أعلى
أعلى
جديد الموقع
 
الجمعة ... 6 – 12 – 2019... بدء الكلام على شرط الصدق
الجمعة ... 29 – 11 – 2019 ... تحقيق الإخلاص عسير
الجمعة ... 22 – 11 – 2019 ... كيف تحقق الإخلاص؟؟
الجمعة ... 15 – 11 – 2019... بيان شرط الإخلاص
الجمعة ... 8 – 11 – 2019... أزمتنا أزمة قلة يقين
الجمعة ... 1 – 11 – 2019 ... شرط اليقين بـ "لا إله إلا الله"
الجمعة ... 25 – 10 – 2019... الخوارج والمرجئة وأهل السنة
الجمعة ... 18 – 10 – 2019 ... تابع شرط العلم بـ "لاإله إلا الله" – (3)
الجمعة ... 11 – 10 – 2019... تابع شرط العلم بـ "لاإله إلا الله"
الجمعة ... 4 – 10 – 2019 ... شرط العلم بلا إله إلا الله
 
القناة الرسمية للدكتور سيد العربى..على اليوتيوب
فيديوهات د.السبد العربى
صفحة صوتيات السيد العربى على اسلام واى
ملتقى اهل الحديث
ملتقى اهل السنة
الشيخ ابو اسحاق الحوينى
الحور العين
 
بيان شرط الإخلاص -
بيان شرط الإخلاص
18 - 11 - 2019

بيان شرط الإخلاص

الجمعة ... 15 – 11 – 2019  

للدكتور/ سيد العربي ...

إنَّ الحَمْدَ لله ، نَحْمَدُه، ونسْتَعِينه ونَسْتَغْفِره ، ونعوذ بالله تعالى من شُرُورِ أنفُسِنا، ومِن سيِّئات أعمالنا ، مَن يَهْدِهِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ، وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا، وأشْهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ ، وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عبدهُ ورسوله، وصَفِيّه من خَلْقِه، وخليله، صلوات الله وسلامه عليه ، وعلي من تبع هداه بإحسانٍ إلي يوم الدين ..

{ يَـٰٓأيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [ءال عمران: 102].

{ يَـٰٓأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا } [النساء :1]

{ يَـٰٓأيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وُيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70-71]... وبعد؛

فَإِنَّ أَصْدَقَ الحديثِ كِتابُ الله وخيرَ الهَدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمورِ مُحدثاتها وكل محدثةٍ بدعة وكل بدعةٍ ضلالة وكل ضلالةٍ في النارِ ... ثم أما بعد ..

عباد الله لازال الكلام مستمرٌ في استبيان شروط "لا إله إلا الله" في ظل استبيان قضية التوحيد التي هي حق الله على العبيد ... واليوم نتناول أو نبدأ  في تناول شرط (الإخلاص) ، بعدما تكلمت في شرط (العلم) ، وشرط (اليقين) ... شرط (العلم) الذي هو أبو الشروط وإمامها ، فليس شيء إلا بعلم ، ولا قول ولا عمل إلا بعلم .. تنبّه .. ثم إن هذا العلم يترقّى إلى أن يكون علم اليقين ، أو يكون عين اليقين ، أو يرى القلب الأمر والحقيقة فيكون حق اليقين .. واليقين هو أصل القضية .. والإخلاص هو روح القضية وعمودها ، بمعنى أن كل الشروط خادمة لذلك الشرط .. إذا كان (العلم) هو أبو كل الشروط وإمامها ، و( اليقين) هو تحويل تلك العلوم المتعلقة بـ"لا إله إلا الله" إلى بصائر ، بحيث يكون المعلوم إلى القلب كالمبصور إلى العين ، وأن المراد أن يكون العبد غير شاك فـ"لا إله إلا الله " وما تقتضيه من مقتضيات وقضايا وعلوم ، لابد أن نعلم أن العلم وما دلّ عليه ، واليقين وما رسخ فيه أهل الرسوخ ، وغيره من الشروط كالمحبة والقبول والانقياد وغيرها وغيرها ؛ إنما هي خادمة لهذا الأصل ولهذا الشرط الذي هو روح "لا إله إلا الله" وعمودها ، أو روح الدين وعموده ، إذا انهدم العلم يمكن أن ينهدم انهدامًا لا يوقع العبد في هدم القضية ، وإذا انهدم اليقين يمكن أن يرفع الريب بشيء من العلم والبيان لدفع الشبهة المحيطة بالمعلوم ؛ أما الإخلاص فهو المراد ، فإذا انهدم انهدم الدين كله ... { إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ } [ النساء:48 ] .. لماذا ؟ .. لماذا يغفر الله عز وجل كل الذنوب ولا يغفر الشرك ؟ لأن الشرك هو هدم الإخلاص ؛ لأن الشرك هو هدم الإخلاص ، والإخلاص هو روح الدين وعموده .. حقيقٌ أن الإخلاص عزيزٌ جدًا ، وحقيقٌ أن الإخلاص لا يحققه إلا القليل من الخلق ممن رضي الله عنهم ووفقهم إليه ، وأخلصهم له ؛ ولكن لا يعني ذلك أن العبد لا ينبغي أن يحاول ، بل لابد أن يعلم أنه مطالب طالما فيه نفس يدخل ويخرج ، وطالما فيه قلب يدق ، لابد أن يبحث في كل زوايا دينه ، وكل زوايا معتقده وقلبه ووجدانه ونفسه عن ذلك العزيز ، عن ذلك الأمر الذي يعزّ وهو أن يقيم أمر دينه علي الإخلاص ... وهنا لابد من مقدمة حتي تعرف ما المراد عندما نتكلم عن الإخلاص .. قد يتكلم العبد عن الإخلاص ويُنهِي الكلام في دقائق ، فيقول الإخلاص هو أن تبتغي بعملك وجه الله وألّا تقع في الشرك ، وأن تُنقي عملك من شائبة الشرك والرياء والسمعة .. وكل ذلك حق .. لكن هذا الكلام لا يوفّي القضية حقّها ، ولا يُوَفّي الأمر نصيبه .. فلابد أن نعلم أن قضية الوجود أن هناك لهذا الكون موجد أوجده بقدرته على كل شيء ، هذا الموجِد هو الربّ سبحانه وتعالى الذي نطقت الفطرة بحقيقة وجوده .. الفطرة ، فطرة التكوين.. فطرة النفس .. فطرة ما فطر الله عليه الخلق { فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا } [الروم :30]..تنبّه.. وهتفت الأدلة الكونية الأفقية ، والأدلة النفسية ، فضلًا عن الأدلة القرآنية والسُّنِّية بتلك القضية التي طالما يتكلم فيها المتكلمون ويعظ فيها الواعظون ويرشد إليها المرشدون ، ويُعلّمها ويتعلّمها المعلّمون ، وهي أن هذا الرب الذي أوجد وهذا الرب الذي يملك وهذا الرب الذي يسيطر ويتصرف بمطلق السيطرة والتصرف ، والذي بيده الأمر كله وإليه يُرجَع الأمر كله .. هذا الربّ سبحانه وتعالى واحد أحد لا شريك له ولا نِد ولا مثيل .. تنطق الأدلة المقروءة وغير المقروءة ، والمسموعة وغير المسموعة والمرئية وغير المرئية ، حتى أن الإحساس الفطري كما ذكرتُ أولًا يهتف بذلك ، هذا الرب الذي لا رب سواه اقتضت حقيقته وكينونته وما له من علو أن يُسَبَّح .. سبِّح اسم ربّك .. ربك الموجود .. ربك الذي وجوده واجب .. ربك الذي لا شريك له ولا نِدّ له ولا سَمِيَّ له ولا شبيه له .. هذا الربّ أنت مُطالب أن تُسبّحه وأنت تسبحه من منطلق أنه أعلى ، ليس فردًا فقط ؛ بل فردًا أعلى ، ليس واحد فقط ؛ بل واحد أعلى  { سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى } [ الأعلى : 1] .. ثم بيّن مَن هو الرب { الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ (3) وَالَّذِيٓ أَخْرَجَ الْمَرْعَىٰ (4) فَجَعَلَهُ غُثَآءً أَحْوَىٰ (5)} [الأعلى : 2-5] .. إلى غير ذلك من الآيات سواء في السورة أو في غيرها حتى تعلم مَن ذَا الذي تُسبِّحه من منطلق علوّه ؛ فاقتضى كونه الربّ – وهذا كلام أنا أعلم أنه قد ملّ السامعون من كثرة تكراره في مقالات متعددة – هذا الرب الذي لا رب سواه استلزم أن يُعبَد باللزوم ، فكل من كان له هذه الصفات وهذه الكينونة الوحيدة المفردة ، لَزِمَ أن يُعبَد ويُقَدَّس ويُسَبَّح ، فكان حقّه اللازم – أي باللزوم والمقتضى بما أنه ربٌّ أعلى – أن يكون إله أعلى ؛ فلذلك خاطب خلقه فقال لنبيه أن يأمرهم ويعلمهم { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4) } [الإخلاص:1-4] .. { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } .. أَحَدٌ في ربوبيته ، وأَحَدٌ في إلهيته ، وأَحَدٌ في أسمائه وأَحَدٌ في صفاته .. و( أَحَدٌ ) صفة قبل أن تكون اسم من أسماء الله .. { اللَّهُ الصَّمَدُ } .. ذكر نفسه بأنه ( أَحَدٌ ) حتى يعلم الخلق أنه لا شبيه له ولا نِدّ له ولا مثيل له ولا شريك له ، ولا يُوَازى فى أمره من شيء عند غيره .. ( أَحَدٌ ).. ثم بَيَّن أن الخلق جميعًا وأن المخلوقات جميعًا تصمد إليه وترجع إليه في حاجتها وتفتقر إلى غناه ، وتذل إلى عِزّه وتنكسر إلى كبريائه ؛ فقال { اللّهُ الصَّمَدُ } ، ومعنى ( الصمد ) أي الذي تصمد إليه الخلائق في كل شأنها ، ومعنى ( الصمد ) السيد الذي له كل السؤدد ومطلقه .. هل تعلمون أن الكون والمكونات في الكون وأنت وكل ذرة فيك ، مملوكة محكومة مقضيٌّ فيها مسيَّرة بكل ما لها وبكل ما فيها بـ ( الصمد )  .. يعني إذا تدبّرت اسم الصمد ، وهو اسم متعلق بكينونة الربوبية ، عرفت أن جسمك أن شأنك ، أن كونك ، أن السماوات ، أن الأرض ، أن الذرّات ، أن المجرّات ، أن الكبيرة ، أن الصغيرة ، كلها تُقَاد وتُسَاد بـ ( الصمد ) فكل خلية منك ، بل وكل ذرّة ، بل وكل أدق من الذرّة مملوك محكوم مُسَيَّدٌ عليه بـ ( الصمد ) { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2)}.. ثم بيّن سبحانه وتعالى ما يقتضي أُحاديته بأنه لم يتفرَّع ولا يُفرِّع ، فليس له أصل تفرَّع منه ، وليس له فرع يتفرَّع منه .. لا هو فرعٌ من أصل ، ولا هو أصل لفرع ؛ بل هو أَحَدٌ أَحَد { لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ } .. لا هو أصل لفرع ولا هو فرع من أصل { لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4) } .. لا مثيل ولا كُفء ولا شبيه ولا نِد .. بل منفرد .. إذا تعمّقت المعاني الإيمانية العقدية في نفس العبد المتعلقة بكونه رب ، وما استلزم ذلك من مقتضيات ولزوم – واحفظ كلمة لزوم أو قِف عندها – لزوم بأن يكون إله ، فهو إله وحده سبحانه وتعالى .. { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } ربًّا ، وإلهًا ؛ ولذلك كان صمد تصمد إليه كل الخلائق ، وتُقَاد وتُسَاد كل الخلائق بصمديته جل في عُلاه .. هذا كله يُمْلِي عليك أن تعلم أن إفراده  حق وهو حقه ، وأنه ليس فضل منك ، إن أقمته أقمت الحق ؛ فلذلك قالوا أن التوحيد هو حق الله على العبيد .. أردف النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – معاذًا يوما على دابته – على حمار – ثم قال له  "يا معاذ أتدرى ما حق الله على العبيد ؟ قال معاذ : الله ورسوله أعلم .. قال حق الله على العبيد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا " .. تساوي ماذا ؟؟ تساوي الإخلاص ..إذًا فالإخلاص حقه الخالص ، إذا كنا نتعلم ما يتعلق بالعلم بـ "لا إله إلا الله" ، ومطالبون بأن نكون على يقينٍ بكل معلومٍ علمناه ، وأننا ينبغي أن نكون محبين منقادين قابلين لكل ما أمر به وأتى منه وأتى من عنده ، سواء في كتابه أو على لسان نبيه - صلى الله عليه وسلم – لابد أن نعلم أننا نُحِقُّ حقًّا ، وإن ضيّعنا ذلك الحق ، فنحن أجرم ما يمكن أن يكون من الإجرام { إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } [ لقمان : 13] .. إن أوضع الذنوب وأخبثها وأسودها وأشدها وأظلمها .. الظلم ، فهو ظلمات يوم القيامة .. يا ويل من ظلم .. ولو ادخر الله عز وجل للظالم عقوبته يوم القيامة لكان ذلك من أسود الحال وأحلكه ؛ إذ أنه يعاقبه بأشد ما يكون ، ولو قدّم للظالم بعضًا في الدنيا فإن ذلك نوع من الرحمة حتى وإن كان فيه شِبه إهلاكه حتي يُرضي المظلوم { فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ } [ غافر:77] فالله عز وجل قال للمظلوم ، وكان في هذا الوقت محمد صلى الله عليه وسلم ، ظلمه قومه ، فأخبره ربه إما أن يريه بعض ما سيفعله بهم وإما يؤجله للآخرة ، وتأجيله للآخرة أشق .. أظلم الظلم ألّا تقيم الحق المتعلق بالرب – حق الله علي العبيد – أظلم الظلم ؛ لأن العدل فيه ، أن تقيمه فتكون قد أدّيت الحق الذي عليك ووفيت ، فإن منعت ذلك العدل وقعت يقينًا في الظلم .. ولمّا كان هذا الظلم فيما يتعلق بحق الله عليك ، كنت من أظلم الخلق { إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ }.. لو قال ( لَظُلْمٌ ) لكفى ؛ ولكن استعظمه فقال { لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } حتي ينتبه العبد ويخاف ويرتعد من أن ينال الأمر نصيب أو أن يصيب منه جانب ؛ بل ينبغي أن يتحرّى  - مهمًا عجز عن طاعة ومهما غلبته الذنوب – إيّاك

والشرك .. لابد من الإخلاص ..

فالإخلاص بما حوته تلك المقدمة البسيطة جدا – والمقام لا يتسع لأكثر من ذلك لئلّا تُرهَق الفهوم – الإخلاص هو حق الله على العبيد .. الإخلاص هو التوحيد .. الإخلاص هو الإفراد .. الإخلاص هو تحقيق أُحادية الله .. { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ }.. إعلام وإخبار ، سواء أقام الناس ذلك أم لم يقيموه ، فذلك أمر .. أخبر الله خلقه أن الله أَحَد .. أقمتم دينكم على ذلك بحيث أكدتم وأثبتم وانطلقتم وعزمتم بقلوبكم وقلتم بألسنتكم وعملتم بجوارحكم أنه أَحَد ، فقد أصبتم وقد فلحتم وانتظركم الفوز يوم القيامة إذا جئتم بذلك ربَّكم .. أما إذا ضيَّعتم ، فلا تلومن إلا أنفسكم { إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ } [المائدة :72] نسأل الله أن يعافينا وإياكم ... فالإخلاص هو حق الله على العبيد .. الإخلاص هو التوحيد .. الإخلاص هو تحقيق { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ }.. هذا الخبر اليقيني ؛ ولذلك لابد أن نقف هنا وقفة .. نحن نتعلم ما يتعلق بـ " لا إله إلا الله " ونتيقّن بكل مدلول دلّت عليه مقتضياتها ، ونكون علي بينة من ذلك { قُلْ إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ } [الأنعام: 57] .. أنت لابد أن تكون على بينة من ربك ، لا ينبغي أن يكون دينك كلام ، ولا ينبغي أن يكون دينك تقليدًا للآخرين " صل على النبي .. عليه الصلاة والسلام .. وحِّدوه .. لا إله إلا الله " .. ليس هذا هو الدين ؛ إنما الدين قضية الوجود ؛ إنما الدين هو إيجاد موجودات وخلْق مكلّفين وإرسال رسل ومرسلين وإنزال كتب عليهم ومعهم – صلى الله عليهم وسلم أجمعين – هذه هي القضية .. قضية كبيرة عظيمة .. قضية الوجود .. هذه القضية قد تضيع منا في خضَمّ غلاء الأسعار وقد تضيع منا في خضم الأمراض والأوجاع وقد تضيع منا في خضم ضيق العيش وقلة الوجد وكثرة الظلم ، كل ذلك لا ينبغي أن تضيع معه القضية أبدًا ؛ بل كلما وجدت شدة في الدنيا وكانت القضية في قلبك ؛ طمَّعَكَ ذلك في الآخرة ، فالمريض الكسيح والطريح لابد أنه إن كان من أهل اليقين وكان من أهل الإخلاص ، طمع فيما عند الله عز وجل ، ثوابًا على بلائه الذي صبر عليه وهو مستحضر في ظل إخلاصه ودينه إن كان هناك دين – أنا أتكلم على وجود الدين – مستحضر قول الله تعالى { إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّـٰبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ } [ الزمر: 10] ( بِغَيْرِ حِسَابٍ ) .. المبتلى الصابر ، أجره مفتوح ، حسابه في الحسنات مفتوح ، لا الحسنة بعشر أمثالها ، ولا إلى سبعمائة ضعف ؛ بل مفتوح ، أكثر من ذلك .. لماذا ؟؟ لأن الذي ابتلاه هو الله ، وجاء البلاء على غير مزاجه ، وجاء البلاء على غير مراده ، فلا المريض يريد أن يكون مريضا كسيحًا يتأفف منه الناس وينظرون إليه بنظرة الشفقة والعطف ، ولا الفقير المعوز يريد أن يكون فقيرًا معوزًا ينظر الناس إليه بقلَّة وينظرون فيما يعطونه ؛ بل ولعلهم يمنون عليه ما أعطوه ويتبعون أداءهم وعطاءهم منًّا وأذى .. ولا المبتلي ولا المأسور ولا المظلوم يحب أن يكون مظلومًا ويعاني ولا يجد مَن يرحمه أو يخفف عنه بعد الله عز وجل من خلقه ، وغيرهم وغيرهم من كل ذي بلاء وشدة .. كل هؤلاء مَن الذي ابتلاهم؟؟ ومَن الذي قدّر عليهم ذلك ؟؟ .. الله .. وهم استقبلوا ذلك ، إما بكدرٍ ، وإما برضا .. فإن استقبلوه برضا كانوا من الصابرين ، وإن استقبلوه بكدر وبتسخّطٍ كانوا من الساخطين .. والنبي – صلى الله عليه وسلم – يقول " فَمَن رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَى وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السُّخْط " .. نسأل الله أن يجعل لنا ولكم الرضا .. المهم هو أن تعلم أنك إذا ما وفّيت ما يتعلق بحق الله عز وجل ، فقد فزت ؛ ولذلك كانت حُسن التجارة بين العبد وربه هي حُسْن الدين ، أن تكون من المحسنين ، وقد ظن قوم – وسيأتي لذلك بيان في مقالات – أن الإحسان هو فعل خاصّة الخاصّة ، وغفل كثير منهم أن الله يأمر بالعدل .. ( يأمر ) ..تنبه .. يأمر بالعدل والإحسان { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ } [ النحل:90] .. فالإحسان مأمورٌ به ، ولا يتعارض ذلك مع قول النبي – صلى الله عليه وسلم – أن الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك .. لأن هذا حتى مع الفاسق الذي لم يبلغ الكفر ، أيضا عنده قدر من الإحسان ، وهو أنه راعى ربه في ترك الموبقات ، وترك الشركيات والكفريات ، وإن غلبته نفسه في الشهوات فوقع في الكبائر دون الكفر ، فكيف بمن ليس بفاسق ، وكيف بمَن علا إيمانه !! – وهذه قضية لها مقالات أُخَر – لكن المهم أن تعلم أن دينك قائم على الإحسان .. دينك قائم على الإحسان .. فمَن تعلّم ولم يُحسن ، ضلّ ..ومَن عَمِل ولم يُحسن ، ابتدع .. ومَن آمن ولم يُحسن ، أشرك .. تنبّه .. المهم هو أن تعلم أنك لماذا أنت موجود ؟؟ لكي تكون عبدًا لله .. ما المراد ؟؟ المراد هو الإخلاص .. فإذًا .. قبل عرض القضية وتناول أركانها ، لابد أن نعلم أن القضية المرادة من  وكل عبدٍ في دينه ، هي الإخلاص .. ونحن نعلم أن كلمة "لا إله إلا الله" سُمّيت كلمة الإخلاص .. ونعلم أن سورة { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } سُمّيت بسورة الإخلاص .. لماذا ؟؟ لأنها الكلمة أو السورة التي دلّت علي القضية المرادة  .. كأن الله يعلِّمنا ، ينبغي أن تناموا وتقوموا وتعيشوا وتموتوا على  { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ }.. إن نطقت بقلبك وعزمك ونيتك ، ثم نطقت بعملك وقولك ، ثم نطقت بعملك وجوارحك بأن الله أحد ؛ فأنت بذلك قد أقمت الإخلاص ؛ لأن الله عز وجل لا يريد منك عبادة ، وقد يشاركه عندك غيره .. لا يريد منك عبادة أديتها وأنت تلحظ الخلق أكثر مما تلحظه ، لا يريد منك عبادة وأنت تؤدّيها يستوي عندك أداءها وعدم أداءها " .. يقال لك الحق الصلاة .. ربنا يسهل لما أروح أبقى أصلي .. وممكن تروح تعبان ومش قادر وخلصان وتنام ومش مهم صلاة .. مهم فلوس ..آه ..مهم شغل.. آه .. مهم سداد دين .. آه .. مهم إني أشوف مصالحي .. آه " ثم تُقَدَّم هذه الأشياء ومع أهميتها التي لا تساوي شيئًا في حق رب العالمين ، تُقَدَّم على الدين ، حتي يكون أداؤك للدين ، وجوده كعدمه ، أؤدّيه أو لا أُؤدّيه .. وجوده كعدمه – لا – لا يريد الله منك دينًا لا ينطق بوحدانيته .. وحدانيته ، ليس معناه أنك لا تعبد صنمًا .. أنت لا تعبد صنم ولا تعبد حجر ؛ ولكن وحدانيته تعني أنك تُنزله المنزلة التي تليق به .. هل من ترك الصلاة – مثلًا – يجعل الله أحد مقدّسًا .. يجعل الله أحد أعلى . يجعل الله أحد معبودًا ؟؟ وهو قد كفر بعبادته في أهم عمود عملي في الدين .. بيّن النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – أنها الفارق بين المؤمن والكافر ، وقال " بين الرجل والكفر ترك الصلاة " – مثلًا – الذي يخالف الأوامر فيُنهَى عن الزنا ، فيجد نفسه يستطيع تناول امرأة واثنين وثلاث وأربع بسهولة فيظن أنه فائز أو يظن أنه لعِّيب ، وما يدري أنه يحفر لنفسه خنادق في جهنم بكبيرة الزنا التي سُمّيت بالفاحشة .. لماذا سُمّيت بالفاحشة ؟؟ لأنها من الذنوب التي تفحّشت وعظمت ، وكل أمر عَظُم يُسمّى فاحشة .. وهكذا .. الذي يسرق الذي يغش الذي يظلم ويعلو بظلمه في مرتبته ، كذلك .. لابد أن تعلم إن لم يكن دينك يهتف بـ { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ }.. فلا دين ولا قيمة ؛ ولذلك قالوا "أي دين من العبد بغير إخلاص ، فهو دين مهدوم مردود علي مَن أدّاه أو مَن دان به " وهذا يعني أنك لابد أن تبحث عن الإخلاص بكل قطرة من دمك ، من وجدانك ، من فهمك ، من تركيزك ، تبحث بها وفيها عن { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ }.. بعبارة أخرى .. أنت مطالب بأن تُقيم قضية ، هذه القضية تسمى قضية التوحيد ، صلبها .. عمودها .. روحها .. هو الإخلاص .. فإذا ما كنت تسأل ما هو التوحيد ؟ سيأتيك الجواب ، هو أن تُخلِص لله كل ما ينفعل به قلبك ، وينطق به لسانك ، وتؤدّي به جارحتك ، لرب العالمين ... والإخلاص قد يكون من العبد إلى العبد ، والإخلاص قد يكون من الحيوان للآدميّ ، ليس مشروط على الدين ، بل هو معنى أعم ؛ لأن أصل الإخلاص وحقيقته من التخليص ، تقول خلصت السمن أو العسل ، أي جعلته بلا شائبة ؛ ولذلك قالوا " الإخلاص قائم على التنقية ، والتخليص والاختيار " تقول خلّصت اختياري ، أو خلّص فلان اختياره  ، أي لم يجعل معه اختيارًا آخر يُشارك إختياره ، فاستقرّ على اختيار ونقّاه في نفسه .. ويقول القائل أنا خلّصت عملي لك أو خلّصت عملي لله ، أي نقيته من كل ما يشوبه ، أو يشاركه .. ومن أجمل ما وجدت ووقفت عليه فِي معنى الإخلاص الذي يقرّب المعنى ، ما ذكره الغزّالي في الإحياء ، حيث قال " والأصل في الأمور أن بعضها يُشارك بعض ثم يُخلّصها من أراد أن يجعلها خالصة ، فمثلًا يقول الله تعالى { وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَـٰمِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَآئِغًا للشَّـٰرِبِينَ } [النحل :66] .. اللبن قبل أن يكون خالص ، كان مختلط بالفرث ، ومختلط بالدم .. والفرث هو الطعام المهضوم حال امتصاصه قبل إخراجه ، والدم معلوم ، فسمّى الله تعالى ، اللبن  خالص مِن ماذا ؟ مما كان يشوبه ومما كان يُشاركه ، بين اللبن والفرث والدم .. وهكذا الأمر لله .. دائمًا يشوبه ما ترنو إليه النفس ، فإذا خلّصه ، كان الفعل تخليص أو إخلاص .. وكان مَن خلّص مُخَلِّص .. وكان الأمر إخلاصًا ... ما معنى الكلام ؟ النفس بطبيعتها في أمر الدين على الخصوص ، يُمَيِّلُها مشاركة في أمر القصد غير الله .. في أمر الدين ما بين الناس ، يثنون على صاحب الدين ، يمكن أن يعطوا لصاحب الدين من دُنياهم ، يمكن أن يذكروه بخير ، ويثنوا عليه ، يمكن أن يقدّموه في صدر المجالس ، يمكن أن يُزوّجوه من بناتهم ، يمكن أن يقبلوا شفاعته .. فصاحب الدين يمكن أن ينال من العطايا ما تجعل النفس تميل إلى تلك العطايا ، فتشارك ما لا ينبغي أن يُشَارك .. بعبارة أخرى .. الرجل صاحب الدين هو مطالب بأن يكون دينه لمن ؟ لله وحده ؛ ولكن في مسار حياته ، ومسار دينه ، يمكن أن تحدث له أمور تتعلق النفس بها ، كما ذكرت بعض الأمثلة وغيرها كثير وكثير وكثير ، وهذا معناه أنه مُطالب بأن يُزيل كل ما يمكن أن يعرض لنفسه ، كشائبة بينه وبين الله ، فترجو نفسه ذلك ، فطبيعي أن النفس تحب الثناء ، وتحب العطاء وتحب التقديم في الصدر وتحب القبول وتحب رفع الذكر ، وتحب ... وتحب .. وتحب .. هذه الأمور يمكن أن تكون كالفرث والدم الذي يحتاج إلى أن يتخلّص منه اللبن ، فاللبن هو الإخلاص ، لن يكون لبنًا إلا إذا تخلّص من الفرث والدم .. كان قبل أن يتخلّص مخلوطًا بالفرث والدم ، كذلك العابد مطالب أن يكون منتوجه لبنًا ، أي إخلاصًا بلا شريك ، إخلاصًا بلا شائبة ، إخلاصًا بلا تعلّق بغير الله ، وإن قلّ أو دقّ أو عظُم أو كبُر .. فإذا ما كان الإنسان يسير في أمر دينه ، ولكنه استحب أن يحصّل من دينه كثيرا من الأمور التي تشوّش عليه لبنه ، تشوّش عليه إخلاصه ، فإنه قد يفسد لبنه بكثير من الشوائب التي لا ينبغي أن تكون فيه .. بعبارة أخرى يفسد إخلاصه الذي ينبغي أن يتخلّص مما تتعلّق به النفس ؛ ولذلك قالوا " أن الإخلاص هو إفراد الله عز وجل كمعبودٍ ، بالقصد "  .. الله أكبر .. "إفراد الله عز وجل كمعبودٍ ، بالقصد" .. يعني أنت تسمع ثناء الناس ، أنت يعرض لك أنك إن كنت في هذا المقام – أي مقام الدين – فإن الناس ترفعك ، تحبك ، تقدّرك ، تثني عليك ، تقبل منك أي قول و.. و.. إلى آخره ، فتجد أنك مرتاح وتطمع في مزيد من هذا وتتعلّق نفسك بذلك ؛ فيكون هذا معناه أنك لم تُمَحِّض القصد ، أنك لم تُفرِد المعبود بالقصد ، في التعبد ، بل شارك ولو من طرفٍ خفي ، أو من أبواب لم تفتحها بيدك ، بل فُتِحت عليك ؛ فلذلك قالوا " الإخلاص عزيز " ، وقالوا " أعزّ ما يبحث عنه ويجده العابد هو الإخلاص " ... أسأل الله أن يجعلني وإياكم من المخلصين ...

—------------------------------------------------

الحمدُ للهِ وكفى، وسلامٌ على عبادِه الذين اصطفى، وأشهدُ أنْ لا إلـه إلا الله وحدَه لا شريكَ له ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ،ورسولُه ، وصَفِيُّه مِنْ خلقِه وخليلُه ، صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه وعلى من تبع هداه بإحسانٍ إلي يوم الدين ، وأصلِّي وأُسلِّمُ على النبيّ المُختار- صلى الله عليه وسلم - صلاةً نحققُ بها أمرَ ربِّنا، حيثُ أنَّه قالِ: { إِنَّ اللَّهَ وَمَلَـٰٓئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَـٰٓأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً } [الأحزاب:56]...فاللَّهمَّ صلِّ على محمدٍ النبيّ ، وأزواجِه أمهاتِ المؤمنين ، وذريَّته ، وآلِ بيته ، كما صلّيتَ على آلِ إبراهيمَ إنَّكَ حميدٌ مجيدٌ...

واعلم عبد الله أن تمحيض العبادة، في القصد للمعبود هو مراد الله عز وجل من خلقه .. بمعنى أنك ينبغي أن يكون مقصودك الذي لا يشاركه ولا يخالطه شيء إلا الله ، أن يكون مقصودك لا يخالطه أحد سواه .. وهنا مسألة هامة جدًا .. ما هو المقصود ، أو ما هو القصد ؟؟

القصد هو النية والعزم ، والنية والعزم نوعان .. النية والعزم أو القصد ، نوعان:

• النوع الأول : هو ما يتميّز به العمل من عادة أو عبادة ، أو فريضة أو نافلة .. فمثلًا أنت تغتسل وتعمم بدنك بالماء .. ما الذي يجعل هذا التعميم بالماء غُسْل جمعة ، أو غُسْل جنابة ، أو غُسْل تبرّد من الحر ، أو غُسْل تنظّف من الأدران ، وكلها في الشكل سواء ، بغض النظر عن بعض الفروق التي لو لم تؤدّي ، لم تؤثر ؟؟ ما الذي يفرّق بين أن هذا رفع جنابة ، أو أن هذا كذا ، أو أن هذا كذا ؟؟ القصد .. النية .. أنت تدخل المسجد تصلّي ، كونها صلاة دخول مسجد أو نافلة أو فريضة ، لأنها متأخرة عليك وإن كان وقتها لم يخرج .. ما الذي يفرّق في الصلاة بين هذه وتلك ؟؟ القصد .. النية .. ولذلك جاء في الحديث " إِنَّمًا الأَعْمَالُ بالنِّيَّات " ، وهذا الحديث يشمل النوعين .. يشمل النية بمعنى التمييز التي تميّز العمل بعضه عن بعض وتفرّق بين العمل بعضه عن بعض ، وبين العمل العادي وبين العمل التعبّدي .. فقد تكون الأعمال في كثير منها متشابهة ، ولا يفرّق بين هذا وذاك إلّا النية ..

• وأما القسم الثاني من النية ، أو النوع الثاني من النية ، أو النوع الثاني من القصد هو : المراد من العمل .. أنت صلّيت .. أنت أتيت الجمعة .. لماذا أتيت الجمعة ؟ الذي يفرّق بين كونها جمعة ، وكونها صلاة ظهر في يوم آخر .. عرفنا أن النية ، نية التفريق بين الأعمال والتمييز .. لكن لماذا أتيت الجمعة وأنت قد نويت الجمعة ، وميزتها ؟ الجواب أنها عبادة لله ، طاعة لأمره ، خروجًا عن مخالفة أمره .. هذا هو المراد .. يُسمّى المراد بالعمل .. النوع الثاني من القصد الذي هو المراد من العمل ، هو ابتغاء وجه الله .. هو أن يكون المقصود من عملك أو المقصود بعملك ، ابتغاء وجه الله  .. بمعنى .. لا يُراد بالعمل إلّا وجهه فقط ، ولا يشوب ذلك القصد شيئًا مع الله ، حتى وإن عرض العارض .. بمعنى .. ما الفرق بين العمل المُخلَص وبين العمل المراءى  فيه ، العمل ذو الرياء ، أو العمل ذو السمعة ؟؟ .. رجل يصلي رياءً ، ورجل يصلّي إخلاصًا ، والاثنان في صفٍّ واحد خلف إمام واحد .. ما الفارق بينهما ؟ لن يصلي هذا ثلاث ركعات ، وهذا أربع ، بل سيصلي مثله ولن يركع هذا ركوعان ، بل سيركع ركوعًا واحدًا .. ما الفارق ؟؟ الفارق ما حواه القلب من تمحيض القصد ، فالمخلص يمحّض القصد لربه .. أنني أصلّي لربي ؛ حتى أحقق أمره بأن أُقيم الصلاة وأخرج من مخالفة عدم إقامة الصلاة ، لئلّا أكون ممن توعّدهم الله بالويل والثبور { مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43)} [المدثر:42-43] وغير ذلك من الآيات التي فيها الوعيد الشديد لمن أخّر الصلاة أو ضيّعها أو تركها .. عندما يكون المقصود هو ذلك ، فذلك المُخلِص .. وعندما يكون مقصود الآخر بالعمل الذي نواه بأنه الظهر أو العصر ، وفي نفس الصف ومع خلف الإمام .. عندما يكون المقصود هو أن يُعلم مَن حوله أنه يصلّي وأن يُعلِم مَن حوله أنه يأتي المسجد وأنه يأتي الصف الأول ، حتي أنه قد يسقط بذلك لسانه ، فيقول أَمَا رأيتني ، أنا كنت أصلّي معكم ، أما رأيتني أنا كنت في الصف الأول ، أما رأيتني أنا كنت على يمين فلان .. وكأنه يهتف بمراده .. أن المراد هو أن يراه الناس ، أن المراد هو أن يعلم الناس بحاله .. مع أن المراد هو أن يكون الأمر لله وحده ، وأن يكون المبتغي وجه الله عز وجل وحده ، ولا يخالط ذلك المبتغى غيره .. وهذا هو سِرّ القضية .. سِرّ أهمية الإخلاص .. أن العمل يقوم .. فقد يكون هناك من يعمل وهناك من لا يعمل .. الإخلاص متعلق بمن يؤدّون الأعمال .. يؤدّون .. ألّا تضيع منهم المقاصد .. فإذا ضاعت مقاصدهم ؛ بطلت أعمالهم .. ألم يقل النبي – صلى الله عليه وسلم – في الصائم والقائم " رُبَّ صائمٍ ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش " ، وقال في القائم " رُبَّ قائمٍ ليس له من قيامه إلا طول السهر " .. والمقصود أن من الناس ، مَن يكون مُراده غير الله عز وجل ، مقصوده غير الله عز وجل .. قضية الإخلاص تدور في ماذا ؟ تدور فيما يتعلّق بالمقصد ؛ فإن قصدت وجه ربك ، حتى ولو لم يكن هناك عمل بالقدر الذي يكون عند غيرك ، فإن الإخلاص يرفع عملك ويُجَلِّيه ويجعله في درجة من القبول ، لا يبلغها صاحب كثير عملٍ ، قد يكون قد استكثر من عمله حتى ينادي الناس بذلك الاستكثار .. فالمهم هو أن تعلم ما المراد بقضية الإخلاص ؟ - قبل أن نتناول ما يتعلق بالأدلة الكتابية والسُّنِّية في مقالات قادمة إن شاء الله تعالى - لكن لابد أن تستوعب قضية الإخلاص .. ما خطورتها ؟؟ أنها تتعلق بتخليص مقصدك بينك وبين ربك .. أنت مَن ؟ أنت عبد .. وهو مَن ؟ هو ربّ .. ومراد الدين وقضية الدين أن تُقام القضية على وِزَان أن العبد عبد ، والربّ رب .. العبد عبد مفتقِر ، العبد عبد متقرّب لربه ، يرجو ثوابه ، ويخشى عقابه ، يعلم أن الفوز برضاه ، ويعلم أن الهلاك في سخطه ؛ فيبحث عن رضاه بكل ما استطاع ، وأهم ما يُبتغَى به رضاه هو ابتغاء وجهه الكريم في كل ما تؤدّي .. إن نويت نية .. إن قلت قولًا .. إن عملت عملًا مهمًا قلّ ، لابد أن يكون المراد هو وجه الله الكريم .. فإن الإخلاص يرفع أعمالًا قليلة إلى الله عز وجل ، ويضيّع أعمالًا كالجبال لأنها قد عازها سِرّ القبول ، وسِرّ القبول هو الإخلاص .. تنبه لذلك .. سر القبول هو الإخلاص .. هذا الكلام قبل أن أختم ، يُملي علينا مسؤولية كبيرة جدًا .. وهي أن نعلم أن هذا بينك وبين ربك ولا يستطيع أحد أن يتهمك في إخلاصك ؛ لأن الإخلاص لا يطلع عليه إلا الله ، لأنه أمر تحتويه القلوب .. أمر متعلق بنيتك وعزم قلبك ، لا يستطيع أحد أن يخاصمك فيه يقول لك أنت غير مخلص ، أنت مضيّع للإخلاص ، أنت مرآئئٍ مشرك ، لا يستطيع أحد أن يدخل في ذلك .. قد يكون الإنسان يقع في موبقات وخوارم للدين ، وهوادم ونواقض مسموعة أو مرئية ؛ أما ما يتعلق بقصد القلوب ، فالقلوب لا يطلع عليها إلا الله ؛ ولذلك جاء في الحديث " إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أعمالكم ؛ ولكن إلى ما في قلوبكم " .. وما هو الذي في القلوب ؟؟ الإخلاص .. الإخلاص هو الذي يجعل العبد يقول كلمة .. كلمة يُحِقّ بها حق ابتغاء وجه الله ، ويبطل بها باطل ابتغاء وجه الله ، فيأتي يوم القيامة يجد جبالًا من الحسنات ، فيقول يا رب أنا ما عملت ما يبلغ بي ذلك ، يُقال لا ، ولكن كلمة قلتها يوم كذا ساعة كذا من رضا الله بلغت ما بلغت .. يعني كلمة .. كلمة – أعتقد أنه لا يوجد في الأعمال أقل من كلمة – تحق بها حق وتبطل بها باطل ، تجدها يوم القيامة جبالًا من الحسنات .. ما الذي بلغ بها وما الذي عظّمها أو عظّم أجرها ؟؟ الإخلاص ، أنك أديتها لوجه الله ، تحق بها حقًّا ، وتُبطِل بها باطل .. وكلمة يقولها العبد من سخط الله ، يُبطل بها حق ، وينصر بها باطل ؛ فيكون بذلك مبتغيًا وجه صاحب الباطل الذي يريد نصره .. ونحن في وقتٍ وفي حالٍ وفي واقع هذا حاله ، ويهتف بذلك دون أن نبحث عن ذلك من كثرة وضوحه ومن كثرة وقوعه .. يأتي يوم القيامة فيجد جبالًا من السيئات ، وسخط ، فيتعجب ويسأل ؟ يُقال كلمة قلتها يوم كذا ساعة كذا من سخط الله ، بلغت ما تجد أو بلغت بك ما تجد .. وهذا يعني أنك قبل أن تبحث عن العمل .. ابحث عن الإخلاص ، وحاول بقدر الإمكان .. أنت تصلي أنت أتيت الجمعة وتسمع الآن وتصلي بعدها .. إذًا العمل موجود حتى وإن كان قليل ، جوِّده ، ادعمه ، أيده ثبّته وارفعه .. بماذا ؟؟ بالإخلاص .. بأن تجعله لله وحده دون ما سواه ... ثم كيف يحقق العبد الإخلاص ؟؟ هذا ما أبينه في المقال القادم إن شاء الله تعالى ... وأسأل الله العلي الكبير أن يرزقني وإياكم الإخلاص في القول والعمل ، والصدق في السِّرِّ والعلن ، وأن يجعلني وإياكم من المهتدين ... اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا علي القوم الكافرين .. اللهم كُن لنا ولا تكن علينا اعنّا ولا تُعن علينا .. رُدّ بطش الكافرين عنا وقنا برحمتك سيئات مكرهم .. استعملنا في طاعتك .. استعملنا في نصرة دينك .. اللهم ارزقنا الإخلاص في القول والعمل ..ارزقنا الصدق في السِّرِّ والعلن واجعلنا هداة مهتدين .. اللهم حبِّب إلينا الإيمان وزيّنه في قلوبنا وكرّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين.. حبّب إلينا حبك وحب من يحبك وحب كل عمل يقربنا إلى حبك .. اجعلنا من المؤمنين المخلصين واجعلنا من عبادك الصالحين .. فرِّج كرب المكروبين وفُكّ أسر المأسورين ورُدّ الظلم عن المظلومين واشف مرضى المسلمين واقض الدَّين عن المدينين ..وفرّج كرب المكروبين .. اللهم واقض حاجة المحتاجين .. اللهم واجعل حاجتنا إليك ولا تحوجنا لأحدٍ سواك ولا تتركنا لأحدٍ من خلقك .. تولّ أمرنا وأحسن خلاصنا ورُدّ علينا الغائبين يا رحمن يا رحيم .. يا أكرم مَن سُئل وأجود مَن أعطى .. ولك الحمد حتى ترضى .. والحمد لله رب العالمين .. وصلّ اللهم وسلم على محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين .. أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم ... سبحانك اللهم وبحمدك أشهدُ أن لا إلـه إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك ...

وكتبه : أسمـــاء أحمــد.

راجعه وصححه وضبطه:

د / سيد العربي...




واحة العقيدة - موقع فضيلة الدكتور السيد العربي بن كمال
 
الجمعة ... 6 – 12 – 2019... بدء الكلام على شرط الصدق
الجمعة ... 29 – 11 – 2019 ... تحقيق الإخلاص عسير
الجمعة ... 22 – 11 – 2019 ... كيف تحقق الإخلاص؟؟
الجمعة ... 15 – 11 – 2019... بيان شرط الإخلاص
الجمعة ... 8 – 11 – 2019... أزمتنا أزمة قلة يقين
الجمعة ... 1 – 11 – 2019 ... شرط اليقين بـ "لا إله إلا الله"
الجمعة ... 25 – 10 – 2019... الخوارج والمرجئة وأهل السنة
الجمعة ... 18 – 10 – 2019 ... تابع شرط العلم بـ "لاإله إلا الله" – (3)
الجمعة ... 11 – 10 – 2019... تابع شرط العلم بـ "لاإله إلا الله"
الجمعة ... 4 – 10 – 2019 ... شرط العلم بلا إله إلا الله
 
art4islam
جميع الحقوق محفوظة لموقع واحة العقيدة - 1431 هـ

فتاوى فى إنتظار الرد: 14