أعلى
أعلى
جديد الموقع
 
الجمعة ... 6 – 12 – 2019... بدء الكلام على شرط الصدق
الجمعة ... 29 – 11 – 2019 ... تحقيق الإخلاص عسير
الجمعة ... 22 – 11 – 2019 ... كيف تحقق الإخلاص؟؟
الجمعة ... 15 – 11 – 2019... بيان شرط الإخلاص
الجمعة ... 8 – 11 – 2019... أزمتنا أزمة قلة يقين
الجمعة ... 1 – 11 – 2019 ... شرط اليقين بـ "لا إله إلا الله"
الجمعة ... 25 – 10 – 2019... الخوارج والمرجئة وأهل السنة
الجمعة ... 18 – 10 – 2019 ... تابع شرط العلم بـ "لاإله إلا الله" – (3)
الجمعة ... 11 – 10 – 2019... تابع شرط العلم بـ "لاإله إلا الله"
الجمعة ... 4 – 10 – 2019 ... شرط العلم بلا إله إلا الله
 
القناة الرسمية للدكتور سيد العربى..على اليوتيوب
فيديوهات د.السبد العربى
صفحة صوتيات السيد العربى على اسلام واى
ملتقى اهل الحديث
ملتقى اهل السنة
الشيخ ابو اسحاق الحوينى
الحور العين
 
كيف تحقق الإخلاص ؟؟ -
كيف تحقق الإخلاص ؟؟
25 - 11 - 2019

كيف تحقق الإخلاص ؟؟  

الجمعة ... 22 – 11 – 2019  

للدكتور/ سيد العربي ...

إنَّ الحَمْدَ لله ، نَحْمَدُه، ونسْتَعِينه ونَسْتَغْفِره ، ونعوذ بالله تعالى من شُرُورِ أنفُسِنا، ومِن سيِّئات أعمالنا ، مَن يَهْدِهِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ، وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا، وأشْهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ ، وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عبدهُ ورسوله، وصَفِيّه من خَلْقِه، وخليله، صلوات الله وسلامه عليه ، وعلي من تبع هداه بإحسانٍ إلي يوم الدين ..

{ يَـٰٓأيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [ءال عمران: 102].

{ يَـٰٓأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا } [النساء :1]

{ يَـٰٓأيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وُيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70-71]... وبعد؛

فَإِنَّ أَصْدَقَ الحديثِ كِتابُ الله وخيرَ الهَدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمورِ مُحدثاتها وكل محدثةٍ بدعة وكل بدعةٍ ضلالة وكل ضلالةٍ في النارِ ... ثم أما بعد ..

عباد الله لازال الكلام متعلق بقضية الوجود بقضية التوحيد الذي هو حق الله على العبيد ، ولازلنا في استبيان شروط "لا إله إلا الله" ومعناها في ظل هذه القضية العظمى التي هي قضية الوجود والتي ما خلق الله الخلق إلا لها .. وقد بيّنت في المقالات السابقة ما يتعلق بشرط ( العلم ) ، وشرط ( اليقين ) ، ثم شرعت في المقال السابق في غير هذا المحل المبارك في بيان شرط ( الإخلاص ) الذي هو أصل القضية ، والذي هو روح الدين وعموده ، والذي لا يقوم الدين إلا به ، والذي إذا انهدم ، انهدم الدين كله .. فقد يعلم العبد ، وقد يبلغ بعلمه اليقين ، فإن لم يخلص فلا قيمة لذلك ؛ لأن الإخلاص هو الذي يجعل العبد مثبتًا لحقِّ الله تعالى ؛ ولذلك كثر أمر الله تعالى في الكتاب { وَاعْبُدُواْ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا } [النساء:36] ، أو البراءة من الشرك ، أو التحذير من الشرك ، أو بيان مغبة الشرك وخطورته ، أو بيان مدى جرمه ، أو بيان مدى عقوبته ، وغير ذلك .. لماذا ؟؟ .. لأن الشرك هو عدم الإخلاص .. لأن الشرك هو نفي الإخلاص ؛ ولذلك أمر بذلك سبحانه وتعالى حتى لا يظن الناس أو لا يظن عابد أن المراد أن يعبد الله ؛ ولكن المراد أن يعبده ولا يشرك به أحدا .. وفي الحديث من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – عند مسلم ، أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال " يقول الله تعالى : أنا أغنى الشركاء عن الشرك – فالله غني أن يُشرَك معه غيره والله غني أن يُؤدّى له عمل شاركه فيه غيره ، فيقول أنا أغنى الشركاء عن الشرك – من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري ، تركته وشركه " .. وهذا بيان إلى أن الشرك ، ما له ؟؟ هو مُضَيِّع الإخلاص ، وهادم الدين ، وأن كل عمل شابته شائبة شرك ، مردود على صاحبه ؛ فلذلك أمر بعبادته بشرط أن تكون خالصة .. أمر بعبادته .. والعبودية .. ومن أدق التعريفات التي وقفت عليها هي قول من قال من أهل العلم " والعبادة هي الذل والافتقار لمن له الحكم والاختيار" .. فالحكم لله وحده { إٍنِ الْحُكْمُ إِلَّا للَّهِ } [الأنعام : 57] يحكم بما يشاء قدرًا وشرعًا ، ثم إنه سبحانه وتعالى ، لا خِيرَة لأحد فيما قضى ولا فيما شرّع ، هو وحده الذي يختار ، هو وحده الذي يُبقي شرعّا أو ينسخه أو يبدّله ، أو يأتي بغيره ، هو وحده الذي يأتي بالمقادير ، ثم يُغيّرها أو يبدّلها { وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَـٰنَ اللَّهِ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ } [القصص:68] .. فالعبودية الحقَّة هي الذل والافتقار لمن له الحكم والاختيار .. "والعبودية هي كمـال الـذل مع كمـال الحـب" ؛ إذ أن العبد قد يذل لطاغي ، أو يذل لظالم ، أو يذل لطاغوت قد أشرى فيه الظلم ، ويكون كارهًا له ، مبغضًا له ، يتمنى زواله ؛ لكن الذل لله ، معه محبة .. بمعنى أن العبد يحب ربه ويُنزله منزلته ويُعلي ذكره ، ويُسبّحه عن عُلُو ، ومع هذا الحب ، يتذلل له ويتزلّف له سبحانه وتعالى ؛ فلذلك قالوا " هي كمال الذل مع كمال المحبة " .. والحقيقة أن كل هذه المعاني في العبودية ، المراد منها هو انكسار العبد لله رب العالمين ، والذل له والطاعة لأمره ، والإخبات والإقبال على كل ما أمر به جل في علاه .. وعلى هذا فلابد أن تعلم أن الله أمر عباده أن يعبدوه بإخلاص ..

وقضية الإخلاص ، لابد أن نعلم أنها كيف تتحقق قبل أن نبيّن من الأدلة القرآنية والسُّنِّية ما يتعلق بهذه القضية .. حقيقة الإخلاص هي تخليص العبادة لله بالتَّبَرِّي – اسمع ودقق – بالتَّبَرِّي من دون الله أو ممن هو غير الله .. عندما تتبرأ من كل معبود سوى الله .. عندما تتبرِّي من ابتغاء غير الله ، وتجعل ذُلَّك وطاعتك وإقبالك وعبوديتك لله وحده ، يتحقق الإخلاص ، بحيث أنك لا تجعل لغير الله في مُبتغاك نصيب ، لا تجعل لغيرالله في عبوديتك وإقبالك عليه نصيب ، لا تجعل في مرادك وطاعتك وإقبالك لغير الله نصيب مهمًا كان هذا النصيب من قلة أو من كثرة أو دقة أو عظمة ، فإنه ينبغي أن يكون العبد ، ما له ؟ مقبل على ربه يبتغي وجه ربه فقط ، لا يشاركه في الابتغاء ، في المراد ، في المقصود .. ولذلك قالوا " الإخلاص هو قصد الله عز وجل ، أو إفراد الله عز وجل في العبادة بالقصد " .. قصدك .. ما هو قصدك من هذا الذِّكر ؟ ما هو قصدك من صلاتك ؟ ما هو قصدك من تلاوتك ؟ ما هو قصدك من عبادتك ؟ .. ما هو قصدك ؟ .. قصدي ربي ، وثناء الناس .. قصدي ربي ونظر الناس .. قصدي ربي ومكانة عند الناس .. قصدي ربي وبعض المال وبعض المتاع وبعض العرض يعود عليّ من هذا .. كل ذلك شريك ، كل ذلك في القصد ، شريك ؛ وإذا كان هناك شريك فلابد أن تعلم أن العمل يحبط ، إما العمل فقط الذي شاركت فيه ، كالرياء والسمعة ، وإما العمل كله أي الدين كله إن كان متعلق بأن جعل مراده أن أنزل غير الله منزلة لا تنبغي إلا لله .. فمَن دعا غير الله كقبرٍ أو غائبٍ أو شاهدٍ أو جنٍّ أو صالحٍ ، فإن الدعاء لا يكون إلا لله ، فإذا ما دعا غير الله فقد عمل عملًا أشرك فيه مع الله غيره ، حتى وإن كان يدعو الله ، فيكون قد عبد الله وأشرك.. وأنت مأمور { وَاعْبُدُواْ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا }.. مَن أطاع غير الله في حِلٍّ أو حرام ، مَن أطاع غير الله في خبر أو قبول ، مَن أطاع غير الله في أمر أو نهي ، لابد أن يعلم أنه قد جعل هذا الغير شريك .. مَن التمس دفع الضر وجلب النفع كشفاء المريض وردّ الغائب وردّ الفقر ، وما شابه والخروج من كربٍ ، مَن سأل غير الله ، أو طمع في غير الله في مثل ذلك ، فقد عبد الله وأشرك معه غيره .. مثل هذا الشرك لا يُحبط العمل فقط ؛ بل يُحبط الدين كله { وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَـٰهُ هَبَآءً مَّنثُورًا } [الفرقان:23] .. { وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَـٰسِرِينَ } [الزمر:65] .. ( لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ) كله ، (وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَـٰسِرِينَ) .. تنبّه لذلك .. فبالتالي قضية الوجود هي الإخلاص ، قضية الوجود هي  { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } [الإخلاص:1] .. قضية الوجود هي "لا إله إلا الله" ، فمن أعظم شروطها أن تُخلِص لله عز وجل فيما تعزم عليه وتقصد من عمل سواء كان هذا العمل انفعال قلبي أو قول لساني أو عمل جارحي ، يعني بمعنى .. أنت عزمت على أمرٍ ما لابد أن يكون عزمك لله خالص ، أنت نويت على أمرٍ ما ، لابد أن تكون نيتك لله خالصة ، أنت قلت ، لابد أن يكون قولك في دينك لله وحده لا يُرَاعى فيه خلق ولا يُلاحَظ فيه مخلوق ؛ بل يكون لله خالص .. أنت عملت عملًا – أي عمل كان حتى لو كان إطعام طعام – { إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلَا شُكُورًا } [الإنسان:9] ، وإن الجزاء والشكور موجود على كل صنيعة معروف تُقَدَّم للغير؛ ولكن هل أنت تبتغيها ؟؟ .. ليس جرم أن تُطعمني فأقول لك أطعم الله مَن أطعمنا وسقى الله مَن سقانا ، ليس جرم أن تُعطني مالًا فأقول أخلف الله عليك بالخير ووسع الله عليك .. ليس جرم .. لكن الجرم أن تنتظر أنت ذلك .. الجرم هو انتظارك لذلك ، فتعطني وتنتظر رد فعلي وتطعمني وتدفع إليّ مالًا وتقضي لي حاجة وأنت منتظر مردود ذلك ، فإذا انتظرت مردود ؛ فقد لاحظت الخلق فإذا لاحظت الخلق فقد ابتغيتهم وابتغيت ثناءهم ، ابتغيت مردودهم ، فإذا ابتغيت ذلك ؛ كان ذلك قادحًا .. إما منقصًا ، وإما مُضَيِّعًا لمبتغاك الأصلي وهو رب العالمين .. فهذا ينبغي أن نفهمه بأننا مأمورون بأن نعبد الله بإخلاص ، لسنا مأمورون بأن نعبد الله .. إذا قلت ( نحن مأمورون أن نعبد الله ) ؛ الجملة ناقصة نقصانًا هادمًا .. لماذا ؟؟ لأننا مأمورون أن نعبد الله وحـده ، مأمورون أن نعبد الله بإخلاص { مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ } [البينة :5] .. تنبّه لذلك .. والتعبير القرآني في قضية الإخلاص ، والسُّنِّي أيضًا ، جاء بعدّة مناحي .. إما بالنهي عن الشرك ، إذ أن المراد هو الإخلاص ، فجاء التعبير ( لَا تُشْرِكْ ) ، ( لَا تُشْرِكْ ) تساوي ( اخْلِص ) اجعل الأمر خالص لله .. وجاء بالتعبير بالإخلاص ذاته ، كما في آيات سورة الزمر وغيرها كما سأُبيّن ، بأن الأمر بالإخلاص ، هو أمر الله بالإخلاص وإخلاص الدين { قُلْ إِنِّيٓ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ } [ الزمر:11] .. إلى غير ذلك .. وجاء أيضًا بصيغة أو بالتعبير بابتغاء وجه الله ، أي أن العبد يعمل ويبتغي بذلك وجه الله ، فعندما يُقال ( يبتغي وجه الله) ، تساوي ( إخلاص ) .. عدم الشرك يساوي إخلاص .. الإخلاص يساوي إخلاص .. فتعددت صور الأمر أو الإشارة أو التحضيض على المبتغى أو على المراد الذي هو الإخلاص بعدة سياقات ، جاءت في القرءان والسُّنُّة بعدة سياقات ، وأعلاها هو ما كان فيه الأمر بالإخلاص ، وأبينها هو ما كان فيه الأمر بنفي الشريك .. وأنت تعلم أن القرءان قد امتلأ ببيان حقيقة الشرك وخطورته ومغبته والحذر منه والنهي عنه وبيان خطورته وبيان عقوبته وبيان ما يعاقب الله به أهله - أي أهل الشرك – في الدنيا ، وما أعدّه لهم من عذاب أليم في الآخرة .. هذه قضية الوجود .. هذا هو الذي ينبغي أن تهتم به تعلُّمًا وعملًا .. هذا هو الذي ينبغي أن تسأل عنه  وتقرأ فيه .. قد تقرأ في كثير من السيرة أو حتى في الفقه والأحكام – وهذا جميل وعظيم ونافع – لكن ليس هناك أنفع من أن تسأل وتتعلم وتقرأ فيما يتعلق بقضية الوجود .. أنا دائمًا أُذَكِّر نفسي وإياك بأننا من حيث الحكم ، مسلمون .. أنت مسلم وهو مسلم وذاك مسلم ، من حيث الحُكْم .. أما أن يكون لك مقام الفوز عند الله يوم القيامة ؛ هذه هي القضية .. أنت مسلم في الدنيا – بلا جدال – بمجرد أن أتيت بالشهادتين ولم تأت معهما بناقض ولم يُعلم عنك كُفر بَيّن – فأنت مسلم ؛ لكن هل أنت في الجنة ؟ هل أنت من أهل الجنة ؟ هل أنت ممن يُزحزح عن النار يوم القيامة ويدخل الجنة ؟؟ هذه هي القضية .. هذا هو الأمر.. القرءان لم يدُلك على كيف تكون مسلم في الدنيا ، والقرءان لم يهتم بكيف يُحْكَم عليك بالإسلام في الدنيا ؛ وحتى لو كان ، فيكون كلمة من آية .. أما القرءان من أوله لآخره على مدار كل سوره وعلى مدار كل كلماته ، لابد أن تعلم أن القضية الأساسية التي عني بها القرءان ، والتي بسط فيها البيان محمد – صلى الله عليه وسلم – لأصحابه ، هي تلك القضية التي تجعل العبد من الفائزين ، والفوز معلوم { فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَوٰةُ الدُّنْيَآ إِلَّا مَتَـٰعُ الْغُرُورِ } [ءال عمران:185] .. إذًا ، أنت بمجرد أن تصلي ، بمجرد أن تأتي المسجد ، أنت مسلم ، لست نصرانيًّا ولا يهوديًّا ولا غير ذلك ؛ ولكن ليست القضية الحُكم عليك في الدنيا ... وسأظل أكرر ذلك من باب أن أعلّم نفسي وإخواني أن هذه القضية مهجورة وأن هذه القضية متروكة وأنه قلما يعلّمنا المعلمون فيها وقلما يعظوننا فيها وقلما يرشدنا المرشدون فيها ؛ فلذلك يتكرر فيها الكلام ، وقد تكون هذه قضية " خلاص عارفين لا إله إلا الله ، وعارفين الإسلام وعارفين..." – لا – هناك كثير من الأمور قد تخفى عليك ، وبخفائها تقع فيها ؛ إذ أن الإنسان عدو ما يجهل ، وفاقد الشيء لا يعطيه .. طالما أنك لا تعلم فلن تعمل ؛ لأن العمل دائمًا بعد العلم ، ومن لا يعلم لا يعمل ؛ بل قد يُعادي الأمر كما قال القائلون "فاقد الشيء لا يُعطيه ، وجاهل الأمر يُعاديه" .. إذا قلت لأحدٍ ممن يعبد القبور " سيدي فلان ومولانا فلان والإمام فلان وما شابه .. يا أخي إن هذا مهمًا كان من صلاحه ، ومهمًا كان من مقامه ، ومهمًا كانت من كرامته ؛ فإنه لا يسمع ولا يدري بك ولا ينفع ولا يضر ولا يملك موتًا ولا حياة ولا نشورًا .. إن كان ذا كرامة ، فكرامته في صلاحه وكرامته لنفسه ، لا ينفع غيره ؛ لأنه ليس رب .. الوحيد الذي ينفع هو الله ، والوحيد الذي يدفع الضر هو الله ، والوحيد الذي يملك الحياة والموت والنشور هو الله .. فإذا ما أردت سؤالًا .. فالله .. فإذا قلت إن هذا مُكَرَّم وهذا ولي وهذا سيدي فلان له كرامة عند ربه وأنا اتخذه وسيلة وأنا اتخذه واسطة ، قلت لك هذا يعني أنك تقول أن الله بعيد عني وأنني لا أستطيع أن أصل إلى الله إلا بواسطة وإلا بسبيل كما لو كان وزيرًا أو كما لو كان مديرًا ولا أستطيع أن أصل إليه إلا بالسكرتير والمساعد والوسيط وما شابه ؛ فهذا اتهام لله بالبُعد ، وهذا ضلال منك أن ترى أن الله يحتاج إلى وسيط وإلى سكرتير يبلغه ، وهو الذي علّمك وأمرك وبَيّن لك وقال { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ } [البقرة:186] .. { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ} لا أحتاج إلى واسطة ولا أحتاج إلى وسيلة ، إلا ما يكون من دعائي .. أكبر وسيلة بينك وبين ربك ، أكبر واسطة بينك وبين ربك أن تقول ( يا رب ) أكبر واسطة ؛ لأنك إذا قلت ( يا رب ) قال لك ( لبيك عبدي ) .. تقول له " أنا مريض فاشفني .. أنا مكروب فرّج كربي .. ابنتي كبرت تريد الزواج ولا يُزوج البنات إلا أنت .. أنا رزقي ضاق وضاقت أموري ولا يوسع على العباد ولا يقدر الرزق إلا أنت .. أنا جعان اطعمني .. أنا عطشان اسقني .. اعمل كدة .. بلا مبالغة .. أنا موجوع جنبي واجعني اشفني .. " هو قريب أكثر من ذلك { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ } [ق:16] .. فإذا ما اتخذت واسطة ، فقد جعلت الواسطة شريك ، وأفسدت وزوَّدت البُعد وكأنك تقول له "يا رب أمرتني أن أعبدك بلا شريك ، وأنا أعبدك بشريك ؛ ولأني أحتاج إلى شريك ليكون واسطة .. يا رب أنت قلت أنّي قريب وأنا أرى أنك بعيد فأحتاج إلى واسطة ليقربني إليك " .. ولذلك كان الكفار الأوائل الذين دعاهم محمدٌ – صلى الله عليه وسلم – كانوا يقولون مستنكرين على دعوة التوحيد والإخلاص التي دعاهم إليها محمدٌ – صلى الله عليه وسلم – كانوا يقولون { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰٓ } [الزمر:3] .. { مَا نَعْبُدُهُمْ } أي هذه الأشجار والأحجار والأصنام والأوثان { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰٓ }.. هذا إثبات بلسانهم أن الله بعيد وأن الله يحتاج إلى من يتزلّفون ليُقرّبوا عابديهم كانت طامّة ، وكان هو عين الشرك .. فلابد أننا مأمورون أن الله وحده ، مأمورون أن نعبد الله ولا نشرك به شيئًا ( شيئًا ) ولا " إبرة وابور .. ولا نعبد معه إبرة وابور " ( شيئًا ) مهمًا كان ... قليل .. كثير . هناك من يعبد الفئران ، في لندن معابد لعبدة الفئران .. هناك من يعبد البقر .. هناك من يعبد – أعزكم الله  - عضو الرجل ، وفي أمريكا معابد لذلك .. وهناك من يعبد الحشرات ، وفي الهند معابد لذلك .. { وَاعْبُدُواْ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا }.. انظر إلى الآية .. الآية لمّا ذكرت { شَيْئًا } نكرة في سياق العموم .. يعني معني ذلك ممكن يكون هذا الشيء " صرصار .. ممكن يكون فأر .. ممكن يكون حشرة " .. أمرك أن تعبد .. لا نبي مرسل .. لا مُكَرّم في نفسه ولا مكرم عند ربه .. لأن الله عز وجل لا يجعل لأحدٍ شِراكة في حقّه مهمًا كان هذا .. حتى محمد – صلى الله عليه وسلم ؟؟ حتى محمد – صلى الله عليه وسلم .. جاءه قومٌ فقالوا أنت سيدنا وابن سيدنا .. فقال "على رسلكم ، قولوا بقولكم ، إنما أنا عبد الله ورسوله " .. حقيقتي أني عبد ،  لست بالسيد ولا بالأعظم ولا بالمعظم ؛ ولذلك لما وجد بعضهم يهمون بإنزاله منازل لا تكون له ولا تجوز ، قال " لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم " .. النصارى أحبُّوا عيسى وظلّوا يرفعوه ظلّوا يرفعوه حتى قالوا الله ، حتى قالوا ابن الله ، حتى قالوا ثالث ثلاثة .. كل ذلك من باب الإطراء ومن باب الثناء { وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعْبُدُوٓاْ إِلَـٰهًا وَاحِدًا } [التوبة : 31] .. إذًا نحن مأمورون { وَاعْبُدُواْ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا }..هذه هي خصيصة الإخلاص .. تنبّه لذلك .. كيف يتحقق الإخلاص ؟؟ كما قلت ألَّا يُشارك الله أحد .. قال أهل العلم " وحقيقة الإخلاص هي أن تعبد الله وتتبرى من كل ما دونه " .. أبرأ إلى الله من سيدي فلان وسيدي فلان وسيدي فلان كمعبود ، أبرأ إلى الله من محمدٍ – صلى الله عليه وسلم – ( كمعبود ) ؛ ولكن أومن بأنه رسول وأنه خير الرسل وأنه – صلى  الله عليه وسلم  .. لكن أن يكون معبودًا ... أنت إذا سألتك ما قولك أن محمدًا – صلى الله عليه وسلم – يُعبَد ؟؟ هتقول ماذا ؟؟  نعم ارحب بذلك ، أم تقول أبرأ إلى الله من ذلك ؛ لأنه هو من علمني ذلك ، وأمرني بذلك ، وربَّاني على ذلك وأمر بذلك .. تنبّه .. في الحديث من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – عند البخاري ، "  يا رسول الله مَن أَسعَد الناس بشفاعتك يوم القيامة .. قال أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة مَن شهد أن لا إله إلا الله خالصًا من قلبه " – وفي رواية " خالصةً من قلبه " .. خالصًا من قلبه .. خالصةً من قلبه .. وليس كل مَن يقول " لا إله إلا الله " يقولها خالصةً ؛ لأنه فى كثير من الأحيان لا يعلم مقتضيات الإخلاص ، ولا يعلم مقتضيات الإفراد ، ولا يعلم إنزال الله منزلته وإعطاء الله حقه .. الله واحد أحد ، ليس بقولك ؛ بل بحقيقة شأنه .. الله منفرد ربًّا وإلهًا ، ليس بقولك ؛ ولكن بحقيقة شأنه .. فهذا شأنه وهذه حقيقته .. اعترفت ، نجوت .. خلَّطت وجهلت ولبَّست ، ضعت وهلكت .. إذ النجاة في إثبات الحق ، ونحن نعلم كما في الحديث من حديث معاذ – رضي الله عنه – أن النبي – صلى  الله عليه وسلم – قال : يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد ؟ قلت الله ورسوله أعلم . قال حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا " .. " ليس أن يعبدوه !!.. فقط " – لا – أن يعبدوه مخلصين ، فكم من عابدٍ شابت عبادته الشرك ، وكم من عابدٍ شابت عبادته الرياء والسمعة والنظر إلى الناس وملاحظة الآخرين .. المهم هو أن نعلم ذلك ..

أنت مأمورٌ بماذا ؟؟  { وَاعْبُدُواْ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا }.. بمعنى .. أنت مأمورٌ بأن تعبد الله مخلِصًا له الدين ، وهذا أمر بَيّن { إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الْكِتَـٰبَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ } [الزمر:2] .. انظر .. هذا الأمر لِمَنْ ؟؟ لإمام الأمة ، وكل أمر عامٍّ إلى إمام الأمة ، هو أمرٌ إلى كل الأمة ، صغارها وكبارها ، إناثها وذكورها ، بعيدها وقريبها ؛ بل هو للعالمين .. كل أمرٍ عام هو للعالمين .. فلمّا يقول الله تعالى { وَاعْبُدُواْ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا } .. هو أمره لنبيه – صلى الله عليه وسلم – { فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ } .. وهذه الصيغة من صيغ إثبات الإخلاص { إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الْكِتَـٰبَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ }.. وأيضًا يقول الله تعالى في نفس السورة { قُلْ إِنِّيٓ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ (11) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (12) قُلْ إِنِّيٓ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (13) قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي (14)} [الزمر:11-14] .. وفي هذه الآيات على الخصوص ، في سِرّ بليغ وبديع ، هو قال (قُلْ إِنِّيٓ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ ) ثم قال ( قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي ) .. في الأولى (مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ ) ، وفي هذه ( مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي ).. لماذا ؟؟ حتى يُعلَم أن دين الرسول ، هو الدين الحق .. لما قال الله تعالى { قُلْ إِنِّيٓ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ } { الدِّينَ } هذه تُسَمَّى ( ألف ولام ) العهد .. { الدِّينَ } .. ما هو الـدين ؟ .. مخلِصًا له ( دِين ) نَكِرة ، عموم ، أي دين ؟!! – لا – دين مخصوص ، دين معين ، وهو دين الله عز وجل ، وهو الدين الذي ارتضاه الله لعباده ، وهو الدين الذي أكمله الله لخلقه { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَـٰمَ دِينًا} [المائدة:3] .. فإذا ما أمره سبحانه وتعالى وهو يقول { قُلْ إِنِّيٓ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ }.. أي دينًا معهودًا في الخطاب ، أي دينًا معلومًا للسامع والمتكلم ؛ وهو الإسلام .. لمّا قال (أنا استجبت ) قال ( قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ..."الدين") ؟!! .. السياق يقتضي عقلًا أن يُقال (قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ "الدين") ؛ لكن هنا قال { قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي } .. لماذا قال في الأولي { الدِّينَ } ، وهنا { دِينِي } ؟؟  حتى تعلم أن الدين هو ماذا ؟؟ هو دين الرسول – صلى الله عليه وسلم – وفي هذا إثبات أنه لا سبيل لتحقيق الدين ؛ إلا أن يكون دين محمد – صلى الله عليه وسلم – ولذلك قالوا " ما لم يكن في زمن محمد – صلى الله عليه وسلم – دين ، لا يكون اليوم دين " .. وفي هذه الآيات فوائد بديعة وعظيمة .. أُبَيّن بعضها بعد الإستراحة إن شاء الله تعالى .. أسأل الله لي ولكم الهداية والإخلاص ...

—------------------------------------------------

الحمدُ للهِ وكفى، وسلامٌ على عبادِه الذين اصطفى، وأشهدُ أنْ لا إلـه إلا الله وحدَه لا شريكَ له ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه ، وصَفِيُّه مِنْ خلقِه وخليلُه ، صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه وعلى من تبع هداه بإحسانٍ إلي يوم الدين ، وأصلِّي وأُسلِّمُ على رسولِ اللّٰهِ صلاةً نحققُ بها أمرَ ربِّنا، حيثُ أنَّه قالِ: { إِنَّ اللَّهَ وَمَلَـٰٓئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَـٰٓأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً } [الأحزاب:56]...فاللَّهمَّ صلِّ على محمدٍ النبيّ ، وأزواجِه أمهاتِ المؤمنين ، وذريَّته ، وآلِ بيته ، كما صلّيتَ على آلِ إبراهيمَ إنَّكَ حميدٌ مجيدٌ...

واعلم عبد الله أن هذا المقام الذي أقوم فيه ، ومقامك أنت وأنت جالس فيه طوعًا وبِرًّا وإحسانًا منك لوجه الله الكريم ، يُملي على الجالس في هذا المقام ، ويملي على الجالس في مقامك مسئولية عظيمة جدًا ؛ إذ أنك ما جلستَ هنا وصِرتُ أنا أتكلم فيك واتحكم في جلوسك إلّا بسلطان الدين وبأمر رب العالمين وبهَدْي رسوله الأمين – عليه الصلاة والسلام – لا سلطان مني ولا سطوة مني ولا ضعف منك ؛ بل أنت استسلمت لله فجلست مقامك .. وينبغي أن أكون قد استسلمت لله فجلستُ مقامي ، وهذا يُملي ألّا أدُلُك في وقت جلوسك إلا على ما يَجُرُّك إلى الجنة يوم القيامة ويأخذك إلى سبيل مرضات رب العالمين في الدنيا والآخرة ، وأنت تستقبل ذلك باهتمام من باب أني أدلُّك على قضية الوجود وسبيل النجاة ، إذ أنه لا ينبغي أن أعبث في مقامي هذا ، ولا ينبغي أن أتسلَّط عليك بسلطان الدين في مقامي هذا في ما يمكن ألّا يُفيدك ، وألّا يدلُّك على ما ينبغي أن تُدَلَّ عليه .. بمعنى .. أن هذا المقام مسئولية عُظمى ، سيُسْأل المتكلم والمستمع يوم القيامة .. سَيُسْأَل المتكلم عن ما دلّ عليه المستمع .. وسيُسْأل المستمع عن ما اهتم ، إذا كان الكلام يحتاج إلى الاهتمام في دينه ولدينه ؛ حتى لا تكون المسألة أمر دنيوي أو عَرَض ، حتى وإن كان الكلام تستثقله أو تستحسن غيره أو تقول لو كان الكلام في شيء من السيرة أو شيء من الأخلاق والرقاق أو الجنة والنار – وهذا كلام جميل ونافع ومطلوب – لكن لكلٍّ بضاعته ، ولكلٍّ مسئوليته ، ولكلٍّ ما يدل عليه ، فينبغي أن تفهموا هذا من باب الملاحظة والتنبيه ، ومن باب المسئولية المتبادلة بيني وبينك ، حتى لا تنظر إلى هذا الكلام على أنه ثقيل ، على أنه غير معتاد ، على أنه غير مطروقٍ على مسامعنا من قبل ، أو غير ذلك ؛ ولكن لابد أن نفهم ذلك ...

تعال إلى التعبير القرآني وهو يقول سبحانه وتعالى{ إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الْكِتَـٰبَ بِالْحَقِّ } .. هذا القرءان نزل بالحق .. و { بِالْحَقِّ } هنا ترجع إلى معنيين .. إما { بِالْحَقِّ } بمعني أن نزوله إنما نزولًا يخدم الحق ويُؤيّد الحق ويُثبت الحق ، وإما بمعنى إنّا أنزلنا هذا الكتاب بسبب الحق ، يعني لولا أن الله عز وجل حق وهو يأمر بالحق ويحب الحق ، ما أنزل الكتاب .. إنما أنزل الكتاب لأنه حق ؛ لأن الله حق ولأنه يحب الحق ولأنه يأمر بالحق ، فأنت تؤمن بأن الكتاب حق وأن النّبيين حق وأن الله عز وجل قبلهم حق وأن الجنة حق وأن النار حق وأننا سنُساق بعدما ندخل قبورنا ونخرج منها ، إما إلى جنة وإما إلى نار .. أسأل الله أن يجعل مصيري وإياكم إلى الجنة وأن يُحَرّم أجسادنا على النار .. فتنبّه لذلك وتدبّر ..{ إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الْكِتَـٰبَ} .. والكتاب هنا أيضًا ، ( الـ ) العهد .. أي كتاب ؟ القرءان ، ليس كتاب غيره " ليس إنا أنزلنا إليك كتابًا " مع أنها جاءت في موطن آخر بهذا ، لكن لها معنى آخر .. { إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الْكِتَـٰبَ}.. أي القرءان .. { بِالْحَقِّ } والأوجه بسبب الحق وبعلّة الحق وبسلطان الحق .. فهذا يعني أن ما بين يديك من أمرٍ أو من نهيٍ أو من خبرٍ أو من بيانٍ لغيبٍ أو من وعدٍ أو من وعيدٍ .. كله حق .. هذا يُملي عليك أن تعبد الله بفعل ما أمر واجتناب ما نهى وتصديق ما أخبر وقبول وعده والإيمان به وتصديقه والخوف من وعيده ، لابد أن تنفعل بذلك بإخلاص بحيث يكون هذا كله ، أي التعبد بالكتاب وطاعة الأمر لله فيما أمر .. { إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الْكِتَـٰبَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ } ..( الكِتَـٰبَ ) و ( فَاعْبُد ) .. وقلنا أن العبادة هي الذل والافتقار لمن له الحكم والاختيار .. أين الحُكْم ؟؟ في الكتاب .. وأين الاختيار؟؟ في الكتاب .. مَن الذي اختار خمس صلوات في اليوم والليلة ؟ من الذي اختار رمضان ليكون محل صوم الفريضة ؟ من الذي اختار أيام الحج لتكون زمن الحج ؟ ومن الذي اختار أماكن الحج ومناسكها ؟  { وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ } هو الله سبحانه وتعالى .. { إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الْكِتَـٰبَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ }.. هو المعبود .. و ( الله ) اسم جامع لكل الأسماء والصفات ، و (الله) اسم جامع لكل صفات العلو ومقامات الفضل – سبحانه وتعالى – { فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ } انظر هنا التعبير القرآني لقضية الإخلاص ، جاء باللفظ .. أنت مأمور بأن تعبد الله بناء على أن الكتاب نزل بالحق ، ومأمور أن تعبد الله بالحق الذي نزل به الكتاب والذي حواه الكتاب ، بإخلاص .. هذا ما معناه ؟ معناه شرطي قبول العمل .. هذا معناه أن العمل ، أُمِر بكل المعاني وبكل الزوايا وبكل التراجم التي تدل على القضية .. معلومٌ أن العمل الشرعي جمعته آية الكهف ، آخر آية في سورة الكهف { فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَـٰلِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا } [الكهف:110] .. { فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ } الذي يريد أن يكون مقبولًا عند الله عز وجل ويخاف مقامه ويرجو أن يكون أمامه أو بين يديه سليمًا مُعافًا فائزًا ناجيًا { فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَـٰلِحًا } هذا شرط .. { وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا } وهذا شرط .. فصاروا اثنين .. أن تعمل عملًا صالحًا ، أي وِفق الكتاب ، وهذا دلّت عليه آية الزمر أيضًا ، هنا قال { فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَـٰلِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا } تساوي ماذا ؟ الإخلاص .. يعني أن يعمل بالشرع وأن يكون هذا العمل بإخلاص .. هناك قال { إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الْكِتَـٰبَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ } يعني اعمل على وِفق الحق ، يعني أَطِع ، يعني اعمل صالحًا ، وبعدين ..{ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ } أي بإخلاص .. فتجد أن القرءان يأخذك في كل المناحي وفي كل السور وفي كل الدلالات المتعلقة بحق رب العالمين ، أن يدلك على أن يكون سعيك وِفق الشرع وأن يكون بإخلاص ، لا ترجو إلا ثواب الله ، ولا تخشى إلا عقاب الله ؛ فبالتالي تجد نفسك محمول .. أنت إذا قرأت في السيرة عن الصحابة وكيف كان دينهم وعرضت هذا الحال الذي تقرأه على حالنا ، لوجدت أننا على دينٍ آخر ، من كثرة ما اعترانا من البدع والمتغيرات والمفاهيم الخطأ ، حتي وجدنا أن لغة الإلحاد هي لغة العصر " أنا ابني ألحد .. أنا بنتي ألحدت .. أنا مراتي ألحدت .. " - والله .. يُتَّصَل بى ويُقال لي ذلك وأُسأل في ذلك – من الذي يسأل ؟ ليس حشاشًا ، وليس عربيدًا وليس فاجرًا ماجنًا داعرا؛ إنما ملتحٍ أو منتقبة أو رجل صالح أو رجل طيب أمثالكم ؛ فيجد ابنه يتكلم بكلام .. لماذا ؟؟ لأنه دخلت عليه أفكار وأمور مع فراغ عقدي ، وأنت تعلم تمامًا أن القماش البالي خرقه سهل " لما تجيب قماش بالي دايب تضرب فيه صباعك " ماذا يحدث ؟ ينخرق ..لِمَاذا ؟ لأنه بالي ؛ لكن لو كان متينًا سميكًا محكمًا " لو ضربت فيه حتى بآلة " تجد أنه شديد حمول لأنه فتلتة جامدة .. نحن صِرنا كالقماش البالي .. لماذا ؟ لأننا لا نتعلم ديننا ، لا نتفقه ديننا ، لا نتربّى على عقيدتنا .. نحن صرنا ، العقائد ، الكلام فيها تكفير ، والعقائد الكلام فيها يُعتبر نوع من الكلام الشديد والفكر الخاطيء ؛ لكن لابد أن تعلم أننا لن تقوم لنا قائمة إلا إذا صلحت عقائدنا ..{ إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الْكِتَـٰبَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ } .. لماذا ؟؟ انظر التعليل { أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ } [ الزمر:3] .. أنت تُؤمَر بهذا من باب أن أنت فعلك .. ما فكرة الانتخابات في أي مقام في الدنيا ؟ " اثنين ثلاثة بيجتمع الناس على اختيار واحد منهم ، فمن يجيب ناس كتير يتلموا وراءه ، يبقي الفكرة أنه يُختار من غيره " وإذا اُختير يكون هذا الاختيار حقيقته الذاتية أم اختيار الناس له ؟ يكون حقيقته الذاتية – لا – بل اختيار الناس له ، ولو لم يختاره الناس ؛ ليس له حقيقة ذاتية ولن يكون له شأن .. إذا ضربت هذا المثل في حق الله ، وجدت أنه مثلًا باطلًا .. فالله واحدٌ بذاته ، سواء اعترف الناس أو لم يعترفوا .. انظر في الحديث القدسي " يا عبادي لو أن إنسكم وجِنَّكم وأوَّلكم وآخركم كانوا على اتقى قلب رجل منكم – الانتخابات كل الناس صوتت بأن الله كبير ، بأن الله يُعبَد .. كل البشر .. كل الدنيا ..كل الكرة الأرضية – ما زاد ذلك في ملكي شيئًا " إذًا الانتخابات مالهاش دور" ..إذًا اتفاق الناس على أنهم يُوَحِّدوا ربهم وينزلوه منزلته ، مالهوش دور" .. " يا عبادي لو أن إِنسَكم وجِنَّكم وأوَّلكم وآخركم – أو العكس وأوَّلكم وآخركم وإنسكم وجِنَّكم – كانوا على أفجر قلب رجل منكم ( أفجر قلب ، مش واحد ..؛ بل أفجر ) ما نقص ذلك من مُلكي شيئًا " .. بمعنى أن الواحدانية هي حقّه ، وأنها حقيقة ذاتية ، وأن هذا هو الله ، شئنا أم أبينا ، اعترفنا أم لم نعترف ؛ لكن صار ديننا مُهْتَرئ .. والنبي – صلى الله عليه وسلم – يقول " إن الدين ليبلى كما يبلى الثوب " .. إن الدين ليبلى .. كان الصحابة – رضوان الله عليهم – لكل واحدٍ منهم ثلاثة أو أربعة أصحاب .. كل صحابي له ثلاث ، أربع أصحاب ، كان إذا قابلهم يقول لهم اجلسوا بنا نؤمن ساعة .. كان يفعل ذلك ابن مسعود ومنقول عنه ، وكان يفعل ذلك الأسود بن هلال ومنقول عنه ، بأنهم كانوا – سواء من الصحابة أو من التابعين – " أنا وأنت وأنت وأنت صحاب كل ما نتقابل اجلس بنا نؤمن ساعة ، نتذكر .. نجدد إيماننا .. نتعاهد " إنما اليوم .." التعاهد بقي في الفيس و الواتس والتليجرام وغيره .. في ماذا ؟؟ صور متبادلة .. نكت متبادلة .. فضائح متبادلة .. شهوات متبادلة .. كلام في ما لا يسمن ولا يغني من جوع .. المحسنون من المتابعين على مثل هذه المقامات والمواقع يتكلمون عن الخضار ويتكلمون عن الموضات ويتكلمون عن الثياب ويتكلمون عن ما يؤكل وما لا يؤكل .. والواد سخن .. والواد جاله اسهال " دا المحسن !! ..هذا شأن المحسن .. لا دين ولا دنيا .. ولو جاء دين .. " اسمع بقي .. لو جاء دين في الواتس والحاجات دي .. تجد أحاديث موضوعة وحواديت ألف ليلة وليلة " وهذا لا أعرفه بأنني أفعله أو أقرأه ؛ وإنما يُنقل إليّ وأُسأل فيه ، ويُقال يا شيخ الحديث هذاا كده .. تلاقي حدوتة ، لا ينفع تتقال قبل النوم ولا بعد النوم ، وتنسب أنها حديث للنبي – صلى الله عليه وسلم – أو أنها حديث قدسي "..  هذا هو .. فالدين خزعبلات .. والمحسنون يقضون أوقاتهم في خزعبلات وغالب الناس في شهوات ويرسل بعضهم لبعض صورهم وهم عارون الشعر وعارون الملابس والأمر فيه طامات .. نسأل الله أن يستر المسلمين وأن يهديهم إلى ما فيه دينهم وإلى ما فيه صلاحهم ...

اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا علي القوم الكافرين .. اللهم كُن لنا ولا تكن علينا .. اعِنّا ولا تُعن علينا .. رُدّ بطش الكافرين عنا وقنا برحمتك سيئات مكرهم .. اللهم اهدنا فيمن هديت وتولّنا فيمن توليت وقِنا واصرف عنا شرَّ ما قضيت .. اللهم ارزقنا الإخلاص في القول والعمل وارزقنا الصدق في السِّرِّ والعلن واجعلنا هداة مهتدين .. اللهم اجعلنا من دعاة الإخلاص يا رب العالمين واجعلنا من دعاة الحق يا أرحم الراحمين .. فرّج كرب المكروبين وفُكّ أسر المأسورين ورُدّ الظلم عن المظلومين واجعلنا هداة مهتدين .. اشف مرضى المسلمين واقض الدَّين عن المدينين وفرّج كرب المكروبين ورُدّ علينا الغائبين يا رحمن يا رحيم يا ذا الجلال والإكرام ... وصلّ اللهم وسلم على محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين .. أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم ... سبحانك اللهم وبحمدك أشهدُ أن لا إلـه إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك ...

وكتبه : أســماء أحمــد

صححه وراجعه وضبطه:

د / سيد العربي...




واحة العقيدة - موقع فضيلة الدكتور السيد العربي بن كمال
 
الجمعة ... 6 – 12 – 2019... بدء الكلام على شرط الصدق
الجمعة ... 29 – 11 – 2019 ... تحقيق الإخلاص عسير
الجمعة ... 22 – 11 – 2019 ... كيف تحقق الإخلاص؟؟
الجمعة ... 15 – 11 – 2019... بيان شرط الإخلاص
الجمعة ... 8 – 11 – 2019... أزمتنا أزمة قلة يقين
الجمعة ... 1 – 11 – 2019 ... شرط اليقين بـ "لا إله إلا الله"
الجمعة ... 25 – 10 – 2019... الخوارج والمرجئة وأهل السنة
الجمعة ... 18 – 10 – 2019 ... تابع شرط العلم بـ "لاإله إلا الله" – (3)
الجمعة ... 11 – 10 – 2019... تابع شرط العلم بـ "لاإله إلا الله"
الجمعة ... 4 – 10 – 2019 ... شرط العلم بلا إله إلا الله
 
art4islam
جميع الحقوق محفوظة لموقع واحة العقيدة - 1431 هـ

فتاوى فى إنتظار الرد: 14