أعلى
أعلى
جديد الموقع
 
الجمعة ... 18 – 9 – 2020 ... عطايا الدنيا ليست عنوان كرامة عند الله
الجمعة ... 11 – 9 – 2020 ... الكرامة فى الدين والمهانه فى غيره
الجمعة ... 20- 3 – 2020 ... لماذا ولما فيروس كرونا؟؟ا
الجمعة ... 6 – 3 – 2020 ... تمام الكلام على شرط الصدق
الجمعة ... 28 – 2 – 2020 ... خطورة تجديد الخطاب الدينى
الجمعة ... 21 – 2 – 2020 ... الشدائد تزيد المؤمن إيمانا وتثبيتا
الجمعة ... 14 – 2 – 2020 ... إيمان كثير منا كإيمان الاعراب
الجمعة ... 31 – 1 – 2020... معنى مُدخل ومُخرج ولسان وقدم ومقعد الصدق
الجمعة ... 24 – 1 – 2020 ... غياب الشريعة أصل كل فساد
الجمعة ... 17 – 1 – 2020... الصلاة هى مقياس الإيمان والنفاق
 
القناة الرسمية للدكتور سيد العربى..على اليوتيوب
فيديوهات د.السبد العربى
صفحة صوتيات السيد العربى على اسلام واى
ملتقى اهل الحديث
ملتقى اهل السنة
الشيخ ابو اسحاق الحوينى
الحور العين
 
الصلاة هي مقياس الإيمان والنفاق -
الصلاة هي مقياس الإيمان والنفاق
20 - 1 - 2020

الصلاة هي مقياس الإيمان والنفاق  

الجمعة ... 17 – 1 – 2020  

للدكتور/ سيد العربي ...

إنَّ الحَمْدَ لله ، نَحْمَدُه، ونسْتَعِينه ونَسْتَغْفِره ، ونعوذ بالله تعالى من شُرُورِ أنفُسِنا، ومِن سيِّئات أعمالنا ، مَن يَهْدِهِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ، وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا، وأشْهَدُ أن لا إلهَ إلا الله وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ ، وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عبدهُ ورسوله، وصَفِيّه من خَلْقِه، وخليله، صلوات الله وسلامه عليه ، وعلي من تبع هداه بإحسانٍ إلي يوم الدين ..

{ يَـٰٓأيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [ءال عمران: 102].

{ يَـٰٓأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا } [النساء :1]

{ يَـٰٓأيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وُيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70-71]... وبعد؛

فَإِنَّ أَصْدَقَ الحديثِ كِتابُ الله وخيرَ الهَدي هدي محمد صلى

الله عليه وسلم، وشرَّ الأمورِ مُحدثاتها وكل محدثةٍ بدعة وكل بدعةٍ ضلالة وكل ضلالةٍ في النارِ ... ثم أما بعد ..

عباد الله لازال الكلام في بيان قضية الوجود التي هي قضية التوحيد الذي هو حق الله على العبيد ، ولازال الكلام متفرعٌ من هذه القضية في استبيان شروط "لا إله إلا الله" ، ولازال الكلام متعلق بتمام بيان شرط (الصدق) .. وقد نقلت في المرة السابقة درسًا قرآنيًّا فيما يتعلق بحال الكاذبين باعتبار أن الله عز وجل بيّن لنا الصدق أو بيَّن لنا شرط الصدق سواء من الكلام عن الصدق ومآل الصادقين وما أعدَّ الله لهم وأمره بأن نكون مع الصادقين ، أو في المقابل في بيان حال الكاذبين الذين هم المنافقون وكيف حالهم ، وكيف أمورهم ، بحيث يستبين العبدُ مقام الصدق مع الله عز وجل وسيستبين حقيقة الصدق في الإيمان أو الصدق في "لا إله إلا الله" من خلال هذه الأحوال التي تبيّن حال الكاذبين ... واليوم بفضل الله تعالى وبعونه أستمدُّ العون منه سبحانه وتعالى ، أستبين أيضًا مع نفسي وإياكم ، ما يتعلق بدرسٍ آخر من دروس أهل الكذب حتى نعلم أيضًا حال الكاذبين .. والمراد من هذه الدروس العقدية هي أن ننظر في أحوالنا وأن نقيس أنفسنا على ما جاء فيها ، بحيث نستبين أنحن من الصادقين أم من الكاذبين .. إذ أن العبد ينبغي أن يبحث دائمًا عن مدى صدقه مع الله سبحانه وتعالى وعن مدى صدقه في الإيمان وفي "لا إله إلا الله" ؛ لأنه بحسب صدقه ، بحسب فوزه .. يقول الله تعالى في هذا الدرس القرآني ، من آيات سورة النساء { إِنَّ الْمُنَـٰفِقِينَ يُخَـٰدِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَـٰدِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوٓاْ إِلَى الصَّلَوٰةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (142) مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَٰلِكَ لَآ إِلَىٰ هَـٰٓؤُلَآءِ وَلَآ إِلَىٰ هَـٰٓؤُلَآءِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا } [النساء:142-143] .. هذا الدرس فيه بيانٌ لأوصاف المنافقين وأحوالهم وبيان لقبيح صنعهم وكيف هم في كذبهم ، وكيف هم يظنون ، وكيف الله فاعل بهم .. يقول الله تعالى { إِنَّ الْمُنَـٰفِقِين } .. و ( إِنَّ ) توكيدية ، و (المنافقون) سُمُّوا بهذا الاسم من أصل اللغة من (نفقاء اليربوع) . هناك حيوان صغير حقير يُسَمَّى اليربوع ، أكبر من الفأر وأصغر من الأرنب ، هذا اليربوع إذا ما سكن نفقًا أو لا يسكن إلا نفق ، بحيث يكون له فتحة ، فإذا ما تُتُبِّع خرج من الفتحة الأخرى ، فكان هذا أصل تسمية النفاق ؛ لأن المنافق إنما في الحقيقة يظن أن له مخرج ، بحيث أنه يدخل على المؤمنين بمدخل ، فإذا ما دخل على الكافرين خرج من مخرج آخر غير المدخل الذي دخل منه .. هذا أصل التسمية ، وهو اسم نَفَقَاء اليربوع ، أو النفق الذي يسكنه اليربوع .. والنفاق كما عرفنا هو أن يُبطِن العبد خلاف ما يُظهر.. والنفاق فى الدين هو أن يكون العبد ممن يظهر الإيمان ويبطن الكفر { وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَـٰطِينِهِمْ قَالُوٓاْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ } [البقرة:14] فهم مع الكفار بوجهٍ ، ومع المؤمنين بوجهٍ .. يقول الله تعالى مُقرِّرًا في شأنهم حتى نعلم كيف يفعل الله بأمثال هؤلاء { إِنَّ الْمُنَـٰفِقِينَ يُخَـٰدِعُونَ اللَّهَ } .. وقد بيّنتُ في المقال السابق - الذي ينبغي أن تسمعه أو تبحث عن سماعه – هل الله يَخْدَع ؟ من باب أننا عرفنا حقيقة الخداع وهل الخداع  يقع على الله أو أن الله يُخدَع أم لا ؟ وعرفنا أن الله عز وجل لا تخفى عليه خافية ؛ لأن الخداع هو كتمان الشيء وإظهار آخر ، إيهامًا .. أو كتمان الشيء والإيهام بغيره حيث يُظهر غيره .. فكل عبد يكتم أمرًا ويوهم من يراه بأمرٍ آخر ، يُسمَّى خادع أو مُخادع .. فالله يُبَيّن أن المنافقين من حيث ظنهم ومن حيث صنيعهم { إِنَّ الْمُنَـٰفِقِينَ يُخَـٰدِعُونَ اللَّهَ }..هذا ليس تقرير ؛ إنما هذا حكاية .. بمعنى ليس الكلام معناه إن المنافقين ينجحون ويحققون خديعة الله – تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا – ولكن المعنى هو أن المنافقين يتصرّفون تصرّف المُخادع ويظنون أنهم بهذا التصرف قد خدعوا الله ، فيتركهم ربهم على وهمهم ويتركهم ربهم على ظنهم ، ثم هو في الحقيقة الذي يخدعهم .. وعرفنا أيضًا أن ذِكر خِداع الله ليس على سبيل الصفة المتصف بها مطلقًا ؛ إنما هو على سبيل المُشَاكلة في الكلام والمقابلة في الجزاء ، من باب أن الجزاء من جنس العمل ، فلا يُقال "الله مُخادع " ؛ ولكن يقول "الله يخدع الذين يظنون أنهم يخدعوه .. الله يمكر بالذين يمكرون .. سبحانه وتعالى .. الله يبطش بالذين يبطشون" ، لكن لا يُقال الله باطش ، ولا يُقال الله ماكر، ولا يُقال الله مخادع !! إذ أن الله لا يُوصَف ولا يُسمَّى إلا بمعاني الجمال والجلال ، بمعاني الجلال والكمال الذي يليق بشأنه الأعلى سبحانه وتعالى .. { إِنَّ الْمُنَـٰفِقِينَ يُخَـٰدِعُونَ اللَّهَ } حسب ظنهم وحسب فعلهم ، فهم يتصرفون تصرف الذي يظن أنه قد خدع من يتعامل معه .. هم يتعاملون مع الله ومع المؤمنين ، فهم يظنون أنهم عندما يُظهرون مِن أمور الإيمان الشكلية ، أنهم بذلك قد خدعوا الله .. هم يظنون ذلك .. وفي الحقيقة الواقعة أن الله عز وجل أَمَرَ المؤمنين أن يعاملوهم معاملة المسلمين بحيث يظنون أنهم قد نجحوا فيما ظنوا أنهم فاعلوه – وهو خداعهم لربهم وكذلك خداعهم للمؤمنين – فيظنون أنهم قد نحجوا في ذلك .. وفي الحقيقة { إِنَّ الْمُنَـٰفِقِينَ يُخَـٰدِعُونَ اللَّهَ }.."ظنًّا منهم ، وعملًا منهم بناء على هذا الظن" .. طيب ولماذا ؟؟ .. فهو كما بيَّن اللهُ في موطن آخر { فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا } [البقرة:10] أي إن الذي بعث على ذلك هو مرض قلوبهم ، فصار القلب أعمى يرى حقائق لا وجود لها ، ويتوهم أمورًا لا حقيقة لها .. ومن هذه الأمور التي يتوهمها أنه يقدر على أن يخدع الله ، فقرّر الله عز وجل إعلامًا للمؤمنين وإعلامًا لمن يريد أن يهتدي ، قرَّرَ { إِنَّ الْمُنَـٰفِقِينَ يُخَـٰدِعُونَ اللَّهَ } ظنًّا منهم ووهمًا .. ولكن أين الحقيقة ؟؟ الله هو الذي يخدعهم سبحانه وتعالى { إِنَّ الْمُنَـٰفِقِينَ يُخَـٰدِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَـٰدِعُهُمْ } تنبّه ..{ وَهُوَ خَـٰدِعُهُمْ } .. ثم بيّن سبحانه وتعالى مسلكًا من مسالكهم وأمرًا من أمورهم ، لا يعلمه من قلوبهم إلا هو ، فقال { وَإِذَا قَامُوٓاْ إِلَى الصَّلَوٰةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا } يعني هؤلاء الذين ظنوا أنهم يخادعون الله – ظنًّا ومسلكًا منهم بالوهم ، ومسلكًا منهم بمرض القلب – من مسالكهم ، ومن علاماتهم التي ينبغي أن ينظر العبد في نفسه أهو منهم من باب التعلم من ذلك الدرس الذي فيه بيان حال الكاذبين ؛ لأن الله ما علمنا هذه الدروس القرآنية إلا لكي نقيس أنفسنا وننظر أنحن ممن تشابه أحوالنا أحوال الكاذبين ، أم أحوالنا تشابه أحوال الصادقين ؟ لابد من هذه النظرة ، وإلا يصير القرءان مجرد كلام ؛ إنما القرءان منهاج وإنما القرءان {الٓـمٓ (1) ذَٰلِكَ الْكِتَـٰبُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2)} [البقرة:1-2].. فالقرءان هُدًى للمتَّقين .. وأنت أملك في الحياة وقضية وجودك في الحياة ، أن تكون من المتقين ؛ لأنك إن خرجت من الدنيا من المتَّقين ، فُزتَ ورب الكعبة .. وإن خرجت على غير ذلك ، كنتَ من الكاذبين .. والله أعدَّ للكاذبين ، البوار وسوء الحال وقعر جهنم والدرك الأسفل .. أعاذنا الله وإياكم من هذا ... { إِنَّ الْمُنَـٰفِقِينَ يُخَـٰدِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَـٰدِعُهُمْ }.. إذًا الله يخدعهم .. وما خداع الله لهم ؟؟ بيّنتُ ذلك في المقال السابق في غير هذا المقام المبارك ، ولكن من باب الإجمال ، أن الله سبحانه وتعالى تركهم تُجرَى عليهم أحكام الإسلام في الدنيا ثم أعدَّ لهم أشدّ العذاب في الآخرة ، فهم مطمئنون على أنهم قد خدعوا ربهم وأنهم مطمئنون على أنهم قد حققوا المعادلة وأمسكوا بالعصا من النصف فصاروا مع المؤمنين من وجه ، وصاروا مع الكافرين من وجه وبالتالي نالوا أمر الدنيا وأمر الآخرة ..{ وَهُوَ خَـٰدِعُهُمْ } أنه تركهم على وهمهم هذا حتى يُفاجَأوا يوم القيامة بأنهم مألهم .. أين ؟ { إِنَّ الْمُنَـٰفِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا } [النساء:145] .. نسأل الله العافية والسلامة .. فتنبّه لذلك .. هذا هو خداع الله لهم .. والجزاء من جنس العمل ، أنتم ظننتم أنكم خدعتم ربكم وأنكم فُزتم بالوجهين وبالأمرين ولكن أنتم موكوسون مغبونون ينتظركم الدرك الأسفل من النار يوم القيامة .. ثم إن من علاماتهم – يعلمنا ربنا لأنفسنا ولغيرنا – { وَإِذَا قَامُوٓاْ إِلَى الصَّلَوٰةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ } .. لماذا ذِكْر الصلاة ؟ لأن الصلاة هي أعظم ركن إيماني عملي ، ولأن الصلاة لا تسقط أبدًا ، ولأن الصلاة عماد الدين – كما قال أهل العلم – عماد الدين مَنْ أَقَامَهَا أَقَامَ الدين ، ومَنْ هَدَمَهَا هَدَمَ الدين ، ولأن الصلاة هي أكبر باب يُقَرِّب العبد مِن ربِّه ، ولأن الصلاة هي أكبر باب يرتفع به العبد عند ربه ، ولأن الصلاة إذا ضاعت ضاع العبد وتقول له "ضَيَّعَك اللهُ كما ضيَّعتَنِي" ، ولأن الصلاة هي أكبر باب للفوز عند الله يوم القيامة ؛ لأن العبد إذا حُشِر وقد كُتِبَ في المصلّين فإن الله عز وجل قد أعدّ له من النعيم المقيم ، ولأن الصلاة عنوان الدين ، ولأن الصلاة الفارق بين الكافر والمسلم ؛ لأن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال " بَيْنَ الرجل والكُفر تَرْكُ الصلاة ، فَمَنْ تركها فقد كفر" ، ولأن الله قال { مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ(42) قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ } [المدثر:42-43] .. تنبّه .. ولأن الصلاة هي أكبر عمل ينبغي أن يجد من العبد اهتمامًا ويجد من العبد إقبالًا ويجد من العبد إقامة ؛ ولذلك لمّا أثني الله على المصلِّين ، لم يثنِ على المصلِّين ؛ إنما أثنى على مقيمي الصلاة { الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوٰةَ } [المائدة:55] ، [الأنفال:3] ،[النمل:3] ، [لقمان:4] ... أما الْمُصَلِّينَ ، قد ذكر أن منهم  مَن هم ملعونون ، بل منهم – أي من المصلِّين فقط ليس الذين يقيمون ، فالمقيم خارج عن هذا الوعيد ، ولذلك لمّا أمر الله العباد ، أمرهم بأن يقيموا الصلاة ، ولمّا أثنى على العباد المقبولين ، ذكرهم بأنهم يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون – أما الْمُصَلِّينَ فقط بأي شكل كان ، مجرد "أهو بيصلي" الله أعلم بحاله وبصلاته – فقال { فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ } [الماعون:4-5].. المقيم ليس عن صلاته ساهٍ ؛ لأن المقيم يؤدّيها بأركانها على الوجه الذي يرضي الله ، في الوقت الذي يرضي الله .. المقيم هو الذي يقيم الصلاة بأركانها علي الوجه الذي يُرضي الله ، في الوقت الذي يُرضي الله { إِنَّ الصَّلَوٰةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَـٰبًا مَّوْقُوتًا } [النساء:103] .. فهناك المصلّي ، وهناك المقيم للصلاة .. أنت مُطالب أن تكون من المقيمي الصلاة ؛ ولذلك دعوة النبي أو الأنبياء { رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِـيـمَ الصَّلَوٰةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَـآءِ } [إبراهيم:40] .. فتنبّه.. أنت مطالب بأن تقيم الصلاة وليس مطالب أن تكون من المصلِّين { فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ الصَّلَوٰةَ وَاتَّبَعُواْ الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا } [مريم:59] .. سألوا ابن مسعود – رضي الله عنه – ما إضاعتها ؟ قال كانوا يُخرجونها عن أوقاتها ، قالوا ظننا أنهم تركوها – ظنوا معنى أنهم أضاعوا الصلاة ، تركوها – قال لو تركوها لكفروا .. لو تركوها لكفروا .. فلذلك هنا قال { وَإِذَا قَامُوٓاْ إِلَى الصَّلَوٰةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ } ، إذا قاموا إلى هذا العمل الذي هو جوهر الدين ، لأن الدين أمور قلبية وأمور عملية .. الأمور القلبية هي الإيمان .. والأمور العملية ، أعظمها وأعلاها وأكبرها والفاصل بين الكفر والإيمان ، الصلاة .. هؤلاء الكاذبون ، هؤلاء المنافقون الذين يظنون – بظنهم ووهمهم – أنهم لله خادعون ، الله هو الذي يخدعهم مقابلة لظنهم أنهم يخدعوه .. ومن أوصافهم أنهم إذا قاموا إلى الصلاة – التي هي عماد الدين – قاموا كُسالى ... و(الكُسَالَى ) جمع كَسْلَان .. والكَسْلَان هو الذي يُؤدّي ما ينبغي أن يؤدّيه ، غير مكترث به ، إما لعدم قناعته به ، وإما لإحساسه بعدم فائدته ، وإما لاستثقاله ، وإما لشعوره بأنه قد كُتِب عليه وهو لا يريده .. حتى أنت لو أنك أمرت امرأتك أو ولدك أو عاملك أو صاحبك أو مَن لك أمر عليه ، بأمرٍ ، وهو يري أنه لا يلزمه أو أنه لا ثمرة منه ، أوأنه لا قيمة له – الذي أُمِر به – فإنه لن يُؤدّيه ، وإن أدّاه ، أدَّاه كسلان .. فالكسل مظهر نابع من الشعور .. أما إذا كان الأمر بالنسبة له ، يرجوه أو يشتهيه أو يرغبه أو يشعر بقيمته أو يشعر بثمرته ، سارع إليه ؛ ولذلك وصْفُ المؤمنين دائمًا يأتي في كل بِرّ ، في أي بِرّ، وإن أُجْمِلَ في قوله تعالى { إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَـٰرِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُواْ لَنَا خَـٰشِعِينَ } [الأنبياء:90] .. إلّا أنهم ما وُصِفوا في أي بِرّ إلّا أنهم يُسارعون ، يُقبلون ، يُقْدِمون .. لماذا ؟؟ لأنهم يشعرون بثمرته .. لماذا يقوم الرجل في صلاة الفجر وهو مستبشر؟ ولماذا آخر يُقام ولو بضرب الأحذية ، لا يقوم ؟ لأن هذا يعلم أن صلاة الفجر هي الفارق بين النفاق والإيمان ، وهي التي تجعل العبد في ذمة الله ، وهي التي تجعل العبد مَقبولًا عند ربه ، وهي التي تجعل العبد في بركة من عند الله عز وجل طيلة يومه ، ويعلم كذا .. ويعلم كذا عن صلاة الفجر ... فعلمه بذلك ، يرى أن لها ثمرة كبيرة ، وأنها أمرٌ عظيم ، وأن لها فائدة كبيرة إيمانيًّا ، فيُسارع .. بينما الآخر المتكاسل عنها ، لا يستشعر هذا الذي استشعره مَن قام لها .. قِس على هذا في كل أمر.. عندما تسمع ( اللـه أكـبر اللـه أكـبر ) وفي يدك العمل ، وتترك العمل .. كان النبي – صلى الله عليه وسلم – يُجالسُنا – تقول أم سلمة – "يُجَالِسُنا ونُجَالِسه ويُحَادِثُنَا ونُحَادِثُه – حديث عائلة .. حديث أُسَرِي – فإِذَا سَمِعَ النِّداء قام وكأنَّه لا يَعرفُنا " .. تخيل انت بتكلّم مع امرأتك وعيالك وبتكلم "ويا أحمد عملت إيه .. وأم فلان عملتِ إيه .. وكَلت وشربت وجبتولنا وعملتُولنا .. وبعدين سمعت (الله أكبر) روحت قايم كأنك ما تعرفهمش " هذا هو .. هذه هي المسارعة ، أو هذا هو تقدير أمر الصلاة ، أو هذا هو { وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَـٰشِعِينَ } [البقرة:45] .. هذا هو تعظيم شأن الصلاة .. تعظيم قدر الصلاة .. تنبّه.. "قام وكَأَنَّه لَا يَعْرِفُنَا" ...

{ وَإِذَا قَامُوٓاْ إِلَى الصَّلَوٰةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ } .. " مش وفقط قاموا كُسالى جسديًّا" ، طيب وقلبيًّا ؟؟ كسلان أيضًا .. في القلب ، كسلان .. لكن كسل القلب هو الانفعال مع نظرات الناس .. القلب المرائي – افهم هذه – هو قلب لا يكترث بنظر الله ، لا يكترث بما يراه الله منه ؛ ولكن يكترث بما يراه الناس منه .. فقلب المنافق ، عينه على الناس" شايفنِّي .. كدة الناس حاسّة بيا " .. ولذلك قالوا المرائي هو مَن يعمل ليُرضِي الناس ، والمخلِص هو مَن يعمل ليُرضِي الله  .. فالمنافق الكاذب إذا قام للصلاة ، قام كسلان – جسدًا – طيب ولماذا ؟ لأن القلب أصلًا أيضًا كسلان .. بمعنى ..لا يهتم بما يراه الله منه ، ويهتم بما يراه الناس منه .. كالعامل الذي عندك ، إذا كنت على رأسه ، قام بالعمل وجوَّده " شغَّال يا معلم أهوه .." وأمّا إذا غِبت ، فجلس وترك العمل لأنه يعلم أنك غائب .. فهذا يعاملك أنت ، لا يُعامل ما ينبغي عليه ، ولا يُعامل ما هو مسئول عنه .. ولله المثل الأعلى .. العبد المؤمن غير العبد المنافق .. المنافق كاذب  { وَإِذَا قَامُوٓاْ إِلَى الصَّلَوٰةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ النَّاسَ } .. ومعنى (يُرَآءُونَ النَّاسَ) أي أنهم يهتمون بما يراه الناس منهم ، فإذا استشعروا رؤية الناس ، أدُّوا .. وإن لم يستشعروا رؤية الناس ، لم يُؤدُّوا .. { يُرَآءُونَ النَّاسَ } وبَيَّن هذا المعنى ، قوله سبحانه { وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا } .. (وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا) لها معنيان .. معنى أعم ، ومعنى أخصّ .. أما المعنى الأخص ، هم أنهم لا يذكرون الله ، أي لا يصلُّون ، باعتبار أن أعلى الذكر هو الصلاة .. فقال الله تعالى ، هؤلاء الذين يظنون أنهم يخادعون الله ، إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كُسالى لأنهم لا يكترثون بها ولا يرون ثمرتها ، ولا يعرفون قدرها ، ولا يعظّمونها .. فإذا (قاموا).. قاموا كُسالى .. كُسالى بأجسادهم وبقلوبهم ؛ لأن قلوبهم مرائية ، تنظر أم تستشعر – قلوب المنافقين – تستشعر رؤية الناس ، ولا تستشعر أن يراهم الله ، لأن الله يراهم دائمًا أبدًا ، لأن الله يراهم في كل حين ، وفي كل حال وفي كل وقت وزمان ومكان ، فلو كانوا يكترثون ، لقام صلَّى .. أنت تصلّي سواء كنت مأسورًا في زنزانة بمفردك .. تُصلِّي .. لأنك تعلم أن الله يراك .. تعلم يقينًا أن الله يراك ، حتى وإن لم تكن تعلم هذا من باب الإحسان ، تعلم هذا من باب الإيمان .. " فإن لم تكن تراه فإنه يراك " .. تنبّه .. أما المنافقون يصلّي حين يراه الناس ، فإذا لم يراه الناس ، لايهتم ، لا يذكرون الله إلا قليلًا .. يعني لا يؤدّون الصلاة إلا قليلًا .. هذا القليل ما له ؟؟ هذا القليل إنما أدَّوه بحسب رؤية الناس .. والناس لا تراك في كل زمان ومكان .. والناس لا تراك في كل حين ومكان .. الله وحده هو الذي يراك في كل زمان ومكان وفي كل حين ، الله وحده هو الذي يقدر على ذلك .. أما الخلق يرونك ساعة ، ولا يرونك ساعات .. ولذلك أثقل الصلاة على المنافقين ، العشاء والفجر ..لماذا ؟؟ لأن العشاء والفجر وقتهم ظلام " طبعًا لم يكن هناك الإضاءات المنتشرة في كل مكان والإضاءات التي تجعل من الليل نهار ، فيُرى كل واحد ، ذهاب وإياب ؛ لكن كان الناس يُصلّون في الغلس في الفجر، ويصلّون العشاء في الليل ، فلا يري الناس بعضهم بعضا إلا قليلا ، إلا مَن يعرف .. حتى أنهم كانوا ينصرف مَن ينصرف في الغلس لا يُعلَم مَن الذي انصرف .. فلمّا كانت هذه الصلوات مخفيّة أو في ظلمة أو في غَلَس ، فكانوا يتأخّرون عنها ، فكانت ثقيلة عليهم .. ليس ثقلها من باب الفجر والعشاء لبَردٍ أو لصيفٍ .. لا .. إنما لأنها لا يُرَون ، فلما كانوا لا يُرَون  ، فلم يعد عندهم من الباعث على الأداء كصلوات النهار التي يرى فيها بعضهم بعضًا جيدًا ، فيطّلع بعضهم ، فيعلم مَن صلّى ومَن لم يُصلّ ، فتجده حاضر في الظهر ، وحاضر في العصر، أمّا في صلاة الليل أو صلاة الغلس -لأنه لن يُرَى – فليس هناك باعث للصلاة ، فكانت ثقيلة .. مَا الذي أثقلها ؟ ما الذي أثقل صلاة الفجر وصلاة العشاء علي المنافقين ؟؟ "إن ماحدش شايفهم" فلم يكن هناك باعث للأداء .. هذا المعني الخاص من { وَإِذَا قَامُوٓاْ إِلَى الصَّلَوٰةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا} يبقي هذا هو المعنى الخاص لقوله (وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا) ... والمعنى العام والذي عليه جمهور المفسرين ، هو أنهم يؤدّون هذه الصلاة بالكسل ، لعدم اكتراثهم بها وأنهم قلوبهم مرائية يراعون الناس ويتأثرون بنظر الناس ولا يتأثرون بغيره ، لأنهم لا يعملون لله ، ليسوا مخلصين ؛ بل هم من الكاذبين .. ثم إنهم إن قاموا لهذه الصلاة مراعاة للناس ، فليس عندهم من الوازع القلبي والإخلاص القلبي الذي يجعلهم يكثرون من الذكر ؛ بل إنهم يريدون أن يؤدّوها لرؤية الناس ، والناس لا تعدّ عليك ذكرك في صلاتك ، ولكن تَعُدُّ عليك أحضرت الصلاة أم لم تأتِ ، وتعدّ عليك أصليتَ الركعات مع الإمام أم لا ، وإنما كونها أنها تُحصي عليك تَبَتُّلَك واستغفارك وتسبيحك وتحميدك وذكرك لله .. هذا لا يُحصى .. فبالتالي لا يذكرون الله إلا قليلًا ، بناء على أن الباعث القلبي الذي يجعل الإنسان يُكثر من ذكر الله غير موجود .. بمعنى .. أنت عندما تصلّي ، وتكون من أهل الخشوع وتعلم أن الصلاة إنما هي الدعاء ، وأن أعظم ما في الصلاة هو ما يقع فيها من تحميد وتسبيح وتهليل وتكبير ، سواء بذكرٍ أو دعاء أو تشهّد أو الصلاة على النبي – صلى الله عليه وسلم – أو القرءان الذي يكون في قيامك ، أيًّا كان منها ، كلما كان العبد خاشعًا  مُقدّرًا لقدر الصلاة ومُقَدِّرًا لقدر مَن تُؤَدّى إليه الصلاة ويعظّم قدر ربه ويُعظّم قدر الصلاة بناء على تعظيمه لقدر مَنْ أمر بها ، فتجده يملأ كل ثانية من الصلاة ذِكْرًا ، فإن كان يُقاد – أي يُؤَم – فإنه لا يُفَوِّت ثانية ، لحظة ، طرفة عين .. وإن كان لحاله - يعني ليس محكوم بالإمام والتوقيت الذي يجعله الإمام – تجده يطيل ، يطيل بغير قصد ، ويطيل بغير أن يكون هناك من يراه ، ويطيل بغير مراعاة الناس ؛ بل يطيل لوجه الله الكريم ؛ فلذلك المؤمن إذا صلّى ذكر الله كثيرًا ؛لأنه يريد أن يملأ صلاته بذلك الذكرالذي يجوّد صلاته .. أما المنافق لا يقوم إلا كسلان ومُراءٍ من أجل هذا الكسل ، يعني هو حتى وإن كان كسلان فهو يريد أن يقول "أنا أؤدّي .. أنا أؤدِّي .. أنا أؤدّي " ولو بكسل لينظر الناس إليه ، ثم في حشو الصلاة وجوهرها ومضمونها وما تحتويه من ذكر { وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا }.. هذا سمتهم ، وهذا من قبيح صنعهم ، أنهم ما أدّوا ذلك إلا لمُراءة الناس .. إذًا فمعني { وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا } ، إما أنهم لا يُصلّون إلا قليلًا في مجامع الناس ومواطن رؤية الناس وفقط ، وإما أنهم وإن صلّوا الصلوات كلها ليس في مواطن الناس فقط ، فإنما لا يجعلون في صلاتهم ذِكْرًا إلا القليل لأنهم لا يرجون بهذه الصلاة إرضاء الله ولا استجلاب رحمته ولا خشوع له ولا أن يكونوا من المصلِّين الذين يُثني الله عليهم ؛ بل إن مُرادهم { يُرَآءُونَ النَّاسَ } هذا هو مُرادهم .. ثُم بيَّن اللهُ تعالى ، كيف هم متردّدون في الإيمان بين الإيمان والكفر ، ومذبذبين ... وهذا ما أُبيّنه بعد الاستراحة إن شاء الله تعالى

—------------------------------------------------

الحمدُ للهِ وكفى، وسلامٌ على عبادِه الذين اصطفى، وأشهدُ أنْ لا إلـه إلا الله وحدَه لا شريكَ له ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه ، وصَفِيُّه مِنْ خلقِه وخليلُه ، صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه وعلى من تبع هداه بإحسانٍ إلي يوم الدين ، وأصلِّي وأُسلِّمُ على رسولِ الله صلاةً نحققُ بها أمرَ ربِّنا، حيثُ أنَّه قالِ: { إِنَّ اللَّهَ وَمَلَـٰٓئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَـٰٓأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } [الأحزاب:56]...فاللَّهمَّ صلِّ على محمدٍ النبيّ ، وأزواجِه أمهاتِ المؤمنين ، وذريَّته ، وآلِ بيته ، كما صلّيتَ على آلِ إبراهيمَ إنَّكَ حميدٌ مجيدٌ...

فلابد أن تعلم عبد الله أن العبد بما في قلبه ، فإن كان في قلبه صدق فلابد أن ترى منه صلاة تقيّة نقيّة خاشعًا فيها .. وإن كان في قلبه كذب وخلا من الصدق ستجد أنه لا يصلي إلا كسلان ؛ ولذلك ينبغي أن يراجع كل عبد نفسه في هذا المقام .. مَن كان عن الصلوات كسلان ، يعلم أنه إلى النفاق أقرب منه إلى الإيمان ، هذه علامة فاصلة بنص القرءان .. هذه علامة فاصلة .. إذا كنت تقوم إلى الصلاة ، نحن نرى أننا مع أنفسنا ، مع أهلينا ، زوجاتنا ، مع أولادنا ، نتقاتل من أجل الصلاة ، فتجد أنك تلح وتكرر وتُهاتي وتُناهد ويصل الأمر إلى الخناق وإلى الشقاق والضرب وما شابه ، من باب ماذا ؟ الأز والتحريض على الصلاة .. وفي المقابل ، يهرب المأمور منها بكل طرق الهروب من باب أنه يدلل على ما في قلبه ، وهو ألدُّ الخِصام .. لأنه لو كان مُحبًّا لربه مؤمنًا به يُعلِي قدره ، ويعلم أن أعظم ما أمر الله به عملًا ، هو الصلاة .. أعظم ما أمر الله به عملًا ، الصلاة وأن الصلاة عماد الدين ، الذي يؤمن بذلك لا يمكن أبدًا ، لا يمكن ، بل يكون مريضًا ، بل يكون كسيحًا ، بل يكون كذا وكذا ، ولا يُفرِّط أبدًا في الصلاة ، أبدًا .. لكن أنت ترى "صليت يا فلان ؟ والله الشغل والدنيا والنهاردة كنت مشغول جدًا والنهاردة كان عندي وكان عندي - وبيكلم بقي بإيه !! بإنه بيقدم مستندات العذر ، وبيقدم مستندات إسقاط الصلاة – بيكلمك بكل قوة ، يعني رجل كان بريء ، وما يدري المسكين أن كل ما تكَسَّبَه من عملٍ ، أو ما تكسَّبه من مالٍ ؛ إنما هو غير مبارك .. " لا بارك الله في عملٍ يُلهي عن الصلاة " .. فلابد أن تفهم ، هذه مسألة يحكمها أو يقودها ما في قلبك .. إذا كان في قلبك تعظيمٌ لقدر الصلاة تبعًا لتعظيم قدر مَن أمر بها ، فلابد أن تعلم ان ذلك عنوان الإيمان ، وأن الكسل والهروب والتماس الأعذار للنفس في تأخير الصلاة أو إسقاطها ؛ إنما هو عنوان النفاق { وَإِذَا قَامُوٓاْ إِلَى الصَّلَوٰةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا } ..فانتبه لذلك .. لابد أن تراجع نفسك في الصلاة بالذات ؛ لأنها هي العنوان الفارق أو الأمر الفارق بين الإيمان والنفاق ...

ثم يقول الله تعالى واصفًا ما يتعلق بشأن الكاذبين وحالهم ، فيُبيّن أمرهم { مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَٰلِكَ } ..(ذَٰلِكَ) اسم اشارة للقضية التي يتكلم فيها ربنا ، وهي قضية الإيمان والنفاق .. فالدرس متعلق بماذا ؟ بالإيمان والنفاق ، والدرس على الخصوص متعلق بحال الكاذبين ، حال المنافقين ، وأنهم مذبذبين بين ذلك ، أي بين الكفر والإيمان { لَآ إِلَىٰ هَـٰٓؤُلَآءِ وَلَآ إِلَىٰ هَـٰٓؤُلَآءِ } يعني لا هم مؤمنون خُلَّص ولا كفار خُلَّص ؛ بل كفارٌ لهم ظاهر الإيمان ، بل مسلمون لهم باطن الكفر ، فبالتالي لا هم هكذا ، ولا هكذا .. فالكفار الذين سواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ، هؤلاء خُلَّص ، إلى هؤلاء ، أي إلى أهل الشمال .. والمؤمنون الذين هم يؤمنون بالله واليوم الآخر ، هؤلاء إلى هؤلاء ، أي إلى أهل اليمين .. أما هؤلاء الكاذبون ، أما هؤلاء المنافقون ، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء .. مذبذبين .. والتذبذب هو عدم الاستقرار .. والتذبذب هو الاضطراب بين أمرين أو أكثر .. والتذبذب هو عدم الاستقرار على أمرٍ يُمَيّز صاحبه ، فيقول لك فلان مذبذب ، فلان مضطرب ليس له كلمة ، ليس له موقف .. هؤلاء كذلك .. ولذلك في الحديث من حديث ابن عمر – رضي الله عنه – عند مسلم ، أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال " مثل المنافق كالشاة العائرة بين غنمين ، تُؤوي إلى هذه مرة ، وإلى هذه مرة " .. يعني ، الشاة عندما تكون عائرة ، مترددة ، مضطربة ، فيكون هناك فريقان من الغنم ، أو قطيعان من الغنم ، فتؤوي إلى هذه بعضًا ، ثم تُطرَد ، ثم تُؤوي إلى هذه بعضًا فتُطرَد .. إن المنافق كالشاة العائرة بين غنمين ، تؤوي إلى هذه مرة ، وإلى هذه مرة .. فهذا أمر ينبغي أن نفهمه .. وهو أن هؤلاء الذين ظنوا أنهم يخادعون ، وأنهم يقومون إلى الصلاة كُسالى وأنهم لا يفعلونها إلا رياءً وسمعة من باب مراعاة الناس وما ينظرون إليه ، وهذه مسألة عظيمة بيَّنتها في مقالات كثيرة سابقة ومنها مقالات في هذا المقام المبارك فيما يتعلّق بحقيقة الرياء ، وفيما يتعلق بأداء العمل لغير وجه الله الكريم ، أو المخالطة فيه .. وهذا أمر ينبغي أن نحذره ، وكما ذكرت وأُكرر ، على كل عبدٍ منّا مراعاة حاله مع الصلاة .. فالصلاة هي ترمومتر الإيمان والنفاق .. فمن يريد أن يبحث أو أن يقيس أين هو من الإيمان والنفاق ، فهناك ترمومتر مقياس، كما هناك ترمومتر يُقاس به درجة حرارة الجسد أو درجات الحرارة عمومًا في أي مكان ، لابد أن تعلم أن هناك ترمومتر يُقاس به ما يتعلق بدرجة الإيمان والنفاق .. هذا الترمومتر هو الصلاة .. ولابد أن ينظر العبد بذلك ...

{ مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَٰلِكَ لَآ إِلَىٰ هَـٰٓؤُلَآءِ وَلَآ إِلَىٰ هَـٰٓؤُلَآءِ } بمعنى أنهم ما وقعوا في الخديعة ، إنما خدعوا أنفسهم .. وكل عبد يعلم قدر دينه ، ويعلم أنه باب النجاة ، وأن دينه هو لحمه ودمه ، وأن دينه هو رأس ماله ، وحلية رأسه يوم القيامة ، وأن دينه هو باب نجاته ، كل عبد يعلم ذلك ، لا تنغمض له عين حتى يعلم أين هو من النفاق والإيمان .. ألا ترى إلى عمر – رضى الله عنه – كان يلح على حذيفة ، بعدما علم أن حذيفة يعلم أسماء المنافقين ، كان يلح عليه ليعلم أهو منهم أم لا .. وليس هذا من باب العبث من عمر ؛ ولكن هذا من تمام فقهه ؛ لأن النفاق قد يتسرب إلى قلب العبد وهو لا يدري .. لأن القلوب التقيّة ، القلوب النقيّة لها أحوال ولها مسالك ، تتترجم على الجوارح واللسان ، لأن القلب إذا صلح ، صلح الجسد كله ، وهذا كما جاء في الحديث " ألا إن في الجسد مُضغَة ، إذا صلحت ، صلح الجسد كله ، وإذا فسدت ، فسد الجسد كله ، ألا وهي القلب " ولذلك قال أهل العلم ، وهذا دليل على أن صلاح الجسد بصلاح القلب ، وأن ما في القلب من صلاح إنما ينضح على اللسان والجارحة ، ضرورة .. وأن ما في القلب من فساد ، ينضح على اللسان والجارحة ، ضرورة .. تنبّه ..{ مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَٰلِكَ لَآ إِلَىٰ هَـٰٓؤُلَآءِ وَلَآ إِلَىٰ هَـٰٓؤُلَآءِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا } .. الهدى ، هدى الله .. { مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيَّا مُّرْشِدًا } [الكهف:17] ، وهنا يقول { وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا } .. وما يضل اللهُ أحد عن سبيل الحق ، ويصير في سبيل الغي والنفاق والكذب والخداع ، فلابد أن تعلم أن هذا لا مردَّ له بأن يهديه أحد ؛ لأن الهدى لا يملكه إلا الله ، لأن الهدى لا يملكه أحد سواه .. أمر هداية القلوب وأمر كذب القلوب ، بيد الله وحده .. نسأل الله أن يهدي قلوبنا .. تنبّه لذلك وتدبّر حتى تعلم ذلك .. هذا الدرس القرآني ، لابد للعبد أن ينظر في نفسه ءأنا كاذب ، أم صادق ؟ هذا الدرس هل لي نصيب منه ؟ هل هذه الأوصاف التي ذُكرت يقع شيء منها فيّ ؟ أم أنني بريء منها قد برأني الله ؟ وهذا لا يكون بحكمك أنت ؛ بل يكون بحكم موقفك مما بيّنه الله تعالى .. وهنا الموقف ماذا ؟؟ الصـلاة ... الصلاة .. الصلاة .. نحن من أكثر الناس أو من أكثر الأجيال المنتسبة للإسلام ، تضييعًا للصلاة .. المساجد – حتى في الجُمُعات – تجد الجُمعة ، صارت هناك بدعة منتشرة بين الناس ، وهي بدعة التأخر عن الجُمُعة .. الجُمُعة ينبغي أن يستعدّ لها المسلم من صبيحة يوم الجُمُعة من بعد الفجر، يغتسل ويتهيّأ ويقيم سُنَن الفطرة من نتف الإبط وحلق العانة وما شابه .. كان النبي – صلى الله عليه وسلم – يفعل ذلك ليلة الجمعة ، وصبيحة الجمعة ، ثم يغتسل ويتطيّب ويلبس أحسن الثياب ، ثم يُسارع إلى الجمعة ..وكلما كانت ساعته أبكر إلى المسجد ، أبكر يعني من بعد الفجر ، هذا كان حال الأوّلين .. أما أنت تأتي قبل أن يُقال (حي على الصلاة .. حي على الفلاح .. قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة ) .. يظل المسجد فيه صف ، ثم قبل نهاية الكلام ، قبل إقامة الصلاة ، يمتلئ المسجد بالعدد المعتاد .. ولا يصح أبدًا مسجد يُقام فيه الجمعة في وسط مُجمّع يسكن فيه المسلمون ، ثم لا يحضر الجمعة إلا عُشر المسلمين أو أقل .. هذه سُبَّة في جبين المسلمين .. هذا عار .. لأن ترك ثلاث جُمع متتابعات يُكتب العبد في المنافقين بذلك كما فى الحديث " مَن ترك ثلاث جمع متتابعات ، كُتِب في المنافقين " .. هذه بدعة خطيرة ، بدعة التأخر عن الجمعة واعتياد التأخر .. هذا مثال .. أنا أريد أن تفهم شيء ، هو أن الصلاة هي أكبر ما يُقاس به مقياس الإيمان والنفاق .. كيف حالك مع الصلاة ؟ .. ولن تجد في القرءان والسُّنُّة عبادة وقع الاهتمام بها والتنبيه عليها والتحذير من التقليل فيها والتحذير من تركها أو تأخيرها أو السهو عنها أو .. أو ..أو .. لن تجد عملًا في الدين كله ، كما هو الحال مع الصلاة ..لماذا ؟ لأن العبد إذا مات علي الصلاة ، كان هناك أمل كبير في نجاته .. وإذا مات على غير الصلاة ، كان لا أمل أبدًا أبدًا أبدًا في نجاته .. لماذا ؟ لأن مَن مات على الصلاة ، كان هناك صلة بينه وبين ربه .. ومَن مات على ترك الصلاة فهو مع الكافرين ، لا يمكن أن يكون مع المسلمين ... أسأل الله عز وجل أن يجعلني وإياكم من المؤمنين ...

اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا علي القوم الكافرين .. اللهم كُن لنا ولا تكن علينا اعنّا ولا تُعن علينا ردّ بطش الكافرين عنا وقنا برحمتك سيئات مكرهم .. اللهم فرِّج كرب المكروبين وفُكّ أسر المأسورين ورُدّ الظلم عن المظلومين يا رحمن يا رحيم .. اشف مرضى المسلمين .. اللهم اشف مرضى المسلمين واقض الدَّين عن المدينين .. اللهم هوِّن الرقدة على الراقدين .. اللهم يا رب وسِّع أرزاق المسلمين .. اللهم وسِّع أرزاق المسلمين واشف مرضي المسلمين .. اللهم اهدنا فيمن هديت وتولّنا فيمن توليت وقِنا واصرف عنا شرّ ما قضيت .. اللهم رُدّ علينا الغائبين يا رحمن يا رحيم يا أرحم الراحمين يا من بيده الخير وهو على كل شيء قدير .. ارزقنا قبل الموت توبة وعند الموت شهادة وبعد الموت جنَّة ونعيمًا ..اجعل خير أيامنا يوم لقائك واجعل خير أعمالنا خواتيمها ولا تمتنا إلا وأنت راضٍ عنّا .. اللهم لك الحمد حتى ترضى ولك الحمد إذا رضيت ولك الحمد بعد الرضى ... وصلّ اللهم وسلم على محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين .. أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم ... سبحانك اللهم وبحمدك أشهدُ أن لا إلـه إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك...

وكتبه : أسمـــاء أحمــد..

راجعه وصححه وضبطه:

د / سيد العربى...




واحة العقيدة - موقع فضيلة الدكتور السيد العربي بن كمال
 
الجمعة ... 20- 3 – 2020 ... لماذا ولما فيروس كرونا؟؟
الجمعة ... 6 – 3 – 2020 ... تمام الكلام على شرط الصدق
الجمعة ... 28 – 2 – 2020 ... خطورة تجديد الخطاب الدينى
الجمعة ... 21 – 2 – 2020 ... الشدائد تزيد المؤمن إيمانا وتثبيتا
الجمعة ... 14 – 2 – 2020 ... إيمان كثير منا كإيمان الاعراب
الجمعة ... 31 – 1 – 2020... معنى مُدخل ومُخرج ولسان وقدم ومقعد الصدق
الجمعة ... 24 – 1 – 2020 ... غياب الشريعة أصل كل فساد
الجمعة ... 17 – 1 – 2020... الصلاة هى مقياس الإيمان والنفاق
الجمعة ... 10 – 1 – 2020... هل الله تعالى يخدع
الجمعة ... 3 – 1 – 2020... لابد من إبتلاء كل مؤمن ليُعلم صدقة
 
art4islam
جميع الحقوق محفوظة لموقع واحة العقيدة - 1431 هـ

فتاوى فى إنتظار الرد: 15