ، انظر إلى بيانه وفهمه فيقول الله بعد أن بين أنه الله وأنه يستحق للسجود وأنه يعلم الخبء وأنه يعلم ما نعلن وما نخفي وأنه قادرٌ على كل شيء سبحانه وتعالى ، ثم خَتم بحقيقته ، حقيقة الرب وحقه ( لا إله إلا هو رب العرش العظيم ) كلمة التوحيد وهنا لطيفة في الأيات في أول الأيات قال ( أني وجدت أمرأة تملكهم واوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم ) وفي ختام هذه الأيات قال (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) فقد يظن البعض أنه أثبت اللفظ في حق الملكة ملكة سبأ المسماه ببلقيس وفي حق الله ، في حق بلقيس قال ولهاعرشٌ عظيم ولم يقل ولها العرش العظيم ، أي نكرة وليست معرفة والعظم هنا هو عِظم العرش فيما يتعلق بالعروش في الدنيا ، فعروش الدنيا متعاظمة بعضها من بعض وبعضها أعظم من بعض سعةً وجودة ، ولكن كلها وأجود ما فيها بالمقارنة بعرش الله العظيم حقيرٌة ، قليلٌة ، لا قيمة لها ، ففي حق بلقيس قال ولهاعرش عظيمٌ  ، في حق الله قال (رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) فالعرش العظيم لا يكون إلا لله لأنه له العظمة المطلقة من حيث سعته ومن حيث جودته وهيئته تنبه لذلك ولكنها لطيفة ... وأيضاً من اللطائف فاتني أن أقول لما خاطب الهدهد سليمان فقال (أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ) وعرفنا ما فيها (وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ) ولم يقل بخبر .. ولم يقل بمعلوم إنما قال بنبأ وما الفارق ؟ الخبر والمعلوم هو شيءٌ قد يكون مثله عند السامع وليس فيه ما يثير الإنتباه أو ما يكون قد حوى من المعلوم ما ليس له مثل ، فلذلك أختار لفظ النبأ وكأنه يقول له جيئتك بما لم تعرفه ، وبما لم تسمعه ، وبما لم يسبقني إليك به سابق فهو نبأ ليس خبر ، فهذا سر ذكر النبأ تنبه ولذلك يقول الله تعالى {عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (1) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ} [النبأ: 1، 2] ..وليس عن الخبر لأن أمر الساعة عظيم ، وأمر الساعة ليس مثله فقال النبأ ... الحاصل عباد الله أن تتدبر مثل هذه المعاني وإن كان كثير من الكلام الذي لم أستطع قوله لطول الوقت أن أذكره وعزائي أنني حاولت أن ابين أعظم ما في هذه المعاني وأبرزها ... ينبغي أن تقف أمام هذا الدرس وقووف المشدوه المتنبه الذي يتمنى لو كان عنده من الفهم والفقه والتدبر وكان عنده من تحصيل هذا الدرس العقدي ما هو عند الهدهد ، وقارن نفسك وقل أين أنا من الهدهد وأين الهدهد مني وأنا فلانٌ .. وأنا علانٌ .. وأنا ذوي الأموال .. وأنا ذوي المكانات وغير ذلك من الأمور ، ينبغي أن تتدبر ذلك وتتفهمه ... أسأل الله تعالى أن يُعلمني وإياكم ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا وأن يجعلنا من المتدبرين وأن يرزقني من فهم العقيدة ما يُصلح به ديننا وما يُعلي به شأننا وما يُخرجنا به من غفلتنا وما يجعلنا به من الموحدين لا المشركين ... اللهم يارب حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وزين إلينا الطاعة والبر والإحسان وأجعلنا من الراشدين ... حبب إلينا حبك وحب من يحبك وحب كل عمل يقربنا إلى حبك ... اللهم أجعلنا في المهتدين أهدنا فيمن هديت وتولنا فيمن توليت وقنا وأصرف عنا شر ما قضيت ، برئنا من كل باطل وبرئنا من كل شركٍ وكفر وبرئنا من طواغيت العرب والعجم جميعاً وأجعلنا من الصالحين ... اغفر لنا ذنوبنا وأسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وأنصرنا على القوم الكافرين ... أحفظنا في أنفسنا وأهلينا وأموالنا ...  اللهم أحفظ علينا ديننا وأجعله خاتمةً أمرنا ... اللهم أختم لنا بالصالحات وأجعلنا من أهل البر والإحسان وأجعلنا من الراشدين ... فرج كرب المكروبين وفك أسر المأسورين ورد الظلم عن المظلومين ورد علينا الغائبين يارحمن يا رحيم بفضلك ومنك وجودك وكرمك يامن لا إله غيرك ولا رب سواه ولك الحمد حتى ترضى والحمد لله رب العالمين وصل اللهم وسلم على محمدٍ وعلى أله وصحبه أجمعين ... أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم سبحانك اللهم وبحمدك اشهد أن لا إله أنت استغفرك وأتوب إليك ...

وكتبه : أم محمد موسى...

راجعه وصححه وضبطه:

د / سيد العربى...




واحة العقيدة - موقع فضيلة الدكتور السيد العربي بن كمال
 
الجمعة ... 16 – 11 – 2018... إحذر أن يكون عملك بين الشرك والابتداع
الجمعة ... 9 – 11 – 2018 ... مذهب الحق فى علاقة العمل بالإيمان
الجمعة ... 2- 11 – 2018 ... إيمانك هو ملف اتهامك وموجب عقوبتك
الجمعة ... 26 – 10 – 2018... من اعتبر قصص القرآن حدوته فقد اختل إيمانه
الجمعة ... 19 – 10 – 2018 ... موقف المؤمن والمنافق من المحكم والمتشابه
الجمعة ... 12 – 10 – 2018 ... ياليت عندنا عقيدة وفهم الهدهد!!
الجمعة ... 5 – 10 – 2018 ... اين تقع مشيئة العبد من مشيئة الله؟؟
الجمعة ... 28 – 9 – 2018... الصبر زاد الطريق كيف تتدرب على تحصيله؟؟
الجمعة ...21 – 9 – 2018 ... أكبر الخذلان تقديم نعيم الدنيا على الجنة
الجمعة ... 14 – 9 – 2018... الهجرةُ حجةُ الله على خلقهِ
 
art4islam
جميع الحقوق محفوظة لموقع واحة العقيدة - 1431 هـ

فتاوى فى إنتظار الرد: 3