أعلى
أعلى
جديد الموقع
 
الجمعة ... 22- 3 – 2019 ... الرقى منهىٌ عنها ومأمورٌ بها.. كيف ذلك؟
الجمعة ... 15- 3 – 2019... الحلف بابٌ واسعٌ للشرك..كيف ذلك؟
الجمعة... 8 – 3 – 2019... كيف يكون اتخاذ السبب شرك؟؟
الجمعة ... 1 – 3 – 2019... إرادة الدنيا بالدين مهلكة
الجمعة ... 22 – 2 – 2019 ... كيف يسرى سرطان الرياء فى الإخلاص
الجمعة ... 15 – 2 – 2019 ... الفارق الدقيق بين الشرك الأكبر والأصغر
الجمعة ... 8 – 2 – 2019 ... هل عرف العلماء الشرك بدقة؟؟
الجمعة 1 – 2 – 2019 ... لماذا الشرك أكبر الكبائر وظلم عظيم
الجمعة ... 25 – 1 – 2019... كيف أعان الله على التوحيد والإيمان؟
الجمعة ... 18 – 1 – 2019 ... مفاسدُ التبذيرِ والبخلِ والشحِ
 
القناة الرسمية للدكتور سيد العربى..على اليوتيوب
فيديوهات د.السبد العربى
صفحة صوتيات السيد العربى على اسلام واى
ملتقى اهل الحديث
ملتقى اهل السنة
الشيخ ابو اسحاق الحوينى
الحور العين
 
هل تعلم دائرة الإقتصاد فى الإسلام -
هل تعلم دائرة الإقتصاد فى الإسلام
12 - 1 - 2019

هل تعلم دائرة الإقتصاد فى الإسلام

الجمعة ... 11 – 1 – 2019...

للدكتور / سيد العربى..

إن الحَمْدَ للهِ، نحْمَدُه، وَنسْتَعِينه، ونَسْتَغْفِره، ونَعُوذ باللهِ تَعالَى مِنْ شرُوِرِ أنفُسِنا، ومِنْ سَيٍئات أَعْمالِنا، مَنْ يَهْدِه الله فَهوَ المُهْتَد، ومَنْ يُضْلِل فَلَنْ تَجِدَ له وَلِيًا مُرْشِدًا، وأَشْهَدُ أَنْ لا إله إلا الله وحده لا شَرَيك له، وأشْهَدُ أنْ مُحَمدًا عَبَدَهُ، وَرَسوله، وصَفَيه مِنْ خَلْقِه، وخَلِيله، صَلَوات اللهِ وسَلامُه عَلَيْه، وعلى مًنْ تَبِعَ هداه بِإحْسانٍ إلى يَوْمِ الًدِين.
(يا أيها الذِينَ آمَنوا اتَّقوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَموتُنَّ إلا وَأنتم مسْلِمُونَ) [آل عمران: 102[.
(يَا أيها النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءَ وَاتَّقواْ اللهَ الذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ أن اللهَ كان عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء: 1.[
(يَا أيها الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب: 70-71] ... وبعد؛
فإنَّ أصدقَ الحديثِ كتابُ اللهِ ، وخيرَ الهَديِ هَدْيُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم, وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ مُحدثةٍ بِدعة، وكلَّ بِدعةٍ ضلالة، وكلَّ ضلالةٍ في النّار ... ثم أما بعد ...

عباد الله لازال الكلام في اللأليء المكنونة من أيات الكتاب الكريم .. المجيد .. العظيم من أيات سورة الفرقان في ذكر صفات عباد الرحمن وأحب أن أنوه قبل أن أذكر الصفة الخامسة من صفات عباد الرحمن بحسب ما ذكرها الله تعالى في كتابه الكريم أن عباد الرحمن ليسوا أفراداً .. أوزاعاً .. ليسوا خواص بحيث يكون مجتمع المسلمين غيرهم وهم قلةٌ وندرةٌ فيه ، وإن عباد الرحمن هم المجتمع المسلم الذي يريده الله سبحانه وتعالى من خلقه ، بمعنى عندما تسمع صفات عباد الرحمن لا تنظر إليهم على أنها صفات صفوةٌ قليلةٌ نادرة ، بل هي صفات المجتمع المسلم والعباد المؤمنين الذين أستجابوا لربهم ويحاولون بأستجابتهم لربهم أن يحققوا الغاية التي ما خلق الله الخلق إلا لأجلها ، بمعنى أن هؤلاء ليسوا أوزاعاً أو أشخاصاً نادري الوجود ، بل هم يحققوا صفات المسلمين الذين أمرهم الله أن يكونوا عليها، فلما أستجابوا لربهم ولما أستقاموا على أمره وتركوا نهيه صاروا عباد الرحمن ، بمعنى أن الله يعلمنا ما ينبغي أن نكون عليه ، وأن هذا هو المجتمع المسلم ، وأن هذه الصفات هي صفات المجتمع المسلم التي يريدها الله من المسلمين سواءٌ كانوا على هذه الصفات بنسبة مئة بالمئة أو كان لهم نصيبٌ منها بحسب كل واحد منهم ، بمعنى أولئك النفر الذين هم هينون لينون .. والذين لا يقابلون الأساءة بالأساءة ، هؤلاء النفر الذين يقومون لربهم سجداً وقياما ، هؤلاء النفر الذين يطلبون من ربهم ويبرأون إلى ربهم من كل ما يغضبه طمعاً في أن ينجيهم من عذاب جهنم ، هذه الصفات ليست صفات الخواص حيث يكون عموم المسلمين مجرمون .. قاتلون .. فاجرون .. مشركون .. كافرون .. فاسقون ... لا بل أن هذه الصفات عندما يقول وعباد الرحمن ، أي هذا هو المجتمع المسلم الذي ينبغي أن يكون ، وكل أخذٍ من هذه الصفات فمقل ومستكثر ، ولكن لكل عبدٍ مسلم نصيبٌ من هذه الصفات ... فأنت ينبغي أن تكون من عباد الرحمن وأنا ينبغي أن أكون من عباد الرحمن سواءٌ أغترفت من هذه الصفات مستكثراً أو كان نصيبي منها قليل ، ولكن لا ينبغي أن تظن غير ذلك..بحيث يكون الفسوق .. والفجور .. والكفران .. والشرك .. والإمتهان .. والبعد عن دين الله هو خصيصة كل من خرج عن الإسلام .. كل من بعد عن الإسلام ... أردت أن أنوه بهذا لئلا يسمع السامع ، أو لئلا يتدبر المتدبر أو لئلا يتعظ المتعظ من المسلمين بأن هذه صفات لقومٍ خواص ، ونحن لسنا خواص ، أو أن هذه الصفات لقومٍ معينين نُذر يسير ونحن لسنا من النُذر اليسير بل نحن من عموم المسلمين ... ليس المعنى هكذا فعموم المسلمين هم عباد الرحمن وكما قلت مقلٍ ومستكثر ، عموم المسلمين ينبغي أن يكونوا بخلقٍ كريم .. هينين من الذين هم يرفقون بأنفسهم ويرفقون بغيرهم ... هذه من مقومات الأيمان والإسلام " المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده "  هذه صفة من صفات عباد الرحمن ، أردت أن أنوه لأنني أستشعرت أو لعلي أستشعر من بعض الناس عند سماعهم لهذه الصفات أنها صفات القمة .. الخواص .. الندرة ، لا بل هي صفات المسلمين .. المؤمنين .. من هم في حظيرة الإسلام سواءٌ كانوا على قدرٍ كبيرٍ منها أو حازوا أقل ...

في هذه الصفة التي ذكرها الله تعالى بعد ما ذكر من شأنهم أنهم ذوي خلقٍ كريم .. هينون لينون .. لا يقابلون الإساءة بالإساءة بل دائماً يطلبون السلامة في دينهم .. ويطلبون السلامة مع خلق الله عز وجل أياً كانوا ، فإن كانوا من المسلمين أمثالهم فهم في سِلم ، وإن كانوا من الجاهلين فخاطبوهم بجهلٍ كانوا يأخذونهم أو يرفقون معهم أو يسلكون معهم المسلك الذي يسلمون منه من الأذى ومن أن يقابلوا الجهل بالجهل .. وأن يقابلوا التعدي بالتعدي ... ثم هم مع ذلك لهم نصيبٌ من الخلوة بربهم يسجدون له ويقومون له متبتلين طامعين في المكسب العظيم لكل عبدٍ مؤمن وهو (رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا)..ثم فيما يتعلق بمجتمع المسلمين الأقتصادي..لأني أعلم تماماً أن كثيراً من الناس عندما يسمعون هذه الأية (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا) يظن أن ذلك مسلكٌ شخصي ويظن أن ذلك مسلك البعض ويظن أن ذلك مسلك من يهتم أن يكون صالحاً ..لا..هذا مسلك المجتمع المسلم الذي ينبغي أن يكون .. لا تعترض بأن حال المسلمين مزري ، وأن حال المسلمين حالاً بئيساً، وأن حال المسلمين سيئ في كل الجوانب إلا من رحم الله تعالى ، فنحن نرى الناس تتشاجر .. تتقاتل .. تتساب .. تتلاعن حتى وصل التلاعن إلى سب الله والرسول والدين عند الشجار وعند الخناق ، نحن نرى الناس عاقة لوالديها .. نحن نرى الناس لا تبر أرحامها ولا تصلها .. نحن نرى الناس تغش في تجارتها .. نحن نرى الناس تستحب أكل الحرام .. تستحب السرقة والخطف والنهب وغير ذلك ... فنحن نرى مجتمع المسلمين ليس كما ذُكر في القرآن .. ليس كما وصف الرسول الكريم ( صلى الله عليه وسلم ) ، فلما كان الأمر كذلك عندما يُذكر صفات المسلمين في القرآن أو في السنة ، وعندما يوصف حال المؤمنين من التواد والتراحم والتعاطف وأنه إذا أشتكى منهم عضو من جسد المسلمين تداعى له سائر الأعضاء أي بقية المسلمين بالسهر والحمى والمشاركة بحيث يواسونهم فيما أصابهم ويتوادون معه ويعطفون عليه ويرحمونه ، كل ذلك غير موجود إلا ما ندُر، إنقلب الوضع وصار بدلاً من أن يكون ما ندُر هو الخروج عن حدود الإسلام وأوامره ، أصبح ما ندُر هو أن يكون الإنسان مستجيباً محققاً لأمور الإسلام خاصة إذا كان المستجيب والحريص على أن يحقق تعاليم الإسلام يضطهد من مجتمعه .. وقد يضطهد من والديه .. وقد يُضطهد من الواقع كله .. وقد يُضطهد من السلطان .. وقد يُضطهد من كل من له شأن ، فبالتالي يزهد الناس في إتباع اٌلإسلام ...والكل لا يعاون بعضهم بعضاً على الإسلام ..والإتصاف بصفات عباد الرحمن ، وبالتالي تغيب هذه الصفات وتصير غريبة وتصير عند سماعنها مظنة أنها للندرة والخواص ليست صفات المجتمع...لا..لابد أن تفهم هذا التنويه الذي أبتدأت به وهو أن هذه الصفات صفات مجتمعٍ المسلمين ، وإذا أردت تأكيداً لذلك فأنظر إلى حال الصحابة رضوان الله عليهم كانوا قبل تعاليم الإسلام .. وقبل التربية الإيمانية التي رباهم عليها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كانوا يؤدون بناتهم .. يتشاجرون بالقتال السنين الطوال حمية وجاهلية .. يشربون الخمر .. يأكلون الربا وكان غالب مكسبهم .. يسجدون لأحجار أو أشجار أو أصنام بل كانوا يسجدون لما يصنعون بأيديهم .. كانوا حميتهم جاهلية لإمرأة أو لفرس غُلب في سباق .. كان أكل كثير منهم من قطع الطريق كبني غفار الذين كان أكل عيشهم عبارة عن نهب القوافل المارة من طريقٍ إلى طريق ... هذا هو حال أولئك النفر..فلما أتاهم النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ورباهم على ما رباهم عليه وأقام في قلوبهم النور العقائدي الذي خرجوا به من موات الجاهلية كانوا فرساناً بالنهار رهباناً بالليل .. كانوا أرحم ببعضهم البعض..أرحمُ من الأم بولدها .. كانوا أخفضُ جناحاً لبعض .. كانوا مناصرين للحق .. متعاطفين .. رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً وغير ذلك من الصفات التي هي صفات عباد الرحمن فصاروا بعد أن كانوا عبدة أوثان .. شاربي خمر .. أكلي ربا .. قتالين .. فسقة .. مجرمين صاروا..عباد الرحمن ، لم يصر بعضهم عباد الرحمن وظل كثيرٌ منهم في الإسلام من أهل الفجور والقتل وشرب الخمر وأكل الربا ووأد البنات وغير ذلك إنما أهتدوا وصار المجتمع كله الذي قاده محمد ( صلى الله عليه وسلم ) مهتدي وصاروا جميعاً عباد الرحمن ، صحيح ليسوا كلهم أبو بكر ولا عمر الذين هم من أهل السبق ، والذين هم من أصلح الناس بعد النبين ولكن كانوا كلهم عباد الرحمن ، كانوا كلهم من أهل الولاء ، وكانوا كلهم من أهل البراء يوالون من والى الله ويبرأون ممن يبرأ منه...إفهم هذا لأنك إذا تربيت على هذا الكلام وفهمته لجاهدت في نفسك ، والثمرة التي أرجوها من تذكير نفسي وإياك بما يتعلق بهذه الصفات القرآنية النورانية التي خصها الله بالذكر تفصيلاً حتى يتحلى بها أهل التحلية ويتصفون بها ليقيموا ذلك المجتمع المرجو وهو ذلك الجيل القرآني الفريد لابد أن تعلم أن الغرض إما أن يكون فيما بيننا يجاهد كل منا نفسه في إصلاحها وفي أخذها الى ما فيه الهدى والبعد عن غيها  بإستماعه لما ينبغي أن يكون عليه بحيث لا نكون من الزاهدين فيما ينجينا عند الله تعالى ونظل على غفلتنا التي يمكن أن تؤذينا وتبلغنا أسباب الهلاك عند ربنا عياذاً بالله من ذلك..وبحيث تكون هذه الصفات صبغة لمجتمعنا المسلم ، فإن عجزنا أن يكون هناك هجرةٌ جماعية من الفسوق إلى البر .. ومن الكفران إلى الإيمان .. ومن الشرك إلى التوحيد .. ومن المعصية إلى الطاعة ، إن لم نستطيع أن نقيم هجرة جماعية لهذا المقام في هذا الإتجاه وعلى هذا الصراط..ينبغي ألا يفوت كل منا أن يأخذ من هذا المعين من معين النور .. من معين صفات عباد الرحمن أن يأخذ منه قسم ، وأن يهتدي بما يمكن ان يهتدي به وأن يجاهد في الله نفسه اللوامة .. الأمارة بالسوء بحيث ينصلح له حال بينه وبين ربه ... فالعبد عندما ينجو فى سط هالك جماعي..فإنه بذلك يكون من أهل الخير الذي أخذ بنفسه إلى النجاة وأنجى نفسه من الهلاك وهذا هو الذي ينبغي أن يكون ، عندما تسمع الهدى ينبغى أن يكون هناك هجرةٌ جماعية من الضلال إلى الهدى .. ومن الفسوق إلى الطاعة .. ومن الفسوق إلى البر .. ومن العصيان إلى الطاعة .. ومن الكفران غلى الإيمان .. ومن الشرك إلى التوحيد ، إن لم يكن هناك هجرة جماعية فينبغي أن يكون هناك كثيرٌ من الهجرة الفردية التي تكون انت فيها ممن يخاصم فيها الباطل ، والتي تجاهد فيها لله عز وجل بحيث يهديك الله عز وجل ويرزقك الهدى الذي هو أعظم نعمة ينعم الله بها على عبد تنبه لذلك...

أردت أن أقول ذلك حتى وإن كان قد طال بعض الشيء إلا أنه من المهم جداً أن أذكر نفسي وإياك به لئلا تسمع إلى ما يتعلق بصفات عباد الرحمن على أنه صفات لخواصٌ أو الندرة النادرة بل هي صفات المجتمع المسلم التي ينبغي أن نكون عليه وهذا حصل في زمن الصحابة رضوان الله عليهم ومن بعدهم من الدول الرشيدة ومن الأزمان المنيرة التي أهتدى فيها كثير من المسلمين وفتح المسلمون كثيراً من البلاد التي أخذوا أهلها إلى طريق الحق والنور وكانوا من المهتدين...

يقول الله تعالى واصفاً عباد الرحمن بعدما وصفهم بما ذكرت قال (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا) وهذه الأية فيها بعض الوقفات بحسب ما يتسع الوقت والمقام لذكرها : أولاً (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا) ، هذا ليس وصفاً لنفقة فردية ولذلك جاء الكلام فيهم بصيغة (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا) ولم يقل الذين إذا أنفق الواحد منهم .. والذين إذا أنفق بعضهم .. لا والذين إذا أنفقوا ، هذا المجتمع وهذه الزمرة وهذا الفريق من المؤمنين والمسلمين المكون لمجتمع المسلمين إذا أنفق أي إذا دارت به الدائرة الأقتصادية من النفقة فإن لهم مسلك في تلك النفقة ... والمراد بأنفقوا أو المراد بالنفقة هي جمع مال من أجل تحقيق مصالح يرجوها جامعه على سبيل الأخذ والعطاء ، بمعنى أنت الأن إذا بدأنا المثال من الصفر فتبحث عن باب رزق كما لو نزلت قرية لأول يوم فيها تبيع .. تشتري .. تؤجر نفسك .. تصنع صناعة .. تمتهن مهنة المهم هو أن تبدأ بجمع مال ، فأنت مثلاً تؤجر نفسك كما لو كان لا يعرفك أحد ونزلت في بلدة وأردت أن يكون لك مال فتؤجر نفسك .. تعمل عملاً بأجر أياً كان هذا العمل بحسب ما فتح الله للناس من أسباب سعيهم ومن أسباب إرتزاقهم فتحصل في أخر يومك أو بعد إنتهاء مدة أجارتك قدراً من المال تكون هنا أبتدأت مسيرة النفقة وهي حصولك على مال من أجل مصالحك وهي تتلخص في ثلاث ، يقول الله تعالى {يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ } [الأعراف: 31]..إذاً المصالح كلها في ملبس .. مأكل .. مشرب ، والملبس يدخل فيه كل ما يحتاجه الإنسان لبدنه بمعنى أن الفرش والمتاع وما نسميه الأثاث وغير ذلك..لأنه لم يقل ألبَسوا وإن كان في السنة ألفاظ بذلك كما قال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) "كلوا وأشربوا وألبسوا وتصدقوا ، في غير إسرافٍ ولا مخيلة" ولعل يأتي له بيان ، لكن هنا قال خذوا زينتكم ، الدابة من الزينة والدار من الزينة والأثاث التي تفترش من الزينة ومكان نومك من الزينة ، أنت ترى الناس يتفننون .. يتزيننون ويقيمون ما يسمونه بالديكور ، كل ذلك من الزينة ولذلك قال خذوا زينتكم ولكنها غلبت على الثياب لأنه قال عند كل مسجد فعلم أنها متعلقة بالثياب أكثر ولكنها تعم غير الثياب من كل زينة سواء زينة ثياب .. بيت .. دار .. فرش .. دابة ، فالناس تتفاخر ويتزايننون في دوابهم .. سياراتهم .. مساكنهم .. فرشهم .. في غير ذلك ... فإذاً الملبس أو الزينة الدنيوية مصلحة من المصالح التي يحتاجها الناس ، هذا معنى النفقة ، وكلوا هذا أمرٌ عظيم تحتاجه كل يوم ، وأشربوا وأيضاً تحتاجه كل يوم وليس الماء فقط بل الناس لازالت تشرب مشروبات كثيرة جداً ما أتقت الحرام وهو الخمر أو المسكر ، ولا تسرفوا وهو الأمر الذي فُتح بابه بشرط أن يُتجنب فيه المأثمة ، هذه المأثمة ذُكرت في الأية مأثمتين أو بسيئتين : الإسراف والتقتير ... إذاً النفقة هي ما يحصله العبد من مالٍ من أجل تحقيق مصالحه في مسلك أخذٍ وعطاء ، يعني أنت عملت باجرة .. صنعة .. بعت وأشتريت لا عليك من الباب..أى كان باب الإرتزاق..ثم حصلت في أخر الدورة .. اليوم .. ووقتك..مبلغ من المال ، هذا المبلغ من المال أنت حصلته لتحقيق مصالحك التي هي أخذاً وعطاء ، يعني أنت تذهب لبائع الطعام خذ وأعطني كذلك الملابس .. الشراب وكان الماء بثمن حتى الأن أنت تدفع ثمن يقال فاتورة المياه وما شابه ، إذاً هذا هو الإنفاق (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا) والذين إذا أداروا دورتهم الأقتصادية فيما يحتاجونه من تحقيق مصالح أخذاً وعطاءاًً تنبه.. وتحصيلاً لسبب الأخذ والعطاء للمال ، هذه الدورة الأقتصادية في المجتمع فيها : أجرت نفسك .. ومن أستأجرك وأعطاك أجرة لتحصيل الماء والشراب والملابس والأحتياجات .. المصالح عموماً .. أن من أعطاك قد صنع أو أعد أو قد أستورد أو قد أشتراه من غيره وهو تاجر الكم وهكذا ... فبدايتك أنت وهي بداية أن ترتزق ببعض المال كانت أول الدائرة أي الصفر الذي يعد بعضه من أرقام واحد .. أتنين .. ثلاثة.. لتدور الدائرة ، هذه الدائرة تسمى الحركة الأقتصادية للمجتمع سواء المجتمع كان مجتمع مسلمين .. كافرين ..المهم أنها الدائرة الأقتصادية سواءٌ من أول من أستأجر نفسه أو باع وأشترى .. أو أمتهن مهنة إلى أن تكون شركات ضخمة .. وأن تكون حركة دول ، المهم انها (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا) أنت تبدأ بشراء الطعام أم تبدأ بأجارة نفسك؟..لما نزل الصحابة من مكة إلى المدينة مهاجرين كان منهم عبد الرحمن ابن عوف وهو رجل ملياردير .. من أغنياء وأثرياء الصحابة .. من سكنوا القصور وكان إذا تاجر في التراب كسب منه ذهباً لأنه كان له باع في هذا الباب فلما أراد من أخا بينه وبينه النبي ( صلى الله عليه وسلم ) من أهل المدينة وقال له أقاسمك داري ومالي قال لا حاجة لي لهذا كله ولكن دلني على السوق لأنه له في هذه المهنة وهي أن يبيع ويشتري ، ذهب إلى السوق تاجر فلم يكن من أهل الصفة ولم يحتج إلى صدقة ، تخيل أنت..كذلك أنت نزلت بلدة ليس معك مال وليس معك أسباب ثم قيل لك السوق من هنا وذهبت وأخذت من واحدٍ ما وأستأمنته أو ضمنته بضمان أن تأخذ منه بيعاً .. بضاعة ثم تسير فتبيع وهكذا فتبدأ أنت باجارة نفسك أو بأمتهانك مهنة أو تبضع بضاعة لتبيعها وتبدأ الدائرة من الصفر ، هذه الدائرة من هذا الصفر أنت الذي أبتدأها أنت لم تأكل بعد .. ولم تلبس بعد من هذا المال .. ولم تشتري شيئاً .. ولم تشتري دواءاً .. ولم تشتري لعيالك شيئاً يحتاجونه ولكن ستبدأ بعدما تبيع وتشتري أو تأجر نفسك وتأخذ أجرتك تبدأ الحركة الأقتصادية من هذا المنطلق فإذا أنت كسبت من بيعٍ أو شراء ثم بعد ذلك في مسار إنفاقك سرت مساراً معوجاً عاد ذلك بالإنعكاس السالب في دائرة المجتمع وإذا أنضبطت على المسلك المنضبط عاد ذلك بالضبط على مسلك المجتمع ، بمعنى (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا)..قد فهمت معنى أنفقوا إما أن يكونوا من أهل الإسراف وإما أن يكونوا من أهل الإقتار ... إن كانوا من أهل الإسراف وهو في اللغة له معاني كثيرة جداً وهو يتقلب في معاني في هذا الإطار : الغفلة .. مجاوزة الحد والتعدي عليه .. المعصية .. الجهل .. المأثمة حتى وإن كان معصية غير مباشرة كمنع الحق .. منع العيال حقهم ..والبزخ في إطعامهم في أي حالة أو غير ذلك ولكنه كُثر أستعماله في النفقة ، يعني يقول {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا} [الأعراف: 31] فهو سبحانه وتعالى جعل الإسراف متعلق بالنفقة ولكن في القرآن جاء الإسراف متعلق بكل المعاني التي فيها تعدي ، فمثلاً {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ } [الإسراء: 33] بمعنى أنه لا يتعدى في هذا القتل فيقتل دون الذي يستحق القتل ، أو يُشِّرف أو يدنِّي ، ومثلاً {قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ} [الزمر: 53] والإسراف في المعاصي هوأرتكاب الكبائر خاصة إذا كان مع الإصرار والله يقول {وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا} [النساء: 6] وغير ذلك كثير من المعاني المتلعقة بمعنى السرف ... فالسرف هو الجهل .. الغفلة .. التعدي على الحد .. مجاوزته .. المعصية..فلذلك قالوا من أنفق في مأثمة فهو مسرف ... إذا كان المسرف مسرف ، ما معنى مسرف فيما يتعلق بالنفقة..؟ تنبه ..المسرف هو من أنفق فيما يلزم زائداً عما يلزم ، واحد وقف يشتري فاكهة يكفيه لو أشترى كيلو هو وأولاده فتجده يشتري خمسة كيلو أو عشرة كيلوات ليكون بذلك أشترى ما يلزم زائداً عما يلزم فيسمى مسرف ، لو أن إنساناً أشترى أثاث وقيل له هذا بألف متينٌ وسليمٌ نافعٌ ولكنه ليس مزين فأشترى من أجل الزينة فقط بعشرة ألاف ، دعك من الأرقام أعرف أن هذه الأرقام متخلفة لكن دعك من هذا ، فعندما يشتري بعشرة ألاف من أجل الزينة بالرغم من أنه سليم ونافع ومتين فأنه يكون قد أنفق تسعة ألاف إسراف ، لو أن رجل يشتري ثياب فقيل له هذا الثوب متين ورزين ووجيه وسليم فأشار إلى غيره فقيل له هذا بعشر لأنه مُزين ولأنه له وجاهة فيشتري من أجل الزينة ما يزداد عن المتين والسليم والنافع بتسعة ألاف ، فكل ذلك يسمى إسراف ، هذا الإسراف يمكن أن يكون في الطعام .. الشراب .. بل ممكن يكون في النفقة التصدقية وهذا ما أبينه بعد الإستراحة إن شاء الله تعالى ...

--------------------------------------------------------

الحمدُ للّهِ وكفى، وسلامٌ على عبادِه الذين اصطفى، وأشهدُ أنْ لا إلـه إلا اللّه وحدَه لا شريكَ له ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ،ورسولُه ، وصفيُّه مِنْ خلقِه وخليلُه ، صلواتُ اللهُ وسلامُه عليه وعلى آله وصحبِه أجمعين ، وأصلِّي وأُسلِّمُ على رسولِ اللّٰهِ صلاةً نحققُ بها أمرَ ربِّنا، حيثُ أنَّه قالِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب"56"].. فاللَّهمَّ صلِّ على محمدٍ النبيّ ، وأزواجِه أمهاتِ المؤمنين ، وذريَّته ، وآلِ بيته ،كما صلّيتَ على آلِ إبراهيمَ إنَّكَ حميدٌ مجيدٌ..

وهل في الصدقة إسراف؟..عمرو ابن العاص سأل النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أن يتصدق فقال "أتصدق بمالي كله ، قال لا ، قال بنصفه ، قال لا الثلث والثلث كثير" ، وفي الأثر أن أحد الصحابة رضوان الله عليهم جذ خمسمئة نخلة وظل يتصدق بهم حتى لم يبق منها شيء ولم يبق له شيء فنزل قول الله تعالى ( ولا تسرفوا ) ، ومرض واحدٌ من الصحابة رضوان الله عليهم فأعتق ستة أعبد كانوا له ليس عنده غيرهم ، يعني المال الذي يملكه ستة من العبيد فبلغ ذلك النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فأقرع بينهم فتصدق بأثنين وأبقى أربع .. وغير ذلك من الأثار الدالة على أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) كان يمنع كثيراً من الصحابة أن يتصدقوا بمالهم كله أو حتى بنصفه ، وكان يبين لهم أن ذلك كثير من باب أن هذا نوع من أنواع الإسراف في الصدقة ، ولا يعترض على ذلك بأن أبابكرٍ رضي الله عنه تصدق بماله كله لأن هذا من جهةٍ أثر ضعيف السند وإن صح فمثل ذلك تسمى أفعال الخواص الذين لا يصيبهم بحسن صناعتهم أو بحسن فعلهم أذي بمعنى لو أن رجلاً تصدق بكل ما عنده ولم يبق لنفسه شيء فإن ذلك عرضة إلى أن يلوعه الفقر وقد يجعله يمد يده لغيره وهذا يؤذيه نفسياً فلذلك منع الشرع من مثل ذلك المسلك ، فإذا كان ذلك من أبي بكر رضي الله عنه أو من عمر الذي تصدق بنصف ماله والأثر سنده منقطع لكن حتى ولو  سلمنا فإن مثل أبي بكر لا يجزع ولا يصيبه بما وجد من بعد تصدقه بماله كله أثراً في نفسه فهذه تسمى أفعال الخواص لكن عموما مسلك النبي ( صلى الله عليه وسلم ) مع المتصدقين هو أنه منعهم من الإسراف في الصدقة فكيف بالإسراف في الطعام والشراب والملبس فإن كثيراً من الناس لا يشترون الثياب إلا لزينتها ولا يشترون الطعام إلا للذته ، ما الحاجة لشراء الثياب؟..الحاجة هي ستر العورة وحسن الصورة أمام الخلق بعيداً عن فحش السوءات ، لو واحد أشترى ملابس رخيصة أو بثمنٍ قليل وكان طويلاً فصارت هذه الثياب قصيرة عليه حتى أبدت أفخاذه أو كادت تظهر منها عوراته فإن ذلك مما لا يصح فينبغي أن يشتري ثياباً طويلة سابغة حتى لا يكون منه ذلك ولا تبدو سوءته أو تبدو عورته ، فإذا كان عنده من الثياب أو يجد أو يشتري من الثياب ما يتحقق به ذلك لكنه فضل فوق ذلك أن يشتري الثياب لزينتها .. سئل مجاهد عن المسرف ، قال هو من يشتري الثياب لزينتها ويأكل الطعام للذته..بمعنى أنه يكون الثوب الذي تحقق به الأمور من ستر العورة ويسير به مزين ، ومعنى الزينة هنا ليست ما يفتخر به على غيره بل ما يستر السوءة  ويستر العورة ، أنت تنزل الصلاة تلبس لباساً حتى يكون زينة شرعية أن يكون سابغاً .. ساتر للعورات .. مانعاً للسوءات .. نظيفاً ، ولا تكون رائحته عرق ومتسخ ومبقع وشكله يؤذي أو مقزز لمن يراه بل هو ثيابٌ ساترةٌ ، هذا هو المزين {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ } [الأعراف: 31] .. وأما أكل الطعام للذة يكون عنده من الطعام ما يكفيه وأولاده وأهله وطعامٌ كاف مشبع لكنه ليس من الأطعمة اللذيذة التي غلى ثمنها والتي لا تؤكل إلا من باب التمزج والتفكه وغير ذلك فينفق فيها نفقة كبيرة من أجل أن يقول نُبر أنفسنا مثل ذلك إسراف ، بل إنك إن نظرت إلى مسالك كثير منا بعيداً عن المعدمين والذين لا يجدون قوت يومهم ولكن في عموم الناس حتى الذين يسموا طبقة متوسطة لو وجدت أننا من المسرفين ، فمثلاً لا يمكن أن يكون هناك موائد طعام عند كثيرٍ منا إلا إذا كان على سفرة الطعام - والسفرة هو ما يُفرش ليؤكل عليه - على سفرة الطعام صِنف وأثنان وثلاث وبعض منه ما يسمى بالحلو وخاصة إذا كانت أيام الطعام والشراب كما في رمضان يجعلها الناس بدلاً من الصيام والقيام تكون للطعام ، مثل ذلك من الإسراف.. سئل سعد الساعدي رضي الله عنه "هل أكل النبي ( صلى الله عليه وسلم ) المُنَقَّى ، قال والله ما راى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) المنقى من يوم أن بعثه الله إلى أن قبضه ، قال فهل كان عندكم من المناخل ، قال والله ما رأيت في ذلك الزمان منخل ، قال فكيف كنتم تأكلون الشعير ، قال كنا ننفخ فيه فيطير ما يطير ويثبت ما يثبت فنأكله أو نثريه فنأكله" ، والمنقى هو الشعير المنخول ، كان دقيقهم الشعير وكانوا يطحنونه فإذا طحنوه لا يوجد مناخل أصلاً ، فكانوا يضعوه في أنيتيه ثم ينفخون فيه .. يذروه فيطير قشره ثم يبقى المطحون فيعجنوه أو يثروه ثم يأكلوه ، هذا كان هو اكل النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ما أكل المنقى ، نحن نأكل طعاماً وخبزاً منقى .. أنواع من الخبز والمخبوزات .. و.. و.. ثم نشتكي أننا لا نأكل أو أننا ليس عندنا..وما ندري أن ذلك من الإسراف ، فما كان من المأكول مما يوضع على سفرة فلا يؤكل فهو إسراف ، يعني الأكل الذي يرجع في الصحون بعد أن الأكل جميعاً وجوده من الإسراف إلا أن يكون بقية طعام يعني هناك من يأكله .. هناك من غاب عن الطعام سيأكله ليلاً ، أما إذا كان مجرد الزيادة للزيادة فكل زائدٍ من حبة أرز في طعامك وسفرتك هو من الإسراف تنبه ، ما أكل النبي ( صلى الله عليه وسلم ) المنقى ولا رأءه من يوم أن بعثه الله إلى أن قبضه تنبه لذلك .. لابد أن تعلم أن حد  الإسراف هو كل ما زاد عن الحاجة ، فالإسراف هو الإنفاق فيما يلزم زيادة على ما يلزم ، فإذا أنفقت في طعام ليس إسراف .. في شراب .. في ملبس ليس إسراف ولكن إذا زادت النفقة عما يلزم وقد عرفت في بعض الكلام مما ذكرت ما يلزم ولكننا قد نرضى بالحد الشرعي في ثيابٍ أو في مطعم  .. مشربٍ .. أو في منامة .. وفرشٍ .. وأثاث قد نرضى به عند الفقر ، بمعنى عندما لا نجد فنقول الحمد لله ، النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لم يكن ينام على مرتبة مثلها .. الثياب اللتي لا تعجبك النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لبس المرقع ، ويتغنى بالرضا بالحد..ليس لأنه قد وقف معه بالشرع ولكن لأنه لا يجد ، فلما لم يجد رضَّا نفسه بأنه أكثر مما كان عند النبي ( صلى الله عليه وسلم ) إن حركة المجتمع إذا رجعنا إلى ذلك قبل أن أختم والوقت لا يتسع لذكر السيئتين وذكر الحسنة التي بينهما كما قال عمر ابن عبد العزيز رضي الله عنه لما زوجه عبد الملك ابن مروان أبنته فاطمة رضي الله عنها قال ما نفقتك يا عمر؟..قال حسنة بين سيئتين وتلى هذه الأية (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا)  هذه هي الحسنة القوام ، وأما السيئتان هما الإسراف وألتقتير ... لو رجعنا إلى المجتمعات فإن الإنفاق إذا كان على وجه الإسراف فإن ذلك يُخل بكل الموازين الأقتصادية بمعنى لو كان في قرية من القرى مئة رغيف للقرية كلها ( دعك من الأرقام هي لتقريب المثل ) وجاء رجل مسرف سفيه وأشترى خمسين رغيفاً معه مال كثير وهو لايحتاج إلا الى خمس ولكن من باب الإسراف فقلنا ان الإسراف هو أن تصرف فيما يلزم زيادة على ما يلزم ، فأنت تحتاج خمس أرغفة فأخذت خمسين فإنك بذلك ضيقت على بقية القرية ، بقية القرية ليسوا من المسرفين ، لا يجدون فإذا أراد كل واحد منهم أن يشتري خمسة أرغفة لا يجد لأن الخمسين لن يكفوا إلا عدد قليل وبقية الناس ستحرم فيحدث بذلك أشتياط الحاجة.. خلل في قضاء حوائج الناس .. وخلل في الدائرة الأقتصادية ما بين الأخذ والعطاء ، لو أن هذا المسرف لم يسرف وهذا السفيه أشترى خمسة أرغفة لبقي للناس خمس وتسعون رغيفاً وبالتالي يتسع لطلباتهم وكل من أراد الخبز على قدر حاجته وجد ، وهذا مثال قس على هذا في الملابس .. الأحتياجات عموماً لو أن أهل الإسراف .. والسفه لم يسرفوا لبقيت البضائع ، فإذا بقيت تحقق بذلك مصلحتان : الأولى توفر الاشياء ، بمعنى أنك تذهب لتشتري تجد.. والثانية إنخفاض ثمنها لأن التاجر لا يريد أن تبقى عنده البضاعة ولكنه لولا السفهاء الذين يشترون من البائع أكثر من إحتياجاتهم وبأغلى ثمناً فيأتي الفقير أو المتوسط أو من يملك الضابط أو من يستطيع يشتري حاجته فقط دون إسرافٍ وسفه لا يجد عند البائع وهذه حركة مجتمع ليست حركة فرد ، بمعنى لو أن قرية بها مئة نفر وهذه القرية ليس فيها أحد من المسرفين كل ما أتاها من حاجات تكفيهم .. وكل ما أتاه من متاعٍ تكفيهم سيجد كل واحد منهم حاجته بالكفاف ، لن يستطيع البائع أن يُغلي الثمن لأنه لن يبيعها ، لا يوجد مسرفين .. سفهاء ، لكن لو أن هؤلاء المئة وُجد فيهم عشر سفهاء وعشر مسرفين لأشتروا متاع المئة جميعاً بسفهم وإسرافهم حتى وإن كانوا لا يستخدموه لأن المسرف سفيه ، بمعنى لا حكمة له ولذلك شدد الله على المسلمين عموماً أن يسيروا في مسار الدائرة الأقتصادية بأن يتكسبوا وينفقوا وأن يحصلوا مصالحهم أخذاً وعطاءاً ولا يسرفوا {يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا} [الأعراف: 31] مصالح الناس كلها جميعاً ، ومن يقول أين الدواء .. الفسيخ .. موجود فيما ذُكر أما مطعومة وإما مشروبة ، فالدواء مما يُشرب أو مما يُطعم ، فكله موجود في هذه الأية (يَابَنِي آدَمَ) ولذلك لم يقل يا يها المؤمنون لأنها حركة إقتصادية عالمية مؤمنهم وكافرهم ، حاجة الناس (يَابَنِي آدَمَ) الخطاب عندما يكون في خصائص إيمانية أو دينية يقول ( يايها الذين ءامنوا ) لكن هنا قال {يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف: 31] انظر لماذا لم يقل ولا تبخلوا لأن البخل يضر الشخص .. نوعٌ من العذاب النفسي وهذا له بيانٌ في مقال مستقل لكن الإسرافُ هو أكبر ما يخل الميزان الأقتصادي .. أكبر سبب لإخلال الميزان الأقتصادي هو السفه والسرف ، تذهب إلى بائع حلوى .. جاتوهات وما شابه ومن أغلى الأثمان قد لا تستطيع أن تشتريها مرة في عمرك إلا بعد الأدخار الكبير من غلائها وتذهب بسفهك لكثرة مالك وإسرافك فتقول له أريد فيقول لك خلص ، مثل ذلك خلص بهذه الأسعار وخلص لماذا لأنها كثرت أموالهم وكثر سفههم وبالتالي أنفقوا بإسراف ..إذاً لو سوف يأكل إثنين سيشتري عشرة وبالتالي يأكل إثنين ويرمي الباقي أو يُوضع هكذا أو غير ذلك ، لو أن هذا الغالي ثمنه ليس طعاماً ترفياً ، لو كان أمراً ضرورياً وإحتياجاً شديداً وتذهب ويُقال لك أنتهى فبذلك تُحرم مصلحتك وتتعطل وتقف حوائج الناس بسبب الإسراف ولذلك كان مسلك المؤمنين .. عباد الرحمن .. مسلك المجنمع المسلم أن ينفق وقد عرفت معنى ينفق ولا يسرف (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا) ان هذا متعلق بالحركة المجتمعية ، (وَلَمْ يَقْتُرُوا) وهذا متعلق بالحركة الذاتية .. جلد النفس والتقييد والتعذيب للأهل والولد والنفس (وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا) تنبه ولذلك قال الله تعالى {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا } [الإسراء: 29] أما ملوم لأنك أسرفت ، وأما محسور لأنك بعد ذلك لن يبقى معك شيء ، قص عليَّ بعض الناس أنهم كانوا يلقون بالدجاج الكامل المطهو من على سفرتهم في القمامة الأن هم يتكففون الناس ، طبعاً هذا له أبوابٌ كثيرة ليس الإسراف فقط ولكن كفر النعمة لأن كفر النعمة مؤذن بزوالها ، وشكرها مؤذن بزيادتها ... أسأل الله أن يزيدنا و إياكم من فضله ... اللهم اغفر لنا ذنوبنا وأسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وأنصرنا على القوم الكافرين .. كن لنا ولا تكن علينا .. أعنا ولا تعن علينا .. رد بطش الكافرين عنا وقنا برحمتك سيئات مكرهم ... اللهم اغفر لنا وأرحمنا وعافنا وأعف عنا ... اللهم أجعل خير أيامنا يوم لقائك وأجعل خير أعمالنا خواتيمها ولا تمتنا إلا وأنت راض عنا ... اللهم قنا شر كل ذي شر أنت أخذ بناصيته .. بور المكر عنا وأدفع الكيد عنا وأمنا وأمن روعاتنا وأستر عوراتنا وأحفظنا بحفظك وأكلأنا برعايتك ... ووسع أرزاقنا ... اللهم عافنا من الإسراف والقتر وأجعلنا من المهتدين وأجعلنا من الصالحين ... فرج كرب المكروبين وفك أسر المأسورين ورد الظلم عن المظلومين ورد علينا الغائبين يا رحمن يا رحيم غير خزايا ولا مفتونين ولا مغيرين ولا مبدلين وأحفظهم حيث كانوا يا أرحم الراحمين ... و صل اللهم وسلم على محمد وعلى أله وصحبه أجمعين .. أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم .. سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك ...

وكتبه : أم محمد موسى...

راجعه وصححه وضبطه:

د / سيد العربي...

 




واحة العقيدة - موقع فضيلة الدكتور السيد العربي بن كمال
 
الجمعة ... 22- 3 – 2019 ... الرقى منهىٌ عنها ومأمورٌ بها.. كيف ذلك؟
الجمعة ... 15- 3 – 2019... الحلف بابٌ واسعٌ للشرك..كيف ذلك؟
الجمعة... 8 – 3 – 2019... كيف يكون اتخاذ السبب شرك؟؟
الجمعة ... 1 – 3 – 2019... إرادة الدنيا بالدين مهلكة
الجمعة ... 22 – 2 – 2019 ... كيف يسرى سرطان الرياء فى الإخلاص
الجمعة ... 15 – 2 – 2019 ... الفارق الدقيق بين الشرك الأكبر والأصغر
الجمعة ... 8 – 2 – 2019 ... هل عرف العلماء الشرك بدقة؟؟
الجمعة ... 25 – 1 – 2019... كيف أعان الله على التوحيد والإيمان؟
الجمعة ... 18 – 1 – 2019 ... مفاسدُ التبذيرِ والبخلِ والشحِ
الجمعة ... 11 – 1 – 2019... هل تعلم دائرة الإقتصاد فى الإسلام
 
art4islam
جميع الحقوق محفوظة لموقع واحة العقيدة - 1431 هـ

فتاوى فى إنتظار الرد: 6