أعلى
أعلى
جديد الموقع
 
الجمعة ... 25 – 9 – 2020 ... حفظ القرآن حفظ سطور وصدور!!
الجمعة ... 18 – 9 – 2020 ... عطايا الدنيا ليست عنوان كرامة عند الله
الجمعة ... 11 – 9 – 2020 ... الكرامة فى الدين والمهانه فى غيره
الجمعة ... 20- 3 – 2020 ... لماذا ولما فيروس كرونا؟؟ا
الجمعة ... 6 – 3 – 2020 ... تمام الكلام على شرط الصدق
الجمعة ... 28 – 2 – 2020 ... خطورة تجديد الخطاب الدينى
الجمعة ... 21 – 2 – 2020 ... الشدائد تزيد المؤمن إيمانا وتثبيتا
الجمعة ... 14 – 2 – 2020 ... إيمان كثير منا كإيمان الاعراب
الجمعة ... 31 – 1 – 2020... معنى مُدخل ومُخرج ولسان وقدم ومقعد الصدق
الجمعة ... 24 – 1 – 2020 ... غياب الشريعة أصل كل فساد
 
القناة الرسمية للدكتور سيد العربى..على اليوتيوب
فيديوهات د.السبد العربى
صفحة صوتيات السيد العربى على اسلام واى
ملتقى اهل الحديث
ملتقى اهل السنة
الشيخ ابو اسحاق الحوينى
الحور العين
 
الشدائد تزيد المؤمن إيمانًا وتثبيتًا -
الشدائد تزيد المؤمن إيمانًا وتثبيتًا
22 - 2 - 2020

الشدائد تزيد المؤمن إيمانًا وتثبيتًا

الجمعة ... 21 – 2 – 2020  

للدكتور/ سيد العربي ...

إنَّ الحَمْدَ لله ، نَحْمَدُه، ونسْتَعِينه ونَسْتَغْفِره ، ونعوذ بالله تعالى من شُرُورِ أنفُسِنا، ومِن سيِّئات أعمالنا ، مَن يَهْدِهِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ، وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا، وأشْهَدُ أن لا إلهَ إلا الله وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ ، وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عبدهُ ورسوله، وصَفِيّه من خَلْقِه، وخليله، صلوات الله وسلامه عليه ، وعلي من تبع هداه بإحسانٍ إلي يوم الدين ..

{ يَـٰٓأيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [ءال عمران: 102].

{ يَـٰٓأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا } [النساء :1]

{ يَـٰٓأيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وُيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70-71]... وبعد؛

فَإِنَّ أَصْدَقَ الحديثِ كِتابُ الله وخيرَ الهَدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمورِ مُحدثاتها وكل محدثةٍ بدعة وكل بدعةٍ ضلالة وكل ضلالةٍ في النارِ ... ثم أما بعد ..

عباد الله لازال الكلام مستمرٌّ في قضية الوجود وهي حق الله على العبيد ، وهي التوحيد .. ولازال الكلام مستمرٌّ في بيان شروط "لا إله إلا الله" ، التي لا ينتفع قائلها إلا بها وبتحقيقها .. ولازال الكلام مستمرٌّ في بيان شرط (الصدق) الذي هو طريق النجاة ، والذي هو رباط الأمر ، رباط الأمر وأصله ، الذي لا يقوم الدين إلا به ، والذي هو في مقابل الكذب وهو النفاق .. وقد علمنا في المقالات السابقة في هذا المقام وغيره ، بعض الدروس المتعلقة بحال الكاذبين أي الذين هم غير صادقين في الدين والإيمان من المنافقين .. واليوم نتناول درسًا إيمانيًّا متعلق بحال الصادقين .. كما عرفنا حال الكاذبين ، ينبغي أن نعلم حال الصادقين ... وقد يقول قائل ، لقد أطلت الكلام في شرط (الصدق) !!.. ولكن ينبغي أن تعلم أنه مهما قيل ومهما بان ومهما طال الكلام في استبيان شرط (الصدق) فهو قليل فيما يتعلق بحقيقة هذا الشرط الذي هو باب النجاة ، وهو باب تحقيق الدين ، وهو باب المفاصلة ، مفاصلة المنافقين ، وغير ذلك .. وهو أمر رب العالمين فيما يتعلق بالإيمان ...

في هذا الدرس من آيات سورة الأحزاب ، نتعلَّم درسًا إيمانيًّا متعلق بحال الصادقين .. يقول الله تعالى { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21) وَلَمَّا رَءَا الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُواْ هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّآ إِيمَـٰنًا وَتَسْلِيمًا (22) مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عـٰهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلًا (23) لِّيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّـٰدِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَـٰفِقِينَ إِن شَآءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا (24)} .. لابد أن نعلم أنه عندما نتناول درسًا إيمانيًّا متعلق بحال المؤمنين ، فلابد أن تبحث في نفسك عن تحقق ذلك الدرس ، إن كان متعلق بما أمر الله به .. وإن كان متعلق بما نهى الله عنه وحذَّر المؤمنين منه ، لابد أن تنظر هل هو فيك ؛ حتى تتخلّى عنه وتبرأ إلى الله منه ، كما رأينا في دروس حال الكاذبين وحال المنافقين .. وأننا مطالبون بأن نعرض أنفسنا على هذه الأحوال حتى نعلم أنحن منهم أم لا .. فإن كانت هذه الأحوال منطبقة على أحوالنا ، ينبغي أن نسارع بالتوبة ونسارع بمراجعة الإيمان ، حتى ندخل في المؤمنين الصادقين الذين يرضى الله عنهم .. وإن كان الحال من حال الصادقين ، أيضًا ينبغي أن أنظر هل أنا ممن فيهم هذا الحال أو ينطبق عليه هذا الحال ، إن كان كذلك ، فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ، وبالتالي تحمد ربك عز وجل وتسأل الله الثبات على ما مَنَّ به عليك من الخير والبِرِّ والإيمان .. هذه ملحوظة لابد أن ننتبه لها .. فليست الدروس الإيمانية المتعلقة بحال الكاذبين أو حال الصادقين ، ما هي إلا تربية إيمانية بالسالب والموجب ، بحيث ينظر العبد إذا كان حاله يشبه حال السالب ، لابد له من أن يبرأ ويتوب ويُعجِّل بالتوبة .. وإن كان حاله حال الموجب ، حال الذي يأمر الله به ويُثني عليه ، فينبغي أن يستمسك بذلك ويَعضّ عليه بالنواجذ حتى يأتيه الموت وهو على ذلك ...

يقول الله تعالى { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } .. والأُسْوَةُ هي القدوة .. وائْتَسَى الرجل بالرجل ، إذا سار على منهجه وعلى سيره وعلى مساره وعلى طريقته .. ولابد أن نعلم أن الأُسْوَة أو الائْتِسَاء والاقتداء أوسع من الاتباع .. الائْتِساء والاقتداء أوسع من الاتباع .. نحن مأمورون بأن نتبع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – { وَمَآ ءَاتَــٰكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَـٰكُمْ عَنْهُ فَانتَهُواْ } [الحشر:7] .. نحن مأمورون بذلك .. { قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يَحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } [ءال عمران:31] .. وغير ذلك من الآي التي تحضّ على اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم .. الفارق بين الاتباع والاقتداء ، أن الاتباع إنما هو فيما يتعلق بما تُؤْمَر به .. بمعنى إذا قال لك ، افعل مثلما افعل ، كقوله ( خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُم ) ، أو ( صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي ) .. فهذا يُسمَّى اتباع ، الاستجابة لمثل هذا الأمر يُسمَّى اتباع .. أما عندما يضع العبدُ ، النبيَّ – صلى الله عليه وسلم – بأقواله وأفعاله وأحواله .. اضبط ذلك .. بأقواله وأفعاله وأحواله ، تحت كاميرا المراقبة الإيمانية بحيث يقتدي ويأتَسِي به في كل ما يقوله أو يفعل وفي كل أحواله ، فذلك يُسمَّى ائٔتِسَاء أو اقتداء ، وهو أوسع من الاتباع .. بمعنى .. الاتباع هو أن تسمع الأمر الذي آمُرك به ، فتأتمر به ، وتسمع النهي الذي نهاك عنه فتنتهي عنه .. أما الائْتِسَاء ، باب أوسع ، بأنك تفعل الأمر وتجتنب النهي ، ثم أيضًا تنظر في كل الأحوال حتى ولو كانت لم يأمر بها ولم يَنهَ عنها .. فالائْتِسَاء والاقتداء ، أوسع .. لماذا ؟؟ لأنك تفعل كل ما يفعل ، وتقول كل ما يقول ، وتُشَبِّه أحوالك بكل أحواله .. وهذا بابٌ عظيم من البِرّ وبابٌ عظيمٌ من الأجر ؛ فلذلك بَيَّنَ الله سبحانه وتعالى في هذه الآية أن المؤمنين الصادقين (الصادقين) .. تنبّه .. وليس المغشوشين وليس المنافقين وليس عُبَّاد الدرهم والدينار ( تَعِسَ عَبدُ الدرهم تَعِسَ عَبدُ الدينار تَعِسَ وانتَكَس وإذا شِيكَ فلا انتَقَشَ) .. إنما المؤمنون الصادقون ..

{ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ } ..أي أن هذا المسار ، وهو وَضْعُ النبيّ – صلى الله عليه وسلم – تحت كاميرا المراقبة الإيمانية ، بحيث يُحصون عليه كل قول وكل فعل وكل حال ، ليقتدوا به ويفعلوا مثل ما يفعل ويقولوا مثل ما يقول ، وتكون أحوالهم على أحواله ، فإن أولَئك لن يكونوا إلا من هذا الصِنف ، وهو صنف ماذا ؟ صنف الذي يأتسي ويقتدي ، من أجل ماذا ؟ من أجل رجاء اليوم الآخر ، من أجل رجاء الأجر من الله ، من أجل رجاء الثواب من الله { لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ اللهَ } أي يرجو مرضات الله ، يرجون وجه الله عز وجل ، يرجون ثوابه ويخشون عقابه { لِمَن كَانَ يَرْجُواْ اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ } وما في اليوم الآخر من نعيمٍ مقيمٍ أوعذاب أليم ، فيتَّقوا بذلك عذابَ الله ويرجون من الله عز وجل أن يُنعِمَ عليهم بما يُنْعِم به على عباده الصادقين ..

{ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا } .. وهنا لطيفة عظيمة وفائدة جامّة ، وهي ، ذكر الله تبارك وتعالى فهذا المسلك ، وهو مسلك الائْتِساء والاقتداء ، إنما يكون ممن يرجو الله واليوم الآخر.. هذا أمر .. والثاني ( وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ) وهذا معناه أنه لن يكون من أهل الائْتِساء بصدق ، ولن يكون من أهل الاقتداء بصدق ، إلا مَن كان من جهة يرجو وجه الله .. من جهة له مقصد .. ومن جهة له مسلك .. إذًا الآية أشارت إلى أمرين .. أشارت إلى { لِمَن كَانَ يَرْجُواْ اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ } هذا شِق (شِقّ القصد وشِق النِّيَّة وشِق الاعتقاد) .. ثم (شِقّ المَسلَك) { وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} .. يعني هم من أهل الذِّكر .. ومعنى (ذَكَرَ الله) ليس " الله حي " أو سبحة " سبحان الله سبحان الله سبحان الله" – حتى وإن كان هذا منه – إنما (ذَكَرَ الله) أي أنزال الله منزلته في كل مقام يليق به .. فعند القدرة ، يُنزِل منزلته القدير .. وعند العِلم ، يُنزِل منزلته العليم الحكيم .. وعند الرحمة ، يُنزِل منزلته الرحمن الرحيم .. وعند البطش والقهر ، يُنزِل منزلته { وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ } [الأنعام:61] .. ذِكْرُ الله يعني إِقْـدار الله ؛ لأن حقيقة الإيمان وحقيقة الكفر ، تتلخّص في أمر واحد .. أما الكفر فهو { وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَـٰمَةِ وَالسَّمَـٰوَاتُ مَطْوِيَّـٰتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَـٰنُهُ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ } [الزمر:67] .. الكفر هو ( وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ) .. طيب والإيمان ؟ ( وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) أي أنه اقدره حقّ قدره .. فإنك عندما تتلمّس الرزق وتؤمن بأن الله هو الرزاق ذو القوة المتين ، عند ذلك أو عندما ترى ذلك أو عندما تستشعر ذلك ، أنت بذلك قد ذكرت الله عز وجل بما يليق به .. عندما تتذكّر الضُّر والنفع ، تؤمن بأن القادر على أن يضرك أو يملك ضرّك ويملك نفعك هو الله وحده ، عندئذٍ تكون قد ذكرت الله عز وجل .. فبيَّن الله تعالى أن العباد الذين سَلِمَت عقائدهم  ، يرجون الله واليوم الآخر – وهذا عنوان سلامة المعتقد – ثم سلامة المسلك (وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) .. هذه لطيفة عظيمة .. ما الذي تستفيده أنت ؟ تستفيد أنك لن تدخل في أولئك المُزَكَّون - أولئك الذين سيجزيهم الله بصدقهم - لن تكون منهم ، إلا إذا كنت ممن يرجو الله واليوم الآخر ، وَذَكَرَ اللَّهَ كثيرًا .. ممن يرجو الله واليوم الآخر ، وهذه (سلامة المعتقد وسلامة الإيمان) .. وذكر الله كثيرا (سلامة المسلك) ..

{ وَلَمَّا رَءَا الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُواْ هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّآ إِيمَـٰنًا وَتَسْلِيمًا } .. نحن نعلم أن الله تبارك وتعالى لم يدع أحدًا من المؤمنين يدَّعي الإيمان ، حتى يختبره ، وأن سُنَّة الله في الخلق هي الترقية بالاختبار .. كما جُعلت الاختبارات – من باب التمثيل – في الدنيا للترقية ، هذا حاز الاعدادية ثم حاز الثانوية ثم حاز دراسة الجامعة ثم حاز دراسة الأعلى من الجامعة وما شابه ، كل ذلك الترقي في مراتب التعليم أو شهادات التعليم ؛ إنما يأتي بعد اختبار .. فالاختبار باب الترقي .. كذلك – ولله المثل الأعلى – { الٓـمٓ (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوٓاْ أَن يَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَـٰذِبِينَ } [العنكبوت:1-3].. يُفْتَنُون ، أي يُخْتَبَرون ، أي يُمتحنون .. كونك تترقى من مؤمن إلى مؤمن صادق ، هذا يأتي بالاختبار .. وكونك تترقى من مؤمن صادق إلى مؤمن صدوق ، هذا يأتي بالاختبار .. وكونك تترقى من مؤمن صدوق إلى صِدِّيق، هذا أيضًا يأتي بالاختبار .. فلن ترقى عند الله إيمانيًّا إلا بالاختبار .. الاختبار هذا قد يكون { وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَـٰبِرِينَ } [البقرة:155] .. (وَبَشِّرِ الصَـٰبِرِينَ) وهم الذين يفوزون في الاختبارات .. هنا وقع اختبارٌ أيضًا لأولئك الطائفة أو لأولئك النفر الذين ذُكِر في حقهم ذلك الدرس ، وهو أن الله تبارك وتعالى بيَّن لهم – في عموم القرءان – أنهم لن يكونوا من أهل الجنة ولن يفوزوا حتى يأتيهم الاختبار وحتى يمرُّوا بالاختبار  .. هذا الاختبار كان ماذا ؟ النبي – صلى الله عليه وسلم – أخبر أصحابه ، قبل حدوث زحف الأحزاب على المدينة ليغزوها ، بأنهم ستأتيهم الأحزاب على تسعٍ أو عشرٍ بقين من غداة شهر ، حدَّثهم فيه بذلك قبل أن يأتوا وقبل أن يجتمعوا ، فعلموا أنه ستجتمع عليهم الأحزاب وسيزحفون إلى المدينة .. فلما كان ذلك الأمر ، وكانوا يستعدّون لاستقبال أولئك الأحزاب بحفر خندق حول المدينة .. لما رأوهم قادمون بجيوشهم وعلموا بأنهم يزحفون إلى المدينة ، رأوا ذلك .. ماذا كان ؟ من المعلوم أن العبد عندما يتعرّض للفتنة ، أو يتعرّض للتخويف والترهيب أو نقص من الأموال والأنفس والثمرات – وأعظم الاختبار ، الخوف { وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ } فقدّم ذِكر الخوف على كل الاختبارات ؛ لأن الخوف ترتجف معه القلوب ولأن الخوف تُختَبَر معه العقائد – إمّا يكون من الثابتين المؤمنين ، وإما يكون من المهتزّين الذين تطير قلوبهم فتصير قلوبهم هواء فإذا صارت هواء ، فُتِنوا .. إذا صارت هواء ..اضطربت ، فُتِنوا .. فالخوف أكثر الأشياء التي تفتن الناس وتصرفهم عن دينهم .. فلما رأوا الأحزاب – مَن الذين رأوا ؟ المؤمنون .. والذي وصفهم بالمؤمنين هو الله عز وجل الأعلم بالقلوب ، فهذا وصف دقيق .. وهذه الآيات تُبيِّن أحوالهم التي ينبغي أن تكون فيك ؛ لأن الأمر عند الله ليس بالمحاباة .. فلن تكون مؤمنًا عند الله إلا على وصفه وبشرطه .. ولن تكون صادقًا عند الله إلا بوصفه وعلى شرطه .. { وَلَمَّا رَءَا الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُواْ هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ } .. ما هو الذي وعدهم الله ورسوله ؟؟ وعدهم بأن الأحزاب قادمون .. والأحزاب معهم القتل ومعهم التشريد ومعهم الذبح ومعهم القلب ومعهم السوء كله ؛ ولكن بالرغم من أن كل شدّة على المؤمنين معها ما معها من الخوف والجوع ومن الاضطراب ومن الاهتزاز ؛ إلا أنها بعد العسر يسر ، وأن بعد ذلك نصر ، وأن بعد ذلك تأييد من الله ، بشرط ثباتهم وفوزهم في اختبارهم .. { وَلَمَّا رَءَا الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُواْ هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ } .. الوعد هنا ذو شِقَّين .. وعدٌ بمجيئهم ، أي مجئ الأحزاب .. ووعدٌ بانتصار المؤمنين عليهم .. ولذلك قالوا لمَّا رأوا الأحزاب ، (هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ) .. انظر إلى التعبير (وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ) .. هم لم يروا بعد ما يتحقق من نصر ؛ ولكنهم وُعِـدُوا مِن مَن ؟؟ من الله على لسان رسوله – صلى الله عليه وسلم – فالوعد جاء من الله ومن رسوله .. فهُم لما قابلوا هذا ، لم يروا إلا الأحزاب و لم يروا إلا قُرب الشدة .. ولكنهم لأنهم من المؤمنين الصادقين ، اعتبروا أن كل وعْدٍ من الله وإن لم يتحقق ، فهو مُتحقق .. وهذا يعني أن العبد المؤمن إذا علم من ربه أمْرًا من كتابه أو من قول نبيِّه – صلى الله عليه وسلم – فهو حقّ ، ويؤمن أنه واقع حاصل ، ويؤمن بأنه سيكون .. لأن مَن الذي وَعَدَ به ؟؟ أَصْــدق القائلـين .. وهو يؤمن – العبد المؤمن – بأن الله أصدق القائلين ، ويؤمن بان الله صادق ، وأنه لا يصدق أحد كصدقه .. فلذلك قالوا ( وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ) .. أنتم تتكلّمون عن أمر لم يقع بعد !! ولكنهم هم يرون أنه وقع بوعد الله .. ثقتهم في وعد الله جعلتهم يروا الأمر الذي لم يقع بعد .. كما نؤمن أن الساعة قادمة ، وكما نؤمن بأن هناك يوم آخر، بناء على ماذا ؟؟ بناء على إيماننا بصدق مَن أخبر.. والذي أخبر بذلك هو الله على لسان رسوله – صلى الله عليه وسلم – أو في كتابه ثم على لسان نبيِّه  صلى الله عليه وسلم ...

{ وَلَمَّا رَءَا الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُواْ هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ } .. تذبذبوا وارتعدوا وارتابوا وانقلبوا ؟؟!!! .. أبــدًا .. { وَمَا زَادَهُمْ إِلَّآ إِيمَـٰنًا وَتَسْلِيمًا } .. الله أكبر .. { وَمَا زَادَهُمْ إِلَّآ إِيمَـٰنًا وَتَسْلِيمًا } .. إن جَنَّةَ الإيمان ، يتقلّب فيها أهلها من المؤمنين الصادقين ، وقد لا نذوق طعمها ؛ لأننا لم نهتم بأن نكون من المؤمنين الصادقين .. وطوبى لكل عبدٍ تمنّى وجاهد في سبيل الله عز وجل وجاهد في الله حق جهاده ليجتبيه ربُّه ويُنعِّمه بعد جنة الإيمان التي يتقلّب فيها في الدنيا ، بجنة النعيم في الآخرة .. تنبّه لذلك .. لابد أن تدخل جنة الدنيا ، وجنة الدنيا هي الإيمان الصادق .. { وَمَا زَادَهُمْ إِلَّآ إِيمَـٰنًا وَتَسْلِيمًا } .. إذًا لمّا عُرِض عليهم الأحزاب – وكانت فتنة عظيمة جدًا جدًا ؛ لأن الأمم كلها اجتمعت عليهم ، كل أمة لها شَوكة ، اجتمعت عليهم ورتّبوا ، فاعتبروا أنهم من الممحوقين " سَبَبِيًّا " ؛ ولكنهم عندهم وعدو من الله عز وجل – فلما رأوا الأحزاب عَيْنًا ، ثقتهم في الله وتصديقهم بوعد الله .. ماذا ؟؟ ما زادهم ذلك إلا ثباتًا وإيمانًا وتسليمًا .. ولذلك مرُّوا في الأحزاب بأمورٍ من أعجب ما يكون .. الجوع الشديد ، والبرد الشديد ، وتمزق الثياب ، وفراغ البطون ، وربط الأحجار عليها ، وقلة المؤنة و.. و.. عُد .. ومع ذلك كانوا مسرورين كما لو كانوا في رغد العيش وسعة الدنيا وكثرة متاعها وطعامها وشرابها .. كانوا يستمتعون .. بماذا يستمتعون ؟؟ بالجوع ؟ بالبرد ؟ بشدة الألم ؟ بربط الأحجار على البطون ؟!! لم يكونوا يستمتعون بذلك ..لا إنما كانوا يستمتعون بما وراء ذلك من الإيمان ..{ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّآ إِيمَـٰنًا وَتَسْلِيمًا } ... خرج النبي – صلى الله عليه وسلم – غداة باردة يوم الأحزاب ، وهو يحفرون الخندق ، فوجد الأنصار والمهاجرين يحفرون في الخندق ، فقال " اللَّهُمَ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشَ الآخِرَة فاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَة " .. فبادروه وردّوا عليه وأجابوا " نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعْنَا مُحَمَّدًا عَلَى الْجِهَادِ مَا بَقِينَا أَبدًا " .. وورد أن النبي – صلى الله عليه وسلم – كان قد سمَّى رجلًا من أصحابه عُمَر ، وكان يُسمَّى جُعَيْل .. فسمَّاه عمر بدلًا من جُعَيْل .. فكانوا يرتجزون ببعض الكلام فيما يتعلق بذلك وهم يحفرون الخندق .. فقالوا " وقد سمَّاه بعد جُعَيْلٍ عمرا ... وقد كان للبئيسِ ظهرا " فكان النبي – صلى الله عليه وسلم – يقول معهم إذا وصلوا إلى كلمة عمرَ ، قال " عمـرا" .. وإذا وصلوا إلى كلمة ظَهْرا ، قال" ظَهْـرا " .. يُدندن معهم ، تأليفًا لهم ومؤانسةً وتواضعًا منه ومشاركة .. والله هذه الرواية لما قرأتها ، أول ما قرأتها حينًا ، كاد قلبي ينفطر من شدة تواضع النبي – صلى الله عليه وسلم – ومشاركته لأصحابه .. ولذلك هذه الآيات بدأت بماذا ؟ { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } فهو المُقدَّم دائمًا ، وهو الإمام دائمًا ، وهو المتواضع دائمًا ، وهو السابق في الشدّة دائمًا .. وفي الحديث من حديث جابر – رضي الله عنه – عند مسلم ، قال " اشتدت  كُدْيَةٌ - صخرة عظيمة - على أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم – فاشتكوا للنبي صلى الله عليه وسلم .. صخرة ضخمة جدًا استعصت عليهم لم يستطيعوا أن يضربوها أو يكسروها ، فدعا النبي – صلى الله عليه وسلم – بإناء فيه ماء ، فتَفَلَ فيه – صلى الله عليه وسلم – ثم دعا ما شاء الله أن يدعو ، ثم رشَّه على هذه الصخرة العظيمة .. قالوا مَن رأوا ذلك " فَتَفَتَّتت كما لو كانت كُثبانًا من الرمل فلا تردّ فأسًا ولا مِسحاة .. هذا كان بعض شأن النبي – صلى الله عليه وسلم – أن يُسابق ، ويكون هو في المقدمة حتى إذا ما قيل اقتدي ، فيكون إمامك وأمامك .. إذا ما قيل لك ائْتَسِ ، يكون إمامك وأمامك .. { وَلَمَّا رَءَا الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُواْ هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّآ إِيمَـٰنًا وَتَسْلِيمًا } .. بالله عليك .. لما بيكون في شدة أو في حاجة شديدة أو في حاجة ضرورية ، وتُذَكَّرُ بآيات الله ، وتُذَكَّر بما قاله الله .. هل تنزل على قلبك بَرْدًا وسلامًا ، وما تزيدك في شدتك وكُربتك وحاجتك ، إلا إيمانًا وتسليمًا ؟؟ أم أنك تسمع القرءان كأنه شِعْر ؟؟ .. كثير منا يسمع القرءان كأنه شِعْر .. كأنه حِكَم .. أما كونه يكون مُخاطبًا للقلوب ، فيُزلزلها ويُثبِّتها ويجعل مردود الإيمان فيها ، يجعل صاحبها يسكن ، فيطمئن بوعد الله ، هذا قليل فينا إلا من رحم الله تعالى .. فلابد أن تستوعب ذلك .. هؤلاء الصحابة كانوا في حالٍ ، بلغ المنافقين أن يستهزئوا بهم من شدة ما هم فيه .. استعصت صخرة أيضًا على أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم – فأخذ مِعوَل وضربها النبي – صلى الله عليه وسلم – وقال " الله أكبر فُتِحَت فارس .. الله أكبر فُتحَت الروم ".. فقال المنافقون المستهزئون برسول الله – صلى الله عليه وسلم – ومن معه ، " نفرٌ لا يجدون ما يُوَاري سوءتهم – ملابس ممزقة – ولا يُشبعون به بطونهم ، يستبشرون لأنفسهم بفتح كسرى " .. أي أنهم يرون أن ذلك نوع من الخبل ، نوع من الخيال الغير قابل للتطبيق .. لكن الصحابة استبشروا بذلك وعلموا أن ذلك وَعْد من الله عز وجل... هذا هو الفارق بين الصادق والكاذب .. الصادق تنزل عليه آيات الله بُرهانًا وبيَانًا فتُثَبِّته وتزيده إيمانًا .. أما المنافق وعابد الدرهم والدينار والمشغول بدُنيَتِه الغافل ، إذا ما ذُكِّرَ بكلام الله وبوعد الله الحق الذي ما بعده من حق ، فإنه يسمعه كما لو كان شِعرًا أو كما لو كان حِكَمًا ؛ ولكن { وَلَمَّا رَءَا الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُواْ هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّآ إِيمَـٰنًا وَتَسْلِيمًا } ... أسأل الله أن يجعلني وإياكم من المؤمنين المُسَلِّمِين ...

 

الحمدُ للهِ وكفى، وسلامٌ على عبادِه الذين اصطفى، وأشهدُ أنْ لا إلـه

إلا الله وحدَه لا شريكَ له ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه ، وصَفِيُّه مِنْ خلقِه وخليلُه ، صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه وعلى من تبع هداه بإحسانٍ إلي يوم الدين ، وأصلِّي وأُسلِّمُ على رسولِ الله صلاةً نحققُ بها أمرَ ربِّنا، حيثُ أنَّه قال { إِنَّ اللَّهَ وَمَلَـٰٓئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَـٰٓأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } [الأحزاب:56]... فاللَّهمَّ صلِّ على محمدٍ النبيّ ، وأزواجِه أمهاتِ المؤمنين ، وذريَّته ، وآلِ بيته ، كما صلّيتَ على آلِ إبراهيمَ إنَّكَ حميدٌ مجيدٌ...

والآيات عباد الله ، إن كانت متعلّقة بغزوة الأحزاب وما جرى في فترة الأحزاب ، إلا أنها عامة في كل مقام إيماني ، يُخالف ما يريده المؤمن في دنياه ، فإنه لابد أن يعلم إن كان ذلك وعد الله ، فهو أحق الوعد وأحق القول وأصدق القول .. وليس هناك أصدق من قول الله سبحانه وتعالى .. ولابد أن نُنزِل القرءان منزلته بأنه هداية القلوب ، وباب نجاتها وباب إحيائها من مواتها وباب إخراجها من ظلماتها .. فلا يمكن أن نهتدي إلا بالقرءان ولا يمكن أن تستقيم لنا حياة في الدين قبل الدنيا إلا بالقرءان .. ولابد أن نعلم أن القرءان هدًى ونور { يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَـٰمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَـٰتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } [المائدة:16] .. ليس القرءان يُقرأ في المآتم ويُقرأ في الموت أو يُتَّخَذ حجابًا أو يُتَّخَذ باب بركة .. لا .. إنما هو منهاج حياة { وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بُكَمْ عَن سَبِيلِهِ ذَٰلِكُمْ وَصَّـٰكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } [الأنعام:153] .. لابد أن نستوعب ذلك ...{ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عـٰهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلًا } .. هذه الآيات .. المعنى فيها عام .. وكما تعلمون أن العبرة في كل ما قاله الله وقاله رسوله – صلى الله عليه وسلم – العبرة بعموم اللفظ ، وليس بخصوص السبب .. قد تنزل الآية بسبب مخصوص أو لسبب مخصوص ، لا يقف الأمر عند هذا السبب ، ولا يقف المعنى عند هذا السبب الذي نزلت الآيات بسببه .. إنما المعنى على عموم الألفاظ لأن الله جعل القرءان هدًى إلى قيام الساعة .. جعله هدًى .. جعله منهاج إلى قيام الساعة.. لم يجعله في زمن مكة فقط أو في زمن المدينة فقط أو في زمن حياة الرسول – صلى الله عليه وسلم – فقط ؛ بل جُعِل إلى قيام الساعة .. فَبَيَّن الله تعالى أن من المؤمنين – مِن صدقهم – قد وعدوا ربهم وعاهدوه عهدًا فيما يتعلق بثباتهم على الحق ونصرتهم له .. ويُروَى أن هذه الآيات نزلت في أنس بن النضر – رضي الله عنه – تخلّف عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ولم يشهد بدر ، فلما نزل في أهل بدر ما نزل من الثناء والمآل العظيم ، وأنهم أحياء عند ربهم يُرزَقون ، صعبت عليه نفسه وقال كيف لا أشهد مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أول مَشهَدٍ يُلاقي فيه الكفار " والله لو أراني الله ، ليَرَيَنّ منِّي " .. ثم جاءت أُحُد ، فقال لسعد بن معاذ " واهٍ يا أبا عمرو والله إني لأجد ريح الجنة دون أُحُد " وأخذ يقاتل حتى قُتِل .. فوجدوا فيه بِضعا وثمانين ، ما بين طعنة وضربة ورمية .. قالت أخته ، الرُّبَيْع بنت النضر " ما عرفت أخي من كثرة ما فيه إلا من بنانه".. كانت أصبعه لها شكل هي تعرفه ، فعرفته منه ... فقال الله تعالى { مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } .. ليس أنس بن النضر فقط ؛ بل يكاد هذا الكلام ينطبق على كل الصحابة ومَن شاكلهم ومَن اهتدى بهداهم وسار على مسارهم .. { مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عـٰهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم } أي من هؤلاء المؤمنين الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه { مَن قَضَىٰ نَحْبَهُ } .. والنَّحْبُ هو النذر والعهد ، والنَّحْبُ هو الأجل والموت .. فالمعنى أنهم منهم مَن ظل يُوَفِّي ما عاهد الله عليه ، من نذْرٍ أو عهدٍ ، كما قال أنس " لو أراني الله ليَرَيَنّ منِّي " فعاهد الله على ذلك .. ومنهم مَن نذر أن يكون مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لا يتخلَّف عنه .. فالنَّحْبُ هو النذر والوفاء والعهد ، { فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ } أي وَفَّى بعهده حتى أتاه الأجل .. ومنهم مَن يُوَفِّي عهده وإن لم يُصبه الأجل بعد  .. { فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ } بالمعنيين .. { وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ } أي ينتظر الأجل الذي لا يملكه إلا الله ، ولا يقدِّره إلا الله  { وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ } وهؤلاء في مسار وفائهم بعهد الله ، وبعهدهم مع الله ، وبسيرهم على ما أمر الله ، وتركهم لما نهى الله ، هؤلاء الصادقون .. ما لهم ؟ { وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلًا } .. ومن المعلوم أن العبد قد يكون في دينه على صدقٍ وإخلاصٍ وثبات ، فإذا ما طال الأجل ، تبدَّل .. ألا ترى أن فلان " فلان دا كان طيب .. فلان دا كان ملتحي .. فلان دا كان بيصلّي الفجر في المسجد... طيب إيه اللي حصلّه ؟؟!!.. كبر بقى واشتغل وراح وعمل والدنيا اتفتحت عليه .. " هذا يُسمَّى ماذا ؟؟ بدَّلَ تَبْدِيلًا .. لأنه بدأ الأمر بصدق ، وكان صادقًا ، لم يكن من البداية منافقًا ؛ ولكن دخلت عليه الدنيا .. والدنيا لها حبال ، والدنيا لها ثعابين وحيَّات ، تُسَمِّم قلب العبد ، حتى أنه يُضَحِّي - عند تعارض الدين والدنيا ، من غير تفكير ولا تمهل – يُضَحِّي بالدين .. " فتجد ، يقولك الوظيفة دي ، ممنوع اللحية .. احلق اللحية .. الوظيفة دي ممنوع تصلّي في العمل .. اصلّي لمّا اروح آخر النهار .. وآخر النهار باكون متخرّط فبلاش النهاردة صلاة .." فتجد .. يحصل تبديل .. ويحصل تعارض ما بين الدين والدنيا .. فتكون في أول أمرك صادقًا ؛ ولكن يطول عليك .. الله يصف المؤمنين الصادقين ، بأنهم ماذا ؟؟ بأنهم صدقوا ما عاهدوا الله عليه .. وفُّوا ؟ وفُّوا .. قضوا ؟ قضوا .. أتمُّوا ؟ أتمُّوا .. حتى جاءهم الموت .. طيب والذي لم يجئه الموت ؟ { وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلًا } .. إذًا هذا درسٌ أن كثيرًا منا – أسأل الله ألّا يجعلنا ممن يُبَدِّل – كثيرٌ منا يبدأ بصدق ويركب المركبة بصدق – مركبة الإيمان – ويسير مسار المؤمنين بصدق ؛ ولكن مع طول الأجل ومع طول الوقت " يقول لك دا كنت زمان بأذِّن ..أنا كنت زمان كذا وأنا شاب .. أنا كنت زمان ... أمال أنت دلوقتي إيه اللي حصل .. الدين أخذ اجازة ؟ ولا إيه اللي حصل ؟؟" حصل إنه بدَّل تبديلًا.. وهذا يعني أن كثيرًا منا ينبغي أن يحذر أن يُبَدِّلَ تَبْدِيلّا ، خاصة إذا كنا نعيش في أرضٍ يُزرَع فيها الخوف أكثر مما تُزرَع فيها الطعام والشراب .. فإذا كنا على مستوى الكرة الأرضية ، يتربّص الكفار بالمسلمين ، ويزرعون الخوف في نفوسهم ، بكثرة القتل .. يعني مثلًا ، روسيا تجرب أسلحتها كمعرض للسلاح للبيع والشراء لمن يريد ، تجربه في السوريين .. تجربه تجربة عملية .. والتقارير كثيرة جدًا تقول بأنهم ، إنما يفعلون ما يفعلون بالمسلمين في سوريا من باب تجربة الأسلحة حتى تكون معرضًا لبيع السلاح .. زرع الخوف وقتل المسلمين .. والكفار كلهم يسيرون وِفق منهج " دمِّروا الإسلام أبيدوا أهله " .. منهج .. خطة .. برامج .. الجميع يتفق لا يختلف .. قد يختلفوا فيما بينهم على أي نعل يلبسون وتقوم بينهم سجالات ؛ لكن عندما يكون القيام على المسلمين ، لا اختلاف .. وتجد أنها بضاعة مقبولة عند الجميع .. فيتفق اليساري مع العلماني مع الليبرالي مع النصراني مع اليهودي مع كله .. يتّفقون جميعًا .. تفرق شملهم إلا علينا .. فصرنا كالفريسة للكلاب .. هذا يعني أن المسلم يقع تحت مطحنة الخوف هذا مدعاة للتبديل .. فلابد أن تكون عينك على إيمانك .. عينك على قلبك .. ألّا تُبدِّل .. لأن التبديل واقع .. لأنه لمّا يقول الله تعالى أن من المؤمنين ، مَن لم يُبَدِّل تبديلًا ، هذا إثبات بالمقابل أن هناك من المؤمنين مَن يبدّل تبديلًا .. فلابد أن تنام وأنت خائف على دينك " يُصْبِحُ الرَّجُلُ مؤمنًا ويُمسي كافرًا ، ويُمسي مؤمنًا ويصبحُ كافرًا ، يبيع دينه بِعَرَضٍ من الدنيا " .. الخوف يُذهِب الإيمان ، إلا عند أهل الثبات { وَمَا زَادَهُمْ إِلَّآ إِيمَـٰنّا وَتَسْلِيمًا } ...

ثم ختم الله تعالى ذلك الدرس العظيم – الذي نسأل الله أن يجعلنا فيه من المنتفعين – فقال { لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّـٰدِقِينَ بِصِدْقِهِمْ } ..إن أعظم ما ينفعك يوم القيامة عند الله ، هو صدقك .. أنت صلَّيْت .. صادق أم منافق ؟ صادق ، سينفعك صدقك .. أنت زكّيت .. أنت تلوت .. أنت أعنت .. أنت آمنت .. أنت فعلت أي بِرٍّ أمر الله به .. أنت ائتَسَيْت برسول الله – صلى الله عليه وسلم - .. أنت اعتمرت .. أنت حججت .. أنت تصدّقت .. أنت زكّيت .. أنت أمرت بمعروف .. نهيت عن منكرٍ .. وعظت .. حبَّبت الناس في دين ربك .. ذكرتهم بما ينبغي عليهم .. تُبْت لله توبة ، وهذه من أعظم الأعمال التي يحبها الله عز وجل .. تُبت لله توبة .. إن كنت صادقًا { لِّيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّـٰدِقِينَ بِصِدْقِهِمْ } .. تنبّه .. سيكون ذلك ذُخرًا لك يوم القيامة ، ما لم تُبدّل تبديلًا .. لأنك إذا كنت صادقًا ، فصدقت ثم بدَّلت ؛ سيُختَم لك بالتبديل .. فإذا خُتِم لك بالتبديل فلا انتفاع بالصدق الذي قدّمت .. إنَّما العِبرَة بالخواتيم .. فتنبّه .. لا تُبَدّل ما ابتدأته بصدق .. واعلم أن ما ابتدأته بصدقٍ ، سيجزيك الله به ..

{ لِّيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّـٰدِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَـٰفِقِينَ إِن شَآءَ } .. وهنا سِرٌّ بديع ، سِر بديع يدل على مدى رحمة الله الواسعة ومغفرته التي وسعت كل شيء أقبل عليه .. تنبّه .. عندما قال (لِّيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّـٰدِقِينَ بِصِدْقِهِمْ) لم يقل ( إن شاء ) .. مع أن كله راجع إلى مشيئته .. كله .. كل شيء راجع إلى مشيئته .. وعندما قال ( وَيُعَذِّبَ الْمُنَـٰفِقِينَ ) قال ( إِن شَآءَ ) .. وهذا يعني أنه قد يرحم المنافق ، بأن يردّه عن نفاقه ويهديه ؛ ولذلك من عظيم رحمة الله بالمنافق ، ألّا يُمِيته على النفاق .. أعظم رحمة يرحمها الله للمنافق ، ألَّا يُميته على النفاق .. لأنه إن أماته على النفاق ، عذّبه بالنفاق ؛ لأنه سيقابله به .. فهنا قال { لِّيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّـٰدِقِينَ بِصِدْقِهِمْ } ولم يقل إن شاء ..  { وَيُعَذِّبَ الْمُنَـٰفِقِينَ } وقال { إِن شَآءَ } .. { أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا} ... أسأل الله عز وجل أن ينفعنا وإياكم بهذا الدرس وأن يجعلنا وإياكم من الصادقين وأن يجزينا يوم القيامة بصدقنا وألَّا يجعلنا من المبدّلين ...

اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا علي القوم الكافرين .. اللهم كُن لنا ولا تكن علينا .. اعنّا ولا تُعن علينا .. رُدّ بطش الكافرين عنا وقنا برحمتك سيئات مكرهم .. اللهم لا تفتنّا بالكافرين ولا تُسلِّطهم علينا بذنوبنا يا أرحم الراحمين .. واجعلنا هداة مهتدين .. فرِّج كرب المكروبين وفُكّ أسر المأسورين ورُدّ الظلم عن المظلومين ورُدّ علينا الغائبين يا أرحم الراحمين يا مَن لا يقدر على ذلك إلا هو .. ولك الحمد حتى ترضى .. والحمد لله رب العالمين .. وصلّ اللهم وسلم على محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين .. أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم ... سبحانك اللهم وبحمدك أشهدُ أن لا إلـه إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك ...

وكتبه : أسمـــاء أحمــد..

راجعه وصححه وضبطه:

د / سيد العربى...




واحة العقيدة - موقع فضيلة الدكتور السيد العربي بن كمال
 
الجمعة ... 20- 3 – 2020 ... لماذا ولما فيروس كرونا؟؟
الجمعة ... 6 – 3 – 2020 ... تمام الكلام على شرط الصدق
الجمعة ... 28 – 2 – 2020 ... خطورة تجديد الخطاب الدينى
الجمعة ... 21 – 2 – 2020 ... الشدائد تزيد المؤمن إيمانا وتثبيتا
الجمعة ... 14 – 2 – 2020 ... إيمان كثير منا كإيمان الاعراب
الجمعة ... 31 – 1 – 2020... معنى مُدخل ومُخرج ولسان وقدم ومقعد الصدق
الجمعة ... 24 – 1 – 2020 ... غياب الشريعة أصل كل فساد
الجمعة ... 17 – 1 – 2020... الصلاة هى مقياس الإيمان والنفاق
الجمعة ... 10 – 1 – 2020... هل الله تعالى يخدع
الجمعة ... 3 – 1 – 2020... لابد من إبتلاء كل مؤمن ليُعلم صدقة
 
art4islam
جميع الحقوق محفوظة لموقع واحة العقيدة - 1431 هـ

فتاوى فى إنتظار الرد: 15