أعلى
أعلى
جديد الموقع
 
الجمعة ... 15 – 11 – 2019... بيان شرط الإخلاص
الجمعة ... 8 – 11 – 2019... أزمتنا أزمة قلة يقين
الجمعة ... 1 – 11 – 2019 ... شرط اليقين بـ "لا إله إلا الله"
الجمعة ... 25 – 10 – 2019... الخوارج والمرجئة وأهل السنة
الجمعة ... 18 – 10 – 2019 ... تابع شرط العلم بـ "لاإله إلا الله" – (3)
الجمعة ... 11 – 10 – 2019... تابع شرط العلم بـ "لاإله إلا الله"
الجمعة ... 4 – 10 – 2019 ... شرط العلم بلا إله إلا الله
الجمعة ... 20 – 9 – 2019 ... مقدمة شروط لا إله إلا الله
الجمعة ... 13 – 9 – 2019 ... لماذا لاإله إلا الله هى توحيد الإلهية؟؟
الجمعة ... 30 – 8 – 2019 ... الفرق بين مناط الحكم ومناط الانتفاع
 
القناة الرسمية للدكتور سيد العربى..على اليوتيوب
فيديوهات د.السبد العربى
صفحة صوتيات السيد العربى على اسلام واى
ملتقى اهل الحديث
ملتقى اهل السنة
الشيخ ابو اسحاق الحوينى
الحور العين
 
شرط اليقين بـ"لا إله إلا الله" -
شرط اليقين بـ"لا إله إلا الله"
3 - 11 - 2019

شرط اليقين بـ"لا إله إلا الله"

الجمعة... 1 – 11 – 2019

للدكتور/ سيد العربي...

إنَّ الحَمْدَ لله ، نَحْمَدُه، ونسْتَعِينه ونَسْتَغْفِره ، ونعوذ بالله تعالى من شُرُورِ أنفُسِنا، ومِن سيِّئات أعمالنا ، مَن يَهْدِهِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ، وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا، وأشْهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ ، وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عبدهُ ورسوله، وصَفِيّه من خَلْقِه، وخليله، صلوات الله وسلامه عليه ، وعلي من تبع هداه بإحسانٍ إلي يوم الدين ..

{ يَـٰٓأيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [ءال عمران: 102].

{ يَـٰٓأَيُّهَا النَّاسُ اَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء :1]

{ يَـٰٓأيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وُيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70-71]... وبعد؛

فَإِنَّ أَصْدَقَ الحديثِ كِتابُ الله وخيرَ الهَدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمورِ مُحدثاتها وكل محدثةٍ بدعة وكل بدعةٍ ضلالة وكل ضلالةٍ في النارِ ... ثم أما بعد ..

عباد الله لازال الكلام مستمرٌ في قضية الوجود واستبيان حقيقة التوحيد الذي هو حق الله على العبيد ووصل بنا الكلام في بيان شروط "لا إله إلا الله" التي لا ينتفع العبد عند ربه يوم القيامة إلا بتحقيقها والقيام بمقتضياتها .. وقد انتهى الكلام في آخر لقاء في غير هذا المقام المبارك فيما يتعلق بتمام الكلام ، أو ما تتسع له الأوقات وما تدل إليه البضاعة ، تمام الكلام على شرط ( العلم ) { فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا اللَّهُ } [ محمد: 19]...ثم أشرع في بيان شرط ( اليقين ) الذي هو في الحقيقة جِماع أصل الدين .. شرط اليقين الذي هو جماع أصل الدين .. والحقيقة أن التعبير القرآني والسُّنِّي فيما يتعلق بشرط اليقين جاء بصيغتين .. صيغة متعلقة بذكر اليقين "مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ" ، وصيغة متعلقة بنفي الريب أو نفي الشك .. والشك في الحقيقة هو التردد بين أمرين ، سواء استوى طرفاه ( طرفي هذا الأمر) أو لم يستوي .. التردد بين أمرين بحيث الواحد لا يستقر على أحد هذين الأمرين سواء كان الأمران مستويا الطرف ، أو واحد أكثر من الآخر ؛ إلا أن موقف العبد هو التردد – في أي أمر – يأكل هذا أو لا يأكله .. يعرف ذلك الشخص أو لا يعرفه .. يؤمن بهذا الأمر أولا يؤمن به ..فالشكّ والريب بمعنى واحد وهو التردد بين طرفين ...

الشرع اشترط على مَن يحقق التوحيد ويعرف حق الله عز وجل على العبيد ، ويقيم "لا إله إلا الله" بمقتضياتها ، اشترط أن يكون العبد ( متيقين ) بكل القضايا التي دلَّت عليها "لا إله إلا الله" .. ولابد أن تعلم أن اليقين هو المُقرِّب الحقيقي للغيب .. عندما تقرأ القرءان وتقرأ عن الجنة ، وعندما تقرأ القرءان وتقرأ عن النار؛ فإن ذلك سيكون لك مجرد كلام يعني مجرد إخبار – لا أقصد أنه كلام قليل أو كلام لا قيمة له – لا .. لا – أقصد أنه في نهاية الأمر كلام ، ليس هناك مَن سيأخذك بيدك ويُدخلُك الجنة ويقول لك هذا طعامها ذُق وهذا شرابها اشرب وهذه نساؤها انظر ؛ إنما الأمر كله كلام ؛ ولكن هذا الكلام لأنه كلام حق ولأن هذا الكلام كلام رب العالمين ولأن هذا الكلام متعلق بقضية ينبغي أن تكون على يقين منها ، فإن اليقين هو المِفصَل ، القضية المِفصلية بينك وبين الغيب ، بحيث يجعل الغيب كالحقيقة ويجعله كالمبصور ، فتقرأ الكلام عن الجنة بإعتبار أنه كلام رب العالمين ، وتقرأ الكلام عن النار بإعتبار أنه كلام رب العالمين وكلام رسوله الأمين ، فتستشعر كأنك تنظر إلى الجنة نظرًا حقيقيًّا ، وتستشعر وكأنك تنظر إلى عذاب أهل النار نظرًا حقيقيًّا ، لا يُحوِّل هذا الكلام في نفس العبد إلى حقائق كأنها مبصورة إلا اليقين ؛ ولذلك أنت تجد أن المشككين وأن المُريِّبين وأن المُلحدين وأن الطاعنين في الدين دائمًا يأتوك في هذه القضية أو في هذا المحور أو في هذا الباب ، وهو باب ( اليقين ) فيقول لك " وما أدراك وما جعلك تصدّق .. لقد قال محمد - صلى الله عليه وسلم - لهم كلامًا وضحك عليهم به وغرَّهم بذلك و..و.." فيعبث في دائرة اليقين ، فإذا سمع العبد المؤمن هذا الكلام فاستجاب له وخرج من دائرة اليقين ، وقع في دائرة الشكّ ، وقع في دائرة الريب ؛ فإذا وقع في دائرة الريب خرج من حقيقة "لا إله إلا الله" ، فيأتي ربه خاسرًا لا يكون مُفلحًا أبدًا حتى وإن كان في الدنيا سيُحكَم عليه بالإسلام ؛ ولكن من حيث ما يحتويه القلب ، إذا تسرَّب الريب أو تسرَّب الشك إلى نفس المؤمن فقد هلك ؛ ولذلك خاطب الله نبيَّه – صلى الله عليه وسلم – فقال { لَقَدْ جَآءَكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ } [يونس:94] ..يعني الذي بين يدك وكل الذي آتاك وكل الأخبار المتعلقة بسِيَر الأولين والغيب والجنة والنار والموت وما بعد الموت  { لَقَدْ جَآءَكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ } ..( فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ) ..ماذا؟..( مِنَ الْمُمْتَرِينَ ) .. { لَقَدْ جَآءَكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ } يعني لا تكونن ممن تسرب إليه الشك بأي قدر كان فيما يتعلق بما آتاك من ربك ، وهذا الخطاب موجه إلي النبي – صلى الله عليه وسلم – أولا ، ولكلِّ مَن يتبعه ويؤمن به ويريد أن ينجو عند ربه ويفوز يوم القيامة .. وبالتالي فلابد أن تعلم أن المحور الذي ينقل الغيب إلى الواقع عندك هو اليقين .. لمَّا ذكروا البصيرة ، وبيَّن الله سبحانه وتعالى أن ما جاءنا من عنده إنما هو بصائر { قَدْ جَآءَكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا } [الأنعام:104] ..لمَّا قال لنا ربنا ذلك ، كان ذلك نوع من استبيان أن هذه الحقائق التي تسمعونها  وتقرؤنها ، يأتي الخبر بها ، لابد أن تستقبل هذه الأحوال وهذه الأخبار وهذا الكلام – بماذا ؟ - بمنظور اليقين – لماذا ؟ - لأن منظور اليقين سيجعل هذه الأخبار بصائر ..وما معنى بصائر ؟ البصيرة هي أن يصير المعلوم إلى العقل كالمبصور إلى العين ، لما تصل الحقيقة وتتجلَّى حتى تصير واضحة ومُتيَقَّنة ومستقرة ولا ريب فيها ولا تردد .. فيصير المعلوم إلى القلب والعقل كالمبصور إلى العين .. لو أنا سألتك ما هذا العمود ؟ ستقول هو كذا وكذا بناء على ما تُبصره .. إذا أنا سألتك عن الجنة والنار ، أو سِيَر الأوَّلين أو الرسل أوالملائكة أو أي غيب ، فعندما تُخبرني كما لو كنت تراه بعينك ، فهذا يعني أن المعلومة قد وصلت إلى مرحلة البصيرة عندك .. أنت مطالب أن تُجاهد نفسك وتبحث عن الحقائق وتستدل بالدلائل التي نصبها الله عزوجل لتكون دالة على القضايا - كل دليل يدل على قضية – هذا يدل على الملائكة وهذا يدل على الجنة وهذا يدل على النار وهذا يدل على بعث الرسل وهذا يدل على تمكين الله للمؤمنين وهذا يدل على دحض الله للمخالفين .. هناك دليل وهناك دلالة وهناك قضية تدل عليها ، عندما تستقبل أنت هذا – أي القضايا – وتبحث بالأدلة حتى تعمّق ثبوت تلك القضية في نفسك فتستقر.. هذا هو اليقين.. وإذا بلغت نفسك وبلغ العلم عندك مرحلة اليقين أو درجة اليقين ، لابد أن تعلم أن هذا هو باب الفوز وأن هذا هو الذي يجعلك ترى الغيبيات ( تراها) .. نحن نؤمن بالملائكة وكأننا رأيناها ونؤمن بالرسل السابقين وكأننا رأيناهم ونؤمن بمحمد – صلى الله عليه وسلم – ونحبه حبًّا مِلء القلوب وكأننا رأيناه .. بماذا؟.. بعين اليقين .. بماذا؟ باليقين .. قبل أن نقول عين اليقين وحق اليقين وعلم اليقين .. لكن المهم هو أن تعلم أن اليقين هو الدائرة المِفصلية التي تحول الغيب إلى واقع ، فإذا تحول الغيب إلى واقع ، حدِّث عن إيمان العبد ؛ فلذلك قال له { لَقَدْ جَآءَكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ } ..الحق في ماذا ؟ الحق في كل ما جاء من الله ، كل ما جاء من الله حق { فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ } ..

كل هذه مقدمة أُقرِّب بها ، قبل أن أدخل في التعريفات المتعلقة باليقين ، وحقيقة أمره ، وحقيقة معناه لغة وشرعًا واصطلاحًا وما ينبغي أن يكون عليه فيما يتعلق بـ"لا إله إلا الله" .. لابد أن تفهم أن العبد باليقين "مؤمن" ، وبغير اليقين "مرتاب" .. لماذا ؟.. لأن اليقين ضد الريب ، ضد الشك .. والشك ضد اليقين .. يبقى أول نقطة تعرفها أن اليقين هو الذي يحول الغيب إلى واقع وأن اليقين هو الذي يجعل المعلوم كالمبصور ، يجعل المعلوم إلى القلب وإلى العقل كالمبصور بالعين ؛ ولذلك سُمِّيت القضايا الواضحة - التي هي "القرءان والسُّنُّة وكل ما ثبت بطريق الحق.." - ما لها ؟ بصيرة { قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِيٓ أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي } [ يوسف : 108] (عَلَى بَصِيرَةٍ ) يعني على وضوح يجعل المبصور ، يجعل المعلوم كالمبصور .. تنبَّه .. ثم لابد أن تعلم أن اليقين ضد الريب ، ضد الشك.. وأن الشك ضد اليقين ؛ وبالتالي إذا بلغ العبد اليقين انتفى عنده - فيما تيقَّن منه - الشك .. انتفى تمامًا .. هذا لابد أن تفهمه ؛ ولذلك جاء التعبير في القرءان والسُّنُّة ، إما بـ ( غير شاكّ أو غير ريب أو لا ترتاب ) أو جاء بلفظ ( اليقين) .. إذًا هناك تعبيران .. هذان التعبيران ما لهما ؟؟ هما الدالان على نفس القضية .. فنقول فلان لا يرتاب ، تساوي فلان مُتَيَقِّن .. قد تبدأ مرتبة اليقين بنفي الشك ولكن هذه المرتبة نفسها – التي هي مرتبة اليقين – ما لها ؟؟ تزداد ، وتعلو في ذاتها .. كفلان مُفلس ، وفلان عنده مال .. إذا قُلت فلان مفلس يعني أنه ليس عنده أدنى مال أدنى قدر .. أما إذا قُلت أن فلان غير مفلس يعني عنده مال خزج من الإفلاس خرج من ( الشكّ ) لكن ممكن يكون عنده مائة جنيه ، وممكن يكون عنده مائة ألف وممكن يكون عنده مليون ؛ لكن هو خرج من الإفلاس بالقدرالذي جعل عنده مال ؛ ولكن هذا القدر يعلو بعضه فوق بعض .. افهم هذه المقدمات ، وأنا أعلم أنها لا تتناسب مع خطبة الجمعة ولا تتناسب مع فهومنا ؛ ولكن هي ضرورات الحاجة المُلحّة إلى القضايا الشرعية التي لا ينجو العبد إلا بها .. الضرورة هي التي جعلت لا مقام للتبليغ إلا في مثل هذا المقام .. وأنا وأنت نحتاج إلى  هذه القضايا ، ليست قضايا ثقافية بحيث يمكن أن نتكلم فيها أو لا.. أو يمكن أن نهتم بها أو نهملها ..أو ممكن ان نذكرها أو نسكت عنها..لا.. هذه القضايا هي فرض العين .. هي قضايا الوجود { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ } [ الذاريات: 56] ..أي ليوَحِّدُون ..أي ليفردوني بالعبادة..والنبي – صلى الله عليه وسلم – والأنبياء جميعًا ، كان الخطاب بينهم وبين أقوامهم – مهما كانت فهوم أقوامهم ، ومهما كانت ثقافات أقوامهم ، ومهما كان فهم أقوامهم – إلا أن كان الخطاب متعلق بماذا ؟؟ { أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ } [المؤمنون:32].. فلولا الضرورة ما تقَحَّمْتُ هذا المقام وما أرهقتكم سمعًا وفهمًا ؛ ولكن هي قضية الوجود انت تحتاج إليها شئت أم أبيت ، وبها تكون وبغيرها لا تكون ؛ فلا تظن أن المقام هو مقام شغل الوقت وأداء بعض الكلمات وانتهت القضية ..لا..ممكن جدا يكون الكلام في المواعظ والترقيق وذكر الأحاديث وذكر القصص المُوعظة .. يمكن جدا وسهل جدا ؛ لكن هذا لا يفيد في هذه القضية مثل هذه الأمور ولو سمعت فيها سنين ، في الترقيق والتخويف و...، يمكن أن تخاف وأنت غير موحِّد ، ويمكن أن تدمع عينك وأنت غير موحِّد – لا اتهم أو لا أقول – ولكن هذا وارد ...أنت ترى القبوريين ممن يُسَمَّون بالصوفية وغيرهم ، تراهم - ماذا ؟ - تراهم يدمعون بأعينهم وتراهم يتكلمون في الرقاق ويتكلمون في المواعظ وهم يعبدون القبور!!.. وهم يتخذونها وسائط ، وهم يتخذونها أسبابًا للوصول عن طريق سؤالها والتقرب إليها والتَّزَلُّف لها .. وهذا من الشرك بالاتفاق والإجماع ؛ لأن القبور مهمًا علا المدفنون فيها ، في النهاية هم موتى لا يملكون موتًا ولا حياة ولا نشورًا ، ولا يسمعون أصلًا ..فتنبَّه لذلك.. فالضرورة والحاجة الشديدة هي التي تُلجِئ إلى ما نحن فيه..أنا أُخاطبك بما تحتاجه ، وأنت تُجهد نفسك في فهمه وتتبّعه فيما بعد ، يعني أنت تسمع مني مقالًا ، هذا المقال ينبهك على قضايا هذه القضايا تحتاج منك مزيد بحث ومزيد سؤال ومزيد اهتمام ..لابد ثم لابد ثم لابد...

أرجع فأقول أن العبد ينبغي أن يفهم أنه مطالب يأن يدخل في دائرة اليقين حتى ينجو عند الله سبحانه وتعالى ، وأن أقل قدر من اليقين هو القدر الذي ينتفي معه – في القضية – الشك والريب ؛ فلذلك جاء وصف المؤمنين مرة بأنهم "مُسْتَيْقِنِين" مرة أنهم "مُوقنون" ، ومرات بأنهم "غير مرتابين ، غير مترددين في ريبهم..وفي المقابل وُصِف غير المؤمنين ممن فسدت قلوبهم وممن لم يبلغوا درجة اليقين وممن هم في شكٍّ من أمر ربهم عز وجل ، في أنهم في ريبهم يتردَّدُون .. كما سيستبين ذلك في بيان هذه القضية وحقيقتها..

الآن أنت تسأل سؤال ، أو هذا يجعلك أو يُحفِّزك إلى تساؤل .. ما هو اليقين ؟؟ اليقين هو استقرار المعلوم ، من قولهم " قرَّ الماء" ، كانت العرب تقول إذا الماء لا يتحرك وظهر ما في قاعه ، يقولون يَقَنَ الماء واستقر، يَقَنَ يعني استقر .. أنت لو عندك مثلًا حوض كبير فيه ماء ، مرور الهواء عليه ولو رميت فيه ولو حصاه ، يتحرك الماء ويضطرب وقد يخفي ما في أسفله .. عندما يستقر الماء تمامًا ، يُقال "يَقَنَ الماء" فصار هذا الماء يُبَيِّن ما في أسفله ما في قاعه ؛ ولذلك قالوا اليقين هو الاعتقاد الجازم الذي يتوافق مع الواقع ولا يمكن أن يتغير ".. يعني اليقين لا يكون احتمال ، يعني مافيش حاجة اسمها أنا تيقنت وبعد شوية طلعت أخدت مقلب" ..إذًا أنت لم تتيقن ..أنت قبلتها بالتقليد ، أنت قبلتها نقلًا عن غيرك ؛ ولذلك قالوا اليقين هو "العلم الثاني".. يعني إيه " العلم الثاني" يعني أنت إذا قلتُ لك يا فلان اعلم أن النهر مملوء ، أن البحر مملوء " هذه تسمي معلومة "معلومة أولى" عندما تذهب أنت بنفسك وتنظر إلى النهر وتنزل في مائه لتعلم مدى عمقه وهل هو ممُتلِئ ، أم نصفه وتتخذ من الاستدلالات ومن الاستقصاءات ما ييقنك ، فيكون علمًا ثانيا في حق معلومك ، النهر مملوء .. النهر مملوء "معلومة" أتتك بالخبر أتتك بالنقل ، مرّ قوم بالنهر ، وأنت سألتهم ، قالوا لك النهر مملوء ، فأنت أردت أن تتيقن "لا أن تعلم" ..ولذلك قالوا اليقين هو درجة من العلم فوق المعرفة والدراية والإخبار وما شابه من هذه العائلة.."يعني فلان عرف فلان أُخبِرَ، فلان درى.. فنقول هذه معرفة هذه دراية هذا إخبار هذا نقل ؛ لكن لا يقال يقين إلا إذا خرج عن هذه الدائرة ، يعني بمعنى انه أعلى ؛ ولذلك قالوا اليقين لا يكون إلا عن استقصاء وبحث واستدلال بالأدلة الموصلة إليه في القضية المعنية .. يعني مثلًا "جاءك واحد وقال لك أبوك اللي في بيتكم دا مش هو أبوك ، أنت مش من ذريته ، ليس بأبيك " أنت تحي وصِرت رجلًا على أن هذا الرجل الذي يعيش مع أمك في البيت هو أبوك .. هذا ماذا يعمل ؟ يشككك في قضية أنت متيقن منها ؛ لكن عندما يُشَكِّكُك.. أنت في لحظة التشكيك "واحد جاء وقال لك دا مش أبوك " إما أن تكون قد بلغت درجة اليقين قبل التشكيك ، وإما ألا تكون قد بلغتها.. فإذا كنت على يقين بما سبق قبل التشكيك على مدار عمرك وتيقنت وتيقنت واستدللت واستدللت حتى  صار يقين عندك أنه أبوك ولا شك في ذلك ..عندما يأتي المُشكك يُشَكِّكُك ، ما الذي يكون - بناء على أنك متيقن ؟؟ ستصفعه وستردُّه بكل قوة وأنت مطمئن تمام الاطمئنان ؛ لكن لو كنت لست على يقين من هذه القضية "لست متيقنا ان هذا أبوك" والأمر تناقل معك وقيل وكان كلامًا أو بالعرف بما كبرت عليه وأنت صغير ، فقيل لك أن هذا ليس أبوك وقد يكون أنت مُتَبَنَّى له ، لست من نسله ؛ لكنك لم تجري بحثًا ، لم تستقصي بأدلة حتى تصل إلى يقين قبل التشكيك ، فعندئذٍ من يُشَكِّكُك في أن هذا الرجل أباك يقبل عندك الوضع ، وتقبل هذا التشكيك حتى وإن اعترضت ..لماذا ؟ لأنك ليس عندك في هذه المسألة رصيد من اليقين تدفع به أي ريب .. بالضبط.. نحن  نؤمن أن محمدا رسول ، وأن القرءان كلام رب العالمين وأن الإسلام هو دين حق وأن هناك بعث بعد الموت ، وأن بعد الموت نشور ، وبعد النشور حشر ، وبعد الحشر حساب ، وبعد الحساب جنة أو نار.. نحن نؤمن بذلك .. فيأتي واحد في التلفاز ، يأتي واحد في الجريدة ، يأتي واحد في المذياع ، يأتي واحد في لقاء حواري ويعبث في هذه القضايا ، ويخاطب الناس مُشَكِّكًا فيما هو أثبت ( أو ينبغي أن يكون ).. قِف عند هذه..(أو ينبغي أن يكون ) أثبت من يقينهم أن الرجل الذي يحي في البيت مع الأم هو ( أبي ) ..يعني بمعنى أنت الآن يقينًا "أنت اسمك محمد حسن ؛ يبقى حسن دا أبوك يقينًا " لو كان يقينًا لن تقبل فيه تشكيك.. وإن لم يكن يقين ؛ "تبدأ بقى تاكل في نفسك وتبدأ تحفّر وتشوف الأوراق وتسأل الناس وأنا مُتَبَنَّى ، ولا دا أبويا ، وتبدأ تدوَّر على اليقين " لأنك شُكِّكت وأنت ليس عندك رصيد يقين ، فبالتالي بدأت تبحث عن هذا اليقين .. كذلك عندما يُخاطبك أحد في حق الله وحق الرسول وحق الكتاب وحق القرءان وحق السُّنَّة وما شابه ..المفروض أن المسلم والواجب ثم الواجب ثم الواجب أن المسلم أنا وأنت أن نكون على يقين من هذه القضايا الشرعية وهذه القضايا الإيمانية أكثر من يقيننا بأن الرجل الذي ينام بجوار أمي في البيت هو أبي .. هذا لا يكون إيمان إلا إذا بلغ هذه الدرجة .. إذا بلغ هذه الدرجة فأنت مؤمن .. أما ما نراه من السفه ومن التفاهة ومن الريب ومن الشك ومن قبول كلام كل ناعق يتبول من فمه – أعزكم الله – ويتغوط من فمه – أعزكم الله – ونحن نقبل هذا الكلام "آه صحيح ، والسُّنُّة وأبو هريرة والبخاري..." عادي " يعني لما يقول لك أمك اللي في البيت مش أمك" عادي ، المفروض ما دام أنت مُخَوَّخ ومشَوَّش "وملزوق بتفافة " والموضوع عندك ملوش أي قيمة .. إذا قدر أن يُشَكِّكُك في القرءان ، لأنك معندكش رصيد يقين ، اليقين هو أنت تُقابل أي تشكيك في القضية المتيقن منها ، كالصخر .. تعلم الصخر "مش كالشجر مش كالحجر مش كالزرع مش كـ.." ، تقابلها كالصخر ، بمعنى أنك تصطدم فتُصاب وتخمد على الأرض أو تسقط على الأرض من صدمتك بهذا الصخر لأنه لا يتفكك ولا يهتز .."أنا لو خبطت في اسفنج بكل قوتي قد لا يصبني شئ إطلاقًا ؛ لكن لو أنا اصطدمت بصخر ولو بسرعة المشي من غير سرعة ولا جري ولا خبط .. لابد أنني سأُصاب ؛ لأن الصخر صلب " .. كذلك اليقين فيما يتعلق بالقضايا الإيمانية الذي يُصَيِّرُ الخبر كالمعاينة والذي يُصَيِّرُ المعلوم إلى العقل كالمبصور إلى العين.. هذا اليقين هو المطلوب منك في القضايا الإيمانية .. لما قالوا لأبي بكر   - رضي الله عنه – وكان ذلك في أوجّ الحرب ، حرب ضروس ما بين الرسول - صلي الله عليه وسلم – وقومه من القرشيين عبدة الأوثان والأصنام والجن والشجر والحجر ، وكانوا يبحثون له عن سقطة وكانوا يبحثون له عن كذبة وكانوا يبحثون له عن مطعن ، فجاء فأخبرهم أنه ذهب إلى بيت المقدس ...(من مكة إلى فلسطين ) ، أنت لو أردت أن تسافر ، حتى السفر ، بالأتوبيس والسيارات ، تأخذ منك يومًا كاملًا بدابة قوية متينة ..قال لهم أنا ذهبت إلى بيت المقدس وأنه حدث كذا وكذا ...في المسجد الأقصى ، وأنه أُسري بي .. إلى آخر القصة المعلومة .. ففرحوا بذلك فرحًا شديدًا "وقالوا بس.. جاء اللي بندور عليها ، وهي السقطة التي تثبت كذبه ؛ لأنه بيحكي حاجة غير مقبولة ، مستحيلة " فجاءوا إلى أعز أصحابه وأقوى مؤيِّديه وأمنُّ الناس يدًا عليه ، وأسبق الناس إيمانًا به من الرجال ، أبو بكر – رضي الله عنه – وقالوا له إن صاحبك يزعم – طبعًا يعني بيكذب ، كلمة "يزعم " عند العرب يعني يقول قولًا لا دليل عليه .. زعم.." إن صاحبك يزعم أنه قد أُسري به الليلة وعاد إلى مكة " طبعًا كدة  تشكيك " بيقولوا له أبوك اللي في البيت مش أبوك ، وأكثر من كدة .. دا العيلة كلها .. كل عيلتكم كدة لا أبوك ولا جدك ولا.." وهذا أشد من ذلك ؛ لأن هذا دين وإيمان ، وأبو بكر – رضي الله عنه – سابق لذلك وثبت عليه ولم تكن هناك قائمة لمحمد – صلى الله عليه وسلم – ولا قوة ولا منعة ولا دولة ولا.. ولا. .فماذا كان جواب ذلك الرجل المتيقن؟ مثال لليقين .. ماذا قال ؟ قال "إن كان قال فقد صدق" ( أبويا اللي في البيت دا ، أبويا .. مش هاقبل حد يتكلم في الموضوع ده واللي هيتكلم هقطع لسانه ) "إن كان قال.." على أساس أنه ممكن تكونوا بتزعموا أنه قال ، انتم اللي تكذبوا ، لكن هو إن ثبت القول منه -  محمد صلى الله عليه وسلم – فقد "إيه ؟؟" صَدَقَ .. "فقد صدق" .. هذه لغة ماذا ؟؟ لغة اليقين ، أنه متيقن من أن محمد رسول – صلى الله عليه وسلم – وأنه فوقه رب العالمين ، وأن رب العالمين يؤيِّده ، وأن رب العالمين اصطفاه ، وأن رب العالمين اتخذه نبيًّا ورسولًا ، وأنه ينصره ، وأنه يجري له المعجزات إن شاء ، ومنها أنه أسرى به – والإسراء هو السير ليلًا ، يعني بالليل راح المشوار بالليل ورجع – "أُسريَ به" ..مَن الذي أُسري به { سُبْحَـٰنَ الَّذِيٓ أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ ءَايَـٰتِنَآ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}  [ الإسراء:1] ..يعني الإسراء كان لا فعل جيش ولا فعل شرطة ولا فعل قوم ولا قوة بشرية ؛ بل هو من فعل رب العالمين ؛ لكن الشاهد من القصة هو كيف واجه ، أو ردّ أبو بكر – رضي اله عنه - ...انظر في المقابل إلى أي واحد منا – أنا أو أنت لا أُفَضّل – يسمع مقالًا من بوَّالٍ على عقبيه في برنامج من البرامج يطعن فيه في أيٍّ من ثوابت الإسلام ، ويتكلم فيه على أن هذا كلام.. والقرءان فيه..." ولد لا يُحسِن لا قراءة ولا كتابة ولا يُحسن شئ ولا فهم ولا لغة عربية ولا .. ثم خرج على الناس ويسجل فيديوهات لينشرها علي مواقع التواصل يقول أنا أُبيِّن لكم أن القرءان ركيك ، وأنكم دائما تتشدَّقون بأنه مملوء بالبلاغة وأن بلاغته على أعلى ما تكون ، وأنا أُبَيّن لكم .. ثم صدر يقول كلام لا يقوله مجنون ؛ لكن العجيب أنك تجد مَن هو أجنّ منه يسمعه ، ولما يسمعه ليته يتف أو يبصق ، يقينًا أو تقديسًا للقرءان وإنزالًا لمنزلته ...لا ... يقول آه الكلام "ويمكن يجيلي أنا يقولي يا شيخ بعد إذنك سؤال هو الآية الفلانية والآية الفلانية فيها ركاكة وفيها عدم بلاغة ... يعني جاي ينقل التشكيك الذي شكّكه فيه مرتاب لا يساوي ما يخرج من بطنه ، ويسألك .."  يبقى إذًا .. هذا ما له ؟؟ هذا مرتاب قبل أن يُريَّب ، هذا فقد اليقين ، وكل من فقد اليقين فهو مرتاب ؛ لأن كما قلت لك ، أول درجة من درجات اليقين هو نفي الشك تمام النفي ؛ ولذلك قالوا اليقين هو أن تبرأ النفس والقلب والعقل من الريب ، تبرأ "عارف الإناء لما تنظفه ، لما تنظفه تنظيف شديد ، وبعدين أقولك الإناء كان فيه طعام ، أعطيك مائة جنيه جائزة إذا قلت لي هذا الإناء المنظف المطهر بحيث لا أثر للطعام الذي سبق فيه .. قل لي؟ ستقول كيف أعرف ؟! لا لون موجود ولا رائحة موجودة ولا طعم موجود لا استطيع أن أميِّز؟".. معني ذلك أن هذا الإناء انتفى منه هذا الطعام تمام الانتفاء ؛ وبالتالي نظف تمامًا .. كذلك الريب واليقين ..الشك واليقين .. إذا نظف إناء قلبك من الشك تمام النظافة فقد بدأ العدّ في ميزان اليقين .. تذكَّر مثال المال .. فلان مفلس ، فلان ذو مال ...المفلس هو من ؟ " مافيش في جيبه جنيه" ..مفلس .. وصاحب المال هو من بدأ العدّ في جيبه "مائة مائتين ثلاثمائة اربعمائة" فيبقى إذًا متى يخرج من الإفلاس ؟ بأقل قدر من المال .. وجود مال حقيقي في جيبه ، خرج من الإفلاس .. وجود صدق وثبوت ورسوخ العلم ؛ ولذلك قالوا اليقين هو استقرار المعلوم على وِفق الواقع بحيث لا يقبل – افهم – لا يقبل تغييرًا ولا تبديلًا ولا يقبل تريّب ..لا يقبل تبديلًا ولا تغييرًا " يعني أنا أقول لك المعلومة وأقول لك المعلومة دي يقين وتمام ، بعد نصف ساعة أعطيك غيرها أو أعطيك ضدها ، وأيضا تقبلها على أنها يقين " يبقى هذا لا يمكن أبدًا أن يكون يقين ؛ لأن اليقين هو استقرار..استقرار ؛ ولذلك لا يُسمَّى العبد مُتيقن بغض النظر عن درجات اليقين – نحن نريد أن نفهم أول مرحلة من مراحل اليقين ، ثم هذه المرحلة فوقها درجات – أنت مطالب بماذا ؟ ما الذي يُنجيك عند ربك ؟ "مش الدرجات العالية ، وإلا كلنا روحنا في بلاش" بل أول درجة من درجات اليقين تنفعك عند ربك ، هذه الدرجة تُعَرِّفُهًا من جهة ، بأنها أقل اليقين .. وتُعَرِّفها من جهة بأنها البراءة من الشكّ... أسأل اللهَ أن يجعلني وإياكم من المُتيَقِّنين...

—------------------------------------------------

الحمدُ للهِ وكفى، وسلامٌ على عبادِه الذين اصطفى، وأشهدُ أنْ لا إلـه إلا الله وحدَه لا شريكَ له ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ،ورسولُه ، وصَفِيُّه مِنْ خلقِه وخليلُه ، صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه وعلى من تبع هداه بإحسانٍ إلي يوم الدين ، وأصلِّي وأُسلِّمُ على رسولِ اللّٰهِ صلاةً نحققُ بها أمرَ ربِّنا، حيثُ أنَّه قالِ: { إِنَّ اللَّهَ وَمَلَـٰٓئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَـٰٓأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً } [الأحزاب:56]...فاللَّهمَّ صلِّ على محمدٍ النبيّ ، وأزواجِه أمهاتِ المؤمنين ، وذريَّته ، وآلِ بيته ، كما صلّيتَ على آلِ إبراهيمَ إنَّكَ حميدٌ مجيدٌ...

إذًا كحقيقة تُجْمِلُ ما ذكرت .. أنت مطالب بأن تكون على درجة من الرسوخ والاستقرار والثبات في المعلوم الشرعي المتعلق بـ"لا إله إلا الله " ، المتعلق بالتوحيد ، المتعلق بكل القضايا الدالة عليها "لا إله إلا الله" بحيث تكون متيقنًا منها ، يقينًا يشهد بعدم الشك من جهة ، ويثبت – اسمع – ويثبت أمام الشك من جهة .. فعلامة يقينك أنك غير مرتاب ، مطمئن النفس ، مستقر ، تأخذك السكينة ، فيما يتعلق بما آمنت به ، وبما علمته ؛ لأن العلم هو الدرجة التي تخرج منها أو تصل منها إلى اليقين .. ما الفرق بين العلم واليقين ؟؟ العلم هو معرفة الحقيقة على وجهها " لو أعطيتك جهاز وأنت خبير في هذه الأجهزة ، فقلت لي الجهاز هذا اسمه كذا ومميزاته كذا ، وقيمته كذا وسعته كذا وثمنه كذا " يبقى هذا يُسمَّى معلوم ؛ لكن الذي صنعه يعرف عنه أكثر منك ؛ ولكن أنت تعلم ، وهو متيقن "لأن هو الذي ركبه بيديه ، ولما وضع الإمكانيات ، وضع هذه فضلًا عن تلك حتى تكون الإمكانية أعلى أو أقل أو ما شابه " .. فعلمك بالمعلوم ..علمك بالأمر على حقيقته يُسمَّى علم ..علمك (الثاني) الذي هو أعلى منه الذي جاء عن استقصاء وبحث .. بمعنى .. هناك أناس يكونون خبراء في بعض الأشياء التي تُباع وتُشترى ولكنه لا يعمل بالصيانة أو لا يعمل بتفكيكها وتركيبها ..أيهما أكثر علمًا بهذا الجهاز ، كمثال ؟؟ الذي يفككه ويركبه هو الذي يعلم أجزاءه تمامًا أعلم ممن يعلم عنه المعلومات الصحيحة ؛ ولكنها أنقص ممن يفكك ويركب ..فعندما يفكك ويركب وينظر في كل جزئية مهما دقّت ويجمّع ويركب ويربّط ، يكون بذلك قد بلغ علمًا أكثر من المعلوم الأول ، يُسمّى يقين ؛ ولذلك قلت لكم في التعريفات أن اليقين هو (العلم الثاني) ، وبالتالي ما هو اليقين – كمعلوم ؟؟ هو ذلك العلم الثاني الذي يأتي عن استقصاء واستدلال – كمثال البحر – عندما قال لك القائل الصادق أن البحر مملوء – هذه معلومة ، هذا علم – ذهابك ونزولك وقياسك لمدى امتلائه وهل هو نصفه ، أم مملوء .. هذا يسمى تيقن ؛ لأنك أضفت إلى المعلوم من جنسه ، معلومًا آخر باستقراء واستدلال ؛ ولذلك اليقين ثلاثة مراتب ذُكرت في القرءان ...{ أَلْهَـٰكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (2) كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (3) } [التكاثر: 1-3] هذا هو العلم الذي قبل اليقين ..{ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (4) كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (5)} [التكاثر :4-5] .. يبقى إذًا هو ذكر أننا سنعلم ، ثم ذكر أن هناك مرتبة أعلى من العلم ، هي مرتبة ( علم اليقين ) "  اليقين ، علم" ولكن درجة أعلى من العلم ، فإذا قلت ( علم ) وسكت ، فهذه الدرجة التي تعرف بها الحقيقة .. إذا قلت (علم اليقين) فذلك العلم الذي يكون عن بحث واستدلال واستقصاء واستعمال كل الأدلة التي تدل على القضية  فصِرت في طلبٍ للعلم أو صار عندك مرتبة من العلم أعلى من العلم ، فسُمِّيَت (علم اليقين) { ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ } [التكاثر :7] وهذه مرتبة أعلى من علم اليقين ..يبقى إذًا عندنا (علم) – هذا كله أنت مطالب أن يكون في فهمك وعقلك ووجدانك وقلبك وبصيرتك كمتعبّد لله وكموحِّد وهذه هى أحوال العارفين وأحوال المؤمنين وهذه هي قيمة ودرجات الصالحين وكان عليها الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين – (علم) ثم ( علم اليقين ) ثم ( عين اليقين ) ، ثم جاءت مرتبة أعلى من هذا كله ..{ إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ } [الواقعة:95] ..فصار عندى (علم اليقين) ، وصار عندي (عين اليقين) ، وصار عندي ( حق اليقين) ..أما (علم اليقين) فهو تلك الدرجة الأعلى من العلم ، وأما (عين اليقين) هي تلك الدرجة الأدق من علم اليقين ، أدق في المعلومة ، وأما (حق اليقين) فهو الأمر الذي يُرى وتستقر عليه القلوب وتراه الأعين على الحقيقة ، أو يصير كالمرئي على الحقيقة ... وأقرب مثال يقرّب هذه المراتب الثلاث ، هو الموت ؛ ولذلك الموت سُمِّيَ في القرءان بـ"اليقين" ..لا علم اليقين ولا حق اليقين ولا ما شابه ؛ إنما "اليقين" { وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ } [الحجر:99] حتى يأتيك الموت ..الموت معلوم أم ليس معلوم ؟ المكذّب والجاحد والمكابر والمغرور والذي لا يتمنى الموت والذي يكرهه والذي يستعد له والذي لا يستعد له ، يعلم أن هناك موت ..هذا المعلوم عندما ترى الموتى ذهاب وإياب ، وتصير الموتى كما حركة الأحياء ، فعندئذٍ يسمى (علم اليقين) .. معلومٌ يقيني ، فإن الموت لا يتخلَّف أبدًا عن نفس { کُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ } [ءال عمران:185] ..لا يتخلَّف الموت عن نفس أبدًا ، حتى أن النبي – صلى الله عليه وسلم – أكرم الخلق على خالقه ، قال له { إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ } [الزمر:30] .. هذا الموت من حيث حقيقته المعلومة ، معلومة (علم يقين ) وليس مجرد علم ، فإذا دخل العبد في الموت وصار في الحشرجة ، ولم يمت بعد ، صار في (عين اليقين) .. دقة .. لأن أنت عندك معلومة عن الموت وبتدفن وبتغسّل ؛ لكن عندما تُعاينه أنت بنفسك فتكون هذه المعاينة ، درجة أوضح وأبين وأعلى من مجرد العلم - حتى وإن كان علم يقين – فيُسمّى (عين يقين ) ثم عندما يموت العبد ، ويكشف الله عنه غطاءه ويصير بصره حديد ويرى كل ما كان يُنكر، فيكون ذلك ( حق اليقين) ؛ ولذلك جاء ( علم اليقين ) و( عين اليقين) و(حق اليقين) في اليقين فقط ؛ ولذلك لا يُقال "معرفة اليقين" ولا يُقال "دراية اليقين" ، ولا يُقال "إخبار اليقين" ؛ بل هذا في العلم ؛ لأن العلم معرفة الأمر على حقيقته ، ثم إذا ارتقى ودقق واستدل واستنبط ، صار ذلك علم يقين ، لا ريب فيه ولا تردد ولا يقبل فيه الريب ولا التردد ولا يُقبَل فيه التغيير ، ولا يُقبَل فيه الاحتمال ؛ لأنه - ما له؟؟- علم يقين .. ثم عين يقين فيما يتعلق بدقة المعلوم في هذه القضية التي عُلِمَت يقينًا ؛ ولذلك كان الصحابة – رضوان الله عليهم – قال النبي – صلى الله عليه وسلم – لواحدٍ منهم " كيف أصبحت؟ قال يا رسول الله أصبحتُ على الإيمان أرى أهل الجنة يتقلَّبون في نعيمها ، وأرى أهل النار يتضاغون فيها من عذابها أو من حرّها" ( مش آمنت ، مش علمت ، مش أُخبِرت ، مش دَريت ، مش عرفت ) – لا – صار كأنه يرى ، يعني صار من اليقين بدرجة أنه يرى أهل الجنة يتقلَّبون في نعيمها ، المعلومة موجودة ، واليقين حوّلها إلى حقيقة ، وصارت الي القلب كالمبصور إلى العين ، فلما صارت كالمبصور إلى العين ، قال أنه يرى أهل النار يتضاغون فيها من حرها وعذابها ، وأهل الجنة يتقلَّبون في نعيمها – هو رأى ذلك - هذا الصحابي رضي الله عنه رأى ذلك .."رأى بمعنى إيه ؟ إنه رآه في حجرته – لا – هو رآه بعلم اليقين ، وكثرة التصديق والاستيقان ، صارت إلى عين اليقين" ولذلك إبراهيم عليه السلام – أختم كلامي حتى نتفهم هذه المسألة – إبراهيم عليه السلام قال { رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَ لَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَـٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي } [ البقرة : 260]...{ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَ لَمْ تُؤْمِن} ..يعني أنت تسأل سؤالًا عن ريب وعن شك ؟ ..{ قَالَ بَلَىٰ }  "- لا – أنا مؤمن" { وَلَـٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} .. قال أهل العلم أراد إبراهيم عليه السلام أن يعتلي من مرتبة العلم إلى علم اليقين ، ومن مرتبة علم اليقين التي يؤمن بكلام رب العالمين ويسأله دون ما سواه ، دون شك أو ريب ، إلى عين اليقين .. تصير المسألة كما لو كانت مبصورة ، فأراد أن يشاهد ذلك بعينه ، يشاهد المعلوم ؛ ولذلك أمره ربه بأن يأخذ أربعة من الطير ، إلى آخر ما جاء في القرءان ، فأخذ الأربع وقطّعهم ثم دعاهم فأتوه ، فهنا ماذا رأى ؟ هنا رأى عين يقين فيما يتعلق بإحياء الموتى .. صارت عين يقين .. تنبّه لذلك ؛ لأنه لما خاطب النمرود وقال { رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِ وَيُمِيتُ } [البقرة:258] النمرود تكبَّر وقال { أَنَاْ أُحْيِ وَأُمِيتُ } ..وهو ( أي إبراهيم )  مؤمن تمام الإيمان أن الذي يُحيِي ويُميت هو الله وحده ، فأراد أن يزداد ، فى الاستقصاء وطلب الازدياد .. ولذلك قال الله تعالى { وَكَذَٰلِكَ نُرِىٓ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَـٰوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ } [الأنعام:75] ..{ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ }.."ليس وليكون من العالِمين ، أو ممن يعلم أو ممن درى ، أو ممن عرفوا " ..{ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ }..إذًا الدلائل والآيات الكونية ، إذًا الدلائل والآيات المتعلقة بالقضية الإيمانية ، أنت مطالب أن تكون منها على يقين ، وعلامة كونك أنك على يقين ، أن لا ريب في نفسك من جهة ، وأن تصدّ وأن تردّ وأن تمنع وأن تحتقر وأن تزدري وأن تبصق على من يُشكِّكك في هذه القضية التي صِرت أنت منها على يقين .. فأصحاب اليقين هم أصحاب السعادة ؛ لأن الدنيا حولهم تقوم وتقعد وتذهب وتؤوب وهم يعلمون من أين وإلى أين .. فلا يقول كقائلهم في أغانيه "أتيت لا أعلم من أين ولا إلى أين " ؛ ولكن المؤمن يعلم تماما .. نحن ما خُلقنا إلا بفعل رب العالمين ، وأننا إلى موت ، وأننا بين خلقنا أو إيجادنا وبين موتنا ، تكليف ..{ تَبَـٰرَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(1) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَوٰةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ(2)} [الملك:1-2] ...{ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ} والأموات ، خلْق الموت يقتضي خلق أموات ..{ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَوٰةَ} والأحياء ...{ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَوٰةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} ..لا تَكن حصب جهنم ، ولا ينبغي أن تُكَثّر سواد أهل الباطل وأهل الجهل ، وما لم تتيقن منه ، تعلَّمه ، ولابد أن تعلم أن كل ما جاء من عند الله فهو الحق  { لَقَدْ جَآءَكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ } ..هذا هو ما ينبغي أن تكون عليه ...

أسأل الله أن يجعلني وإياكم من المتقين وأن يجعلني وإياكم من الموقنين وأن يجعلني وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه... اللهم يا رب ثبّتنا على ما يرضيك عنا واجعلنا من أهل اليقين واجعلنا من أهل الإيمان ...اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا علي القوم الكافرين... اللهم كُن لنا ولا تكن علينا.. أعنّا ولا تُعِن علينا.. رُدّ بطش الكافرين عنا وقنا برحمتك سيئات مكرهم... اللهم فرج كرب المكروبين... اللهم اشف مرضى المسلمين.. اللهم اقض الدَّين عن المدينين ..اللهم أذهِب الألم والأوجاع عن الموجوعين والمتألمين ..اللهم يا رب فُكّ أسر المأسورين ورُدّ الظلم عن المظلومين ورُدّ علينا الغائبين يا رحمن يا رحيم بفضلك ومنّك وجودك وكرمك يا مَن لا يقدر على ذلك إلا هو يا أرحم الراحمين ... ولك الحمد حتى ترضى .. والحمد لله رب العالمين... وصلّ اللهم وسلم على محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين .. أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم ... سبحانك اللهم وبحمدك أشهدُ أن لا إلـه إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك ...

وكتبه : أسمــاء أحمد..

راجعه وصححه وضبطه:

د / سيد العربي..




واحة العقيدة - موقع فضيلة الدكتور السيد العربي بن كمال
 
الجمعة ... 15 – 11 – 2019... بيان شرط الإخلاص
الجمعة ... 8 – 11 – 2019... أزمتنا أزمة قلة يقين
الجمعة ... 1 – 11 – 2019 ... شرط اليقين بـ "لا إله إلا الله"
الجمعة ... 25 – 10 – 2019... الخوارج والمرجئة وأهل السنة
الجمعة ... 18 – 10 – 2019 ... تابع شرط العلم بـ "لاإله إلا الله" – (3)
الجمعة ... 11 – 10 – 2019... تابع شرط العلم بـ "لاإله إلا الله"
الجمعة ... 4 – 10 – 2019 ... شرط العلم بلا إله إلا الله
الجمعة ... 20 – 9 – 2019 ... مقدمة شروط لا إله إلا الله
الجمعة ... 13 – 9 – 2019 ... لماذا لاإله إلا الله هى توحيد الإلهية؟؟
الجمعة ... 30 – 8 – 2019 ... الفرق بين مناط الحكم ومناط الانتفاع
 
art4islam
جميع الحقوق محفوظة لموقع واحة العقيدة - 1431 هـ

فتاوى فى إنتظار الرد: 14