أعلى
أعلى
جديد الموقع
 
الجمعة ... 20- 3 – 2020 ... لماذا ولما فيروس كرونا؟؟ا
الجمعة ... 6 – 3 – 2020 ... تمام الكلام على شرط الصدق
الجمعة ... 28 – 2 – 2020 ... خطورة تجديد الخطاب الدينى
الجمعة ... 21 – 2 – 2020 ... الشدائد تزيد المؤمن إيمانا وتثبيتا
الجمعة ... 14 – 2 – 2020 ... إيمان كثير منا كإيمان الاعراب
الجمعة ... 31 – 1 – 2020... معنى مُدخل ومُخرج ولسان وقدم ومقعد الصدق
الجمعة ... 24 – 1 – 2020 ... غياب الشريعة أصل كل فساد
الجمعة ... 17 – 1 – 2020... الصلاة هى مقياس الإيمان والنفاق
الجمعة ... 10 – 1 – 2020... هل الله تعالى يخدع
الجمعة ... 3 – 1 – 2020... لابد من إبتلاء كل مؤمن ليُعلم صدقة
 
القناة الرسمية للدكتور سيد العربى..على اليوتيوب
فيديوهات د.السبد العربى
صفحة صوتيات السيد العربى على اسلام واى
ملتقى اهل الحديث
ملتقى اهل السنة
الشيخ ابو اسحاق الحوينى
الحور العين
 
معنى مُدخل ومُخرج ولسان وقدم ومقعد الصدق -
معنى مُدخل ومُخرج ولسان وقدم ومقعد الصدق
14 - 2 - 2020

معنى مُدخل ومُخرج ولسان وقدم ومقعد الصدق  

الجمعة ... 31 – 1 – 2020

للدكتور/ سيد العربي..  

إنَّ الحَمْدَ لله ، نَحْمَدُه، ونسْتَعِينه ونَسْتَغْفِره ، ونعوذ بالله تعالى من شُرُورِ أنفُسِنا، ومِن سيِّئات أعمالنا ، مَن يَهْدِهِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ، وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا، وأشْهَدُ أن لا إلهَ إلا الله وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ ، وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عبدهُ ورسوله، وصَفِيّه من خَلْقِه، وخليله، صلوات الله وسلامه عليه ، وعلي من تبع هداه بإحسانٍ إلي يوم الدين ..

{ يَـٰٓأيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [ءال عمران: 102].

{ يَـٰٓأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا } [النساء :1]

{ يَـٰٓأيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وُيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70-71]... وبعد؛

فَإِنَّ أَصْدَقَ الحديثِ كِتابُ الله وخيرَ الهَدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمورِ مُحدثاتها وكل محدثةٍ بدعة وكل بدعةٍ ضلالة وكل ضلالةٍ في النارِ ... ثم أما بعد ..

عباد الله لازال الكلام متعلق بعرفة حق الله على العبيد الذي هو التوحيد .. ولازال الكلام مستمرٌ في بيان شروط "لا إله إلا الله" .. وهو مستمرٌ أيضًا في شرط ( الصدق ) .. شرط الصدق الذي هو عنوان النقاء وباب العُلُو عند الله سبحانه وتعالى .. الصدق الذي يُميِّز بين الإيمان والنفاق .. فالمؤمنون هم الصادقون ، وضدهم الكاذبون وهم المنافقون .. وكل عبد ينبغي أن يعلم أنه مأمورٌ من ربه { يَـٰٓأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّـٰدِقِينَ } [التوبة:119] .. فأنت مأمورٌ من ربك أن تكون من الصادقين .. وقد تعلَّمنا في المقالات السابقة في غير هذا المقام المبارك ما يتعلق بمواقف ، بيَّنها الله لنا ، تبيّن وتُعَرِّف بحال الكاذبين ؛ حتى ينظر كل عبدٍ في نفسه أهو فيه من هذه الأحوال شيئا .. وقد تناولت درسًا واثنين وثلاثة مما جاء في الكتاب فيما يتعلق ببيان حال الكاذبين .. ثم لابد أن نعلم أن الصدق هو الشيء الذي إذا أُضيف إلى أي شيءٍ كان معناه ، أخلصه وأقومه وأطيبه وحقيقته .. فنحن عندنا في القرءان ، أُضيفَ الصدق إلى مقاماتٍ عدة .. نودّ أن نتعرّف على هذه المقامات التي جاءت في آيات متعددة من كتاب رب العالمين ..

أوّل هذه المقامات هو مُدْخَلَ الصدق ومُخْرَجَ الصدق .. وهذا جاء في مثل قول الله تعالى { وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَـٰنًا نَّصِيرًا } [الإسراء:80] .. فذكر الله سبحانه وتعالى في هذه الآية ( مُدْخَلَ الصدق ومُخْرَجَ الصدق ) .. وكذلك جاء مضافًا إلى القدم .. كما في قوله تعالى { وَبَشِّرِ الَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ } [يونس:2] .. وجاء مضَافًا إلى اللسان ، كما في قوله تعالى { وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا } [مريم:50] .. وكذلك في المقعد .. أُضِيفَ الصدقُ إلى المَقعَد { إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّـٰتٍ وَنَهَرٍ(54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ(55)} [القمر:54-55] .. فاجتمع عندنا مُدْخَلَ الصدق ومُخْرَجَ الصدق وقَدَمَ الصدق ولسان الصدق ومَقعد الصدق .. لابد أن تتعرَّف على هذه حتى تعلم أن الصدق عندما يُضاف إلى شيء فإنما يجعله على خير ما يكون وعلى أتمّه وعلى أنقاه وأجوده ..

أما ما يتعلق بقوله تعالى{ وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ } .. لابد أن تعلم أن هذه الآية جمعت ذِكر المُدخَل والمُخرَج ، والحقيقة أنها تعني كل ما يقع من الإنسان وكل ما يتحرك به الإنسان .. بمعنى أنها تشمل كل ما يكون فيه من حال كل عبد ، سواء أكان هذا الحال ، حال مَرضِيّ أو غير مَرْضيّ .. ولكن عندما يُضاف إلى الصدق ، لا يكون إلا المَرْضِيّ .. بمعنى .. أنت أتيت إلى المسجد وستذهب إلى بيتك ثم تخرج من بيتك وتذهب إلى عملك وتذهب إلى ضيفك وتذهب إلى أرحامك وتذهب إلى أصحابك وتذهب إلى أصدقائك و.. وهكذا ، أنت بين مُدْخَل ومُخْرَج .. كل ما تقوم به ، إما أن تدخل وإما أن تخرج ... الآية لها معنى خاص .. المعنى الخاص هو مُدْخَلَ الصدق الذي دخله النبي – صلى الله عليه وسلم – حينما دخل المدينة ، ومُخْرَجَ الصدق هو المُخرَج الذي خرج به من مكة ... وما معنى مُدْخَلَ الصدق ومُخْرَجَ الصدق ؟؟

أولًا لابد أن تعلم أنه إذا أُضيفَ الصدق إلى أيٍّ من المقامات المذكورة أو غيرها ، فهذا يعني أنه الأمر الثابت الذي هو لله وبالله وإلى الله .. الأمر الثابت الموثوق الذي لا يتبدل ولا يتغير والذي لا يتزعزع ، والذي يكون بالله ومن الله وإلى الله .. فالنبي – صلى الله عليه وسلم – لمّا خرج من مكة ، كان ذلك مُخرَج صدق .. لماذا ؟؟ لأنه كان لله سبحانه وتعالى حيث أمره الله بذلك .. وكان خروجًا ، ليس من باب الفرار أو التولي ولكن من باب الاستعداد لقيام دولة المسلمين التي انطلق منها النبي – صلى  الله عليه وسلم – إلى أنحاء العالمين .. وبالتالي فمخرجه من مكة ، كان مُخرَج لله وكان مُخرَج ثابت  صادق لا يتبدل ولا يتزعزع وكان في الله وبالله .. بمعنى أنه المرجو منه هو إرضاء الله .. هذا هو المعنى الخاص .. وأيضًا من المعاني التى حُملت عليها الآية ، عمومًا وليس خاصًّا بالنبي – صلى الله عليه وسلم – هو مُدخَل الإنسان إلى الدنيا ومُخرَجه منها بالموت .. وهذا يعني كل ما يتحرك به الإنسان ويأتيه .. فكما قلت لك ، أنت الآن أتيت المسجد ، ليس لمجرد أنك أتيت المسجد صار هذا المدخل مُدخَل صدق ، فقد يكون إتيان المسجد رياءً أو سُمعة أو تقليدًا أو اتباعًا للعوائد أو من العادة أن يكون الناس في الجمعة في المسجد ، ويمكن أن يكون صدقًا وإنابة وعبوديةً وتذللًا وتزلُّفًا وحُبًّا لله سبحانه وتعالى واتباعًا لنبيه – صلى الله عليه وسلم – واستجابةً لما أمر الله به { يَـٰٓأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُواْ الْبَيْعَ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّکُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } [الجمعة:9] فالله سبحانه وتعالى أمر بذلك ، فالعبد عندما يأتي الجمعة بهذا المحمل فإنه يكون قد أتى الجمعة ، أي أنه قد كان له في دخول المسجد مُدْخَلَ صدق ، ويكون خروجه من المسجد إلى قومه مُخْرَج صدق ؛ لأنه سيخرج بعدما أدَّى العبادة استجابة لأمر الله بأنه ينتشر في الأرض ويسعى ويبتغي من فضل الله ورزق الله .. كذلك في كل حركة وسكنة ، عندما تذهب لعملك لتتكسَّب قوت يومك وتسعى على رزق أولادك فإنك بذلك تكون قد دخلت مُدْخَلَ صدق إذا كنت ستتَّقي الله في عملك وإذا كنت ستكون صاحب نية فيما تبذله وتؤدِّيه ، فلا يكون منك غش ولا يكون منك تدليس ولا يكون منك خبث ولا يكون منك تعاون على إثم ولا عدوان أو غير ذلك .. وبالتالي لابد أن يعلم الإنسان أنه عندما يدخل إلى الدنيا ويكون دخوله في الدنيا هو دخولٌ على ما يرضي الله – الدنيا ككل في كل أحواله – فبذلك يكون مُدْخَلَه مُدْخَلَ صدق .. وعندما يدخل قبره على حُسن خاتمة وعلى الإيمان وعلى ما أمره الله به فمات وهو يُطيع ربه وهو يستجيب لربه وهو يتّبع نبيّه – صلى الله عليه وسلم – عندئذٍ يكون دخوله القبر مُدْخَلَ صدق .. فيكون خروجه مُخْرَج صدق أي مُخْرَجٌ من الدنيا .. ويكون دخوله الدنيا على الطاعة والإيمان .. فكل عبدٍ إما أن يكون مُدْخَلَه مُدْخَلَ صدق ، وإما أن يكون مُدْخَلَه مُدْخَلَ كذب .. فالمنافقون مُدْخَلَهم في دين الله مُدْخَلَ كذب ، ومُخْرَجَهُم من كل أمر دخلوا فيه مُخْرَج كذب .. لكن المؤمن مُدْخَلَه مُدخَل صدق ومُخرجه مُخرَج صدق .. ولذلك كان بعض السلف إذا خرج من بيته رفع رأسه إلى السماء يسأل الله تبارك وتعالى أن يجعل مُخرجَه من بيته مُخرَج صدق ، لأنك يمكن أن يكون مُخرَجك في لحظة صدق وفي لحظة كذب .. إذا كان مُخْرَجُك تعاونًا على الإثم والعدوان ، إذا مُخرَجُك كان من أجل معصية ، إذا مُخرَجك كان من أجل فجورٍ أو زِنًا أو ظلم أو تعدٍّ أو أكل مال بالباطل أو أيٍّ مما هو واقع في سعي الناس ، فذلك مُدْخَلَ كذب .. أما إذا كان مُدْخَلٌ من أجل فعل الطاعة وترك المعصية وفعل المعروف وترك المنكر فإن ذلك يكون مُدخَل صدق .. فمدخَل الصدق هو كل مُدْخَلَ كان لله وبالله وإلى الله ، وهذا معناه { قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَـٰلَمِينَ} [الأنعام:162] .. وهذا معناه أن العبد يسأل ربه دائمًا ، إذا استوعبت معنى الآية ، فيكون الأمر بالنسبة لك أنك تسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل كل مُخْرَج لك مُخرَج صدق ، وأن يجعل كل مُدْخَلَ لك مُدْخَلَ صدق ، سواء كان هذا المُخرَج هو من دارك هو من عملك هو من بلدك هو من أرضك هو من مكانك هو من محلك ، وسواء كان هذا المُدخَل إلى دارك إلى بيتك إلى أهلك إلى ولدك إلى أبيك إلى أُمّك إلى جيرانك إلى أصحابك .. المهم هو أن كلٌّ منّا سعيه في طيلة يومه إما مُدْخَل وإما مُخْرَج .. { وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ } .. تنبّه .. هذا أمر ينبغي أن تتدبّره وتفهمه .. فالله عز وجل أمر نبيَّه ومن ورائه كل من اتّبع نبيّه وآمن به أن يسأل الله تبارك وتعالى أن يجعل مُخرَجه صدقًا وأن يجعل مُدخَلَه صدقًا .. هذا فيما يتعلّق بمُدْخَل الصدق ومُخْرَج الصدق .. وهو كل ما يتعلق بحركة الإنسان وكل ما يتعلق بذهاب الإنسان أو إيابه .. وهذا يعني أنك ينبغي أن يكون لك في كل حركة وسكنة ( نِـيَّـة ) ، فإذا كانت هذه النية توافق أمر الله ، أي هي لله وبالله وإلى الله فإنك بذلك تكون قد جعلت من كل حركة وسَكَنة مُدْخَلَ صدق ومُخْرَج صدق .. وإذا ما تفهّمت وتدبّرت وتفقّهت معنى المُدخَل والمُخْرَج ، كان ذلك مما تأمل فيه أن يُخرجك الله من دُنياك ويُدخلك قبرك ويكون خروجك من هذه الدنيا مُخرَج صدق .. لأن العبد إذا أحسن الله خاتمته ، لأن العبد إذا تفضّل الله عليه وأماته على شيء حسن ، وقبضه على طاعة فإن هذا العبد يكون قد خرج من دُنياه مُخرَج صدق .. هذا فيما يتعلق بمُخْرَجَ الصدق ومُدخَلَ الصدق ...

ثم قال الله تبارك وتعالى { وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا } [مريم:50].. كما عرفت ، الصدق إذا أُضيفَ إلى أي شيء كان ذلك معناه أنه الشيء الثابت ويكون أجود ما يكون مما وُصف أو مما أُضيفَ إليه الصدق .. فالمُخرَج إذا أُضيفَ إليه الصدق كان أجود المُخرج وأنفعه للعبد وأرضاه للرب .. والمُدْخَل إذا أُضيف للصدق فيكون مُدْخَلَ صدق فهو كذلك .. واللسان .. اللسان جاء في القرءان بثلاث معان .. • المعنى الأول هو ما كان في هذه الآية ، وهو بمعنى الثناء الحسن أو الثناء الباعث على رفع الذكر أو الثناء المرضيّ ، ولذلك قال في حق الأنبياء { وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا } أي لسان سبقهم ، سبق بهم وسبق بعثتهم ، ثم سبق بعثة مَن بعدهم ، بأنهم ما ذُكِروا إلا علي سبيل رفع الذِّكر ، وما ذُكروا إلا بكل ما هو أحسن .. ألا ترى أنه إذا ذُكِر أي نبيّ (عليهم السلام ) ، تقول صلى الله عليه وسلم أو تقول عليه السلام ، فهذا من الذكر الحسن .. وألا ترى عندما تذكر محمد – صلى الله عليه وسلم – فتجد أنك تقول ( صلى الله عليه وسلم ) وتقول ( عليه الصلاة والسلام ) وهذا أيضًا من الذكر الحسن .. فيكون من معاني اللسان التي وردت في القرءان هو هذا المعنى ... • والمعنى الثاني هو اللغة { وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ } [إبراهيم:4] .. وكما قال سبحانه وتعالى { وَاخْتِلَـٰفُ أَلْسِنَتِكُمْ } [الروم:22] أي اختلاف لغتكم .. وكما قال { بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ } [الشعراء:195] أي بلغة عربية .. • والمعنى الثالث هو الجارحة ، أي نفس اللسان الذي هو في فمك ، كما في قوله تعالى { لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ } [القيامة:16] .. فهذه هي معاني اللسان التي جاءت في القرءان .. وهنا عندما أُضيفَ اللسان إلى الصدق ، ارتقى فصار على أفضل ما يكون من اللسان ، لا هو اللغة ولا هو الجارحة ؛ بل هو أعظم ما ينطق به اللسان أو أعظم ما يكون من اللسان ، أجوده وأعلاه وأشرفه وأحسنه .. فإذًا عندما يُقال لسان صدقٍ ، أي أنه لسان ثناء أو ثناء يبعث على رفع الذكر أو ثناء يبعث على الشرف والعُلُو ، لأنه أُضيفَ الصدق إلى اللسان ، واللسان إذا أُطلق على أي معنى من المعاني ، فإنه يمكن أن يقع منه الخبيث والطيب ، يمكن أن يقع في اللغة الخبيث والطيب ، ويمكن أن يقع من اللسان الذي في فمك الخبيث والطيب ؛ إنما عندما يُقال لسان صدقٍ فلا يكون إلا أطيب ما يكون من اللسان .. وهذا لأنه أُضيفَ إليه الصدق .. لأن الصدق هو النقاء.. ولأن الصدق هو الثبات الذي لا يتزعزع ولا يُرتاب فيه .. ولأن الصدق هو ما يكون لله وبالله وإلى الله ... هذا معنى الصدق .. إذًا عرفت مُخرَج الصدق وعرفت مُدخَل الصدق وعرفت لسان الصدق .. بقي أن تعرف قدم الصدق ومقعد الصدق ...

أما قَدَمَ الصدق{ وَبَشِّرِ الَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ } [يونس:2] .. القدم تُطلق في اللغة على الجارحة "رِجْلَك" أو ما يكون مما تقف عليه وتمشي به .. وأُطلق على ما يكون به السبق والتقدم ، فتقول فلان تقدّم عن فلان .. تقدّم ، أي أنه وقع بقدمه سبْقًا عن فلان .. وأول ما يتقدّم من الإنسان عند تحركه هو قدمه ، يعني أنت تكون واقفًا ثم تُسابق ، فأول ما يتحرك منك وأول ما يتقدّم هو القدم ولذلك سُمي القدم .. كما تُسمى النعمة يد لأن النعمة تقع بها ، فتقول فلان له يد على فلان ، أو فلان له يد عليَّ ، وكما قال النبي – صلى الله عليه وسلم – في حق أبي بكر "إن أَمَنَّ الناس يَدًا عليَّ أبو بكر" .. يعني أكثر الناس عطاء .. فتُسمَّى النعمة يد لأنها تقع بها ، ويُسمَّى السبق قدم لأنه يقع به .. ويُطلَق على كل ما يقدّمه العبد أو يقدُمه قدم ، ولذلك تقول فلان له قدم في الإسلام ، أو فلان له قدم خير ، أو تقول فلان له قدم صالحة .. هنا أضاف إلى هذه المعاني التي هي القدم ، أضاف إليها الصدق ، والصدق هو الثبات ، والصدق هو ما كان بالله ولله وإلى الله .. فإذًا ما معنى قدم الصدق ؟؟ القدم ما يُقدَّم والصدق هو بهذا المعنى الذي عرفناه .. فيكون قدم الصدق هو (الإيمان) ، ويكون قدم الصدق هو ما يترتب على الإيمان من أجر ، ولذلك قالوا قدم الصدق هو الرسول – صلى الله عليه وسلم – من حيث الإيمان به ، وهو الإيمان الذي أُلزِم العبد به ، وهو الجنة .. قدم الصدق هو الجنة ، لأن القدم هو ما قُدِّم ، والقدم هو ما سبق .. فسُمّي الإيمان والرسول – صلى الله عليه وسلم – وما يترتب على ذلك من جزاء وهو الجنة ، قدم ؛ لأنه قُدِّم فتقدَّم فسبق { وَبَشِّرِ الَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ } فُك كلمة قدم ، يعني أن لهم ما قدَّموه ، وأن لهم الأجر على ما قدّموا وأن لهم الإيمان بالرسول الذي قدَّموه ؛ لأن القدم هي التي تَقْدُم .. وعلى ذلك ، فقدم الصدق هي كل ما يكون من العبد من سبق الخير ، وما يترتب عليه أو يُؤَمَّل فيه من فضل الأجر ، ولذلك جُعل بُشرى  { وَبَشِّرِ الَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ } .. فإذًا أنت ينبغي أن يُقال لك ماذا ؟؟ قَدِّم { وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ } [الحشر:18] .. قَدَّمَتْ .. مادة (القدم) هي من التقديم والسبق ، سواء كان قد أدَّاه ثم ينتظر مردوده ، أو أنه قد أدّاه ويسبقه إلى الآخرة .. فكل قدم هو ما قُدِّم .. وبالتالي لابد أن تعلم أن المؤمن له قدم صدق ، أي له ما قدَّم من خير عند ربه مما  هو لله وبالله وفي الله .. فكلمة الحق وكلمة الخير وشهادة "لا إله إلا الله" وتعلّم العلم والعمل به واتباع النبي – صلى الله عليه وسلم – والذبّ عن الحق ودحض الباطل واتباع الحق والبراءة من الهوى ، كل ذلك قدم صدق .. ولذلك ينبغي أن تعلم أن القدم تطلق على الخير والشر ، فتقول فلان له قدم سوء ، أو تقول فلان قدمه شؤم ، أي ما يُقَدِّمه ؛ لكن هنا قال قدم صدق ، قيّدها بالصدق حتى تستبشر وتعلم أن كل ما يكون منك من خير ستجده عند الله ، وبالتالي على العبد أن يُكثر مما يُقدّمه ؛ لأن الله  بشَّره بأنه سيجد ما قَدَّم ، وأن هذا المُقَدَّم سيكون قدم صدق ، وقدم الصدق من العبد عبادة ، ومن العبد تقريب ، ومن الله أجرٌ وثواب { أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ }.. ما هو الذي عند ربهم ؟؟ سيجدوا صلاتهم أم سيجدوا أجر صلاتهم ؟ سيجدوا ذكرهم أم أجر ذكرهم ؟ سيجدوا صيامهم أم أجر صيامهم ؟ الأجر .. الأعمال .. وبالتالي فقدم الصدق هو كل معروف وكل بِرٍّ وكل حسنة وكل بذل يكون في الخير لله وبالله وفي الله ، الله عز وجل يُبشّرك بأن هذا الذي قدّمت ستجده مُقَدَّمًا عند الله عز وجل قدم صدق ، وهو أجره .. ولذلك قالوا قدم الصدق هو الرسول ، قدم الصدق هو الإيمان ، قدم الصدق هو الجنة .. لكن أنا أريد أن تفهم المعنى بقدر ما تستطيع حتى تسأل الله أن يجعل لك ذلك ، بمعنى أنك تقول اللهم اجعل لي قدم صدق .. تسأل الله عز وجل فتقول اللهم اجعل لي مُخْرَج صدق واجعل لي مُدخَل صدق ، وهكذا .. اللهم اجعل لي لسان صدق .. هذا هو ... ثم بقي أن تعرف مقعد الصدق .. وهذا ما أُبيّنه بعد الاستراحة إن شاء الله تعالى ...

—------------------------------------------------

الحمدُ للهِ وكفى، وسلامٌ على عبادِه الذين اصطفى، وأشهدُ أنْ لا إلـه إلا الله وحدَه لا شريكَ له ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه ، وصَفِيُّه مِنْ خلقِه وخليلُه ، صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه وعلى من تبع هداه بإحسانٍ إلي يوم الدين ، وأصلِّي وأُسلِّمُ على رسولِ الله صلاةً نحققُ بها أمرَ ربِّنا، حيثُ أنَّه قالِ: { إِنَّ اللَّهَ وَمَلَـٰٓئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَـٰٓأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } [الأحزاب:56]...فاللَّهمَّ صلِّ على محمدٍ النبيّ ، وأزواجِه أمهاتِ المؤمنين ، وذريَّته ، وآلِ بيته ، كما صلّيتَ على آلِ إبراهيمَ إنَّكَ حميدٌ مجيدٌ...

واعلم عبد الله أن هذا الكلام يُعْلِمُك ويُعْلِي في فهمك ووجدانك ونفسك قدر الصدق .. إذ أنه إذا أُضيفَ إلى شيء جوَّده ودلَّ على أحسن حال ودلَّ على ثبوته ودلَّ على أنه لله وفي الله وبالله .. عندما تسمع (قدم صدق) عندما تسمع (لسان صدق) عندما تسمع (قول صدق) أي أمر ويُضاف إليه الصدق ، فإذا قلت عبدٌ صادق ، أو عبدٌ صدق أو عبودية صدق ، مباشرة على الفور، تتترجم في وجدانك ومفهومك أن ذلك أجود ما يكون في هذا الباب .. فاللسان لسان بغير صدق ؛ لكن إذا قيل لسان صدق كان أجوده .. المُخرَج مُخرَج ، كل منا يخرج ويلج ، يخرج ويعود ، ويدخل ويخرج ويدخل ويخرج في حياته في بيعه في شرائه في بيته في عمله في متجره في مزرعته ، يدخل ويخرج ؛ لكن ليس كل مُخْرَج وكل مُدخل صدق .. ولكن تفهم من هذا الكلام الذي أذكره وأُعلّم نفسي وإياك إياه ، أن الصدق إذا أُضيفَ إلى شيء جوَّده ودلَّ على أنه أعلى ما يُرضي الله وأنه أثبته ، فالشيء الصادق أثبت الشيء .. ضِفه إلى ما تشاء ، ضفه إلى ما تشاء من معنى ومن حال ، ونحن قد عرفنا من قبل أن الصدق يكون في القول والعمل والحال ، فإذا بلغ العبد في أن صار صادقًا بإطلاق في قوله وعمله وحاله كان من الصِّدِّيقين .. ولذلك أبو بكر سُمِّي أبو بكر الصِّدِّيق ، ليس من باب اسم شهرة ؛ ولكن من باب اسم دلَّ عليه حاله .. فهذا وصف حال .. أنه لم يعد منه قولًا ولا عملًا ولا حالًا إلا صدق ، حتى لما أرادوا أن يُرَيِّبُوه في رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وقد شهد له قوله وعمله وحاله – أي قول وعمل وحال أبي بكر- أنه صادق ، فقالوا له إن صاحبك يزعم أنه أُسري به الليلة إلى بيت المقدس الذي نذهب إليه في شهرين ونعود في شهرين ، وهو يزعم أنه ذهب ورجع في ليلة .. تريِيب ، وهو أمر لا يُعقل – من مجريات العقول ، لا يُعقل – أن يقع من عبد أن يذهب إلى بيت المقدس ويرجع .. ماذا كان ردّ أبي بكر؟؟ لم يقل سأنظر في كلامكم ، سأسأله عن قوله ، سأنظر في المسألة معه .. أبـدًا .. بل قال " إن كان قال فقد صدق " .. اذا حال أبي بكر حال الصِّدِّيقيَّة .. وهنا مسألة أحب أن أُشير إليها في الإسراء والمعراج ، لأنها دائمًا يتكرر فيها الشك والطعن .. الله عز وجل قال { سُبْحَـٰنَ الَّذِيٓ أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا الَّذِي بَـٰرَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ ءَايَـٰتِنَآ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الإسراء:1] .. قال سبحانه { سُبْحَـٰنَ الَّذِيٓ أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا } ، ولم يقل (سَرَى) .. { سُبْحَـٰنَ الَّذِيٓ أَسْرَىٰ } أم (سبحان الذي سري) ؟؟ أو (صلى الله على من سَرَى) !! لابد أن تفهم .. لم يحكِ القرءان أن محمّدًا سرى بنفسه ؛ إنما حكى القرءان أن محمدًا أُسرِيَ به .. وهنا نضرب مثالًا .. لو أنك أتيت بولدك رضيعًا لم يبلغ من العمر ستة أشهر وقلت إن ولدي هذا قد صعد جبل همالايا أو جبال الهمالايا وهي جبال عالية جدا جدا ، هل يمكن أن يصدقك أحد ؟ لأن التعبير "صعد ولدي جبال الهمالايا" .. لا يمكن .. إنما إذا قلت صعدت بولدي جبال الهمالايا .. هذا معقول .. لأن مَن الذي صعد ؟ الأب وهو يحمل الرضيع .. فأُصعِد بالرضيع ولم يصعد الرضيع .. ولله المثل الأعلى .. نحن أمام قصة الإسراء ، المنطوق الذي جاء { سُبْحَـٰنَ } وهو لفظ يدل على التنزيه في شأن مَن له التنزيه ، المُنزَّه عن كل نقيصة ، المُثبت له كل كمال وجلال { سُبْحَـٰنَ الَّذِيٓ أَسْرَىٰ } ولم يقل ( الذي ترك نبيه يسرِي ) .. إذًا مَن الذي حمل محمدًا – صلى الله عليه وسلم – ومن الذي أسرى بمحمدٍ – صلى الله عليه وسلم ؟؟ اللـه .. وهذا أمر معقول .. دائمًا هناك قاعدة يقولها أهل المنطق ، يقولون هناك تناسب ما بين القوة والزمن ، هناك تناسب طردي بين القوة والزمن .. قاعدة معروفة ، حتى أهل الهندسة والرياضيات وفنون الحسابات والإحصاء يعلمون هذه القاعدة ، بمعنى لو أنك جئت بولدك عنده ست سنوات وقلت له أنت مطالب أن تنقل كوم الرمل هذا ولك مني جُعل لك مني عشر جنيهات .. ابنك عنده ست سنوات ، سيظل يحمل في الرمل ويحمل منه قليل فقليل قليل فقليل ..

كم يمكن أن يطول زمن نقل ذلك الولد الذي لم يبلغ من العمر إلا ست سنوات لهذا الكوم الكبير من الرمل ؟ سيأخذ يوم أو يومين .. لو أتيت برجل عملاق وله قوة وله قدرة على حمل وقلت له انقل هذا الكوم من الرمل ، سيأتيك بعد ساعة واحدة ويقول لك انتهيت منه .. لماذا ؟ لأن الولد الصغير قوته قليلة ، فلما قلت القوة طال الزمن .. ولكن الرجل الكبير الذي هذه مهنته ، زادت قوته عن الولد الصغير الطفل .. فهذه قاعدة .. بمعنى .. إذا كانت القوة كبيرة ، الزمن يقل في نفس الفعل الذي يفعله ذو قوة أقل .. فإذا كان الذي سيُسرِي بالعبد هو الله .. فكم يكون الزمن ؟ إذا قلت بحسب قوة الله ، فبحسل قوة الله ، كم يكون الزمن ؟؟ صـفر .. لكن إذا هو (محمد) أسرى بنفسه ، معنى أسرى ، يعني سار ليلًا .. فإذا قلت محمد – صلى الله عليه وسلم – سار إلى بيت المقدس وعاد ، فضلًا عن العروج ، يبقي هذا فعله هو ، على حسب قوته .. هذا لا يكون أبدًا في نفس الليلة .. فإذا ما تكلمت عن الإسراء ، أنت تتكلم عن فعل الله ، ولا تتكلم عن فعل محمد – صلى الله عليه وسلم – فليس مجال للتشكيك ولا للتردد .. لكن أعود فأقول ، لمّا أرادوا تريِيب أبي بكر ، قال "إن كان قال فقد صدق" .. هذا هو الصِّدِّيق .. الذي لا يكون في قوله ولا فعله ولا حاله إلا الصدق .. وإذا عرضت هذه المعاني على أحوالنا لوجدت أن كثيرًا منا أو غالب أحوالنا أننا من الكاذبين ، أو فينا كثيرٌ من الكذب ، عافانا الله وإياكم ....

هنا يقول الله تعالى { إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّـٰتٍ وَنَهَرٍ(54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ(55)} [القمر:54-55].. كما أن لهم قدم صدق ، كان الجزاء مقعد صدق .. كما أن لهم قدم صدق وهو ما قدَّموه بصدق ، ما قدّموه لله وفي الله وبالله ، ما قدّموه ثابتًا راسخًا .. كان سببًا لماذا ؟؟ لمَقْعَدِ الصدق .. "طيب هو في عند الله مقاعد كذب ؟؟ " لا .. هناك مقاعد للكاذبين { إِنَّ الْمُنَـٰفِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} [النساء:145] .. هذه مقاعد للكاذبين ، وهي أيضًا حقيقة ؛ ولكن مقعد الصدق .. نحن قلنا عندما يُضاف الصدق إلى الشيء ، يكون دليل على أنه أجوده وأعلاه وأشرفه ، وأنه أخلص ما يكون .. فهؤلاء لما كان لهم قدم صدق ، جعل الله لهم من الجزاء أن لهم مقعد ، هذا المقعد ما له ؟ أجود وأعلى وأشرف – نسأل الله أن يرزقنا ذلك ولا يحرمنا – ولذلك قال { إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّـٰتٍ وَنَهَرٍ } .. طيب هم في الجنات والنهر ، سيمرون عليها مرورًا ؟ سينظرون إليها أم سيقعدون ؟؟ سيقعدون ، وسيكون قعودهم صدق ، أي قعودهم على أفضل ما يكون وعلى أجود ما يكون وعلى خير ما يكون .. وبالتالي فقد عرفت معنى مُدْخَلَ الصدق ومُخرَج الصدق ولسان الصدق وقدم الصدق ومقعد الصدق .. لماذا جاء ذكر هذه الأشياء في القرءان ؟؟

• أولًا من باب تفضيل أهلها .. • ثانيًا من باب بيان أن الصدق إذا أُضيفَ إلى شيء جوّده .. • ثالثًا حتى يبحث العبد في شأنه كله أن يكون صادقًا ؛ لأن هذه المقامات الخمس المذكورة في القرءان ، ما لها ؟ تجمع حال العبد كله ، في دُنياه وفي أُخراه .. فمُخرَج الصدق يتعلق بكل مسلكك ومُدخَل الصدق يتعلق بكل مسلكك ، أو بالأصح قل المُخْرَج والمُدخَل هو شأنك كله .. أنت كل يوم ، كل لحظة ، كل ساعة ، لك مُدخل ولك مُخرج .. إما أن يكون هذا المُدخَل صدق ، وإما أن يكون غير صدق .. أنت في كل لحظة تُقَدِّم { وَمَا تُقَدِّمُواْ لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا } [المزمل:20] .. عرفت معنى (تُقَدِّم والقَدَم) وأنها من القدم وما يُقَدّم وبه يقع السبق .. عرفت ذلك .. أنت في كل لحظة تُقَدِّم .. "إِنَّمَا الأَعْمَال بالنِّيَّات ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى" .. أنت تُقَدِّم في كل لحظة .. إما تُقَدِّم بِرّ وإما تُقَدِّم خير وإما تُقَدِّم شَر وإما تُقَدِّم معروف وإما تُقَدِّم متلوف تُقَدِّم منكر تُقَدِّم فسوق تُقَدِّم بِرّ تُقَدِّم طاعة تُقَدِّم معصية .. أنت تقدِّم في كل لحظة تُقَدِّم .. أنت مُطالب أن يكون تقديمك خير، وأن يكون تقديمك قدم صدق ، أن يكون مُقَدَّمك مُقَدَّم صدق .. لابد أن تفهم ذلك .. بمعنى أن هذه المعاني ليست معاني لغوية ، أو ليست معاني من باب نزهة القول ونُكَت المعاني ؛ بل هو من باب التربية الإيمانية العقدية .. فالصدق باب النقاء ، والصدق باب بلوغ الرضا ، والصدق باب المنازل العالية عند رب العالمين .. المنازل عند رب العالمين ، النَّبيِّين والصِّدِّيقين والشُّهَدَاء والصَّالِحِين .. هذا هو الرفيق الأعلى .. النَّبِيُّون والصِّدِّيقُون والشُّهَدَاء والصَّالِحُون .. أعلاهم النَّبِيُّون ، ثم بعدهم الصِّدِّيقون .. وأنت تعلم أن العبد صادق ، فإذا علا كان صدوق ، فإذا علا كان صِدِّيق .. العبد يكون صادقًا ، فإذا علا كان صدوقًا ، فإذا علا كان صِدِّيقًا .. أنت قد تعجز أن تكون صِدِّيقًا ؛ لكن إياك أن تكون من الكاذبين ؛ لأن الكاذب هو المنافق ، ولا ينفع العبد يوم القيامة إلا الصادق { قَالَ اللَّهُ هَـٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّـٰدِقِينَ صِدْقُهُمْ } [المائدة:119] وما معني (يَوْمُ يَنفَعُ الصَّـٰدِقِينَ صِدْقُهُمْ) ؟؟ أي ما قدَّموه من أعمال الصدق وقدم الصدق.. فأنت لابد أن تفهم ذلك .. ليس الكلام ، كلام من باب الإنشاء أو من باب طُرفة القول أو من باب حكمة البيان ؛ وإنما هو من باب التربية العقدية التي تجعل العبد ، يخشى أن يكون كاذبًا .. أو إن كان عنده من الكذب – وهذا لا تخلو منه نفس إلا من كان صِدِّيقًا – فلابد أن يكون عنده الصدق أعلى .. بمعنى ..افهم هذه المسألة أختم بها .. كل عبد منّا فيه كذب ، وفيه صدق ؛ لكن الحكم للغالب فإذا علا صدقك كنت من الصادقين وإن كان فيك كذب ؛ لأن صدقك غالب .. واحد لما يكون صدقه تسعين في المائة والحكم للأغلب ، يبقى حكمه أنه صادق .. لن يكون صدوقًا ولن يكون صدِّيقًا ولكن يكون من الصادقين .. أما إذا غلب كذبه وغلب نفاقه وغلب شرّه وغلب فجوره وغلبت غفلته ، فالحكم للغالب ، وإذا كان الحكم للغالب ستؤخذ على غالبك .. دائمًا تعمل جرد لدينك .. دائمًا تعمل جَرْد لدينك ، وتشوف بالدفتر بالورقة والقلم .. أنا الغالب عندي إيه ؟؟ النفاق والكذب أم الصدق .. وجدتَ أن الغالب الكذب ، تتوب وتسأل الله وتُلح عليه أن يرزقك قدم صدق ، وأن يجعلك من الصادقين وأن يُغَلِّب صدقك على كذبك .. أهل العلم يقولون كل عبد فيه نفاق وإيمان – أنا وأنت وأنت وأنت كلنا ومُحدِّثكم كلنا – ولكن إذا علا إيمانه وغلب ، فالحكم للغالب ، فهو مع المؤمنين .. وإذا علا نفاقه وغلب فهو مع المنافقين .. بالضبط مثل المعدن .. المعدن بيكون فيه نحاس ، الذهب بيبقي فيه نحاس وفيه كمية كبيرة من النحاس ، لكن بيكون الغالب ذهب "يقول لك عيار١٤" ما الفرق بين عيار ١٤ وعيار ٢٤؟ إن نسبة المضاف من غير الذهب سواء كان نحاس أم فضة ، نسبة المضاف من غير الذهب في الـ٢٤، أقل .. وفي الـ١٤ أكثر ، ولذلك سُمي هذا بالـ ١٤ وهذا بالـ٢٤ .. مثال للتقريب .. أنت كذلك .. أنت إيمانك معدنك ، فإما يكون كله نحاس وصفيح ، وإما يكون معظمه ذهب ، حتى لو كان عيار ١٤ ، هو سُمي بذلك لأن فيه نسبة كبيرة أكثر من الـ٢٤ ، من النحاس أو الفضة ؛ لكن الغالب ذهب ؛ فلذلك يُباع ويُشترى على أنه ذهب .. لابد أن نبحث لأنفسنا عن مخرج قبل موتنا ، ونعلم أن لكل منا حفرة لن يملأها إلا هو ، وأنه سيدخل بعمله إليها ، وأنه سيُؤاخَذ بحسب غالبه .. فإن كان غالبه إيمان فليحمد الله ، وإن كان غالبه نفاق فلا يلومن إلا نفسه لأن الله ليس بظلام للعبيد .. تنبّه لذلك .. يقول الله في الحديث القدسي " يا عبادي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالكم أُحْصِيها عليكم ، فمن وجد خيرًا فلْيحمد الله ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه " .. وفي الحديث أيضًا يقول النبي – صلى الله عليه وسلم – " فبائعٌ نفسه فمُوبِقها أو مُعتقها " .. فبائعٌ نفسه .. أنت تبيع نفسك ، إما تبعها لله فتنجو وإما تبعها للشيطان فتهلك .. فبائع نفسه فموبقها .. البيعة إما تكون بالخسران (فموبقها ) مهلكها .. أو مُعتقها .. وأنت تعلم تمامًا أنك مادام فيك نفَسٌ يدب وفيك بقية من حياة ولو يوم واحد ثم قَدمت إلى ربك نادمًا على كل كذب فيك تائبًا من كل سوء عندك مُقبلًا على ربك ، فالله لا يرد من أقبل عليه .. وأعجب ما يكون في بني آدم ، أن يعلم أن الله يأتيه مهرولًا ثم لا يُقبِل على ربه .. ففي الحديث القدسي يقول الله تعالى " مَن أتاني يمشي أتيته هرولة " .. لكن البداية مِن مَن ؟ بداية الحركة مِن مَن ؟ منك .. من العبد  " مَن أتاني يمشي أتيته هرولة " ..تدبّر هذا حتى تُحسِن ما بينك وبين ربك .. عبد الله ليس لك رأس مال إلا دينك ، فإن كان خير فبها ونعمت ، فيكون سبب خير لك في دُنياك وآخرتك .. واعلم أنه يوم القيامة لن يُحَل رأسك إلا بتاج الكرامة ، وتاج الكرامة هو تاج التقوى { إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَـٰکُمْ } [الحجرات:13] .. أسأل الله عز وجل أن يجعلني وإياكم من المتقين وأن يغفر لنا ذنوبنا أجمعين وأن يهب المسيئين منا للمحسنين وأن يجعلنا هداة مهتدين .. اللهم تُب علينا توبة تُرضيك عنا يا رب العالمين ..  اللهم ارزقنا قبل الموت توبة وعند الموت شهادة وبعد الموت جنَّة ونعيمًا .. كُن لنا ولا تكن علينا اعنّا ولا تُعن علينا ردّ بطش الكافرين عنا وقنا برحمتك سيئات مكرهم .. اللهم قِنا شر الفتن ما ظهر منها وما بطن .. اللهم قِنا شر الفتن ما ظهر منها وما بطن ... ولابد أن تعلموا عباد الله مدى قدرة الله علينا حتى لا نغفل وحتى لا نميل .. انظر إلى مُلحدي وكفار الصين .. انظر إليهم نظرة سريعة .. حكموا على أن يسجنوا مليون واحد من مسلمي الايغور، أي من مسلمي إقليم عندهم يحكمونه هم وبطشوا بهم ، حتى أنهم جعلوا لجان ، هذه اللجان شيوعية ، مفروض على كل أسرة أن تجعل واحد من هذه اللجان يقيم في البيت ، ينظر إلى وضوئهم وإلى صلاتهم وإلى صيامهم ، وهل عندهم مصحف أم لا ، وشدّدوا معهم في البطش .. فكيف كان أخذ الرب وقدرته عليهم ؟!! سلط عليهم جندًا من جنوده لا يُرى بالعين المجردة .. سلطه عليهم حتى أنهم حبسوا أنفسهم وحبسوا مقاطعات بلغ عدد المحبوسين بإذنهم وبإرادتهم ورغمًا عنهم أكثر من مائة مليون صيني .. تنبّه .. { وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَآ أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَـٰلِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ } [هود:102] .. توبوا إلى ربكم وارجعوا له واعلموا أن الله عز وجل له أَخْذٌ في عباده ، وأن العبد مهمًا أمده الله بحبلٍ فإن له نهاية ، فلا ينبغي أن يصيب عبد الغرور ؛ بل دائمًا يُعلي قدر ربه ويتهم نفسه ويجدد التوبة دومًا .. أسأل الله أن يتقبل مني ومنكم وأن يغفر لي ولكم ...

اللهم فرِّج كرب المكروبين وفُكّ أسر المأسورين ورُدّ الظلم عن المظلومين ورُدّ علينا الغائبين يا رحمن يا رحيم .. ارفع مقتك وغضبك عنا .. اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا .. اللهم إن أردت فتنة بعبادك فاقبضنا إليك غير مخزيِّين ولا مفتونين ولا مغيرين ولا مبدلين .. ولك الحمد حتى ترضى .. والحمد لله رب العالمين .. وصلّ اللهم وسلم على محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين .. أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم ... سبحانك اللهم وبحمدك أشهدُ أن لا إلـه إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك ...

وكتبه : أسماء أحمد..

راجعه وصححه وضبطه:

د / سيد العربى...




واحة العقيدة - موقع فضيلة الدكتور السيد العربي بن كمال
 
الجمعة ... 20- 3 – 2020 ... لماذا ولما فيروس كرونا؟؟
الجمعة ... 6 – 3 – 2020 ... تمام الكلام على شرط الصدق
الجمعة ... 28 – 2 – 2020 ... خطورة تجديد الخطاب الدينى
الجمعة ... 21 – 2 – 2020 ... الشدائد تزيد المؤمن إيمانا وتثبيتا
الجمعة ... 14 – 2 – 2020 ... إيمان كثير منا كإيمان الاعراب
الجمعة ... 31 – 1 – 2020... معنى مُدخل ومُخرج ولسان وقدم ومقعد الصدق
الجمعة ... 24 – 1 – 2020 ... غياب الشريعة أصل كل فساد
الجمعة ... 17 – 1 – 2020... الصلاة هى مقياس الإيمان والنفاق
الجمعة ... 10 – 1 – 2020... هل الله تعالى يخدع
الجمعة ... 3 – 1 – 2020... لابد من إبتلاء كل مؤمن ليُعلم صدقة
 
art4islam
جميع الحقوق محفوظة لموقع واحة العقيدة - 1431 هـ

فتاوى فى إنتظار الرد: 15