أعلى
أعلى
جديد الموقع
 
الجمعة ... 4 – 12 – 2020 ... لابد أن نخاف من النفاق في محبتنا لرسول الله
الجمعة ... 27 – 11 – 2020 ... نحن لا نحب رسول الله كما ينبغى!!
الجمعة ... 20 – 11 – 2020 ... لا طريق للمكارم العالية إلا رسول الله
الجمعة ... 13 – 11 – 2020 ... كيف أن محمد رسول الله رحمة؟؟
الجمعة ... 30 – 10 – 2020 ... إلا تنصروه فقد نصره الله
الجمعة ... 23 – 10 – 2020 ... كيف يبدل الدين ويصد عن سبيل الله؟؟
الجمعة ... 16 – 10 – 2020... كيف يبيع الظالم آيات الله؟؟
الجمعة ... 9 – 10 – 2020 ... لماذا نحن مع القرآن من الظالمين؟؟
الجمعة ... 2 – 10 – 2020 ... لماذا وصف القرآن بصائر؟؟
الجمعة ... 25 – 9 – 2020 ... حفظ القرآن حفظ سطور وصدور!!
 
القناة الرسمية للدكتور سيد العربى..على اليوتيوب
فيديوهات د.السبد العربى
صفحة صوتيات السيد العربى على اسلام واى
ملتقى اهل الحديث
ملتقى اهل السنة
الشيخ ابو اسحاق الحوينى
الحور العين
 
كيف يبدل الدين ويصد عن سبيل الله ؟؟ ... -
كيف يبدل الدين ويصد عن سبيل الله ؟؟ ...
25 - 10 - 2020

كيف يبدل الدين ويصد عن سبيل الله ؟؟ ...

الجمعة : 6 – 3 – 1442 هـ ... الموافق : 23 – 10 – 2020 م

للدكتور/ سيد العربي .. حفظه الله ..

إنَّ الحَمْدَ لله ، نَحْمَدُه، ونسْتَعِينه ونَسْتَغْفِره ، ونعوذ بالله تعالى من شُرُورِ أنفُسِنا، ومِن سيِّئات أعمالنا ، مَن يَهْدِهِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ، وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا، وأشْهَدُ أن لا إلهَ إلا الله وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ ، وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عبدهُ ورَسُولُه .. اللَّهم صلِّ على محمَّدٍ وعلى آلِ محمَّد كما صليتَ على آلِ إبراهيمَ إِنَّكَ حميدٌ مجيد ، اللَّهم بارك على مُحَمَّدٍ وعلى آلِ محمَّدٍ كما باركتَ على آلِ إبراهيمَ إنَّكَ حميدٌ مجيد ...

{ يَـٰٓأيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [ءال عمران: 102].

{ يَـٰٓأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا } [النساء :1]

{ يَـٰٓأيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وُيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70-71]... وبعد؛

فَإِنَّ أَصْدَقَ الحديثِ كِتابُ الله وخيرَ الهَدي هدي محمدٍ صلى الله عليه

وسلم، وشرَّ الأمورِ مُحدثاتها وكل محدثةٍ بدعة وكل بدعةٍ ضلالة

وكل ضلالةٍ في النارِ ... ثم أما بعد ..

لازال الكلام متعلّق ببيان ما جعل اللهُ عز وجل من هدايةٍ في قوله تعالى { اشْتَرَوْاْ بِـَٔايَـٰتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } [التوبة:9] .. وقد عرفنا أن "الاشتراء" يعني في لغة القرآن "الاستبدال" ، وهو حقيقة الشراء والبيع .. فعندما يُذْكَر لفظ الاشتراء في أي آيةٍ من الآيات ، تفهم أنه المراد منه معنى الاستبدال ، أي أنه يستبدل بآيات الله والانتفاع بها وابتغاء مرضات الله وابتغاء وجه الله الكريم وابتغاء الجنة والبعد عن النار ، بدلًا من أن يشتري ذلك ويكون مُبتغاه ذلك ؛ تجده يُبَدِّله ، يُبَدِّلُ ذلك المبتغى وذلك المراد بأي عَرَضٍ وبأي أَمْرٍ سوى المراد .. وكُلُّ ما سوى القرآن ؛ قليل .. كما بَيّنتُ في المرة السابقة .. ( اشْتَرَوْاْ بِـَٔايَـٰتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ) .. وقد شَرَعْتُ في بيان وُجوه الاشتراء وكيفية الاشتراء في آخر المقال السابق في غير هذا المقام المبارك ، واليوم أُكْمِلُ في هذا الوقت ، ما يتعلّق ببعض بقية معنى الآية أو المسائل أوالهدايات العقدية التي ينبغي أن نُحَصِّلها وأن نهتدي بها من هذه الآيات .. ( اشْتَرَوْاْ بِـَٔايَـٰتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ) .. وهنا لابد أن نفهم أن الاشتراء الذي هو بمعنى الاستبدال ، أيًّا كان المقابل – المُبَدَّل بالقرآن والمُبَدَّل بالمراد ، بما ينبغي أن يكون من القرآن – هو قليل ، ولو كانت الدنيا بما فيها .. لو كانت الدنيا كلها بدلًا من الاهتداء بالقرآن ، بحيث أن العبد بدلًا من أن يهتدي بالقرآن وبدلًا من أن يصير صاحب دِين من خلال ما هَدَى اللهُ إليه من القرآن وبدلًا من أن يستنير بنور القرآن وبدلًا من أن يكون له في الكتاب هُدًى ونور ؛ يكون له غرض دُنيوي – أيًّا كان هذا الغرض وأيًّا كان حجم ومقدار ذلك الغرض – فهو قليل .. بَيَّنَ اللهُ تبارك وتعالى أن الفريق الذي يشتري بآيات الله ثمنًا قليلًا ، هم أولئك الفريق الذي لم يُنْزِلُوا القرآنَ منزلته ولم يهتدوا بالقرآن الهدى الذي ينبغي أن يكون ؛ بل هم في الحقيقة عظمت الدنيا في نفوسهم وصاروا لا مبتغى لهم إلا تحصيلها مهمًا كان من قليلٍ أو كثير ، فاشتروا بآيات الله ثمنًا قليلًا .. ذَكرت في المرة السابقة ، حقيقة الاشتراء وأنه ليس بالمعنى الذي يقع في البيع والشراء .. بمعنى أنه لا يُتَصَوَّرُ أن أحدًا من الناس عندما يُعَلِّمه الله عز وجل آيةً من كتابه أو هُدًى من هُدَى الله عز وجل أو يُنِيرُ له ولو لحظة كما يُنير للمنافقين قلوبهم ولو لحظة ثم ينطفئ ذلك النور ، أنهم لا يأتون مَن يريدون منه ما عنده من عَرَض الدنيا أو ما يريدون أن يرضوه بما ينبغي أن يكون من دين الله عز وجل ، بأن يقول له خُذ هذه الآية وأعطني متاعًا من متاع الدنيا ، عرفنا أنه لا يقع الأمر هكذا ؛ ولكن لابد أن نفهم أن كل مَن يُقَنِّنُ لأصحاب المقاماتٍ ، مقام مالٍ مقام جاهٍ مقام سلطانٍ مقام وجاهةٍ ، أيًّا كان ، كل مَن يُقَنِّنُ لصاحب مقامٍ ، ما هو عليه من باطل أو يُصَحِّح له ما يهوى من أمرٍ في دينه بحيث يكون على هَوًى في أمر دينه ثم هو يريد مَن يُقَنِّنُ له ويُشَرِّع له هذا الهَوَى ، أيًّا كان ، سواء كان هذا الهوى هو كراهية الدين أصلًا ، سواء كان هذا الهوى هو المساواة بين دين الإسلام وغيره ، سواء كان هذا الهوى إعلاء الدين الآخر على الإسلام ، سواء كان هذا الهوى هو كراهية شِرْعَة من الشرائع ، كَمَن يُقَنِّنُ لِمَن يكره الحجاب عدم الحجاب ، كَمَن يُقَنِّنُ لِمَن يريد ألَّا يُصَلِّي عدم الصلاة ، كَمَن يُقَنِّنُ لِمَنْ يريد أن يشرب شيئًا من أنواع الخمر أن يُبَيِّن له أن ذلك ممكن لأن ذلك نوعٌ اختلف فيه أهل العلم أو ما شابه .. فهو يأتي من آيات الله بالباطل – وليس في آيات الله باطل – ولكننا نعلم أن القرآن يمكن أن يهتدي به مَن يهتدي ويمكن أن يُضَلُّ به من يُضَلُّ ، وليس لأن القرآن فيه هدًى وضلال – والعياذ بالله – ولكن لأن المُبْتَغِي للضلال يمكن أن يُعْوِج قُوَمَ القرآن .. القرآن قَيِّمًا لا عِوَجَ فيه .. القرآن مستقيم لا اعوجاج فيه .. القرآن هُدًى ونور ؛ ولكن الدّاخل على القرآن أو المُتَعَامِل مع القرآن ، إمّا أن يكون مُبْتَغِي الهُدَى فيهتدي به ويَجِدُ فيه الهُدَى والنور ، وقد عرفنا في ذلك وأطلت في ذلك المقال بأن القرآن لكل مُهْتَدٍ ؛ يهتدي به ، ولكل مُهْتَدٍ ؛ يُنُيرُ اللهُ به قلبَه { بَلْ هُوَ ءَايَـٰتٌ بَيِّنَـٰتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ } [العنكبوت:49] .. هذه هي حقيقة القرآن ، وهذه هي حقيقة الهُدَى الذي يهدي اللهُ به مَن يشاء من عباده .. أمّا إذا دخل على القرآن يريد أن يأتي منه بباطل ؛ فالله عز وجل يَفْتِنَه ويُغْوِيه جزاء نِيَّته ، من باب أن الجزاء من جنس العمل ، فيجعل له مفهومًا مقلوبًا ويجعل له ضلالًا ويجعل له شيئًا غير مُقِيم .. ولذلك نحن نجد أصحابَ الفِرَقِ الضّالَّة من المعتزلة ، من الجهمية ، من المرجئة ، من أيّ فِرْقَة كانت ، من الخوارج ، من الشيعة ، كل هؤلاء الفِرَق .. ما لهم ؟ عندهم على ما ذهبوا إليه ، آياتٌ من كتاب الله .. ولو كان الذي ذهبوا إليه ، الشّيء وضدّه .. فالمرجئة ذهبوا إلى شيء والخوارج ذهبوا إلى ضِدّه ، والشيعة ذهبوا إلى الشيء والمعتزلة ذهبوا إلى ضِدّه .. ليس هذا محل بيان ذلك .. ولكن أقصد أن أقول ، لِكُلٍّ منهم له دليله ، هذا الدليل استدلّوا به على ما ذهبوا إليه .. كل هذا الضلال ، كل ما قالت به الفِرَق ، خاصة في مسألة الإيمان وما يتعلّق بصحة الإيمان وما هو شَرْطٌ في صحته وما هو شَرْطٌ في كماله ، كل ما قالوه هؤلاء الفِرَق ؛ باطلٌ وضلالٌ ، ليس في ذلك استثناء ؛ بالرغم من أنهم قد اعتمدوا في أقوالهم على آياتٍ من كتاب الله ، قد اعتمدوا في أقوالهم على قرآن وليس على أحاديث من أنفسهم ولا على كلامٍ فلسفي ، حتى وإن أضافوا إليه ؛ ولكن مثلًا ، هناك من المرجئة ، بل من غلاتهم ، من قال إن الإيمان هو التصديق فقط ، لمجرد أن تُصَدِّق بالأمر ، دون أن يكون للقلب مع ذلك عمل ، ودون أن يقتضي ذلك نُطْق لسانٍ وعمل جوارح ، مجرد أن يُصَدِّق فقط ، كالخَبَر الذي يُقْبَل بالتصديق دون تكذيب ، يكون قد صحَّ إيمانه وكَمُلَ إيمانه وأقام الإيمان كله ، واعتمدوا في ذلك على مثل قول الله تعالى { وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَـٰدِقِينَ } [يوسف:17] .. ومعنى " بِمُؤْمِنٍ " : بِمُصَدِّقٍ .. فقالوا الله يقول الإيمان هو التّصديق ( وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ ) : ( وما أنت بِمُصَدِّقٍ ) ، فسَمّى التصديق ، إيمان ؛ فإذًا فالإيمان هو مجرد التصديق !! .. هذا مثال .. مثال بسيط يسير جدًا .. وهكذا في كل قَوْلٍ ، ذهبت إليه فِرْقَةٌ من الفِرَق ، إنما ذهبوا إليه بناء على تصوِّرهم ، وبناء على فلسفاتٍ من عقولهم ؛ ولكن لهم معتمد ؛ ولكن لهم دليل من القرآن ، ضَلُّوا به .. ضَلُّوا به لأن القرآن فيه ضلال ؟!! حاشا وكلَّا .. ولكن لأنهم دخلوا على القرآن بضلالهم وأرادوا أن يُقِيموا من القرآن على ضلالهم ، دليلا ؛ فاستدلوا ببعض ما أوحى إليهم به شيطانهم .. فتنبّه .. هذا يعني ماذا ؟ هذا يعني أن "الاشتراء"  " الاستبدال " الذي يقع بآيات الله ، ليس أنه يأتي إلى البائع ، بائع الطعام أو الشراب أو بائع الحُلِي أو بائع الذهب أو بائع الفضة ، ويقول له خُذ وأعطني من ذهبك أو فِضَّتك .. أبدًا .. إنما الاشتراء أو الاستبدال ، يعني أنه يأتي في المقام ، ماذا يطلب صاحب المقام .. ماذا يطلب ذو السلطان ؟ .. أن يكون الأمر كذا وكذا وكذا من الدين ؛ فيقول الأمر كذا وكذا وكذا من الدين .. بناء على ماذا ؟ أنه يختار من الآيات ما يُلَوِّي معانيها وما يُلَوِّي مقاصدها وما يُلَوِّي دلالاتها ؛ وعندئذٍ يُرْضِي ذوي السلطان ، يُرْضي ذوي الأموال ، يُرْضي ذوي المقامات ، يُرْضي ذوي الوجاهة الاجتماعية ، يُرْضي أصحاب النفوذ وأصحاب المكانات ، وهكذا .. فأنت مثلًا تَجِد في التلفاز ، دعاة ومُعَمَّمِين وغير مُعمَّمِين يتكلَّمون في دين الله ، بماذا ؟ بما يريده الذين تَتلَقَّوْن دينَهم من التلفاز .. فالذين يتَلَقَّوْنَ دينَهم من التلفاز ، يريدون أن يُسَوّوا بين الإسلام وغيره ، أيًّا كان هذا الغير ، حتى لو كان هذا الغير هو الإلحاد – والعياذ بالله – فتجد أنه عندما يتكلّم – حتى ينال الرِّضا من أهل التلفاز وينال الرِّضا ممن أخرجوه على التلفاز وينال الرِّضا ممن يشاهدون التلفاز ولا يقومون عليه بقومتهم ولا يُنكرون عليه بطريقتهم ؛ فيتكلّم بما يُرضِي أهواءهم ، ويتكلّم بما يُحقق مُرادهم .. فإذا كانت القضية هي إنكار الحجاب ؛ فيتكلّم بكذا وكذا .. فإن قِيل له الآيات القرآنية فيها { وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَـٰعًا فَاسْـَٔلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ } [الأحزاب:53] .. فيقول لا ، المراد ليس هذا ، وإنما أهل الحجاب هم نساء النبي صلى الله عليه وسلم !! .. مع أن الله يقول { يَـٰٓأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَـٰبِيبِهِنَّ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰٓ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا } [الأحزاب:59] .. بمعنى أن الخطاب من الله عز وجل إلى النَّبِيّ – صلى الله عليه وسلم – يُبَيِّن أن الخطاب مُوجَّه لنساء النَّبِيّ ونساء المؤمنين وليس خاص بنساء النّبيّ – صلى الله عليه وسلم – فقط .. ولكن عندما يتناول مِثْلُ البائع لآيات الله ومِثْلُ المشتري بآيات الله ثمنًا قليلًا ، يتكلَّم على الآيات وكأنه يريد أن يصل من هذا الكلام إلى ما يُرْضي هوى المستمع .. فصار الدِّين خاضعًا لقاعدة " ما يطلبه المستمعون " .. وهكذا .. البيع والشراء فيما يتعلّق بأمر الدِّين صار موضة العصر .. يعني الآن ، ماذا تريد أنت ؟ أنا أريد أن يكون مثلًا معاملات البنوك حلال ؛ فيخرج عليك الخارج والخارج والخارج يتكلَّم على ذلك ويُقَنِّنُ ذلك ويدافع عنه ويُثْبِت أنه ليس حرامًا وأنه حلالًا وأنه وأنه ، وأن ما يتعلّق بالرِّبا إنما هو يكون بين الفرد والفرد وليس بين الفرد والهيئات ، فعندما يكون رجل يُعطي أموالًا يُقْرضها أو يُسلمها لهؤلاء الذين يأخذون الأموال على سبيل القرض فيشترط عليهم أن يردُّوها بزيادة ، هذا هو الرِّبا ، أما إذا كان هذا مع هيئة فليس بِرِبا !! .. ومثل ذلك .. قِس على هذا كل شيء .. حتى أنه خرج البائعون لدين الله والمشترون بآيات الله ثمنًا قليلًا – على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم – يُصَحِّحُون وظيفة الراقصة ، ويُبَيِّنُون أن الراقصة إنما تعمل عملًا تَكَدُّ فيه وتعرق وأنه لا ينبغي أن يُنكَر عليها وأنه ينبغي كذا وكذا وكذا !! .. تخيل مثل هذه الأمور ، لماذا تقع ؟ لأن سوق البيع لآيات الله أو الاشتراء بآيات الله ثمنًا قليلًا ، مفتوح .. وصار البيع ليس متعلِّقًا بتحليل الإلحاد وليس البيع متعلق بإثبات أن المُلحد يمكن أن يدخل الجنة وأن أصحاب جميع الأديان غير الإسلام ، الذين ماتوا عليها سيدخلون الجنة ؛ مع أن الله يقول { إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَـٰمُ } [آل عمران:19] .. مع أن الله يقول { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَـٰمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَـٰسِرِينَ } [آل عمران:85] .. ( فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ ) .. والبائعون لآيات الله والمشترون بها ثمنًا قليلًا ، يُقَنِّنُون لغير ذلك ، بأن الله غفور رحيم والله عز وجل وسعت رحمته كُلَّ شيء ، والذي مات على غير دين الإسلام هو شيء من الأشياء !! .. انظر .. بيعٌ واشتراء وتضليل وابتغاء واشتراء الضلالة بالهدى .. لابد أن نفهم أن الاشتراء والبيع ، هو متعلّق بأن يكون هناك قضية ضلال ؛ بدلًا من أن يصدع أمامها بالقرآن من باب الصدع بالحق وإثبات الحق والدفاع عن دين الله والدفاع عن ما يُرْضِي الله ، تجد نفسك تتكلَّم بما يطلبه المستمعون .. ماذا يطلب المستمعون !! المستمعون يطلبون أن يكون كل مَيِّتٍ في الجنة ، أيًّا كان .. المستمعون يريدون أن يكون الرِّبَا حلال ، أيًّا كان .. المستمعون يريدون أن يكون عمل الراقصة والفنانة حلال ، أيًّا كان .. المستمعون يطلبون أن يكون الحجاب ليس شرطًا وليس من الدين ، حتى تتمتع المرأة بجمالها وإبراز جمالها للآخرين .. إلى غير ذلك .. إذًا هو لا يناصر الحق ، هو لا يصدع بالحق ، هو لا يشتري بآيات الله رضا رب العالمين ، هو لا يشتري بآيات الله مرضات رب العالمين .. هو لا يكون عندما يَتَعَلَّم ويُعَلِّم دينَ الله عز وجل ، أنه يرجو ثوابه ويخشى عقابه ، يسأل اللهَ بعمله قبل قوله اللهم إني أسألك رضاك والجنة وأعوذ بك من سخطك والنار .. ليس الأمر هكذا .. بل الأمر أنه موضة ما يطلبه المستمعون .. ونحن نعلم أن كل أَمْرٍ لم يكن في زمن النَّبِيّ – صلى الله عليه وسلم – وصحابته الكرام ، دين ؛ لن يكون في أيّ زمنٍ كان دين .. ونحن في زمن بَيْع الآيات ، ونحن في زمن الاشتراء بآيات الله ثمنًا قليلًا .. فهذا يعني أننا ينبغي أن نحتاط ، وأن نبرأ ، إن لم نكن نستطيع أن نصدع بالحق ، أو إن لم نكن نستطيع أن نُنَاصر الحق ؛ فلابد أن تعلم أن الأقل ، أن تُنكِر بقلبك .. فلأن الأصل هو أن كل مَن رأى مُنكر أو سمع عن منكر أو شاهد منكر ؛ أن يُنكِرَه بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان .. وكما قال النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – " وَلَيْسَ وَرَاء ذَلِكَ – أي وراء الإنكار بالقلب – مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَان " .. فنحن نتعلّم مثل هذه الأمور ونتعاهدها ونُنَبِّه عليها بالرغم من أن كثيرا منا غافل وكثير منا لا يدري وكثير منا لا يهتم ؛ لكي يكون لنا نِيَّة البراءة إلى الله عز وجل .. المراد من هذا التذكير الذي أُدندن به دائمًا هو إيقاد اليقظة العقدية في النفوس وفي القلوب ، حتى يكون الإنسان على جانب السلامة ، وآخر جانب السلامة هو البراءة إلى الله عز وجل بالنية الصحيحة ، بحيث أنه عندما يسمع المنكر أو يسمع كلام الذين يشترون بآيات الله ثمنًا قليلًا ، ماذا عليه ؟ يبرأ إلى الله .. يقول اللهم إني أبرأ إليك من قول هذا ومن فعل هذا .. اللهم إني أعجز أن أقول أو أعمل ؛ ولكني أَبْرَأ إليك وأعزم على أن هذا منكر أبرأ إليك منه .. هذا هو الحد الأدنى المطلوب من المسلم حتى يحافظ على دينه ، خاصة أن بيع الدين واستخدام الدين كَمَطِيَّة لاسترضاء كل ذوي مقام .. كما قال أهل العلم ، إن كثيرًا من المنتسبين إلى العلم يشترون بآيات الله ثمنًا قليلًا ، بأن يَلْوُوا النصوص حتى يكونوا عصريِّين أو يكونوا ممن يرضون ذوي السلطان ، أو يكونوا ممن يريد أن ينال من مال ذوي الأموال .. يعني إما أن يكون ممن يريد أن ينال من ذوي الأموال عَطِيَّة ، وإما أن يكون ممن يريد أن يُقَال عنه أنه مُتَفَتِّح ، داعي مُتَفَتِّح ، عالِم مُتَفَتِّح ، عالِم مُتَعَصْرِن ، عالِم ماشي على الموضة ، أو يكون ممن يريد أن يُرْضِي السلطان .. وقال ابن تيمية " لازال من أهل العلم فريقٌ كبيرٌ يضيع دينهم بسبب استرضائهم لذوي السلطان " .. لماذا ؟ لأنه يجد أن الأمر يمكن أن يُعَرِّضه للمخالفة أو يُعَرِّضه لبطش السلطان أو يُعَرِّضه أو يُعَرِّضه .. فماذا يعمل ؟ ينبطح ..بماذا ينبطح ؟ بأن يُلَوِّي الدِّين وأن يُمَيِّع الدين وأن يبيع الدين ، من باب أن يُرْضِي كل ذي مقام .. لكن المسلم ينبغي أن يعلم أن الدين هو ما يُرْضي ربَّ العالمين .. أن الدين هو ما هدى إليه سبحانه وتعالى .. أن الدين هو ما سَنَّه النّبيُّ الكريم عليه الصلاة والسلام  ... أسأل اللهَ أن يجعلنا وإياكم من المهتدين ...

—------------------------------------------------

الحمدُ للهِ وكفى، وسلامٌ على عبادِه الذين اصطفى، وأشهدُ أنْ لا إلـه إلا الله وحدَه لا شريكَ له ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه ، وصَفِيُّه مِنْ خلقِه وخليلُه ، صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه وعلى من تَبِعَ هُداه بإحسانٍ إلي يومِ الدين ، وأصلِّي وأُسلِّمُ على رسولِ اللّٰهِ صلاةً نحققُ بها أمرَ ربِّنا، حيثُ أنَّه قال { إِنَّ اللَّهَ وَمَلَـٰٓئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَـٰٓأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } [الأحزاب:56]... فاللَّهمَّ صلِّ على محمدٍ النَّبِيّ ، وأزواجِه أمهاتِ المؤمنين ، وذريَّته ، وآلِ بيته ، كما صلّيتَ على آلِ إبراهيمَ إنَّكَ حميدٌ مجيدٌ...

يقول الله تعالى { اشْتَرَوْاْ بِـَٔايَـٰتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ } أي أنهم ضَلُّوا في أنفسهم واشتروا بالآيات ثمنًا قليلًا .. ولو ظللتُ أُبيِّنُ أوجه البيع والشراء في دين الله وما يقع فيه ، وما كان في زمن الأَوَّلين وما صِرنا إليه في زمن الفتنة وغُربة الدين ؛ ما انتهى الكلام ، لا بمقالٍ ولا بمائة مقال ؛ ولكن لعلّ فيما ذكرتُ تبصرة وتَبيين لحقيقة الاشتراء وأن الاشتراء ليس هو نوع من أنواع الأخذ والعطاء بين الآيات والعَرَض الدنيوي ؛ ولكن هو تَطْويع الدِّين لمراد كل ذي مقامٍ حتى يرضى ، أو يُعطى مما يملك ، أو يَكُفّ ببطشه عن مَن يمكن أن يكون له بَطْشٌ عليه ، أو غير ذلك .. إما مُسَايَرَة للمُعَاصَرَة ، وإما طمعًا فيما يملك من مالٍ وعطاء ، وإما خشية ذي السلطان وإرضاء لذات السلطان .. كل ذلك واقعٌ ليس في زماننا فقط ، قد يكون في زماننا تَفَشَّى ، وقد يكون في زماننا استعر ، وقد يكون في زماننا قد صار معهودًا مشهودًا وترتّب على ذلك انقلاب المفاهيم ، وترتّب على ذلك ذَهاب أصول الدين .. عندما يُسَوَّى بين الإسلام وغيره ، وعندما يقول القائل ويُعَلِّم المُعَلِّم ويخرج على الفضائية أو غيرها أو يكتب في المقالات المقروءة أن كل غير المسلمين أو أن كل الناس أجمعين سيدخلون الجنة وأن الله سبحانه وتعالى رحمته وسعت كل شيء !! .. عندما تنكسر هذه العقيدة ، وهي عقيدة اختصاص الإسلام برضا رب العالمين ، واختصاص الإسلام بجنته ورضوانه ، واختصاص غير المسلمين بغير ذلك ، عندما تنكسر هذه العقيدة ؛ يضيع دين العبد ؛ لأن هذا أصلٌ من أصول دين رب العالمين ، وهذا فيه تكذيب بالآيات الصريحة التي صرَّحت بأن المؤمنين مآلهم حيث رضا الله ، وأن غير المسلمين مآلهم حيث سخط الله عز وجل وغضبه ، وهذه مسائل محسومة يعرفها العامَّة بجهلهم ليس بعلمهم ، فكيف إذا كان الأمر متعلق بدين الله عز وجل وبالنصوص القرآنية الأصيلة الصريحة التي ينبغي أن نتفهّمها وأن نتدبّرها وأن نعلمها ؟!!

ثم قال ( فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ ) .. إذا انقلبت المفاهيم وتبدّلت العقائد وصارت الأصول مهدومة ، ما النتيجة ؟ النتيجة هي أن دين الله يتبدّل ، وأنه يَشِبّ الصغير على ما لم يكن دين ، ويشيب الكبير على ما لم يكن دين .. فيتبدّل الدين حتى يصير النَّاطِق بالحقِّ مُجرم أو مُبتَدِع أو ضال أو خَارِجِي أو تَكْفير أو غير ذلك .. ما الذي يُنشِئُ مثل هذه الكلمات ؟ وما الذي يُنشِئُ مثل هذه التصورات ؟ الصدّ عن سبيل الله .. أنا جاهل فعندما يُعَلِّمني المعلِّمُ ويُرشِدنِي المُرْشِد إلى أن الدين كذا وكذا وكذا وأن الملحد سيدخل الجنة وأنه ينبغي ألَّا نناقش ونجادل في ذلك ؛ فتتبدّل تصوراتي وأنا رجلٌ جاهل ، وتتبدّل مفاهيمي وتتبدّل عقيدتي .. فماذا يكون الأمر ؟ يكون الأمر ، أن الدين يتبدّل ، فلا يبقى من الدين إلا اسمه ؛ ولكن حقيقة المعاني تذوب ؛ فينشأ الصغير على الباطل ويشيب الكبير على الباطل فتنتشر الجاهلية في مجتمع المسلمين ويتخلَّف كثيرٌ مِنَّا عن الحق الذي ينبغي أن نَدين به ، وبالتالي تجد الشاب بدلًا من أن يكون ذو خُلُق وذو دين ، تجده يسبّ الدين ، تجده يَعُقّ والديه ، تجده يمتهن المحرم من السرقة وتعاطي المخدرات وما شابه وما يُسَمَّى بالحشيش ، وما شابه من الأمور المعلومة المعروفة ، حتى صارت تجارة المخدرات في مجتمعنا كالبقالة وكتجارة الحبوب وكتجارة الأكل والخبز .. لماذا ؟ لأن المجتمع غاب فيه الوازع الشرعي .. ولابد أن تعلموا لو أن ذي السلطان جعل لكل واحدٍ من الشعب جندي مخصوص يقوم عليه ؛ ما أصلح ذلك حال الناس كما لو أقمت عليهم وازِعًا من رب العالمين يراقب ربَّه ويخشاه .. يعني إذا نحن قد وُزِّع علينا ، على كل نفسٍ منا قائم ، وعلى كل نفس منا شُرَطِيّ يأخذنا ويأخذ رقابنا إلى فعل الصواب ؛ ما انصلح حالنا بذلك بقدر ما لو تُرِكنا لربِّنا وعُلِّمْنَا أمْرَ ديننا وخُوِّفْنَا بالله عز وجل ورُبِّينا على العقائد التي تجعلنا نراقب اللهَ عز وجل بالغيب ونخافه بالغيب ونحافظ على حقوق الجار وحقوق الوالدين وحقوق الزوجة وحقوق الابن والابنة وحقوق الصاحب وصاحب العمل وحقوق البيع والشراء ومجانبة الغش .. لو أننا رُبِّينا على أمر ديننا ؛ لأقمنا هذه الحقوق .. لكن ما الذي جعل الفساد منتشر في كل جانب ، وما الذي جعل الفساد مهارة وشطارة ، ما الذي جعل ذلك ؟؟ مفاهيمنا المقلوبة ومفاهيمنا الباطلة ، هي التي جعلت نظرتنا " اللي تغلب به العب به .. وكل ما كنت شاطر ، كل ما كنت تقدر تجيب الجنيه وتجيب القرش من فم الأسد ، بأي طريقة كانت ، بالحرام .. مش مهم الحرام والحلال ، المهم تجيب الجنيه " فطبعًا غاب الوازع ، حتى أنه صار الغش مهارة وصار أكل مال الناس بالباطل ، بطولة ، وغير ذلك .. وصار العقوق في البيوت ، والخيانة بين الأزواج و الزوجات ، لماذا ؟ لأنه قد خُلِعَت من القلوب مراقبة رب العالمين ..

لمّا يُشْتَرى بآيات الله ثمنًا قليلًا ، يُصَدَّ عن السبيل .. عندما يُصَدَّ عن السبيل ، ينشأ الطفل الصغير والصبي الصغير والشاب مثلك والرجل الكبير مثلك ، ينشأ على المُبَدَّل من دين الله ، ينشأ على السبيل الباطل ، لا ينشأ على الحق ولا ينشأ على ما ينبغي أن يكون .. فعندما ينشأ أنا وأنت وابني وابنك وصاحبي وصاحبك وجاري وجارك وأبي وأبيك وأرحامك وعمّك وخالك وجدك وكلهم وجميعهم ينشأون على المُبَدَّل من دين الله ؛ تنهزم قوة الدين وسطوة الدين في القلوب وتنطفئ شمعة الدين في القلوب وينطفئ نور الدين في القلوب .. فعندئذٍ ماذا يكون ؟ .. انظر إلى أي مجموعة شباب يقفون على ناصية ، تجد بينهم السبّ " يا له يا ابن كذا يا اللي أمك كذا اللي فيك كذا .." تجد السبّ والشتم والسب بالفحش .. وإذا ما دخلت بينهم تنصحهم وتُعَلِّمهم أن ذلك من فحش القول وأن ذلك من سبِّ الوالدين وأن ذلك سب للأمهات وهو أمرٌ عظيم ، يقول لك " دا احنا بنحب بعض .. دا احنا أصحاب .. دا احنا بنهزر .. دا احنا بنضحك مع بعض " .. فصار حتى المِزاح وحتى الذين يحبون بعضهم وحتى الذين يصاحبون بعضهم ، ليس بينهم إلا فُحش القول .. ثم هم يجتمعون على ماذا ؟ على قرآنٍ يحفظوه ؟ أم على عِلْمٍ شَرْعِيٍّ يتعلَّموه ؟ أم على حَقٍّ للوالدين يُقِيموه ؟ أم على حفاظٍ على أمور دينهم ودنياهم ؟ أم على عملٍ يأكلون منه بالحلال يجتمعون عليه ؟!! .. إنما يجتمعون على لف السجائر ولف الحشيش أو مشاهدات باطلة أو مواعيد لا يُقام فيها إلا الفحش ، أو غير ذلك .. لماذا ؟ لأنك لم تجعل فيهم ولا في قلوبهم ولا في نفوسهم ، مراقبة لمن له الأمر عليهم ولمن له الحق عليهم ولمن هو آخِذٌ بناصيتهم ولمن هو متحكمٌ في كل شأنهم ، لم تُربِّهم على أن الحق الأول والأخير لله عز وجل .. ما جُعِلَ للوالدين حق إلا من حق الله ، وما جُعِلَ للجيران حق إلا من حق الله ، وما جُعِلَ للأبناء حق إلا من حق الله .. فإذا كان حق الله ضائع في القلوب وضائع في النفوس ، فهل تبقى الحقوق الثانوية أو المتفرّعة ؟ إذا كان الأصل ضائع ، إذا كان الأصل باهت ، إذا كان الأصل منطفئ في القلوب ، لم تُنِرْ القلوب به أو لم تستضئ به فلن تجد خيرا .. فلابد ان تَعَلَّم ذلك لما له من الخطورة في أمر دينك .. فالله يُعَلِّمنا في هذه الآية { اشْتَرَوْاْ بِـَٔايَـٰتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } .. لم يقل إنهم عملوا السوء ، ولم يقل إنهم يُسِيئون عملهم ؛ إنما قال ( سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) و (سَآءَ) فعل يقبل أن يكون مفعول له ، ويمكن أن يتحول إلى مفعول به ، لكن لماذا جاء بصيغة الفعل ؟ حتى يكون مستمر .. أي أن فِعلهم في أنفسهم سيئ وفي غيرهم سيئ ووقعه على مجتمعهم سيئ وفي فعلهم مع الخلق سيئ ( سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) أي أنهم لما اشتروا بآيات الله ثمنًا قليلًا فضلُّوا ، ولمّا صَدُّوا عن السبيل فأضلُّوا ؛ كان ذلك سوءًا مستمرًّا ، سوءًا باقيًا ، لا ينقطع هذا السوء إلا إذا اهتدوا ، إلا إذا تابوا ، إلا إذا وقفوا أمام الخلق قبل أن يقفوا بين يدي الخالق ويقولون نحن قد ضللنا وأضللناكم ، نحن قد فسدنا وأفسدناكم ، نحن قد ظلمنا وظلمناكم ، نحن قد خرَّبنا العامر وخرَّبناكم .. لماذا ؟ لأنهم هم الذين فهَّمُوا الناسَ ما فهموا ، حتى أنك يمكن أن تجادل واحد من الناس – طيّب غلبان – ولكن تَلَقَّى هذه المعلومة من التلفاز فيقول لك " لا ، الأمر مش كده ، و ماينفعش ، والأمر مافيهوش كده .. منين يا ابني جبت الكلام ده ؟ يقول هذا الكلام سمعته من التلفاز والشيخ قاله في التلفاز " .. فهذا شيخ مُضِلّ عندما يتكلّم بالباطل وعندما يُعلِّم الباطل وعندما يُبَدّل الحقَّ بالباطل وعندما يشتري بالحقِّ باطلًا .. لابد أن نفهم .. ولذلك أنا أوصي نفسي وإياك وأنصح نفسي وإياك وأُلْهِم نفسي وإياك أن نستمسك بالحق وأن نسأل أهلَ الحق عن الحق وأن نتعلَّمه من كتاب ربِّنا وأن نأخذه عن سَلَف أمتنا وأن نتعلَّمه من النَّبِيّ – صلى الله عليه وسلم – وصحابته الكرام .. وخُذْها قاعدة احفظها " ما لم يكن في زمن النَّبِيّ – صلى الله عليه وسلم – دين ؛ لا يكون في زمننا دين " بل يكون باطل .. بل يكون بدعة .. بل يكون ضلالًا .. ونسأل اللهَ أن يهدينا فيمن هدى وأن يجعلنا هداة مهتدين ... اللهم اهدنا فيمن هديت وتولّنا فيمن توليت وقِنا واصرف عنا شرَّ ما قضيت .. اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثَبِّت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين .. اللهم أرِنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطلَ باطلًا وارزقنا اجتنابه .. اهدنا فيمن هديت .. ارض عنا واغفر لنا وارحمنا .. فَرِّج كَرْب المكروبين وفُكّ أسر المأسورين ورُدّ الظلم عن المظلومين ورُدّ علينا الغائبين يا رحمن يا رحيم .. واهدنا واهد بنا واجعلنا سببًا لمن اهتدى .. أقول قولي هذا واستغفر اللهَ لي ولكم ... سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إلـه إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك ...

وكتبه : أسماء أحمد..

راجعه وصححه وضبطه:

د / سيد العربى..

كيف يبدل الدين ويصد عن سبيل الله ؟؟ ...

الجمعة : 6 – 3 – 1442 هـ ... الموافق : 23 – 10 – 2020 م

للدكتور/ سيد العربي .. حفظه الله ..

إنَّ الحَمْدَ لله ، نَحْمَدُه، ونسْتَعِينه ونَسْتَغْفِره ، ونعوذ بالله تعالى من شُرُورِ أنفُسِنا، ومِن سيِّئات أعمالنا ، مَن يَهْدِهِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ، وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا، وأشْهَدُ أن لا إلهَ إلا الله وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ ، وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عبدهُ ورَسُولُه .. اللَّهم صلِّ على محمَّدٍ وعلى آلِ محمَّد كما صليتَ على آلِ إبراهيمَ إِنَّكَ حميدٌ مجيد ، اللَّهم بارك على مُحَمَّدٍ وعلى آلِ محمَّدٍ كما باركتَ على آلِ إبراهيمَ إنَّكَ حميدٌ مجيد ...

{ يَـٰٓأيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [ءال عمران: 102].

{ يَـٰٓأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا } [النساء :1]

{ يَـٰٓأيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وُيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70-71]... وبعد؛

فَإِنَّ أَصْدَقَ الحديثِ كِتابُ الله وخيرَ الهَدي هدي محمدٍ صلى الله عليه

وسلم، وشرَّ الأمورِ مُحدثاتها وكل محدثةٍ بدعة وكل بدعةٍ ضلالة

وكل ضلالةٍ في النارِ ... ثم أما بعد ..

لازال الكلام متعلّق ببيان ما جعل اللهُ عز وجل من هدايةٍ في قوله تعالى { اشْتَرَوْاْ بِـَٔايَـٰتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } [التوبة:9] .. وقد عرفنا أن "الاشتراء" يعني في لغة القرآن "الاستبدال" ، وهو حقيقة الشراء والبيع .. فعندما يُذْكَر لفظ الاشتراء في أي آيةٍ من الآيات ، تفهم أنه المراد منه معنى الاستبدال ، أي أنه يستبدل بآيات الله والانتفاع بها وابتغاء مرضات الله وابتغاء وجه الله الكريم وابتغاء الجنة والبعد عن النار ، بدلًا من أن يشتري ذلك ويكون مُبتغاه ذلك ؛ تجده يُبَدِّله ، يُبَدِّلُ ذلك المبتغى وذلك المراد بأي عَرَضٍ وبأي أَمْرٍ سوى المراد .. وكُلُّ ما سوى القرآن ؛ قليل .. كما بَيّنتُ في المرة السابقة .. ( اشْتَرَوْاْ بِـَٔايَـٰتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ) .. وقد شَرَعْتُ في بيان وُجوه الاشتراء وكيفية الاشتراء في آخر المقال السابق في غير هذا المقام المبارك ، واليوم أُكْمِلُ في هذا الوقت ، ما يتعلّق ببعض بقية معنى الآية أو المسائل أوالهدايات العقدية التي ينبغي أن نُحَصِّلها وأن نهتدي بها من هذه الآيات .. ( اشْتَرَوْاْ بِـَٔايَـٰتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ) .. وهنا لابد أن نفهم أن الاشتراء الذي هو بمعنى الاستبدال ، أيًّا كان المقابل – المُبَدَّل بالقرآن والمُبَدَّل بالمراد ، بما ينبغي أن يكون من القرآن – هو قليل ، ولو كانت الدنيا بما فيها .. لو كانت الدنيا كلها بدلًا من الاهتداء بالقرآن ، بحيث أن العبد بدلًا من أن يهتدي بالقرآن وبدلًا من أن يصير صاحب دِين من خلال ما هَدَى اللهُ إليه من القرآن وبدلًا من أن يستنير بنور القرآن وبدلًا من أن يكون له في الكتاب هُدًى ونور ؛ يكون له غرض دُنيوي – أيًّا كان هذا الغرض وأيًّا كان حجم ومقدار ذلك الغرض – فهو قليل .. بَيَّنَ اللهُ تبارك وتعالى أن الفريق الذي يشتري بآيات الله ثمنًا قليلًا ، هم أولئك الفريق الذي لم يُنْزِلُوا القرآنَ منزلته ولم يهتدوا بالقرآن الهدى الذي ينبغي أن يكون ؛ بل هم في الحقيقة عظمت الدنيا في نفوسهم وصاروا لا مبتغى لهم إلا تحصيلها مهمًا كان من قليلٍ أو كثير ، فاشتروا بآيات الله ثمنًا قليلًا .. ذَكرت في المرة السابقة ، حقيقة الاشتراء وأنه ليس بالمعنى الذي يقع في البيع والشراء .. بمعنى أنه لا يُتَصَوَّرُ أن أحدًا من الناس عندما يُعَلِّمه الله عز وجل آيةً من كتابه أو هُدًى من هُدَى الله عز وجل أو يُنِيرُ له ولو لحظة كما يُنير للمنافقين قلوبهم ولو لحظة ثم ينطفئ ذلك النور ، أنهم لا يأتون مَن يريدون منه ما عنده من عَرَض الدنيا أو ما يريدون أن يرضوه بما ينبغي أن يكون من دين الله عز وجل ، بأن يقول له خُذ هذه الآية وأعطني متاعًا من متاع الدنيا ، عرفنا أنه لا يقع الأمر هكذا ؛ ولكن لابد أن نفهم أن كل مَن يُقَنِّنُ لأصحاب المقاماتٍ ، مقام مالٍ مقام جاهٍ مقام سلطانٍ مقام وجاهةٍ ، أيًّا كان ، كل مَن يُقَنِّنُ لصاحب مقامٍ ، ما هو عليه من باطل أو يُصَحِّح له ما يهوى من أمرٍ في دينه بحيث يكون على هَوًى في أمر دينه ثم هو يريد مَن يُقَنِّنُ له ويُشَرِّع له هذا الهَوَى ، أيًّا كان ، سواء كان هذا الهوى هو كراهية الدين أصلًا ، سواء كان هذا الهوى هو المساواة بين دين الإسلام وغيره ، سواء كان هذا الهوى إعلاء الدين الآخر على الإسلام ، سواء كان هذا الهوى هو كراهية شِرْعَة من الشرائع ، كَمَن يُقَنِّنُ لِمَن يكره الحجاب عدم الحجاب ، كَمَن يُقَنِّنُ لِمَن يريد ألَّا يُصَلِّي عدم الصلاة ، كَمَن يُقَنِّنُ لِمَنْ يريد أن يشرب شيئًا من أنواع الخمر أن يُبَيِّن له أن ذلك ممكن لأن ذلك نوعٌ اختلف فيه أهل العلم أو ما شابه .. فهو يأتي من آيات الله بالباطل – وليس في آيات الله باطل – ولكننا نعلم أن القرآن يمكن أن يهتدي به مَن يهتدي ويمكن أن يُضَلُّ به من يُضَلُّ ، وليس لأن القرآن فيه هدًى وضلال – والعياذ بالله – ولكن لأن المُبْتَغِي للضلال يمكن أن يُعْوِج قُوَمَ القرآن .. القرآن قَيِّمًا لا عِوَجَ فيه .. القرآن مستقيم لا اعوجاج فيه .. القرآن هُدًى ونور ؛ ولكن الدّاخل على القرآن أو المُتَعَامِل مع القرآن ، إمّا أن يكون مُبْتَغِي الهُدَى فيهتدي به ويَجِدُ فيه الهُدَى والنور ، وقد عرفنا في ذلك وأطلت في ذلك المقال بأن القرآن لكل مُهْتَدٍ ؛ يهتدي به ، ولكل مُهْتَدٍ ؛ يُنُيرُ اللهُ به قلبَه { بَلْ هُوَ ءَايَـٰتٌ بَيِّنَـٰتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ } [العنكبوت:49] .. هذه هي حقيقة القرآن ، وهذه هي حقيقة الهُدَى الذي يهدي اللهُ به مَن يشاء من عباده .. أمّا إذا دخل على القرآن يريد أن يأتي منه بباطل ؛ فالله عز وجل يَفْتِنَه ويُغْوِيه جزاء نِيَّته ، من باب أن الجزاء من جنس العمل ، فيجعل له مفهومًا مقلوبًا ويجعل له ضلالًا ويجعل له شيئًا غير مُقِيم .. ولذلك نحن نجد أصحابَ الفِرَقِ الضّالَّة من المعتزلة ، من الجهمية ، من المرجئة ، من أيّ فِرْقَة كانت ، من الخوارج ، من الشيعة ، كل هؤلاء الفِرَق .. ما لهم ؟ عندهم على ما ذهبوا إليه ، آياتٌ من كتاب الله .. ولو كان الذي ذهبوا إليه ، الشّيء وضدّه .. فالمرجئة ذهبوا إلى شيء والخوارج ذهبوا إلى ضِدّه ، والشيعة ذهبوا إلى الشيء والمعتزلة ذهبوا إلى ضِدّه .. ليس هذا محل بيان ذلك .. ولكن أقصد أن أقول ، لِكُلٍّ منهم له دليله ، هذا الدليل استدلّوا به على ما ذهبوا إليه .. كل هذا الضلال ، كل ما قالت به الفِرَق ، خاصة في مسألة الإيمان وما يتعلّق بصحة الإيمان وما هو شَرْطٌ في صحته وما هو شَرْطٌ في كماله ، كل ما قالوه هؤلاء الفِرَق ؛ باطلٌ وضلالٌ ، ليس في ذلك استثناء ؛ بالرغم من أنهم قد اعتمدوا في أقوالهم على آياتٍ من كتاب الله ، قد اعتمدوا في أقوالهم على قرآن وليس على أحاديث من أنفسهم ولا على كلامٍ فلسفي ، حتى وإن أضافوا إليه ؛ ولكن مثلًا ، هناك من المرجئة ، بل من غلاتهم ، من قال إن الإيمان هو التصديق فقط ، لمجرد أن تُصَدِّق بالأمر ، دون أن يكون للقلب مع ذلك عمل ، ودون أن يقتضي ذلك نُطْق لسانٍ وعمل جوارح ، مجرد أن يُصَدِّق فقط ، كالخَبَر الذي يُقْبَل بالتصديق دون تكذيب ، يكون قد صحَّ إيمانه وكَمُلَ إيمانه وأقام الإيمان كله ، واعتمدوا في ذلك على مثل قول الله تعالى { وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَـٰدِقِينَ } [يوسف:17] .. ومعنى " بِمُؤْمِنٍ " : بِمُصَدِّقٍ .. فقالوا الله يقول الإيمان هو التّصديق ( وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ ) : ( وما أنت بِمُصَدِّقٍ ) ، فسَمّى التصديق ، إيمان ؛ فإذًا فالإيمان هو مجرد التصديق !! .. هذا مثال .. مثال بسيط يسير جدًا .. وهكذا في كل قَوْلٍ ، ذهبت إليه فِرْقَةٌ من الفِرَق ، إنما ذهبوا إليه بناء على تصوِّرهم ، وبناء على فلسفاتٍ من عقولهم ؛ ولكن لهم معتمد ؛ ولكن لهم دليل من القرآن ، ضَلُّوا به .. ضَلُّوا به لأن القرآن فيه ضلال ؟!! حاشا وكلَّا .. ولكن لأنهم دخلوا على القرآن بضلالهم وأرادوا أن يُقِيموا من القرآن على ضلالهم ، دليلا ؛ فاستدلوا ببعض ما أوحى إليهم به شيطانهم .. فتنبّه .. هذا يعني ماذا ؟ هذا يعني أن "الاشتراء"  " الاستبدال " الذي يقع بآيات الله ، ليس أنه يأتي إلى البائع ، بائع الطعام أو الشراب أو بائع الحُلِي أو بائع الذهب أو بائع الفضة ، ويقول له خُذ وأعطني من ذهبك أو فِضَّتك .. أبدًا .. إنما الاشتراء أو الاستبدال ، يعني أنه يأتي في المقام ، ماذا يطلب صاحب المقام .. ماذا يطلب ذو السلطان ؟ .. أن يكون الأمر كذا وكذا وكذا من الدين ؛ فيقول الأمر كذا وكذا وكذا من الدين .. بناء على ماذا ؟ أنه يختار من الآيات ما يُلَوِّي معانيها وما يُلَوِّي مقاصدها وما يُلَوِّي دلالاتها ؛ وعندئذٍ يُرْضِي ذوي السلطان ، يُرْضي ذوي الأموال ، يُرْضي ذوي المقامات ، يُرْضي ذوي الوجاهة الاجتماعية ، يُرْضي أصحاب النفوذ وأصحاب المكانات ، وهكذا .. فأنت مثلًا تَجِد في التلفاز ، دعاة ومُعَمَّمِين وغير مُعمَّمِين يتكلَّمون في دين الله ، بماذا ؟ بما يريده الذين تَتلَقَّوْن دينَهم من التلفاز .. فالذين يتَلَقَّوْنَ دينَهم من التلفاز ، يريدون أن يُسَوّوا بين الإسلام وغيره ، أيًّا كان هذا الغير ، حتى لو كان هذا الغير هو الإلحاد – والعياذ بالله – فتجد أنه عندما يتكلّم – حتى ينال الرِّضا من أهل التلفاز وينال الرِّضا ممن أخرجوه على التلفاز وينال الرِّضا ممن يشاهدون التلفاز ولا يقومون عليه بقومتهم ولا يُنكرون عليه بطريقتهم ؛ فيتكلّم بما يُرضِي أهواءهم ، ويتكلّم بما يُحقق مُرادهم .. فإذا كانت القضية هي إنكار الحجاب ؛ فيتكلّم بكذا وكذا .. فإن قِيل له الآيات القرآنية فيها { وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَـٰعًا فَاسْـَٔلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ } [الأحزاب:53] .. فيقول لا ، المراد ليس هذا ، وإنما أهل الحجاب هم نساء النبي صلى الله عليه وسلم !! .. مع أن الله يقول { يَـٰٓأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَـٰبِيبِهِنَّ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰٓ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا } [الأحزاب:59] .. بمعنى أن الخطاب من الله عز وجل إلى النَّبِيّ – صلى الله عليه وسلم – يُبَيِّن أن الخطاب مُوجَّه لنساء النَّبِيّ ونساء المؤمنين وليس خاص بنساء النّبيّ – صلى الله عليه وسلم – فقط .. ولكن عندما يتناول مِثْلُ البائع لآيات الله ومِثْلُ المشتري بآيات الله ثمنًا قليلًا ، يتكلَّم على الآيات وكأنه يريد أن يصل من هذا الكلام إلى ما يُرْضي هوى المستمع .. فصار الدِّين خاضعًا لقاعدة " ما يطلبه المستمعون " .. وهكذا .. البيع والشراء فيما يتعلّق بأمر الدِّين صار موضة العصر .. يعني الآن ، ماذا تريد أنت ؟ أنا أريد أن يكون مثلًا معاملات البنوك حلال ؛ فيخرج عليك الخارج والخارج والخارج يتكلَّم على ذلك ويُقَنِّنُ ذلك ويدافع عنه ويُثْبِت أنه ليس حرامًا وأنه حلالًا وأنه وأنه ، وأن ما يتعلّق بالرِّبا إنما هو يكون بين الفرد والفرد وليس بين الفرد والهيئات ، فعندما يكون رجل يُعطي أموالًا يُقْرضها أو يُسلمها لهؤلاء الذين يأخذون الأموال على سبيل القرض فيشترط عليهم أن يردُّوها بزيادة ، هذا هو الرِّبا ، أما إذا كان هذا مع هيئة فليس بِرِبا !! .. ومثل ذلك .. قِس على هذا كل شيء .. حتى أنه خرج البائعون لدين الله والمشترون بآيات الله ثمنًا قليلًا – على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم – يُصَحِّحُون وظيفة الراقصة ، ويُبَيِّنُون أن الراقصة إنما تعمل عملًا تَكَدُّ فيه وتعرق وأنه لا ينبغي أن يُنكَر عليها وأنه ينبغي كذا وكذا وكذا !! .. تخيل مثل هذه الأمور ، لماذا تقع ؟ لأن سوق البيع لآيات الله أو الاشتراء بآيات الله ثمنًا قليلًا ، مفتوح .. وصار البيع ليس متعلِّقًا بتحليل الإلحاد وليس البيع متعلق بإثبات أن المُلحد يمكن أن يدخل الجنة وأن أصحاب جميع الأديان غير الإسلام ، الذين ماتوا عليها سيدخلون الجنة ؛ مع أن الله يقول { إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَـٰمُ } [آل عمران:19] .. مع أن الله يقول { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَـٰمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَـٰسِرِينَ } [آل عمران:85] .. ( فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ ) .. والبائعون لآيات الله والمشترون بها ثمنًا قليلًا ، يُقَنِّنُون لغير ذلك ، بأن الله غفور رحيم والله عز وجل وسعت رحمته كُلَّ شيء ، والذي مات على غير دين الإسلام هو شيء من الأشياء !! .. انظر .. بيعٌ واشتراء وتضليل وابتغاء واشتراء الضلالة بالهدى .. لابد أن نفهم أن الاشتراء والبيع ، هو متعلّق بأن يكون هناك قضية ضلال ؛ بدلًا من أن يصدع أمامها بالقرآن من باب الصدع بالحق وإثبات الحق والدفاع عن دين الله والدفاع عن ما يُرْضِي الله ، تجد نفسك تتكلَّم بما يطلبه المستمعون .. ماذا يطلب المستمعون !! المستمعون يطلبون أن يكون كل مَيِّتٍ في الجنة ، أيًّا كان .. المستمعون يريدون أن يكون الرِّبَا حلال ، أيًّا كان .. المستمعون يريدون أن يكون عمل الراقصة والفنانة حلال ، أيًّا كان .. المستمعون يطلبون أن يكون الحجاب ليس شرطًا وليس من الدين ، حتى تتمتع المرأة بجمالها وإبراز جمالها للآخرين .. إلى غير ذلك .. إذًا هو لا يناصر الحق ، هو لا يصدع بالحق ، هو لا يشتري بآيات الله رضا رب العالمين ، هو لا يشتري بآيات الله مرضات رب العالمين .. هو لا يكون عندما يَتَعَلَّم ويُعَلِّم دينَ الله عز وجل ، أنه يرجو ثوابه ويخشى عقابه ، يسأل اللهَ بعمله قبل قوله اللهم إني أسألك رضاك والجنة وأعوذ بك من سخطك والنار .. ليس الأمر هكذا .. بل الأمر أنه موضة ما يطلبه المستمعون .. ونحن نعلم أن كل أَمْرٍ لم يكن في زمن النَّبِيّ – صلى الله عليه وسلم – وصحابته الكرام ، دين ؛ لن يكون في أيّ زمنٍ كان دين .. ونحن في زمن بَيْع الآيات ، ونحن في زمن الاشتراء بآيات الله ثمنًا قليلًا .. فهذا يعني أننا ينبغي أن نحتاط ، وأن نبرأ ، إن لم نكن نستطيع أن نصدع بالحق ، أو إن لم نكن نستطيع أن نُنَاصر الحق ؛ فلابد أن تعلم أن الأقل ، أن تُنكِر بقلبك .. فلأن الأصل هو أن كل مَن رأى مُنكر أو سمع عن منكر أو شاهد منكر ؛ أن يُنكِرَه بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان .. وكما قال النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – " وَلَيْسَ وَرَاء ذَلِكَ – أي وراء الإنكار بالقلب – مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَان " .. فنحن نتعلّم مثل هذه الأمور ونتعاهدها ونُنَبِّه عليها بالرغم من أن كثيرا منا غافل وكثير منا لا يدري وكثير منا لا يهتم ؛ لكي يكون لنا نِيَّة البراءة إلى الله عز وجل .. المراد من هذا التذكير الذي أُدندن به دائمًا هو إيقاد اليقظة العقدية في النفوس وفي القلوب ، حتى يكون الإنسان على جانب السلامة ، وآخر جانب السلامة هو البراءة إلى الله عز وجل بالنية الصحيحة ، بحيث أنه عندما يسمع المنكر أو يسمع كلام الذين يشترون بآيات الله ثمنًا قليلًا ، ماذا عليه ؟ يبرأ إلى الله .. يقول اللهم إني أبرأ إليك من قول هذا ومن فعل هذا .. اللهم إني أعجز أن أقول أو أعمل ؛ ولكني أَبْرَأ إليك وأعزم على أن هذا منكر أبرأ إليك منه .. هذا هو الحد الأدنى المطلوب من المسلم حتى يحافظ على دينه ، خاصة أن بيع الدين واستخدام الدين كَمَطِيَّة لاسترضاء كل ذوي مقام .. كما قال أهل العلم ، إن كثيرًا من المنتسبين إلى العلم يشترون بآيات الله ثمنًا قليلًا ، بأن يَلْوُوا النصوص حتى يكونوا عصريِّين أو يكونوا ممن يرضون ذوي السلطان ، أو يكونوا ممن يريد أن ينال من مال ذوي الأموال .. يعني إما أن يكون ممن يريد أن ينال من ذوي الأموال عَطِيَّة ، وإما أن يكون ممن يريد أن يُقَال عنه أنه مُتَفَتِّح ، داعي مُتَفَتِّح ، عالِم مُتَفَتِّح ، عالِم مُتَعَصْرِن ، عالِم ماشي على الموضة ، أو يكون ممن يريد أن يُرْضِي السلطان .. وقال ابن تيمية " لازال من أهل العلم فريقٌ كبيرٌ يضيع دينهم بسبب استرضائهم لذوي السلطان " .. لماذا ؟ لأنه يجد أن الأمر يمكن أن يُعَرِّضه للمخالفة أو يُعَرِّضه لبطش السلطان أو يُعَرِّضه أو يُعَرِّضه .. فماذا يعمل ؟ ينبطح ..بماذا ينبطح ؟ بأن يُلَوِّي الدِّين وأن يُمَيِّع الدين وأن يبيع الدين ، من باب أن يُرْضِي كل ذي مقام .. لكن المسلم ينبغي أن يعلم أن الدين هو ما يُرْضي ربَّ العالمين .. أن الدين هو ما هدى إليه سبحانه وتعالى .. أن الدين هو ما سَنَّه النّبيُّ الكريم عليه الصلاة والسلام  ... أسأل اللهَ أن يجعلنا وإياكم من المهتدين ...

—------------------------------------------------

الحمدُ للهِ وكفى، وسلامٌ على عبادِه الذين اصطفى، وأشهدُ أنْ لا إلـه إلا الله وحدَه لا شريكَ له ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه ، وصَفِيُّه مِنْ خلقِه وخليلُه ، صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه وعلى من تَبِعَ هُداه بإحسانٍ إلي يومِ الدين ، وأصلِّي وأُسلِّمُ على رسولِ اللّٰهِ صلاةً نحققُ بها أمرَ ربِّنا، حيثُ أنَّه قال { إِنَّ اللَّهَ وَمَلَـٰٓئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَـٰٓأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } [الأحزاب:56]... فاللَّهمَّ صلِّ على محمدٍ النَّبِيّ ، وأزواجِه أمهاتِ المؤمنين ، وذريَّته ، وآلِ بيته ، كما صلّيتَ على آلِ إبراهيمَ إنَّكَ حميدٌ مجيدٌ...

يقول الله تعالى { اشْتَرَوْاْ بِـَٔايَـٰتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ } أي أنهم ضَلُّوا في أنفسهم واشتروا بالآيات ثمنًا قليلًا .. ولو ظللتُ أُبيِّنُ أوجه البيع والشراء في دين الله وما يقع فيه ، وما كان في زمن الأَوَّلين وما صِرنا إليه في زمن الفتنة وغُربة الدين ؛ ما انتهى الكلام ، لا بمقالٍ ولا بمائة مقال ؛ ولكن لعلّ فيما ذكرتُ تبصرة وتَبيين لحقيقة الاشتراء وأن الاشتراء ليس هو نوع من أنواع الأخذ والعطاء بين الآيات والعَرَض الدنيوي ؛ ولكن هو تَطْويع الدِّين لمراد كل ذي مقامٍ حتى يرضى ، أو يُعطى مما يملك ، أو يَكُفّ ببطشه عن مَن يمكن أن يكون له بَطْشٌ عليه ، أو غير ذلك .. إما مُسَايَرَة للمُعَاصَرَة ، وإما طمعًا فيما يملك من مالٍ وعطاء ، وإما خشية ذي السلطان وإرضاء لذات السلطان .. كل ذلك واقعٌ ليس في زماننا فقط ، قد يكون في زماننا تَفَشَّى ، وقد يكون في زماننا استعر ، وقد يكون في زماننا قد صار معهودًا مشهودًا وترتّب على ذلك انقلاب المفاهيم ، وترتّب على ذلك ذَهاب أصول الدين .. عندما يُسَوَّى بين الإسلام وغيره ، وعندما يقول القائل ويُعَلِّم المُعَلِّم ويخرج على الفضائية أو غيرها أو يكتب في المقالات المقروءة أن كل غير المسلمين أو أن كل الناس أجمعين سيدخلون الجنة وأن الله سبحانه وتعالى رحمته وسعت كل شيء !! .. عندما تنكسر هذه العقيدة ، وهي عقيدة اختصاص الإسلام برضا رب العالمين ، واختصاص الإسلام بجنته ورضوانه ، واختصاص غير المسلمين بغير ذلك ، عندما تنكسر هذه العقيدة ؛ يضيع دين العبد ؛ لأن هذا أصلٌ من أصول دين رب العالمين ، وهذا فيه تكذيب بالآيات الصريحة التي صرَّحت بأن المؤمنين مآلهم حيث رضا الله ، وأن غير المسلمين مآلهم حيث سخط الله عز وجل وغضبه ، وهذه مسائل محسومة يعرفها العامَّة بجهلهم ليس بعلمهم ، فكيف إذا كان الأمر متعلق بدين الله عز وجل وبالنصوص القرآنية الأصيلة الصريحة التي ينبغي أن نتفهّمها وأن نتدبّرها وأن نعلمها ؟!!

ثم قال ( فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ ) .. إذا انقلبت المفاهيم وتبدّلت العقائد وصارت الأصول مهدومة ، ما النتيجة ؟ النتيجة هي أن دين الله يتبدّل ، وأنه يَشِبّ الصغير على ما لم يكن دين ، ويشيب الكبير على ما لم يكن دين .. فيتبدّل الدين حتى يصير النَّاطِق بالحقِّ مُجرم أو مُبتَدِع أو ضال أو خَارِجِي أو تَكْفير أو غير ذلك .. ما الذي يُنشِئُ مثل هذه الكلمات ؟ وما الذي يُنشِئُ مثل هذه التصورات ؟ الصدّ عن سبيل الله .. أنا جاهل فعندما يُعَلِّمني المعلِّمُ ويُرشِدنِي المُرْشِد إلى أن الدين كذا وكذا وكذا وأن الملحد سيدخل الجنة وأنه ينبغي ألَّا نناقش ونجادل في ذلك ؛ فتتبدّل تصوراتي وأنا رجلٌ جاهل ، وتتبدّل مفاهيمي وتتبدّل عقيدتي .. فماذا يكون الأمر ؟ يكون الأمر ، أن الدين يتبدّل ، فلا يبقى من الدين إلا اسمه ؛ ولكن حقيقة المعاني تذوب ؛ فينشأ الصغير على الباطل ويشيب الكبير على الباطل فتنتشر الجاهلية في مجتمع المسلمين ويتخلَّف كثيرٌ مِنَّا عن الحق الذي ينبغي أن نَدين به ، وبالتالي تجد الشاب بدلًا من أن يكون ذو خُلُق وذو دين ، تجده يسبّ الدين ، تجده يَعُقّ والديه ، تجده يمتهن المحرم من السرقة وتعاطي المخدرات وما شابه وما يُسَمَّى بالحشيش ، وما شابه من الأمور المعلومة المعروفة ، حتى صارت تجارة المخدرات في مجتمعنا كالبقالة وكتجارة الحبوب وكتجارة الأكل والخبز .. لماذا ؟ لأن المجتمع غاب فيه الوازع الشرعي .. ولابد أن تعلموا لو أن ذي السلطان جعل لكل واحدٍ من الشعب جندي مخصوص يقوم عليه ؛ ما أصلح ذلك حال الناس كما لو أقمت عليهم وازِعًا من رب العالمين يراقب ربَّه ويخشاه .. يعني إذا نحن قد وُزِّع علينا ، على كل نفسٍ منا قائم ، وعلى كل نفس منا شُرَطِيّ يأخذنا ويأخذ رقابنا إلى فعل الصواب ؛ ما انصلح حالنا بذلك بقدر ما لو تُرِكنا لربِّنا وعُلِّمْنَا أمْرَ ديننا وخُوِّفْنَا بالله عز وجل ورُبِّينا على العقائد التي تجعلنا نراقب اللهَ عز وجل بالغيب ونخافه بالغيب ونحافظ على حقوق الجار وحقوق الوالدين وحقوق الزوجة وحقوق الابن والابنة وحقوق الصاحب وصاحب العمل وحقوق البيع والشراء ومجانبة الغش .. لو أننا رُبِّينا على أمر ديننا ؛ لأقمنا هذه الحقوق .. لكن ما الذي جعل الفساد منتشر في كل جانب ، وما الذي جعل الفساد مهارة وشطارة ، ما الذي جعل ذلك ؟؟ مفاهيمنا المقلوبة ومفاهيمنا الباطلة ، هي التي جعلت نظرتنا " اللي تغلب به العب به .. وكل ما كنت شاطر ، كل ما كنت تقدر تجيب الجنيه وتجيب القرش من فم الأسد ، بأي طريقة كانت ، بالحرام .. مش مهم الحرام والحلال ، المهم تجيب الجنيه " فطبعًا غاب الوازع ، حتى أنه صار الغش مهارة وصار أكل مال الناس بالباطل ، بطولة ، وغير ذلك .. وصار العقوق في البيوت ، والخيانة بين الأزواج و الزوجات ، لماذا ؟ لأنه قد خُلِعَت من القلوب مراقبة رب العالمين ..

لمّا يُشْتَرى بآيات الله ثمنًا قليلًا ، يُصَدَّ عن السبيل .. عندما يُصَدَّ عن السبيل ، ينشأ الطفل الصغير والصبي الصغير والشاب مثلك والرجل الكبير مثلك ، ينشأ على المُبَدَّل من دين الله ، ينشأ على السبيل الباطل ، لا ينشأ على الحق ولا ينشأ على ما ينبغي أن يكون .. فعندما ينشأ أنا وأنت وابني وابنك وصاحبي وصاحبك وجاري وجارك وأبي وأبيك وأرحامك وعمّك وخالك وجدك وكلهم وجميعهم ينشأون على المُبَدَّل من دين الله ؛ تنهزم قوة الدين وسطوة الدين في القلوب وتنطفئ شمعة الدين في القلوب وينطفئ نور الدين في القلوب .. فعندئذٍ ماذا يكون ؟ .. انظر إلى أي مجموعة شباب يقفون على ناصية ، تجد بينهم السبّ " يا له يا ابن كذا يا اللي أمك كذا اللي فيك كذا .." تجد السبّ والشتم والسب بالفحش .. وإذا ما دخلت بينهم تنصحهم وتُعَلِّمهم أن ذلك من فحش القول وأن ذلك من سبِّ الوالدين وأن ذلك سب للأمهات وهو أمرٌ عظيم ، يقول لك " دا احنا بنحب بعض .. دا احنا أصحاب .. دا احنا بنهزر .. دا احنا بنضحك مع بعض " .. فصار حتى المِزاح وحتى الذين يحبون بعضهم وحتى الذين يصاحبون بعضهم ، ليس بينهم إلا فُحش القول .. ثم هم يجتمعون على ماذا ؟ على قرآنٍ يحفظوه ؟ أم على عِلْمٍ شَرْعِيٍّ يتعلَّموه ؟ أم على حَقٍّ للوالدين يُقِيموه ؟ أم على حفاظٍ على أمور دينهم ودنياهم ؟ أم على عملٍ يأكلون منه بالحلال يجتمعون عليه ؟!! .. إنما يجتمعون على لف السجائر ولف الحشيش أو مشاهدات باطلة أو مواعيد لا يُقام فيها إلا الفحش ، أو غير ذلك .. لماذا ؟ لأنك لم تجعل فيهم ولا في قلوبهم ولا في نفوسهم ، مراقبة لمن له الأمر عليهم ولمن له الحق عليهم ولمن هو آخِذٌ بناصيتهم ولمن هو متحكمٌ في كل شأنهم ، لم تُربِّهم على أن الحق الأول والأخير لله عز وجل .. ما جُعِلَ للوالدين حق إلا من حق الله ، وما جُعِلَ للجيران حق إلا من حق الله ، وما جُعِلَ للأبناء حق إلا من حق الله .. فإذا كان حق الله ضائع في القلوب وضائع في النفوس ، فهل تبقى الحقوق الثانوية أو المتفرّعة ؟ إذا كان الأصل ضائع ، إذا كان الأصل باهت ، إذا كان الأصل منطفئ في القلوب ، لم تُنِرْ القلوب به أو لم تستضئ به فلن تجد خيرا .. فلابد ان تَعَلَّم ذلك لما له من الخطورة في أمر دينك .. فالله يُعَلِّمنا في هذه الآية { اشْتَرَوْاْ بِـَٔايَـٰتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } .. لم يقل إنهم عملوا السوء ، ولم يقل إنهم يُسِيئون عملهم ؛ إنما قال ( سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) و (سَآءَ) فعل يقبل أن يكون مفعول له ، ويمكن أن يتحول إلى مفعول به ، لكن لماذا جاء بصيغة الفعل ؟ حتى يكون مستمر .. أي أن فِعلهم في أنفسهم سيئ وفي غيرهم سيئ ووقعه على مجتمعهم سيئ وفي فعلهم مع الخلق سيئ ( سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) أي أنهم لما اشتروا بآيات الله ثمنًا قليلًا فضلُّوا ، ولمّا صَدُّوا عن السبيل فأضلُّوا ؛ كان ذلك سوءًا مستمرًّا ، سوءًا باقيًا ، لا ينقطع هذا السوء إلا إذا اهتدوا ، إلا إذا تابوا ، إلا إذا وقفوا أمام الخلق قبل أن يقفوا بين يدي الخالق ويقولون نحن قد ضللنا وأضللناكم ، نحن قد فسدنا وأفسدناكم ، نحن قد ظلمنا وظلمناكم ، نحن قد خرَّبنا العامر وخرَّبناكم .. لماذا ؟ لأنهم هم الذين فهَّمُوا الناسَ ما فهموا ، حتى أنك يمكن أن تجادل واحد من الناس – طيّب غلبان – ولكن تَلَقَّى هذه المعلومة من التلفاز فيقول لك " لا ، الأمر مش كده ، و ماينفعش ، والأمر مافيهوش كده .. منين يا ابني جبت الكلام ده ؟ يقول هذا الكلام سمعته من التلفاز والشيخ قاله في التلفاز " .. فهذا شيخ مُضِلّ عندما يتكلّم بالباطل وعندما يُعلِّم الباطل وعندما يُبَدّل الحقَّ بالباطل وعندما يشتري بالحقِّ باطلًا .. لابد أن نفهم .. ولذلك أنا أوصي نفسي وإياك وأنصح نفسي وإياك وأُلْهِم نفسي وإياك أن نستمسك بالحق وأن نسأل أهلَ الحق عن الحق وأن نتعلَّمه من كتاب ربِّنا وأن نأخذه عن سَلَف أمتنا وأن نتعلَّمه من النَّبِيّ – صلى الله عليه وسلم – وصحابته الكرام .. وخُذْها قاعدة احفظها " ما لم يكن في زمن النَّبِيّ – صلى الله عليه وسلم – دين ؛ لا يكون في زمننا دين " بل يكون باطل .. بل يكون بدعة .. بل يكون ضلالًا .. ونسأل اللهَ أن يهدينا فيمن هدى وأن يجعلنا هداة مهتدين ... اللهم اهدنا فيمن هديت وتولّنا فيمن توليت وقِنا واصرف عنا شرَّ ما قضيت .. اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثَبِّت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين .. اللهم أرِنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطلَ باطلًا وارزقنا اجتنابه .. اهدنا فيمن هديت .. ارض عنا واغفر لنا وارحمنا .. فَرِّج كَرْب المكروبين وفُكّ أسر المأسورين ورُدّ الظلم عن المظلومين ورُدّ علينا الغائبين يا رحمن يا رحيم .. واهدنا واهد بنا واجعلنا سببًا لمن اهتدى .. أقول قولي هذا واستغفر اللهَ لي ولكم ... سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إلـه إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك ...

وكتبه : أسماء أحمد..

راجعه وصححه وضبطه:

د / سيد العربى..

كيف يبدل الدين ويصد عن سبيل الله ؟؟ ...

الجمعة : 6 – 3 – 1442 هـ ... الموافق : 23 – 10 – 2020 م

للدكتور/ سيد العربي .. حفظه الله ..

إنَّ الحَمْدَ لله ، نَحْمَدُه، ونسْتَعِينه ونَسْتَغْفِره ، ونعوذ بالله تعالى من شُرُورِ أنفُسِنا، ومِن سيِّئات أعمالنا ، مَن يَهْدِهِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ، وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا، وأشْهَدُ أن لا إلهَ إلا الله وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ ، وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عبدهُ ورَسُولُه .. اللَّهم صلِّ على محمَّدٍ وعلى آلِ محمَّد كما صليتَ على آلِ إبراهيمَ إِنَّكَ حميدٌ مجيد ، اللَّهم بارك على مُحَمَّدٍ وعلى آلِ محمَّدٍ كما باركتَ على آلِ إبراهيمَ إنَّكَ حميدٌ مجيد ...

{ يَـٰٓأيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [ءال عمران: 102].

{ يَـٰٓأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا } [النساء :1]

{ يَـٰٓأيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وُيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70-71]... وبعد؛

فَإِنَّ أَصْدَقَ الحديثِ كِتابُ الله وخيرَ الهَدي هدي محمدٍ صلى الله عليه

وسلم، وشرَّ الأمورِ مُحدثاتها وكل محدثةٍ بدعة وكل بدعةٍ ضلالة

وكل ضلالةٍ في النارِ ... ثم أما بعد ..

لازال الكلام متعلّق ببيان ما جعل اللهُ عز وجل من هدايةٍ في قوله تعالى { اشْتَرَوْاْ بِـَٔايَـٰتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } [التوبة:9] .. وقد عرفنا أن "الاشتراء" يعني في لغة القرآن "الاستبدال" ، وهو حقيقة الشراء والبيع .. فعندما يُذْكَر لفظ الاشتراء في أي آيةٍ من الآيات ، تفهم أنه المراد منه معنى الاستبدال ، أي أنه يستبدل بآيات الله والانتفاع بها وابتغاء مرضات الله وابتغاء وجه الله الكريم وابتغاء الجنة والبعد عن النار ، بدلًا من أن يشتري ذلك ويكون مُبتغاه ذلك ؛ تجده يُبَدِّله ، يُبَدِّلُ ذلك المبتغى وذلك المراد بأي عَرَضٍ وبأي أَمْرٍ سوى المراد .. وكُلُّ ما سوى القرآن ؛ قليل .. كما بَيّنتُ في المرة السابقة .. ( اشْتَرَوْاْ بِـَٔايَـٰتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ) .. وقد شَرَعْتُ في بيان وُجوه الاشتراء وكيفية الاشتراء في آخر المقال السابق في غير هذا المقام المبارك ، واليوم أُكْمِلُ في هذا الوقت ، ما يتعلّق ببعض بقية معنى الآية أو المسائل أوالهدايات العقدية التي ينبغي أن نُحَصِّلها وأن نهتدي بها من هذه الآيات .. ( اشْتَرَوْاْ بِـَٔايَـٰتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ) .. وهنا لابد أن نفهم أن الاشتراء الذي هو بمعنى الاستبدال ، أيًّا كان المقابل – المُبَدَّل بالقرآن والمُبَدَّل بالمراد ، بما ينبغي أن يكون من القرآن – هو قليل ، ولو كانت الدنيا بما فيها .. لو كانت الدنيا كلها بدلًا من الاهتداء بالقرآن ، بحيث أن العبد بدلًا من أن يهتدي بالقرآن وبدلًا من أن يصير صاحب دِين من خلال ما هَدَى اللهُ إليه من القرآن وبدلًا من أن يستنير بنور القرآن وبدلًا من أن يكون له في الكتاب هُدًى ونور ؛ يكون له غرض دُنيوي – أيًّا كان هذا الغرض وأيًّا كان حجم ومقدار ذلك الغرض – فهو قليل .. بَيَّنَ اللهُ تبارك وتعالى أن الفريق الذي يشتري بآيات الله ثمنًا قليلًا ، هم أولئك الفريق الذي لم يُنْزِلُوا القرآنَ منزلته ولم يهتدوا بالقرآن الهدى الذي ينبغي أن يكون ؛ بل هم في الحقيقة عظمت الدنيا في نفوسهم وصاروا لا مبتغى لهم إلا تحصيلها مهمًا كان من قليلٍ أو كثير ، فاشتروا بآيات الله ثمنًا قليلًا .. ذَكرت في المرة السابقة ، حقيقة الاشتراء وأنه ليس بالمعنى الذي يقع في البيع والشراء .. بمعنى أنه لا يُتَصَوَّرُ أن أحدًا من الناس عندما يُعَلِّمه الله عز وجل آيةً من كتابه أو هُدًى من هُدَى الله عز وجل أو يُنِيرُ له ولو لحظة كما يُنير للمنافقين قلوبهم ولو لحظة ثم ينطفئ ذلك النور ، أنهم لا يأتون مَن يريدون منه ما عنده من عَرَض الدنيا أو ما يريدون أن يرضوه بما ينبغي أن يكون من دين الله عز وجل ، بأن يقول له خُذ هذه الآية وأعطني متاعًا من متاع الدنيا ، عرفنا أنه لا يقع الأمر هكذا ؛ ولكن لابد أن نفهم أن كل مَن يُقَنِّنُ لأصحاب المقاماتٍ ، مقام مالٍ مقام جاهٍ مقام سلطانٍ مقام وجاهةٍ ، أيًّا كان ، كل مَن يُقَنِّنُ لصاحب مقامٍ ، ما هو عليه من باطل أو يُصَحِّح له ما يهوى من أمرٍ في دينه بحيث يكون على هَوًى في أمر دينه ثم هو يريد مَن يُقَنِّنُ له ويُشَرِّع له هذا الهَوَى ، أيًّا كان ، سواء كان هذا الهوى هو كراهية الدين أصلًا ، سواء كان هذا الهوى هو المساواة بين دين الإسلام وغيره ، سواء كان هذا الهوى إعلاء الدين الآخر على الإسلام ، سواء كان هذا الهوى هو كراهية شِرْعَة من الشرائع ، كَمَن يُقَنِّنُ لِمَن يكره الحجاب عدم الحجاب ، كَمَن يُقَنِّنُ لِمَن يريد ألَّا يُصَلِّي عدم الصلاة ، كَمَن يُقَنِّنُ لِمَنْ يريد أن يشرب شيئًا من أنواع الخمر أن يُبَيِّن له أن ذلك ممكن لأن ذلك نوعٌ اختلف فيه أهل العلم أو ما شابه .. فهو يأتي من آيات الله بالباطل – وليس في آيات الله باطل – ولكننا نعلم أن القرآن يمكن أن يهتدي به مَن يهتدي ويمكن أن يُضَلُّ به من يُضَلُّ ، وليس لأن القرآن فيه هدًى وضلال – والعياذ بالله – ولكن لأن المُبْتَغِي للضلال يمكن أن يُعْوِج قُوَمَ القرآن .. القرآن قَيِّمًا لا عِوَجَ فيه .. القرآن مستقيم لا اعوجاج فيه .. القرآن هُدًى ونور ؛ ولكن الدّاخل على القرآن أو المُتَعَامِل مع القرآن ، إمّا أن يكون مُبْتَغِي الهُدَى فيهتدي به ويَجِدُ فيه الهُدَى والنور ، وقد عرفنا في ذلك وأطلت في ذلك المقال بأن القرآن لكل مُهْتَدٍ ؛ يهتدي به ، ولكل مُهْتَدٍ ؛ يُنُيرُ اللهُ به قلبَه { بَلْ هُوَ ءَايَـٰتٌ بَيِّنَـٰتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ } [العنكبوت:49] .. هذه هي حقيقة القرآن ، وهذه هي حقيقة الهُدَى الذي يهدي اللهُ به مَن يشاء من عباده .. أمّا إذا دخل على القرآن يريد أن يأتي منه بباطل ؛ فالله عز وجل يَفْتِنَه ويُغْوِيه جزاء نِيَّته ، من باب أن الجزاء من جنس العمل ، فيجعل له مفهومًا مقلوبًا ويجعل له ضلالًا ويجعل له شيئًا غير مُقِيم .. ولذلك نحن نجد أصحابَ الفِرَقِ الضّالَّة من المعتزلة ، من الجهمية ، من المرجئة ، من أيّ فِرْقَة كانت ، من الخوارج ، من الشيعة ، كل هؤلاء الفِرَق .. ما لهم ؟ عندهم على ما ذهبوا إليه ، آياتٌ من كتاب الله .. ولو كان الذي ذهبوا إليه ، الشّيء وضدّه .. فالمرجئة ذهبوا إلى شيء والخوارج ذهبوا إلى ضِدّه ، والشيعة ذهبوا إلى الشيء والمعتزلة ذهبوا إلى ضِدّه .. ليس هذا محل بيان ذلك .. ولكن أقصد أن أقول ، لِكُلٍّ منهم له دليله ، هذا الدليل استدلّوا به على ما ذهبوا إليه .. كل هذا الضلال ، كل ما قالت به الفِرَق ، خاصة في مسألة الإيمان وما يتعلّق بصحة الإيمان وما هو شَرْطٌ في صحته وما هو شَرْطٌ في كماله ، كل ما قالوه هؤلاء الفِرَق ؛ باطلٌ وضلالٌ ، ليس في ذلك استثناء ؛ بالرغم من أنهم قد اعتمدوا في أقوالهم على آياتٍ من كتاب الله ، قد اعتمدوا في أقوالهم على قرآن وليس على أحاديث من أنفسهم ولا على كلامٍ فلسفي ، حتى وإن أضافوا إليه ؛ ولكن مثلًا ، هناك من المرجئة ، بل من غلاتهم ، من قال إن الإيمان هو التصديق فقط ، لمجرد أن تُصَدِّق بالأمر ، دون أن يكون للقلب مع ذلك عمل ، ودون أن يقتضي ذلك نُطْق لسانٍ وعمل جوارح ، مجرد أن يُصَدِّق فقط ، كالخَبَر الذي يُقْبَل بالتصديق دون تكذيب ، يكون قد صحَّ إيمانه وكَمُلَ إيمانه وأقام الإيمان كله ، واعتمدوا في ذلك على مثل قول الله تعالى { وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَـٰدِقِينَ } [يوسف:17] .. ومعنى " بِمُؤْمِنٍ " : بِمُصَدِّقٍ .. فقالوا الله يقول الإيمان هو التّصديق ( وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ ) : ( وما أنت بِمُصَدِّقٍ ) ، فسَمّى التصديق ، إيمان ؛ فإذًا فالإيمان هو مجرد التصديق !! .. هذا مثال .. مثال بسيط يسير جدًا .. وهكذا في كل قَوْلٍ ، ذهبت إليه فِرْقَةٌ من الفِرَق ، إنما ذهبوا إليه بناء على تصوِّرهم ، وبناء على فلسفاتٍ من عقولهم ؛ ولكن لهم معتمد ؛ ولكن لهم دليل من القرآن ، ضَلُّوا به .. ضَلُّوا به لأن القرآن فيه ضلال ؟!! حاشا وكلَّا .. ولكن لأنهم دخلوا على القرآن بضلالهم وأرادوا أن يُقِيموا من القرآن على ضلالهم ، دليلا ؛ فاستدلوا ببعض ما أوحى إليهم به شيطانهم .. فتنبّه .. هذا يعني ماذا ؟ هذا يعني أن "الاشتراء"  " الاستبدال " الذي يقع بآيات الله ، ليس أنه يأتي إلى البائع ، بائع الطعام أو الشراب أو بائع الحُلِي أو بائع الذهب أو بائع الفضة ، ويقول له خُذ وأعطني من ذهبك أو فِضَّتك .. أبدًا .. إنما الاشتراء أو الاستبدال ، يعني أنه يأتي في المقام ، ماذا يطلب صاحب المقام .. ماذا يطلب ذو السلطان ؟ .. أن يكون الأمر كذا وكذا وكذا من الدين ؛ فيقول الأمر كذا وكذا وكذا من الدين .. بناء على ماذا ؟ أنه يختار من الآيات ما يُلَوِّي معانيها وما يُلَوِّي مقاصدها وما يُلَوِّي دلالاتها ؛ وعندئذٍ يُرْضِي ذوي السلطان ، يُرْضي ذوي الأموال ، يُرْضي ذوي المقامات ، يُرْضي ذوي الوجاهة الاجتماعية ، يُرْضي أصحاب النفوذ وأصحاب المكانات ، وهكذا .. فأنت مثلًا تَجِد في التلفاز ، دعاة ومُعَمَّمِين وغير مُعمَّمِين يتكلَّمون في دين الله ، بماذا ؟ بما يريده الذين تَتلَقَّوْن دينَهم من التلفاز .. فالذين يتَلَقَّوْنَ دينَهم من التلفاز ، يريدون أن يُسَوّوا بين الإسلام وغيره ، أيًّا كان هذا الغير ، حتى لو كان هذا الغير هو الإلحاد – والعياذ بالله – فتجد أنه عندما يتكلّم – حتى ينال الرِّضا من أهل التلفاز وينال الرِّضا ممن أخرجوه على التلفاز وينال الرِّضا ممن يشاهدون التلفاز ولا يقومون عليه بقومتهم ولا يُنكرون عليه بطريقتهم ؛ فيتكلّم بما يُرضِي أهواءهم ، ويتكلّم بما يُحقق مُرادهم .. فإذا كانت القضية هي إنكار الحجاب ؛ فيتكلّم بكذا وكذا .. فإن قِيل له الآيات القرآنية فيها { وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَـٰعًا فَاسْـَٔلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ } [الأحزاب:53] .. فيقول لا ، المراد ليس هذا ، وإنما أهل الحجاب هم نساء النبي صلى الله عليه وسلم !! .. مع أن الله يقول { يَـٰٓأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَـٰبِيبِهِنَّ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰٓ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا } [الأحزاب:59] .. بمعنى أن الخطاب من الله عز وجل إلى النَّبِيّ – صلى الله عليه وسلم – يُبَيِّن أن الخطاب مُوجَّه لنساء النَّبِيّ ونساء المؤمنين وليس خاص بنساء النّبيّ – صلى الله عليه وسلم – فقط .. ولكن عندما يتناول مِثْلُ البائع لآيات الله ومِثْلُ المشتري بآيات الله ثمنًا قليلًا ، يتكلَّم على الآيات وكأنه يريد أن يصل من هذا الكلام إلى ما يُرْضي هوى المستمع .. فصار الدِّين خاضعًا لقاعدة " ما يطلبه المستمعون " .. وهكذا .. البيع والشراء فيما يتعلّق بأمر الدِّين صار موضة العصر .. يعني الآن ، ماذا تريد أنت ؟ أنا أريد أن يكون مثلًا معاملات البنوك حلال ؛ فيخرج عليك الخارج والخارج والخارج يتكلَّم على ذلك ويُقَنِّنُ ذلك ويدافع عنه ويُثْبِت أنه ليس حرامًا وأنه حلالًا وأنه وأنه ، وأن ما يتعلّق بالرِّبا إنما هو يكون بين الفرد والفرد وليس بين الفرد والهيئات ، فعندما يكون رجل يُعطي أموالًا يُقْرضها أو يُسلمها لهؤلاء الذين يأخذون الأموال على سبيل القرض فيشترط عليهم أن يردُّوها بزيادة ، هذا هو الرِّبا ، أما إذا كان هذا مع هيئة فليس بِرِبا !! .. ومثل ذلك .. قِس على هذا كل شيء .. حتى أنه خرج البائعون لدين الله والمشترون بآيات الله ثمنًا قليلًا – على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم – يُصَحِّحُون وظيفة الراقصة ، ويُبَيِّنُون أن الراقصة إنما تعمل عملًا تَكَدُّ فيه وتعرق وأنه لا ينبغي أن يُنكَر عليها وأنه ينبغي كذا وكذا وكذا !! .. تخيل مثل هذه الأمور ، لماذا تقع ؟ لأن سوق البيع لآيات الله أو الاشتراء بآيات الله ثمنًا قليلًا ، مفتوح .. وصار البيع ليس متعلِّقًا بتحليل الإلحاد وليس البيع متعلق بإثبات أن المُلحد يمكن أن يدخل الجنة وأن أصحاب جميع الأديان غير الإسلام ، الذين ماتوا عليها سيدخلون الجنة ؛ مع أن الله يقول { إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَـٰمُ } [آل عمران:19] .. مع أن الله يقول { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَـٰمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَـٰسِرِينَ } [آل عمران:85] .. ( فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ ) .. والبائعون لآيات الله والمشترون بها ثمنًا قليلًا ، يُقَنِّنُون لغير ذلك ، بأن الله غفور رحيم والله عز وجل وسعت رحمته كُلَّ شيء ، والذي مات على غير دين الإسلام هو شيء من الأشياء !! .. انظر .. بيعٌ واشتراء وتضليل وابتغاء واشتراء الضلالة بالهدى .. لابد أن نفهم أن الاشتراء والبيع ، هو متعلّق بأن يكون هناك قضية ضلال ؛ بدلًا من أن يصدع أمامها بالقرآن من باب الصدع بالحق وإثبات الحق والدفاع عن دين الله والدفاع عن ما يُرْضِي الله ، تجد نفسك تتكلَّم بما يطلبه المستمعون .. ماذا يطلب المستمعون !! المستمعون يطلبون أن يكون كل مَيِّتٍ في الجنة ، أيًّا كان .. المستمعون يريدون أن يكون الرِّبَا حلال ، أيًّا كان .. المستمعون يريدون أن يكون عمل الراقصة والفنانة حلال ، أيًّا كان .. المستمعون يطلبون أن يكون الحجاب ليس شرطًا وليس من الدين ، حتى تتمتع المرأة بجمالها وإبراز جمالها للآخرين .. إلى غير ذلك .. إذًا هو لا يناصر الحق ، هو لا يصدع بالحق ، هو لا يشتري بآيات الله رضا رب العالمين ، هو لا يشتري بآيات الله مرضات رب العالمين .. هو لا يكون عندما يَتَعَلَّم ويُعَلِّم دينَ الله عز وجل ، أنه يرجو ثوابه ويخشى عقابه ، يسأل اللهَ بعمله قبل قوله اللهم إني أسألك رضاك والجنة وأعوذ بك من سخطك والنار .. ليس الأمر هكذا .. بل الأمر أنه موضة ما يطلبه المستمعون .. ونحن نعلم أن كل أَمْرٍ لم يكن في زمن النَّبِيّ – صلى الله عليه وسلم – وصحابته الكرام ، دين ؛ لن يكون في أيّ زمنٍ كان دين .. ونحن في زمن بَيْع الآيات ، ونحن في زمن الاشتراء بآيات الله ثمنًا قليلًا .. فهذا يعني أننا ينبغي أن نحتاط ، وأن نبرأ ، إن لم نكن نستطيع أن نصدع بالحق ، أو إن لم نكن نستطيع أن نُنَاصر الحق ؛ فلابد أن تعلم أن الأقل ، أن تُنكِر بقلبك .. فلأن الأصل هو أن كل مَن رأى مُنكر أو سمع عن منكر أو شاهد منكر ؛ أن يُنكِرَه بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان .. وكما قال النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – " وَلَيْسَ وَرَاء ذَلِكَ – أي وراء الإنكار بالقلب – مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَان " .. فنحن نتعلّم مثل هذه الأمور ونتعاهدها ونُنَبِّه عليها بالرغم من أن كثيرا منا غافل وكثير منا لا يدري وكثير منا لا يهتم ؛ لكي يكون لنا نِيَّة البراءة إلى الله عز وجل .. المراد من هذا التذكير الذي أُدندن به دائمًا هو إيقاد اليقظة العقدية في النفوس وفي القلوب ، حتى يكون الإنسان على جانب السلامة ، وآخر جانب السلامة هو البراءة إلى الله عز وجل بالنية الصحيحة ، بحيث أنه عندما يسمع المنكر أو يسمع كلام الذين يشترون بآيات الله ثمنًا قليلًا ، ماذا عليه ؟ يبرأ إلى الله .. يقول اللهم إني أبرأ إليك من قول هذا ومن فعل هذا .. اللهم إني أعجز أن أقول أو أعمل ؛ ولكني أَبْرَأ إليك وأعزم على أن هذا منكر أبرأ إليك منه .. هذا هو الحد الأدنى المطلوب من المسلم حتى يحافظ على دينه ، خاصة أن بيع الدين واستخدام الدين كَمَطِيَّة لاسترضاء كل ذوي مقام .. كما قال أهل العلم ، إن كثيرًا من المنتسبين إلى العلم يشترون بآيات الله ثمنًا قليلًا ، بأن يَلْوُوا النصوص حتى يكونوا عصريِّين أو يكونوا ممن يرضون ذوي السلطان ، أو يكونوا ممن يريد أن ينال من مال ذوي الأموال .. يعني إما أن يكون ممن يريد أن ينال من ذوي الأموال عَطِيَّة ، وإما أن يكون ممن يريد أن يُقَال عنه أنه مُتَفَتِّح ، داعي مُتَفَتِّح ، عالِم مُتَفَتِّح ، عالِم مُتَعَصْرِن ، عالِم ماشي على الموضة ، أو يكون ممن يريد أن يُرْضِي السلطان .. وقال ابن تيمية " لازال من أهل العلم فريقٌ كبيرٌ يضيع دينهم بسبب استرضائهم لذوي السلطان " .. لماذا ؟ لأنه يجد أن الأمر يمكن أن يُعَرِّضه للمخالفة أو يُعَرِّضه لبطش السلطان أو يُعَرِّضه أو يُعَرِّضه .. فماذا يعمل ؟ ينبطح ..بماذا ينبطح ؟ بأن يُلَوِّي الدِّين وأن يُمَيِّع الدين وأن يبيع الدين ، من باب أن يُرْضِي كل ذي مقام .. لكن المسلم ينبغي أن يعلم أن الدين هو ما يُرْضي ربَّ العالمين .. أن الدين هو ما هدى إليه سبحانه وتعالى .. أن الدين هو ما سَنَّه النّبيُّ الكريم عليه الصلاة والسلام  ... أسأل اللهَ أن يجعلنا وإياكم من المهتدين ...

—------------------------------------------------

الحمدُ للهِ وكفى، وسلامٌ على عبادِه الذين اصطفى، وأشهدُ أنْ لا إلـه إلا الله وحدَه لا شريكَ له ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه ، وصَفِيُّه مِنْ خلقِه وخليلُه ، صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه وعلى من تَبِعَ هُداه بإحسانٍ إلي يومِ الدين ، وأصلِّي وأُسلِّمُ على رسولِ اللّٰهِ صلاةً نحققُ بها أمرَ ربِّنا، حيثُ أنَّه قال { إِنَّ اللَّهَ وَمَلَـٰٓئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَـٰٓأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } [الأحزاب:56]... فاللَّهمَّ صلِّ على محمدٍ النَّبِيّ ، وأزواجِه أمهاتِ المؤمنين ، وذريَّته ، وآلِ بيته ، كما صلّيتَ على آلِ إبراهيمَ إنَّكَ حميدٌ مجيدٌ...

يقول الله تعالى { اشْتَرَوْاْ بِـَٔايَـٰتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ } أي أنهم ضَلُّوا في أنفسهم واشتروا بالآيات ثمنًا قليلًا .. ولو ظللتُ أُبيِّنُ أوجه البيع والشراء في دين الله وما يقع فيه ، وما كان في زمن الأَوَّلين وما صِرنا إليه في زمن الفتنة وغُربة الدين ؛ ما انتهى الكلام ، لا بمقالٍ ولا بمائة مقال ؛ ولكن لعلّ فيما ذكرتُ تبصرة وتَبيين لحقيقة الاشتراء وأن الاشتراء ليس هو نوع من أنواع الأخذ والعطاء بين الآيات والعَرَض الدنيوي ؛ ولكن هو تَطْويع الدِّين لمراد كل ذي مقامٍ حتى يرضى ، أو يُعطى مما يملك ، أو يَكُفّ ببطشه عن مَن يمكن أن يكون له بَطْشٌ عليه ، أو غير ذلك .. إما مُسَايَرَة للمُعَاصَرَة ، وإما طمعًا فيما يملك من مالٍ وعطاء ، وإما خشية ذي السلطان وإرضاء لذات السلطان .. كل ذلك واقعٌ ليس في زماننا فقط ، قد يكون في زماننا تَفَشَّى ، وقد يكون في زماننا استعر ، وقد يكون في زماننا قد صار معهودًا مشهودًا وترتّب على ذلك انقلاب المفاهيم ، وترتّب على ذلك ذَهاب أصول الدين .. عندما يُسَوَّى بين الإسلام وغيره ، وعندما يقول القائل ويُعَلِّم المُعَلِّم ويخرج على الفضائية أو غيرها أو يكتب في المقالات المقروءة أن كل غير المسلمين أو أن كل الناس أجمعين سيدخلون الجنة وأن الله سبحانه وتعالى رحمته وسعت كل شيء !! .. عندما تنكسر هذه العقيدة ، وهي عقيدة اختصاص الإسلام برضا رب العالمين ، واختصاص الإسلام بجنته ورضوانه ، واختصاص غير المسلمين بغير ذلك ، عندما تنكسر هذه العقيدة ؛ يضيع دين العبد ؛ لأن هذا أصلٌ من أصول دين رب العالمين ، وهذا فيه تكذيب بالآيات الصريحة التي صرَّحت بأن المؤمنين مآلهم حيث رضا الله ، وأن غير المسلمين مآلهم حيث سخط الله عز وجل وغضبه ، وهذه مسائل محسومة يعرفها العامَّة بجهلهم ليس بعلمهم ، فكيف إذا كان الأمر متعلق بدين الله عز وجل وبالنصوص القرآنية الأصيلة الصريحة التي ينبغي أن نتفهّمها وأن نتدبّرها وأن نعلمها ؟!!

ثم قال ( فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ ) .. إذا انقلبت المفاهيم وتبدّلت العقائد وصارت الأصول مهدومة ، ما النتيجة ؟ النتيجة هي أن دين الله يتبدّل ، وأنه يَشِبّ الصغير على ما لم يكن دين ، ويشيب الكبير على ما لم يكن دين .. فيتبدّل الدين حتى يصير النَّاطِق بالحقِّ مُجرم أو مُبتَدِع أو ضال أو خَارِجِي أو تَكْفير أو غير ذلك .. ما الذي يُنشِئُ مثل هذه الكلمات ؟ وما الذي يُنشِئُ مثل هذه التصورات ؟ الصدّ عن سبيل الله .. أنا جاهل فعندما يُعَلِّمني المعلِّمُ ويُرشِدنِي المُرْشِد إلى أن الدين كذا وكذا وكذا وأن الملحد سيدخل الجنة وأنه ينبغي ألَّا نناقش ونجادل في ذلك ؛ فتتبدّل تصوراتي وأنا رجلٌ جاهل ، وتتبدّل مفاهيمي وتتبدّل عقيدتي .. فماذا يكون الأمر ؟ يكون الأمر ، أن الدين يتبدّل ، فلا يبقى من الدين إلا اسمه ؛ ولكن حقيقة المعاني تذوب ؛ فينشأ الصغير على الباطل ويشيب الكبير على الباطل فتنتشر الجاهلية في مجتمع المسلمين ويتخلَّف كثيرٌ مِنَّا عن الحق الذي ينبغي أن نَدين به ، وبالتالي تجد الشاب بدلًا من أن يكون ذو خُلُق وذو دين ، تجده يسبّ الدين ، تجده يَعُقّ والديه ، تجده يمتهن المحرم من السرقة وتعاطي المخدرات وما شابه وما يُسَمَّى بالحشيش ، وما شابه من الأمور المعلومة المعروفة ، حتى صارت تجارة المخدرات في مجتمعنا كالبقالة وكتجارة الحبوب وكتجارة الأكل والخبز .. لماذا ؟ لأن المجتمع غاب فيه الوازع الشرعي .. ولابد أن تعلموا لو أن ذي السلطان جعل لكل واحدٍ من الشعب جندي مخصوص يقوم عليه ؛ ما أصلح ذلك حال الناس كما لو أقمت عليهم وازِعًا من رب العالمين يراقب ربَّه ويخشاه .. يعني إذا نحن قد وُزِّع علينا ، على كل نفسٍ منا قائم ، وعلى كل نفس منا شُرَطِيّ يأخذنا ويأخذ رقابنا إلى فعل الصواب ؛ ما انصلح حالنا بذلك بقدر ما لو تُرِكنا لربِّنا وعُلِّمْنَا أمْرَ ديننا وخُوِّفْنَا بالله عز وجل ورُبِّينا على العقائد التي تجعلنا نراقب اللهَ عز وجل بالغيب ونخافه بالغيب ونحافظ على حقوق الجار وحقوق الوالدين وحقوق الزوجة وحقوق الابن والابنة وحقوق الصاحب وصاحب العمل وحقوق البيع والشراء ومجانبة الغش .. لو أننا رُبِّينا على أمر ديننا ؛ لأقمنا هذه الحقوق .. لكن ما الذي جعل الفساد منتشر في كل جانب ، وما الذي جعل الفساد مهارة وشطارة ، ما الذي جعل ذلك ؟؟ مفاهيمنا المقلوبة ومفاهيمنا الباطلة ، هي التي جعلت نظرتنا " اللي تغلب به العب به .. وكل ما كنت شاطر ، كل ما كنت تقدر تجيب الجنيه وتجيب القرش من فم الأسد ، بأي طريقة كانت ، بالحرام .. مش مهم الحرام والحلال ، المهم تجيب الجنيه " فطبعًا غاب الوازع ، حتى أنه صار الغش مهارة وصار أكل مال الناس بالباطل ، بطولة ، وغير ذلك .. وصار العقوق في البيوت ، والخيانة بين الأزواج و الزوجات ، لماذا ؟ لأنه قد خُلِعَت من القلوب مراقبة رب العالمين ..

لمّا يُشْتَرى بآيات الله ثمنًا قليلًا ، يُصَدَّ عن السبيل .. عندما يُصَدَّ عن السبيل ، ينشأ الطفل الصغير والصبي الصغير والشاب مثلك والرجل الكبير مثلك ، ينشأ على المُبَدَّل من دين الله ، ينشأ على السبيل الباطل ، لا ينشأ على الحق ولا ينشأ على ما ينبغي أن يكون .. فعندما ينشأ أنا وأنت وابني وابنك وصاحبي وصاحبك وجاري وجارك وأبي وأبيك وأرحامك وعمّك وخالك وجدك وكلهم وجميعهم ينشأون على المُبَدَّل من دين الله ؛ تنهزم قوة الدين وسطوة الدين في القلوب وتنطفئ شمعة الدين في القلوب وينطفئ نور الدين في القلوب .. فعندئذٍ ماذا يكون ؟ .. انظر إلى أي مجموعة شباب يقفون على ناصية ، تجد بينهم السبّ " يا له يا ابن كذا يا اللي أمك كذا اللي فيك كذا .." تجد السبّ والشتم والسب بالفحش .. وإذا ما دخلت بينهم تنصحهم وتُعَلِّمهم أن ذلك من فحش القول وأن ذلك من سبِّ الوالدين وأن ذلك سب للأمهات وهو أمرٌ عظيم ، يقول لك " دا احنا بنحب بعض .. دا احنا أصحاب .. دا احنا بنهزر .. دا احنا بنضحك مع بعض " .. فصار حتى المِزاح وحتى الذين يحبون بعضهم وحتى الذين يصاحبون بعضهم ، ليس بينهم إلا فُحش القول .. ثم هم يجتمعون على ماذا ؟ على قرآنٍ يحفظوه ؟ أم على عِلْمٍ شَرْعِيٍّ يتعلَّموه ؟ أم على حَقٍّ للوالدين يُقِيموه ؟ أم على حفاظٍ على أمور دينهم ودنياهم ؟ أم على عملٍ يأكلون منه بالحلال يجتمعون عليه ؟!! .. إنما يجتمعون على لف السجائر ولف الحشيش أو مشاهدات باطلة أو مواعيد لا يُقام فيها إلا الفحش ، أو غير ذلك .. لماذا ؟ لأنك لم تجعل فيهم ولا في قلوبهم ولا في نفوسهم ، مراقبة لمن له الأمر عليهم ولمن له الحق عليهم ولمن هو آخِذٌ بناصيتهم ولمن هو متحكمٌ في كل شأنهم ، لم تُربِّهم على أن الحق الأول والأخير لله عز وجل .. ما جُعِلَ للوالدين حق إلا من حق الله ، وما جُعِلَ للجيران حق إلا من حق الله ، وما جُعِلَ للأبناء حق إلا من حق الله .. فإذا كان حق الله ضائع في القلوب وضائع في النفوس ، فهل تبقى الحقوق الثانوية أو المتفرّعة ؟ إذا كان الأصل ضائع ، إذا كان الأصل باهت ، إذا كان الأصل منطفئ في القلوب ، لم تُنِرْ القلوب به أو لم تستضئ به فلن تجد خيرا .. فلابد ان تَعَلَّم ذلك لما له من الخطورة في أمر دينك .. فالله يُعَلِّمنا في هذه الآية { اشْتَرَوْاْ بِـَٔايَـٰتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } .. لم يقل إنهم عملوا السوء ، ولم يقل إنهم يُسِيئون عملهم ؛ إنما قال ( سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) و (سَآءَ) فعل يقبل أن يكون مفعول له ، ويمكن أن يتحول إلى مفعول به ، لكن لماذا جاء بصيغة الفعل ؟ حتى يكون مستمر .. أي أن فِعلهم في أنفسهم سيئ وفي غيرهم سيئ ووقعه على مجتمعهم سيئ وفي فعلهم مع الخلق سيئ ( سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) أي أنهم لما اشتروا بآيات الله ثمنًا قليلًا فضلُّوا ، ولمّا صَدُّوا عن السبيل فأضلُّوا ؛ كان ذلك سوءًا مستمرًّا ، سوءًا باقيًا ، لا ينقطع هذا السوء إلا إذا اهتدوا ، إلا إذا تابوا ، إلا إذا وقفوا أمام الخلق قبل أن يقفوا بين يدي الخالق ويقولون نحن قد ضللنا وأضللناكم ، نحن قد فسدنا وأفسدناكم ، نحن قد ظلمنا وظلمناكم ، نحن قد خرَّبنا العامر وخرَّبناكم .. لماذا ؟ لأنهم هم الذين فهَّمُوا الناسَ ما فهموا ، حتى أنك يمكن أن تجادل واحد من الناس – طيّب غلبان – ولكن تَلَقَّى هذه المعلومة من التلفاز فيقول لك " لا ، الأمر مش كده ، و ماينفعش ، والأمر مافيهوش كده .. منين يا ابني جبت الكلام ده ؟ يقول هذا الكلام سمعته من التلفاز والشيخ قاله في التلفاز " .. فهذا شيخ مُضِلّ عندما يتكلّم بالباطل وعندما يُعلِّم الباطل وعندما يُبَدّل الحقَّ بالباطل وعندما يشتري بالحقِّ باطلًا .. لابد أن نفهم .. ولذلك أنا أوصي نفسي وإياك وأنصح نفسي وإياك وأُلْهِم نفسي وإياك أن نستمسك بالحق وأن نسأل أهلَ الحق عن الحق وأن نتعلَّمه من كتاب ربِّنا وأن نأخذه عن سَلَف أمتنا وأن نتعلَّمه من النَّبِيّ – صلى الله عليه وسلم – وصحابته الكرام .. وخُذْها قاعدة احفظها " ما لم يكن في زمن النَّبِيّ – صلى الله عليه وسلم – دين ؛ لا يكون في زمننا دين " بل يكون باطل .. بل يكون بدعة .. بل يكون ضلالًا .. ونسأل اللهَ أن يهدينا فيمن هدى وأن يجعلنا هداة مهتدين ... اللهم اهدنا فيمن هديت وتولّنا فيمن توليت وقِنا واصرف عنا شرَّ ما قضيت .. اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثَبِّت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين .. اللهم أرِنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطلَ باطلًا وارزقنا اجتنابه .. اهدنا فيمن هديت .. ارض عنا واغفر لنا وارحمنا .. فَرِّج كَرْب المكروبين وفُكّ أسر المأسورين ورُدّ الظلم عن المظلومين ورُدّ علينا الغائبين يا رحمن يا رحيم .. واهدنا واهد بنا واجعلنا سببًا لمن اهتدى .. أقول قولي هذا واستغفر اللهَ لي ولكم ... سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إلـه إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك ...

وكتبه : أسماء أحمد..

راجعه وصححه وضبطه:

د / سيد العربى..




واحة العقيدة - موقع فضيلة الدكتور السيد العربي بن كمال
 
الجمعة ... 4 – 12 – 2020 ... لابد أن نخاف من النفاق في محبتنا لرسول الله
الجمعة ... 27 – 11 – 2020 ... نحن لا نحب رسول الله كما ينبغى!!
الجمعة ... 20 – 11 – 2020 ... لا طريق للمكارم العالية إلا رسول الله
الجمعة ... 13 – 11 – 2020 ... كيف أن محمد رسول الله رحمة؟؟
الجمعة ... 30 – 10 – 2020 ... إلا تنصروه فقد نصره الله
الجمعة ... 23 – 10 – 2020 ... كيف يبدل الدين ويصد عن سبيل الله؟؟
الجمعة ... 16 – 10 – 2020... كيف يبيع الظالم آيات الله؟؟
الجمعة ... 9 – 10 – 2020 ... لماذا نحن مع القرآن من الظالمين؟؟
الجمعة ... 2 – 10 – 2020 ... لماذا وصف القرآن بصائر؟؟
الجمعة ... 25 – 9 – 2020 ... حفظ القرآن حفظ سطور وصدور!!
 
art4islam
جميع الحقوق محفوظة لموقع واحة العقيدة - 1431 هـ

فتاوى فى إنتظار الرد: 15