أعلى
أعلى
جديد الموقع
 
الجمعة ... 16 – 11 – 2018... إحذر أن يكون عملك بين الشرك والابتداع
الجمعة ... 9 – 11 – 2018 ... مذهب الحق فى علاقة العمل بالإيمان
الجمعة ... 2- 11 – 2018 ... إيمانك هو ملف اتهامك وموجب عقوبتك
الجمعة ... 26 – 10 – 2018
الجمعة ... 19 – 10 – 2018 ... موقف المؤمن والمنافق من المحكم والمتشابه
الجمعة ... 12 – 10 – 2018 ... ياليت عندنا عقيدة وفهم الهدهد!!
الجمعة ... 5 – 10 – 2018 ... اين تقع مشيئة العبد من مشيئة الله؟؟
الجمعة ... 28 – 9 – 2018... الصبر زاد الطريق كيف تتدرب على تحصيله؟؟
الجمعة ...21 – 9 – 2018 ... أكبر الخذلان تقديم نعيم الدنيا على الجنة
الجمعة ... 14 – 9 – 2018... الهجرةُ حجةُ الله على خلقهِ
 
القناة الرسمية للدكتور سيد العربى..على اليوتيوب
فيديوهات د.السبد العربى
صفحة صوتيات السيد العربى على اسلام واى
ملتقى اهل الحديث
ملتقى اهل السنة
الشيخ ابو اسحاق الحوينى
الحور العين
 
إيمانك هو ملف اتهامك وموجب عقوبتك -
إيمانك هو ملف اتهامك وموجب عقوبتك
6 - 11 - 2018

إيمانك هو ملف اتهامك وموجب عقوبتك

الجمعة ... 2- 11 – 2018 ...

للدكتور / سيد العربى... 

إن الحَمْدَ للهِ، نحْمَدُه، وَنسْتَعِينه، ونَسْتَغْفِره، ونَعُوذ باللهِ تَعالَى مِنْ شرُوِرِ أنفُسِنا، ومِنْ سَيٍئات أَعْمالِنا، مَنْ يَهْدِه الله فَهوَ المُهْتَد، ومَنْ يُضْلِل فَلَنْ تَجِدَ له وَلِيًا مُرْشِدًا، وأَشْهَدُ أَنْ لا إله إلا الله وحده لا شَرَيك له، وأشْهَدُ أنْ مُحَمدًا عَبَدَهُ، وَرَسوله، وصَفَيه مِنْ خَلْقِه، وخَلِيله، صَلَوات اللهِ وسَلامُه عَلَيْه، وعلى مًنْ تَبِعَ هداه بِإحْسانٍ إلى يَوْمِ الًدِين.
(يا أيها الذِينَ آمَنوا اتَّقوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَموتُنَّ إلا وَأنتم مسْلِمُونَ) [آل عمران: 102[.
(يَا أيها النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءَ وَاتَّقواْ اللهَ الذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ أن اللهَ كان عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء: 1.[
(يَا أيها الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب: 70-71] ... وبعد؛ فإن أصدق الحديث كتابُ الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم ، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار ... ثم أما بعد...

عباد الله لازال الإغتراف من معين النور ، لازال الإهتداء بالهدى والنور بكلام رب العالمين .. بالقرآن الكريم .. القرآن العظيم .. وقد وقفت في المقال السابق في غير هذا الموقع وفي غير هذا المكان المبارك في تناول بعض أيات من سورة البروج حيث قال الله تعالى (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (1) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (2) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (3) قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (4) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (5) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (6) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (7) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (9) إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (10) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (11))..وقفنا في المرة السابقة عند قول الله تعالى (وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) واليوم بإذن الله تعالى أتناول من أول هذه الأية إلى أخر ما قرأت حيث تبينُ هذه الأيات حقائق لابد أن يكون كل مسلمٍ على وعي منها ، وعلى إدراك لها لأنها متعلقة بالإستمرار على الطريق ومعرفة حقائق الأمور فيما يتعلق بالصراع بين الحق والباطل الأزلي الأبدي الذي بدأ بقتل قابيل لهابيل إلى وقتنا هذا وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، بعد ما بين الله سبحانه وتعالى أن هناك قوم إنما فتنوا المؤمنين وإنما أوقدوا النار بعد ما شقوا الأخاديد وألقوا فيها المؤمنين أحياءاً وجلسوا على شفير هذه الأخاديد ينظرون إليهم بإستمتاع ، وأنهم عذبوهم وقتلوهم وحرقوهم .. وكيف توعد الله لهم وكيف توعد الله بلعنهم ( قتل ) أي لعنَ..بين الله تبارك وتعالى ما سببُ ذلك الحقد الأزلي؟ وما سبب هذا البغض الشديد والنقمة المنتهية التي تبعث على هذا الإنتقام؟ ما هو جرمهم؟ ما هو سبب كراهية القوم لهم؟..يقول الله تعالى (وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) انظر أطم الطامات وأسوء الأحوال وأقلبُ حالٍ للخلق وأضلُ سبيل يسير فيه الناس أن تعتبر المزية نقمة ، أو أن تعتبر المزية عيباً بل ولا يُكتفى بأن تعتبر المزية عيب بل وأيضاً تُكره هذه المزية من أهلها ، بل وأيضاً يرتب للإنتقام بناءاً على تلك الكراهية فهو أمرٌ من أبغض ما يكون ومن أضل ما يكون أن تكون أنت ممن يحسن ويُعامل على أنه أساء أشد  السوء ، أن تكون ممن يفعل المزية وما يقتضي الثناء ثم تذم بأشد المذمة ، بل وليس الأمر يقف عند ذلك بل وتُكره ، بل ويترتب على تلك الكراهية عقوبة شديدة على أشد ما يمكن أن تكون ، تخيل أن تُخد الأخاديد وتُضرم فيها النيران لهبها ممتد إلى السماء ويُلقى فيها الناس أحياء (وما نقموا)  نقموا لها معنيان :  المعنى الأول هو الكره والبغض والسخط ، أي وما كرِهوا .. وما سخطوا عليهم .. وما نفروا منهم .. وما أنكروا عليهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد ... والمعنى الثاني أنها سببُ الإنتقام ، فالنقمة تبعثُ على الإنتقام ولذلك هم من مبنى لغوي واحد (وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ) أي وما نقموا من المؤمنين ، ما نقم أصحاب الأخدود وأمثالهم وأشباههم من سائر طواغيت العرب والعجم في الدنيا كلها ، من سائر الكفار والمشركين عندما يتصارعون مع المؤمنين سنةٌ ماضيةٌ ولها عند الله حكم بالغة عظيمة ينبغي أن نتدبرها..لأنك لابد أن تعلم أنه بناءاً على هذه الأية فإن ملف إتهامك حاضر .. قائم ..موجودٌ بغير جرمٍ منك إلا الجرم الذي إستجرموه على أتم الإجرام والذي كرهوه منك والذي نقموه منك وهو أنك ءامنت بالله العزيز الحميد الذي له ملك السموات والأرض والله على كل شيء شهيد ، سبحانه وتعالى ... إذاً جرم كل مؤمنٍ لاقى نقمة الكفار .. والطواغيت..هو أنه ءامن بالله العزيز الحميد ... والإيمان ينبغي إذا وجدته من عبدٍ المفترض عقلاً فضلاً عن شرعاً أن يُعان على ما هو عليه ... أنت لو كان لك من الأولاد عدد ثم وجدت ولداً عاقاً .. وجدت ولداً عاصيٍا .. وجدت ولداً فاسقاً متعدياً ستكرهه ، هذه هي الفطرة السوية ، وإذا وجدت ولداً طائعاً مصلياً محسناً بالطبع ستعينه على ذلك وتحبه ، هذه هي الفطرة السوية حتى ولو كنت أنت أباً سيئاً ..لست على الدرجة الطيبة ..لست من أهل الإحسان .. ولست من أهل الإيمان ولكن فطرتك وطبيعتك وخلقتك وآدميتك تقتضي منك أن تُسر بابنك  البار المؤمن فإن كل من وجد منه الإيمان لزم عقلاً .. فضلاً عن شرعاً .. فضلاً عن فطرةً...الفطرة السوية أن يُعان على ذلك ويُمدح به ويُذكر به كمنقبة لكن أن يكون له أبشع العقوبات بناءاً على النظر إلى إيمانه بأنه أبشع الجرائم فهذه قضيةٌ يعلمك الله بها أنك متى ءامنت فأنت صرت متهم بأبشع التهم عند الكفار وعند الطواغيت ، لابد أن تفهم ذلك حتى إذا ما قلت أنا لم أعمل شيء .. أنا في حالي .. أنا لا أحارب .. أنا لا أتعدى ليس هناك إحتياج لمثل تلك الأمور حتى يُشد عليك العقاب وحتى تشد عليك الحبال وتُضرم لك النيران وتُعذب بها حياً ، لست محتاج إلى مثل هذه الأمور إنما عندك  تهمة تكفيك وتكفي من معك ومن ورائك ومن حولك وهي أنك ءامنت بالله العزيز الحميد ..(وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ) إذاً المعيبة هنا هي عين المنقبة..وعارٌ على الخلق إذا صارت المنقبة أشد المعيبة ، وعارٌ على النفس الآدمية لمجرد الآدمية أن ترى المحسن قد أساء بإحسانه ويستحق أشد الإيذاء وصار مجرماً تمام الإجرام .. فكل مؤمنٍ يعلم أن إيمانه سيقتضي أختباره وأن إيمانه سيقتضي إبتلائه وأن إيمانه سيجعله مجرماً مسيئاً تمام الإساءة عند غير المؤمنين ، لابد أن يعلم أن هذه حقائق ... ءامنت يا ولدي ؟ نعم ءامنت أعلم أنك ستبتلى {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ} [العنكبوت: 2]..لابد أن تعلم ذلك ، ولابد أن تعلم أنك ستبتلى {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ}[الملك: 1، 2] .. فهذا أمرٌ لابد أن تفهمه ولابد أن تعلمه وأنك بإيمانك صرت مسجل في كشف المتهمين المجرمين العتاه بأنك مؤمن ، فوصف مؤمن سبب لنقمة عظيمةٌ جداً تستوجب كل ما يمكن من عقوبة و أذى ، فإن الله ما قص علينا قصة أصحاب الأخدود إلا لكي تكون مواساةً للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) ولمن معه من أصحاب لاقوا ما لاقوا في سبيل إيمانهم بالله وممن بعدهم من أتباعه وممن يستن بسنته وممن يسير على هداه ... أعلموا أنكم بمجرد أن تؤمنوا فإنكم قد ءاتيتم ما يقتضي النقمة الباعثة على الإنتقام هذا أمر لازم أن تفهمه حتى إذا ما وقع لك شيء من البلاء أو الإختبار أو الشدة أو الفتنة تعلم أن تلك سنة الله الماضية تبعا للحكم البالغة (وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ) أي إن أصحاب الأخدود ما نقموا ممن حرقوهم وهم أحياء، وأصحاب الأخدود ما هو إلا اسم يدخل تحته كل من صارع المؤمنين على إيمانهم .. يدخل تحته كل الطواغيت والكفار والمرتدين الذين يحاربون أولياء الله لأنهم أولياء لله وأنت ترى ما يحدث في بورما وغيرها وغيرها كيف أن الناس لمجرد إنتسابهم للإسلام كيف يلاقوا ما يلاقوا؟ جرمهم ماذا؟ إنهم مسلمون .. فظيعتهم ماذا؟ أنهم مسلمون ، نسأل الله أن يثبتنا على الحق الذي يرضيه عنا ولا يفتنا حتى نلقاه على الإيمان (وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ) انظر أختار الله عز وجل في بيان أمرهم وفي الدلالة على شأنهم بعض الأسماء والصفات التي تتفق وحقيقة القضية ، الله عز وجل لا يغفل ولا يهمل ، الله عز وجل يعلم ما وقع من أصحاب الأخدود ويعلم بما أصاب أهل الإيمان الذين تربص بهم أصحاب الأخدود وخدوا لهم الأخاديد لأنهم ءامنوا بالله ، من الذي أومن به؟ الرب .. الله عز وجل .. العزيز الحميد ، هنا صراعٌ بين الحق والباطل ، هنا صراعٌ بين مؤمنين وكافرين ، المؤمنون قد أنعم الله عليهم بالإيمان لأننا نعد النعم إذا كانت سيارة .. إذا كانت ديار .. أرض .. أموال .. ذهب وفضة هذه هي النعم أما الإيمان..نظرتنا له لا قيمة له بل نفرط فيه بسهولة ، بل لا نستعظمه ، بل لا نرى أنه أعظم ما يعطي الله لعبد وهو الإيمان ، فإن أعظم منة { لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [آل عمران: 164]..{قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } [الحجرات: 17] ..لابد أن تكون عينك على هذا الإيمان وعلى هذا الدين ، إن زادك الله منه فهو ينعم عليك النعمة التي لا تُقدر حتى وإن أخذ منك دنياك .. وأخذ منك مالك .. حتى وإن أبتليت بنقصٍ في النفس والمال والأهل والولد لكن إذا بقيَ دينك فأنت بذلك من الفائزين إلى أن تلقى الله به فتنال الفوز العظيم ، لابد أن تفهم ذلك ... صحيحٌ أننا في واقع مادي وأن الجنيه أخذ في القلوب مكانة عظمى حتى صار يحسد من ناله .. ومن جمعه ولا يُحسد من كان صاحب إيمان .. ودين .. وعقيدة .. وثبات على الحق.. لكن لن تعدم أهل إيمانٍ .. وأهل رضا .. وفهم .. وفقه..يعلمون قدر تلك النعمة ويحمدون الله عليها ويسألون الله الثبات عليها وألا يزيغ الله قلوبهم بعد إذ هداهم لابد أن تعلم ذلك ... كن من أولئك النفر ولو كانوا قلة ... عندنا فريقٌ تعدى وعندنا فريقٌ متعدى عليه ، دائماً في كل زمانٍ ومكان وتختلف الأسماء وتختلف الصور لكن هذا موجود وهذا موجود ، الفريق المتعدي فالله عز وجل يُعلم الخلق أن الله الذي بيده كل شيء هو العزيز ، ومعنى العزيز من له العزة فلا يُغلب ولا يقهر ولا يكون إلا ما يريد ، بمعنى أن ظلم الظالمين للمظلومين لا يتم بغفلة عن الله أبداً و لا عن إهمالٍ من الله أبداً بل إنه سبحانه وتعالى يفتن الكافرين والظالمين بالمظلومين بأن يشعروا أنهم أعزاء وأنهم كبار وأنهم عظماء وأنهم يفعلون ما يشاءون فيزدادوا في ماءاثمهم ، ويزدادون في طغيانهم فيعُظم أثمهم حتى إذا ما أخذهم أخذهم وقد أستوفوا المأثم ، وقد أستوفوا كل ما يمكن أن يكون ، وفي المقابل أولئك المظلومين الله عز وجل حميد يحمد صبرهم ، يُنعم عليهم بالصبر فهو حميدٌ لأنه هو الذي يُنعم ، ويحمد منهم الثبات لأنه حميدٌ ، لأن معنى حميد يدخل في معنيين رأسيين :  الأول الحميد بمعنى الحامد الذي يحمد لخلقه ما يأتونه من الخير والبر فيحمد الأنبياء والمرسلين والمؤمنين والسابقين والثابتين على الحق بماذا يحمدهم ؟  (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ) هذا من حمد الله لصنيعك .. هذا من حمد الله لإيمانك ... المعنى الثاني هو أنه المحمود لأنه المنعم .. لأنه المتفضل ، تفضل عليك بالإيمان ثم أبتلاك لتعلو درجتك ، ثم تفضل عليك بالثبات والربط على القلوب ، ثم تفضل عليك بأن يُخرجك من تلك الدنيا على دينك بحيث لا تفتن قبل الممات ، وتفضل بكذا .. وكذا ... فضلاً عن النعم التي هي فتات بالنظر إلى الإيمان ، لا تقليل من شأن نعم الله لكن بالمقارنة فكل نعمة سوى الإيمان فتات ، والنعمة التي هي المنة هي الإيمان ، فإذا كان الله عز وجل قد أنعم عليك فهو المحمود على ما أنعم ، فالحميد هو المحمود ، والحميد هو من يحمد لخلقه حسن صنيعهم ...   إذا كان كذلك فأنظر إلى إختيار العزيز الحميد ستجد أن في الأمر بديعُ فهمٍ وبديع معنى ولهذا الباب من العلم فقهٌ خاص وهو علم إختيار أسماء الله عز وجل وصفاته التي يختم بها الأيات ، لماذا في أية يقول غفور رحيم ولماذا في أيه يقول عزيزٌ حميد ولماذا في أية يقول عزيزٌ حكيم؟..لأن لكل مقام بحسب المعنى والقضية التي تثيرها الأيات يكون المعنى متفق مع معنى ذلك الإسم أو الصفة ، هنا قال (وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ) أي وما أستعظموا أنفسهم وما رأوا أنهم إن أرادوا قتل يقتلوا وإن أرادوا الحرق يحرقوا وأنه لا مانع لهم وأنهم لا رادع لهم فأستشعروا العزة فجاء اسم ووصف العزيز مناسب لهؤلاء المحقرين بأنه يقول لهم أنتم بالنسبة لله حقراء وأنتم بالنسبة لما يملكه الله عز وجل في قدرته على إفنائكم حقراء ، فأنتم لستم أعزة بل عينُ الأذلة لأن مصيركم سيكون ذلٌ لا يعلم هوانه ولا مداه إلا العزيز فجاء وصف العزيز واسم العزيز ليكون في مقابل من نقموا ليكون توافق مع قُتل ، من الذي قُتل؟..هل هو دعاء؟..لا هو قرار..هو حكم ، قُتل أصحاب الأخدود ... والحميد جاء متوافق مع أولئك المعذبين الذين حُرقوا أحياءاً وألقوا في الأخاديد ، وما عقوبة أشق من هذه العقوبة ، فإذا كان من يقُتل بألة قتل أو هناك من يُطعن أو هناك من يُداس أو هناك من يضرب حتى يموت أو غير ذلك فإنه دون كل تلك العقوبات دون الحرق أحياء جملةً فجاء وصف العزيز الحميد متوافق مع فعل الظالمين وفعل المظلومين ... فالمظلومين أهل إنعام ، أي نعمة..لابد أن تقف عند هذا وقد حرقوا أحياء؟..نعمة أن يختم الله لهم ببلاءٍ عظيم ينتظرهم من ورائه فوز عظيم ، ولم يذكر الفوز على إنه كبير إلا في هذا الموطن ، انظر (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) وهذا إشارة إلى المظلومين الذين يُنقم منهم لإيمانهم .. الذين ملف إتهامهم جاهز لمجرد أنهم من المؤمنين .. من المسلمين .. من الملتحين ، انظر تنبه وتدبر..ما فعله أصحاب الأخدود في المؤمنين ، ما نقموا منهم إلا لإيمانهم..(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) على وفق ما قدموا وصبروا عليه من بلاء (ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ) قد يُوصف الفوز بأنه عظيم لكن هنا كبير لأنهم قد أبتلوا أكبرإبتلاء ، وقد عانوا أكبر معاناه ، فإذاً هذا كبير والجزاء من جنس العمل فيكون العطاء كبير ، فلذلك قال (ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ) المهم هو أن تعرف لماذا نقموا منهم ، وأن هذه سنة ماضية ، وأن كل من ءامن سيتعرض لشيءٍ  من البلاء والإختبار والمحن ، وأنه لابد أن يكون عينه على إيمانه بحيث لا يفلت منه ولا يضيع منه في خضم تقلبات الدنيا ولا ينبغي أن يكون عزيزاً على العبد ، أعز من دينه " دينك دينك لحمك دمك به تكون وبغيره لا تكون " فلذلك قال (وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) يؤمنوا بمعنى أنهم ينزلوا الله المنزلة التي تليق به ، يفردوه رباً وألهاً ، يؤمنوا بكل ما أتصف به من صفات الجلال والكمال ، أي أنهم من الموحدين الذين يُنزلون الله منزلته ويُقدرون الله قدره (وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) قد يرفع المؤمنون أيديهم يارب أغثنا .. يارب أدركنا برحمتك .. يارب خلصنا مما نحن فيه وهو يجيبهم..(لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، أي أن ما يحدث في هذا إنما يحدث في ملكه ، إذا كان يحدث في غير السموات والأرض يكون في مكان أخر ، ليس هناك مكان لكل المكلفين غير السموات والأرض وبالتالي هو له ملكهم .. الملك التام .. المطلق .. الحق ، يعني إذاً هؤلاء يعبثون في ملكه ، إذاً هؤلاء يعملون ما يعملون في ملكه ، إذاً هم تحت سيطرته ، إذاً هو يملكهم ويملك أنفاسهم ويملك أعمالهم {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} [الأنعام: 112]..لأنه له ملك السموات والأرض ولأنه يمهل ولا يهمل ، ولأنه لا يغفل ... ولماذا ذكر عزيز حميد له ملك السموات والأرض؟..انظر إلى هذه الفائدة حتى تعلم علم اليقين أن أولئك المؤمنين ما ءامنوا بمن لا يستحق الإيمان إنما ءامنوا بمن يستحق ثم يستحق ثم يستحق الإيمان وحده ..فهم ءامنوا إيماناً بلغهم أن ينقم منهم وأن يُنتقم منهم ، من هو الذي ءامنوا به؟..العزيز الحميد الذي له ملك السموات والأرض ، هذه مقتضيات الربوبية التي تستلزم الألهية فلا يكون إله معبود إلا من كان رباً وقد ذكر الله في حق نفسه مما يُذكر في حقه سبحانه وتعالى أنه عزيزٌ حميدٌ له ملك السموات والأرض فكأن هذا بيان إلى أنهم إنما نُقموا منهم لأنهم ءامنوا الإيمان الحق فلم يعبدوا صنماً .. ولم يعبدوا طاغوتاً .. ولم يعبدوا وثناً .. ولم  يعبدوا قبراً إنما عبدوا (الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) ليس فقط له ملك السموات والأرض وأنه يكون تحت ملكه وتحت حكمه بل وهو أيضاً شهيد لما يقع من كل ظالم لمظلوم ، وما يقع من مظلومٍ من إفتتانٍ أو ثبات ، وما يقع من ظالم من تربصٍ وإدعاء العزة وإستعلاء..هو شهيد على ذلك ، وإذا شهد الله فإنما شهادته تعني أن يكون مرجع الأمر إليه وحده ، يعني لن تعقد المحكمة يوم القيامة بحيث يقول أين الشاهد الأول وأين الشاهد الثاني .. لا .. بل إنه هو الشهيد ، تخيل لما يكون قضية ولله المثل الأعلى الشاهد فيها والمطلع على كل أركانها القاضي الذي سيحكم فيها ، أنت يمكن أن تأتي للقاضي بشاهد زور في قضيتك أو تأتي له بمعرفة ، أو تأتي له بمن يلبس الكلام والقاضي لم يرى بعينه وبالتالي وارد أن يختل حكمه ، أو أن يجافي الحق لماذا لأنه خُدع ، ولله المثل الأعلى ، إن الذي شهد هو الذي سيحكم (وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) إذ أن شهادة الله لا تعنى المشاهدة كما لو كانت فرجة تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً بل هي شهادة حقٍ تقتضي الحكم فيما شهد وقد شهد ذلك ، وقد شهد إحراق الظالمين للمظلومين ، وقد شهد تعدي الظالمين على المظلومين ، وقد شهد تجبر الظالمين على المظلومين وكأنهم ليس لهم أحد ، وكأنهم ليس وراءهم أحد ، وكأنهم بيدهم الأمر يفعلون في المظلومين ما شاءوا ، هنا يقول الله لهم (وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) شهيدٌعلى ظلمكم ، وشهيدٌ على بطشكم ، وشهيدٌ على جبروتكم شهادة من سيقضي لأن الله سيجمع الخلائق ثم يقضي بينهم حتى يقتص ، - تخيل - للشاة (الواحدة من الغنم) ، للشاة الجلحاء التي بغير قرون من الشاة القرناء ، فكيف بك إذا ظُلمت؟ وكيف بك إذا تُعدي عليك؟ وكيف بك إذا أعتبرت مجرما لمجرد دينك وإيمانك (وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) ..وهنا من أعاجيب رحمة الله وحلمه {وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ } [هود: 90] (إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا)..الله اكبر حتى هؤلاء ، حتى أهل فظاعة الأمر وشناعة الجرم يمكن أن يتوبوا؟ يمكن أن يتوبوا وإن تابوا تاب الله عليهم ، إن تابوا توبة نصوح بشروطها وأركانها تاب الله عليهم لكن قبل أن أذكر ما يتعلق بالتوبة (إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا) لماذا أختار الله لفظ الفتن؟ لأن الفتن هو إيقاد النار على المعدن ليرى إن كان رديئاً أم جيداً ، وإن كانت العرب تقول فتنت الذهب إذا أوقدت النار على الذهب لترى مدى جودته ، والفتن اسمٌ للأحجار السوداء أي أحجار متفحمة سوداء تسمى فتن ، وهذا هو معنى الفتن في لغة العرب وفي لغة القرآن أيضاً الذي هو بلغة العرب ( بلسان عربي مبين ) (إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا) وكأنه يقول إن الذين أوقودوا النار على المؤمنين وإن كان اللفظ أعم من هذا في القرآن لكن عندما يكون المعنى متوافق مع اللفظ (إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا) تستعجب من بديع القرآن ... كما يقول تعالى {يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ} [الذاريات: 13]..لأنهم أيضاً سيصلون وستوقد النار عليهم كما تُوقد على المعدن ليتجود ولكن ستوقد عليهم ليعذبوا بها فتكون فتنتهم فيها أي في النار ، ومعنى فتنتهم أي إيقاد النار عليهم كما توقد النار على المعدن تنبه (إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا) إن الذين أختبروا .. إن الذين ابتلوا .. إن الذين شددوا .. إن الذين أحرقوا .. إن الذين عذبوا .. إن الذين تعدوا .. إن الذين أعتبروا إيمان المؤمنين جرماً بدلاً أن يعتبروه منقبة ، (ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ)...

أكمل بعد الإستراحة إن شاء الله ...

----------------------------------------------------------

الحمدُ للّهِ وكفى، وسلامٌ على عبادِه الذين اصطفى، وأشهدُ أنْ لا إلـه إلا اللّه وحدَه لا شريكَ له ،وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ،ورسولُه ، وصفيُّه مِنْ خلقِه وخليلُه ، صلواتُ اللهُ وسلامُه عليه وعلى آله وصحبِه أجمعين ، وأصلِّي وأُسلِّمُ على رسولِ اللهِ صلاةً نحققُ بها أمرَ ربِّنا، حيثُ أنَّه قالِ: " إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً. " (الأحزاب"٥٦")...فاللَّهمَّ صلِّ على محمدٍ النبيّ ، وأزواجِه أمهاتِ المؤمنين ، وذريَّته ، وآلِ بيته ، كما صلّيتَ على آلِ إبراهيمَ إنَّكَ حميدٌ مجيدٌ...

ولابد عبد الله أن تعلم أن كل حرفٍ من القرآن إنما هو كنزٌ من كنوز الهداية ، وعيبٌ عليك شديد وعارٌ عليك كبير أن تسمع للقرآن على أنه نوعٌ من القصص أو الأقاصيص أو الحواديت فإن ذلك جرمٌ عظيم ، وإن ذلك خرابٌ للإيمان إن يجعل الله كلامه هدىً ونور يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام وأنت تعتبره أقصوصة أو حدوته تسمع من باب الكلام الذي يُقال .. إنشا والخطيب يخطب ويدب الكلام والمهم الخطبة تخلص وخلاص .. لا لابد أن تعلم أن هذا الكتاب إنما أنزله الله عز وجل وحفظه من أي تبديل أو تحريف ليكون لك هداية ، وليكون لك نور ، وليكون لك مَعلم تهتدي به وتسير على وفقه ، فإن لم يكن الأمر كذلك فأبك على حالك لأنك قد يكون أمر من أمور الدنيا يقعدك فلا يقيمك ، ويسهرك لا ينيمك ويقلب حياتك ، هذا أمرٌ من أمور الدنيا يُهمك أما أمر الدين والقرآن والإهتداء نحن في زمنٍ الجنيه والدولار والدرهم والريال لسنا في زمن الإيمان وبالتالي لا يهم ، لا هي قمة القيمة وقمة الفائدة وقمة الهداية في الكتاب الكريم ، ما أحاول أن أقف مع الأيات وإن كانت وقفتي وقفة إجملات وإن كانت وقفتي وقفة قليل بضاعة وقليل زاد ولكن مهما كانت هذه الوقفة فإن القرآن فيه من الخيرات مهما أغترفت ولكن عليك أن تقدر شأنه وأن تعلم مدى إحتياجك بالإهتداء به ، لا ينبغي أن تنظر إليه نظرةً تضيع عليك التنعم والإهتداء والإستنارة بنوره (إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا) ماذا ينتظرهم؟ (فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ ) والعلماء قالوا أما جهنم فمعلومة وهي تنتظر كل متعديٍ وكل مخطيءٍ وكل مجرمٍ تنتظره جهنم ، أما الحريق هو لفظ متكرر؟..ليس في القرآن متكرر ، أبعد عن فهمك وعن قولك وعن تصورك وعن قول أهل القول الفاسد أن هذا مرادف وأن هذا متكرر وأن هذا بنفس المعنى وأنه كلام زائد ، نعوذ بالله من أن ننظر للقرآن هذه النظرة بل نؤمن بأن كل نقطة في القرآن لها معنى وكل حرفٍ منه له هداية ونور ، هنا قال عذاب جهنم جزاءاً على ظلمهم وكفرهم وعتوهم ، وعذاب الحريق تأولوها على وجهين الأول :  أنهم لما كانوا يلقون المؤمنين في الأخاديد كان الله يقبض أرواحهم قبل أن يصلوا إلى أطراف النار ثم ترتفع النار بشدة فتأتي علي أصحاب الأخدود وهم جلوسٌ على النار ، جلوسٌ على الحفير يشهدون المبارة .. يتسلون بهذه الكارثة ، تأخذهم التار ليعاقبوا لأن الجزاء من جنس العمل فقالوا أن الأخاديد كانت لهيبها ممتد وكانت نارها مضرمة شديدة (النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ) هذا معنى الوقود ... فكانت النار الله عز وجل رحمة بالمؤمنين يقبضهم قبل أن يصلوا إلى النار فيسقطون جثثاً ميتة ، وترتفع النار فتخطف الكفار كالكلاليب أولئك النفر الذين يجلسون ليستمتعوا بالنظر إلى أولئك المؤمنين وهم يُحرقون أحياءاً ... والمعنى الثاني :  أنهم يوم القيامة يعد الله لهم مزيداً من العذاب خاص بهم بنار كلما دخلوا فيها أتسعت ، أتسع لهيبها فتكون نار حرقٍ (فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ) وهذا المعنى ذهب إليه بعض أهل العلم إلى أن نصيبهم من نار جهنم عذاب الزمهرير ... عفانا الله وإياكم الزمهرير هو شدة البرودة التي تكون أقصى على البدن من شدة النار ، شدة البرودة التي تفتت الجسد وتؤلمه أشد من شدة النار ، فلهم من جهنم الزمهرير ولهم عقوبة لهم معها حريق النار المحرقة جزاءاً لعملهم ... المهم هو أن تعلم أن ربك بالمرصاد ، والمهم هو أن تعلم أن الله عز وجل يمهل ولا يهمل ، والمهم هو أن تعلم أن الله لا يغفل عما يعمل الظالمون وأن الله سبحانه وتعالى قال {فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا} [مريم: 84] فلا ينبغي أن تأخذك نفسك حسرات ، ولا ينبغي أن تبتأس ولا أن تقنط بل كلما بعدت عليك الشقة من طريقهم وبأعمالهم .. كلما وجدت منهم العنت والتعدي والتربص والتضيق .. كلما وجدت ووجدت ثقتك بالشهيد ، وإيمانك بأنك قد ءامنت وأنك قد أتيت المنقبة التي حُرموا منها ، وأن الله بتلك المشاق لا يتركك لهم عبثاً ولا يتركك لهم بحيث هم يملكون الكون ، لا .. بل إن ملك السموات والأرض إليه لكن انظر إلى الرحمة وسعة الرحمة ، حتى هؤلاء الذين نُقل أنهم فعلوا وكما قلت إن أصحاب الأخدود هو وصفٌ لمسمىً كبير في كل زمان ومكان لأن هذه الأيات نزلت على محمد ( صلى الله عليه وسلم ) تصبره على ما يفعله فيه كفار قريش وصناديد قريش صداً لهم عن دين محمد ( صلى الله عليه وسلم ) وقد قال لهم إن هناك أقوامٌ قبلكم قد حُرقوا في الأخاديد وأن الله عز وجل قد تربص بمن فعل ذلك بالمؤمنين ، وأن الله متربصٌ أيضاً بكل من يفعل ذلك بالمؤمنين ، دائماً أبداً لأنه الغالب على أمره ، لأنه العزيز سبحانه وتعالى ، تدبر وصف العزيز حتى تعلم مدى قدرته تبارك وتعالى ، لكن مع ذلك فتح لهم باب التوبة ، وباب التوبة لا ينغلق أبداً إلا في حالتين ، الحالة الأولى : فى الحديث: « إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ » .. قال الشيخ شعيب الأرناؤوط : إسناده حسن.. يعني تأتيه سكرات الموت ، فإذا حضر الموت وتحقق في النفس وصار العبد في حقيقة الموت قال توبت الأن أو أنا توبت إليك يارب أو أنخلعت مما أنا فيه من إجرام وظلم وتعدي وطغيان فإن ذلك لا ينفعه لأن وقت التوبة بالنسبة له بالغرغرة قد إنقطع وقفل ، فهذا وقتٌ خاص أي يخص كل عبد ، وهناك وقتٌ عام ، إن الله عز وجل يقبل التوبة من عباده ما تطلع الشمس من مغربها تنبه، كما في حديث مسلم:(إِنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا).. فإن الشمس إذا طلعت من مغربها ورآها الناس آمنوا لأن الله يقول ( يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً) (الأنعام: من الآية158) يعني إذا طلعت الشمس من مغربها وظهرت العلامات الكبرى التي أعظمها طلوع الشمس من مغربها ، فإذا ما قال الناس ءامنا وإذا ما هاجر الناس إلى ربهم في هذا الوقت فلا يُقبل منهم ... فالتوبةُ مفتوحة أبداً ولكن هذه التوبة ليست كلمة ، ليست أن تقول توبت إليك يارب ، لا..إنما التوبة لها شروط ، أول هذه الشروط : أن يتوب العبد لله عز وجل إيماناً منه بأن الله عز وجل قد تعدى العبد على حقه وأنه صاحب الحق المطلق فيكون مقبلاً بإخلاص على أنه يلزمه التوبة لذلك الرب العظيم الذي لا إله غيره ولا رب سواه ، ثم أن التوبة لابد فيها من الندم وشعور النفس بالإنكسار وشعور العبد بحقارته أمام قدر الله وشأن الله العظيم ، والندم كما في الحديث "  الندم توبة "  ثم إن العبد لابد أن ينخلع مما هو عليه من  ذنب فلا يتوب العبد من ذنبٍ هو قائمٌ عليه كمن يمسك بالسيجارة ويضعها في فمه ويقول توبت إليك يارب من السجاير ، هو بذلك ساخر .. مستهزيء لأنه يفعلها ، فكل قائم على معصيته إذا أراد أن يتوب منها لابد أن ينخلع ، وهذا الإنخلاع إذا كانت المعصية ليست متعلقة بحق أحدٍ فإن رجوعه وإنخلاعه منها بينه وبين ربه كافٍ ، أما إذا كانت تتعلق بحق كمن سرق مالاً أو أغتصب أرضاً أو تعدى على عرضٍ أو إغتاب أو طعن أو كذب أو زورَ على أحدٍ فإن ذلك لا يكفي فيه الإنخلاع  بل لابد فيه من رد الحق لصاحبه أو أخذ العفو منه كصاحب حقٍ له ، أنا تعديت عليك .. أنا أغتبتك .. زورت عليك لابد أن يأخذ منه العفو من باب أن يُعطيه حقه .. أنا سرقت منك هذا المال .. أنا خونت تلك الأمانة تتعلق بك أو غير ذلك ... ثم من الشروط أن يأتيَ التوبة في الوقت الذي كما بينت مفتوحةٌ فيه التوبة ، يعني يأتيها في كل الأوقات إلا أن يأتيَ في ساعة الغرغرة أو يأتيها عند طلوع الشمس من مغربها ... إذا تحقق من العبد التوبة مهما إن كان ذنبه لك أن تتخيل أن أولئك النفر الذين حكى الله عنهم أنهم شقوا الأخاديد للمؤمنين وأوقعوهم فيها حرقاً بعد أن أضرموا فيها النار إضراماً يقول الله عز وجل عنهم ووصفهم بماذا؟ لم يقل إن المشركين .. إن الكافرين ..إن الظالمين .. إن المجرمين ، بل قال (إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ) بمعنى إنهم إن تابوا تاب الله عليهم لأن هذا موجود في الإشتراط وكأنك تقول لربك يارب لو أنهم تابوا بشروطها تاب الله عليهم لكن إن لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق ، وفي المقابل (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ) ... وهذا أبينه في مقالٍ قادم إن شاء الله تعالى ... أسأل الله لي ولكم الثبات على الحق وأسأل الله لي ولكم الفوز بالجنة والبعد عن النار ... اللهم يارب نسألك الفوز بالجنة والبعد عن النار ...اللهم فرج كربنا وأزل همنا وأحسن خاتمتنا وثبت قلوبنا على الإيمان بك وعلى مرضاتك ... اللهم أهدنا وأهدي بنا وأجعلنا سبباً لمن أهتدى ... اللهم أحفظ علينا ديننا ما أحييتنا ... اللهم يارب نسألك أن تجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ... اللهم أجعلنا ممن يهتدي بالهدى ... اللهم أجعلنا ممن يهتدي بالقرآن الكريم ، وأجعلنا ممن يعمل بمحكمه ويؤمن بمتشابهه ويدعو إليه ويثبُت على الإيمان به ... اللهم كن لنا ولا تكن علينا أعنا ولا تعن علينا رد بطش الكافرين عنا وقنا برحمتك سيئات مكرهم ... أحفظنا في أنفسنا وأهلينا وأولادنا ... اللهم فرج كرب المكروبين وفك أسر المأسورين ورد الظلم عن المظلومين .. اللهم رد علينا الغائبين يارحمن يارحيم ولك الحمد حتى ترضى والحمد لله رب العالمين وصل اللهم وسلم على محمد وعلى أله وصحبه أجمعين أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك.. وكتبه : أم محمد موسى...

راجعه وصححه وضبطه:

د / سيد العربى...

 




واحة العقيدة - موقع فضيلة الدكتور السيد العربي بن كمال
 
الجمعة ... 16 – 11 – 2018... إحذر أن يكون عملك بين الشرك والابتداع
الجمعة ... 9 – 11 – 2018 ... مذهب الحق فى علاقة العمل بالإيمان
الجمعة ... 2- 11 – 2018 ... إيمانك هو ملف اتهامك وموجب عقوبتك
الجمعة ... 26 – 10 – 2018... من اعتبر قصص القرآن حدوته فقد اختل إيمانه
الجمعة ... 19 – 10 – 2018 ... موقف المؤمن والمنافق من المحكم والمتشابه
الجمعة ... 12 – 10 – 2018 ... ياليت عندنا عقيدة وفهم الهدهد!!
الجمعة ... 5 – 10 – 2018 ... اين تقع مشيئة العبد من مشيئة الله؟؟
الجمعة ... 28 – 9 – 2018... الصبر زاد الطريق كيف تتدرب على تحصيله؟؟
الجمعة ...21 – 9 – 2018 ... أكبر الخذلان تقديم نعيم الدنيا على الجنة
الجمعة ... 14 – 9 – 2018... الهجرةُ حجةُ الله على خلقهِ
 
art4islam
جميع الحقوق محفوظة لموقع واحة العقيدة - 1431 هـ

فتاوى فى إنتظار الرد: 3