أعلى
أعلى
جديد الموقع
 
الجمعة ... 4 – 12 – 2020 ... لابد أن نخاف من النفاق في محبتنا لرسول الله
الجمعة ... 27 – 11 – 2020 ... نحن لا نحب رسول الله كما ينبغى!!
الجمعة ... 20 – 11 – 2020 ... لا طريق للمكارم العالية إلا رسول الله
الجمعة ... 13 – 11 – 2020 ... كيف أن محمد رسول الله رحمة؟؟
الجمعة ... 30 – 10 – 2020 ... إلا تنصروه فقد نصره الله
الجمعة ... 23 – 10 – 2020 ... كيف يبدل الدين ويصد عن سبيل الله؟؟
الجمعة ... 16 – 10 – 2020... كيف يبيع الظالم آيات الله؟؟
الجمعة ... 9 – 10 – 2020 ... لماذا نحن مع القرآن من الظالمين؟؟
الجمعة ... 2 – 10 – 2020 ... لماذا وصف القرآن بصائر؟؟
الجمعة ... 25 – 9 – 2020 ... حفظ القرآن حفظ سطور وصدور!!
 
القناة الرسمية للدكتور سيد العربى..على اليوتيوب
فيديوهات د.السبد العربى
صفحة صوتيات السيد العربى على اسلام واى
ملتقى اهل الحديث
ملتقى اهل السنة
الشيخ ابو اسحاق الحوينى
الحور العين
 
كيف أن محمد رسول الله رحمة ؟؟ -
كيف أن محمد رسول الله رحمة ؟؟
16 - 11 - 2020

كيف أن محمد رسول الله رحمة ؟؟

الجمعة : 27 – 3 – 1442 هـ ... الموافق : 13 – 11 – 2020 م

للدكتور/ سيد العربي .. حفظه الله ..

إنَّ الحَمْدَ لله ، نَحْمَدُه، ونسْتَعِينه ونَسْتَغْفِره ، ونعوذ بالله تعالى من شُرُورِ أنفُسِنا، ومِن سيِّئات أعمالنا ، مَن يَهْدِهِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ، وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا، وأشْهَدُ أن لا إلهَ إلا الله وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ ، وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عبدهُ ورَسُولُه ، وصَفِيّه من خَلْقِه وخَلِيلُه ، صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه ، وعلي من تَبِعَ هُدَاهُ بإحسانٍ إلي يومِ الدين .. ثم أما بعد ..

في درسٍ قرآنيٍّ يُعَرِّف بشمائل النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وخصائصه ، وخُلُقه العظيم ؛ يقول الله تعالى .. أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ } [آل عمران:159] .. هذه الآية من الآيات الجامعة المانعة في حق النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. درسٌ قراني يُعَلُّمنا مَن هو النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أو يَدُلُّنا على جانبٍ أخلاقيٍّ سامٍ من جوانب خُلُقِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ..

يقول اللَّهُ تعالى ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ) ، وهذا السياق يُسَمَّى سياقًا خبريًّا ، وهو في الحقيقة سياقًا إنشائيًّا • لأن السياقات في القرآن متعددة ، منها السياق الإخباري وهو الخبر المحض ، كخبر الله عن الأمم الأولى أو عن الأمم الأخيرة أو عن فعله بالمؤمنين أو عن فعله بالكافرين أو غير ذلك من الأخبار الحقيقة المحضة .. أو يكون إنشائيًّا يحمل أمرًا ونهيًّا ، محضًا أيضًا ( وَأَقِيمُواْ الصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوٰةَ ) أو غير ذلك من الأوامر التي جاءت في القرآن صريحة بسياقٍ إنشائيٍّ واضح .. ومنها ما يكون إنشائيًّا ، وهو في الحقيقة خبر ، كقوله سبحانه وتعالى { ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ } [الدخان:49] .. وغيره مما فيه الأمر ، وهو في الحقيقة خبر ، ليس فيه أمر ولا نهي .. وإما أن يكون خبريًّا إنشائيًّا ، يعني سياقه خبر ولكنه يحمل أمرًا ونهيًا ، وهذا في القرآن كثير .. يقول الله تعالى { وَالْوَٰلِدَٰتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَـٰدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ۖ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ }[البقرة:233] .. هذا خبر .. هذا سياق خبري ، ولكنه في الحقيقة إنشائي .. بمعنى ، يأمر اللهُ تعالى فيقول ، إن أردتن أن تممن الرضاعة يا والدات ، فأرضعن رضيعكن حولين كاملين .. فجاء خبر يحمل إنشاءً .. وكقوله تعالى { وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءَامِنًا } [آل عمران: 97] فهذا أيضًا يُسَمَّى خبريا إنشائيا ؛ لأنه خبر ، يحكي الله تعالى أن مَن دخل البيت كان آمنًا ؛ والحقيقة  أنه يأمر مَن تَوَلَّى البيت أو مَن كان له سلطانٌ في البيت أو يأمر مَن هم حول البيت ، أَمِّنُوا مَن دخل البيت ( وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءَامِنًا ) معناها : أَمِّنُوا مَن دخل البيت .. فهذا يُسَمَّى سياقًا خبريًّا إنشائيًّا .. يعني سياق خبر يحمل أمرًا ونهيًا .. نحن معنا هنا في سياق الآية ، سياقًا إخباريًّا ؛ ولكنه إنشائِيًّا .. ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ) هذه حكاية ، هذا خبر ، يُخْبِرُ اللهُ عز وجل نَبِيَّه ويُخْبِرُ المؤمنين ، أنه بسبب رحمة من الله عز وجل – وسيأتي البيان ، لأن هذه الآية فيها أسرار بديعية وبليغية وفيها من البيان ما هو سحر ، سحر البيان الحقيقي ، وسترى عجبًا في الآية .. آية واحدة ، لكن فيها العجب – ولكنها بالرغم من أنها سياقًا خبريًّا إلا أنها حملت أمرًا ؛ وكأن الله يقول لنَبِيِّه ، بما جعل الله فيك من رحمتي وبما وضع الله فيك من رحماتٍ هيَّأَكَ بها ؛ لِنْ لأصحابك ولِنْ لأتْبَاعِك واعفُ عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر .. فاتْبَعَ السياق الخبري ، سياقًا إنشائِيًّا .. وكأنه اتْبَع السياقَ الإنشائيَّ المضمون ، المُتَضَمَنُ في السياق الخبري ، سياقًا إنشائِيًّا ؛ فصار السياق كله إنشائِيًّا .. كأنه يقول له ارحم ولِنْ واعْف واستغفر وشاور ، كل هذه أوامر فتُسَمَّى سياقًا إنشائِيًّا ؛ لكن الجزء الأول سياقًا خبريًّا يحمل الإنشاء ، والجزء الآخر إنشاءً حقيقيًّا .. هذه أول فائدة بيانية أُصُولية  هذه من فوائد الأصول ، لأن هذه مسائل  تتعلق بأصول الفقه فيما يتعلق بسياق القرآن .. هذا أولًا .. ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ) .. هنا ابتدأت الآية بالفاء والباء والميم .. والـ " مَا " ، " مَا الموصولة " ، أو ما الزائدة التي أصلها موصول .. والفاء تأتي للتعقيب ، وتأتي للعطف ، وتأتي للبيان ، وتأتي لربط العبارات السابقة واللاحقة .. وهنا لابد من وقفة حتى تعرف معنى الفاء ، " الفاء " فقط .. ( فَبِمَا ) .. عندنا " فاء " ، وعندنا " باء " ، وعندنا " مَا " .. ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ) .. لهذه الآية قصة عظيمة جدا ، أو قصص ، سبقت في القرآن في هذه السورة ، سبق سياق يُبَيِّن بعض الأحداث التي وقعت مع النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وأصحابه الكرام .. أول هذه الأحداث ، أنه شاورهم عندما علم أن قريش جمعت جمعها وأرادت أن تأتي المدينة ، فشار أصحابَه أن نخرج من المدينة أم نظل فيها ؛ فشار عليه أهل الفِداء والإقبال ومُريدي الشهادة والتَّوَّاقُون إلى أن يجبروا ما فاتهم في بدر بعدما علموا ما أصاب أهل بدرٍ من الفضل العظيم الذي لم يُصِب أحد ، وأنتم تعلمون أن البَدْرِيين لهم قَدْرٌ عند ربهم سبحانه وتعالى ، عظيم جدا جدا جدا ، لم يسبق ولن يسبق فضل يصيب عبدا من عباد الله كما هو للبدريين ، فقد قضى الله عز وجل مغفرة ذنوبهم ، حتى وإن فعلوها بعد بَدر ، من باب أن بدر حسنة عظيمة جدا تُكَفِّرُ أي سيئة ، حتى وإن كانت عظيمة ، ولذلك لما هَمَّ عُمَرُ – رضي الله عنه – بقتل حاطب بن أبي بلتعة ، وكان من البدريين ، وقد دَلَّ الكفارَ على بعض عورات المسلمين وأخبارهم – وهذا فِعْل كُفْر ؛ ولكنه فعله متأوِّلًا بطريقة معينة وبِنِيَّةٍ معينة بعيدة عن نِيَّة السوء وسوء الطوية وخبث الكفر وما شابه – فلما أراد عُمر أن يَهُمَّ به ؛ قال له النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " دعه يا عُمر ، فإن الله أوحى لي ، يا أهل بدر افعلوا ما شئتم فإني قد غفرت لكم " .. فأشار عليه مَن فاتهم ما فاتهم في بدرٍ أن يخرجوا إليهم عند جبل أُحُد ، فلَبِسَ النَّبِيُّ –  صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لَأْمَتَهُ – وهي عُدَّة الحرب ولباسه – ثم راجعوه فيما أشاروا عليه ، وقالوا إن أردت أن نَبْقَى ، فَعَلْنَا .. قال " ما كان لنَبِيٍّ إِذَا لَبِسَ لَأْمَة الحَربِ أن يَخْلَعَهَا حتى يحكم الله بينه وبين عدوه " ، أو " حتى يُقاتل " .. فكان أول حَدَث وقع قبل هذه " الفاء " ، أو قبل هذه الآية .. فجاءت " الفاء " حتى تربط ما كان قبلها وما بعدها – حتى تعرف معنى الفاء فقط – لأنها ليست هنا للتعقيب ، وليست هنا للعطف .. وكان من الأحداث التي كانت قبل هذه الآية أيضا أو تتعلق بما ذُكِرَ في هذه الآية ، رجوع ابن سلول بثلث الجيش يوم أُحُد ، قبل أن يقاتلوا المشركين وقبل أن تلتقي الصفوف ، وكان منها ومن أخطرها ، أن النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لما نَظَمَ الأمر يوم أُحُد واختار مكان جبل أُحُد ، وكان وراءهم جبل يمكن من خلاله أن يُنَال منهم ويأتيهم المشركون من ظهورهم ، فأوقف عليه الرُّماه بالنّبل ، بالأسهم ، وأَمَّرَ عليهم عبد الله بن جُبَيْر ، وأمَرَهم أَلَّا يتركوا مكانهم وألَّا يتحركوا منه أبدًا مهمًا كان ، حتى أنه قال لهم (( إِن رَأَيْتُمُونا تَخَطَّفُنا الطيرُ فَلَا تَبْرَحُوا مَكَانَكُم هذا حتى أُرسل إليكم ، وإِن رَأَيْتُمُونا هَزَمْنا القومَ وأَوْطَأناهم فلا تَبْرَحُوا حتى أُرْسِلَ إِلَيكم )) .. يعني ولو رَأَيْتُمُونا أصابنا ما أصابنا ، لا تتركوا ، لا ينبغي أن نُؤتَى من قِبَلِكُم .. فأمَّر عليهم عبد الله بن جُبَيْر وأَمَرَهُ وأَمَرَهُم جميعًا أَلَّا يتركوا هذا المقام ؛ ولكنهم لمّا كانت الجولة للمسلمين يوم أُحُد في الساعة الأولى أو في الوقت الأول ، وفَرَّ المشركون وتركوا وراءهم غنائم ، فَغَرَّ كثير ممَن تُرِكُوا في هذا المقام ، رؤية الغنائم وفِرار المشركين ، فَخَالفوا أَمْرَ النَّبِيّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وظَلَّ أَمِيرُهُم عبد الله بن جُبَيْر يقول لهم " لا تبرحوا مكانكم " لا تتركوا مكانكم ، لقد أَمَرَكم رسول الله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بكذا وكذا ؛ ولكنهم تركوه ، فاستزلَّهم الشيطان ببعض ما كسبوا ، وتركوا أماكنهم ؛ فكان ذلك سببًا لأن كانت الساعة الأخرى من يوم أُحُد للمشركين ، فانهزم المسلمون ومات منهم أكثر من سبعين ، وأخطر ما في الأمر أن النَّبِيّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – كاد أن يُقْتَل ، لولا – كما تعلمون – أن الله يعصمه من الناس ؛ ولكنه شُجَّ رأسه – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وكُسِرَت رُباعيته – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ودخلت حلقات المغفر في وجهه الشريف – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وكان حَدَثًا عظيمًا جدا .. وحدثت أمور أُخَر ، لا يتسع المقام لذكرها وتفصيلها ؛ لأنني أريد أن أُبيِّن ولو ( فَبِمَا ) في هذا المقال ، بحسب سعة الوقت المحدود ؛ ولكن حتى تعلم ماذا كان قبل " الفاء " من أحداثٍ ذُكِرَ بعضها في الآيات السابقة ونُبِّه عليها .. هذا كله ماذا ؟ هذا كله يستدعي الحفيظة ويُغْضِبُ القائد ، وفي نفس الوقت يُحْدِثُ زعزعة ، بناءً على النفس البشرية .. يعني أنت ضَع قائد نَظَّم أتباعَه ولكنه بَشَر ليس مَلَكًا ، ولم يُرْسَل لملائكة ، ووقع منهم ما وقع وحدث منهم ما حدث ؛ بالرغم من أنه لمّا أراد الأمر ، جَمَعَهُم وشاورَهم كأنه واحد منهم .. • وكان الأمر في الدين – لابد أن تعلموا حتى يأتي الكلام على المشورة – كان الأمر في الدين إمّا أن يكون أمر متعلق بدنيا وحاضر الدنيا " نعمل إيه دلوقتي ، نعمل إيه في الموضوع الفلاني ، ماذا نعمل الآن ، كيف نقاتل هؤلاء القوم " .. أمْرٌ حاضر .. فكان يُعْمَل فيه بالمشورة .. وإما أن يكون أمرًا في الدين ؛ فإنه يُعْمَل فيه بالوحي ، والوحي هو منطوق النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فيما يتعلّق بالدين .. فلذلك إذا كان الأمر متعلق بحاضر؛ كان يُشَاوِرُ أصحابه ، وكان يأخذ بمشورتهم ، وأنتم تعلمون ما كان يتعلق بموقفه يوم بدر ، وأنه ينبغي أن يكون الماء وراءهم ، لا أن يكون الماء أمامهم ؛ حتى لا يسيطر عليه المشركون ، وأخذ بذلك . وأنتم تعلمون أمر الخندق وما كان من الخندق ، إنما كان بسبب الأخذ بمشورة سلمان الفارسي ، وغير ذلك كثير .. لكن المهم هو أن الأمور إما أن تكون متعلقة بحاضر ، أو متعلقة بدين .. المتعلق بالدين ، لا يؤخَذ فيه إلا بالوحي ، والوحي مصدره محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، الآية القرآنية تُؤخَذ منه ، والحديث النّبوي الذي فيه الحُكْم يُؤخَذ منه .. فإذا كان أمر حاضر ، شاورهم .. وإذا كان أمر دين ، أخبرهم .. فكانوا يشاورونه ويصدقون مشورته إذا شارهم ، وكان إذا كان أمر الدين ، ينتظرون قوله فلا يخالفونه ، اللهم إلا ما كان زللًا .. فهذا فيما يتعلّق بالمشورة ، أو ما يتعلق بالموقف في إعمال أمر الدين ..

فلمّا كانت الأحداث الكثيرة المتتابعة التي تُغيظ أي قائدٍ ، وخاصّة أنه يتعامل معهم بالتقدير والاحترام وبالمشورة وبتقدير قولهم وبتقدير مشورتهم ، كان إذا كان الأمر على هذا الحال ؛ لابد أن هذا القائد يودّ أن يثأر من الأتْباع المُخالفين ، ولابد أنه سيكون له موقف بحيث لا يأخذ بقولهم بعد ذلك ويُعاقبهم ويعاتبهم ، وله حق بَشَرِي في ذلك ، إلّا إذا كان له من المُقوّمات الأخلاقية والسّمُو التركيبي والعُلُو الإيماني والرحمة التي يمكن أن تسع مثلَ هذه الأخطاء والسقطات العظيمة ، وهذا أمْرٌ ليس له إلَّا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. " فالفاء " إذًا ، كأنه يقول له ، إن أصحابك وأتْباعك قد فعلوا ما يُثِير الحفيظة ، ويُغضب النَّفْس ويُثِير ثائرة النَّفس وحُبّ الثّأر " بالعدل " وليس من باب الانتقام ، وليس من باب التعذيب ، وليس من باب الإيلام وكثرة الضغط والتسفيه والتقليل ؛ بل بالعدل .. يعني أنت لو مكان محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، كآدمي وليس كنبيّ وليس كمُحَمّد ؛ لأن مُحَمّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليس له ثانٍ إلا في الصحبة ؛ لكن في التركيب ليس له ثانٍ ، فهو وحيد المكارم .. لما تنظر في المكارم ، رقم واحد ، هو .. طيب رقم اثنين ؟! " مافيش ثاني " إلا أن يكون مراتب دُنيا ؛ لكن في نفس المقام ونفس التركيب ، فله من السمو أعلاه ، وله من العُلُو ما ليس له دُنُو ، فيما رَكَّب اللهُ عز وجل فيه ما رَكَّب ، من حُسنِ الخلق واطمئنان الطوية والرحمة ، حتى أنه وصفه بأنه رحمة مُهْداة { وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ } [الأنبياء:107] .. تنبّه لهذا .. نحن لا نعرف قَدْرَ نبيِّنا محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وهذا الدرس القرآني المراد منه أن تعرف ولو بعض قدر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. لأننا والله إذا عرفنا قدر نبيِّنا ثم رأينا هذا الاستهزاء الحاصل والمملوءة به الكرة الأرضية من الكفار؛ والله لقد تكاد تشل أو يُصيبك ما يُصيبك من فرط الكمد ، وانفطار القلب والادماء ، لأنك ستعرف ما قدره فيعلو قدره في نفسك ويتعلق به قلبك ، فلما ترى أنه يُفعل في حقه كذلك ، وأنت تعجز حتى عن الكلمة ، فهذا لا شك سيكون له أثَرٌ مؤلم جدا في نفسك .. ولكن الذي جعلنا مُتَبَلِّدين ولا نغار بالقدر الكافي من الغيرة ولا نحزن بالقدر الكافي من الحزن ، هو عدم عِلْمِنا بقدره صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. فكل هذه الأحداث ، كأن الله يقول له ، إن أصحابك وأتْباعك قد فعلوا ما يُثِير الحفيظة ويورث الغضب ويستدعي داعي الثأر من الذين خالفوا وسقطوا وتخلَّفوا ومن الذين أنت أكرمتَهم بالمشورة وأخذت بقولهم ، وهم خالفوا أمْرَك ، ولم يلووا على اتِّباعك ، وكان منهم ما كان ، حتى أنهم لمّا سمعوا في يوم أُحُد ، لمّا سمعوا أن محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مات ، فَرَّ كثيرٌ منهم وولُّوا ، وظل كثير من الصحابة يدعونهم ألَّا يفِرُّوا ، ووقف يقول لهم النَّبي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – " أنا النَّبِيُّ لا كَذِب ، أنا مُحَمَّدٌ بن عبد الله ، أنا رسول الله ، أنا رسول الله لا كَذِب " حتى لا ينفطروا أو حتى لا يخوروا أو حتى لا يضعفوا .. فبرغم ما فعل أصحابك ما فعلوا ، ولكن أنت عندك من التركيب الذي ركَّبْتُك عليه وعندك من الرحمة التي وهبتُك إيَّاها وعندك من الأخلاق والإيمان وعندك من حسن المعاشرة والأعمال وعندك من حُسنِ الخلق وسمو المكانة ، ما يستوعب كل تلك السقطات بحيث تعمل معهم بتلك الرحمات التي توجب عليك ، بدلًا من الثأر والغضب وإثارة الحفيظة والانتقام والعتاب و.. و.. ، وهو حقك كبَشَر ، ليس كحقك كتركيب خاص ؛ لكن أنت مرَكّب تركيبًا خاصًّا ؛ يجعلك تعاملهم معاملة تليق بتركيبك الخاص ، وهي الرحمة التي هي من الله عز وجل .. ليس هذا بمهارة منك ولا شطارة منك ، وليس هذا بتركيبٍ من والديك ولا بتربيةٍ رُبِّيت عليها من قومك ؛ إنما ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ ) بدلًا من أن تقسو عليهم وبدلًا من أن تغضب وبدلًا من أن تثأر ؛ ( لِنتَ لَهُمْ ) .. وكان من ضريبة ( لِينَك لَهُمْ ) أنك ينبغي أن تُعْمِل ذلك اللين ، وأن تستوعبهم بتلك الرحمة ، ( فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ ) ، وإيَّاك أن تترك المشورة بناء على أن المشورة قد أُخِذَت قبل ذلك ولم يكونوا أهْلًا لها ؛ ولكن لا ؛ فإن المشورة هي تَلْقِيح الرأي بكثرة الآراء ، واستجماع النافع مما ترى العين ... فهذا ما يتعلّق بـ ( الفاء ) .. ثم ( الباء ) .. ( فَبِمَا ) .. " الباء " سَبَبِيَّة ، يعني فبسبب رحمةٍ من الله ، لنت لهم ولم تثأر منهم ولم تعاتبهم ولم تُغلظ عليهم .. والـ ( مَا ) ( فَبِمَا ) .. " مَا " هنا موصولة زائدة ، لزيادة البيان وتوكيده ؛ لأنه لو قال " فَبِرَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ " صَحَّ السياق ، من غير " مَا " .. ولذلك يُقَال في الحرف الزائد ، هو الحرف الذي إذا وُجِدَ أم لَم يوجد فالسياق ينتظم سماعًا  ، لكن له أثر في توكيد المعنى ، ليس زائد بمعنى أنه لغو .. ولكن زائد بمعنى ، إذا أنا قلت لك " فَبِرَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ " ، وإذا أنا قلت لك " فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ " ؛ ستستشعر سماعًا أن المعنى واحد ، سماعًا ، الاثنان مقبولان ، وكأنّ " مَا " وُجِدَت أم لم توجد ، فالسياق منتظم ؛ ولذلك تُسَمَّى زائدة ، ولكنها لأنها موصولة ، فتأتي لتوكيد المعنى ، وكأنّها " فبسبب الرحمة " الَّتي " – " مَا " هي " الَّتي " – التي جعلها الله فيك وركَّبها اللهُ فيك ، لِنتَ لَهُمْ .. " فَـ " ، " بِـ " ، " مَا " .. ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ) .. وما هي رحمة الله ؟؟ .. أُبَيِّنُهَا بعد الاستراحة إن شاء الله تعالى ...

—------------------------------------------------

الحمدُ للهِ وكفى، وسلامٌ على عبادِه الذين اصطفى، وأشهدُ أنْ لا إلـه إلا الله وحدَه لا شريكَ له ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه ، وصَفِيُّه مِنْ خلقِه وخليلُه ، صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه وعلى من تَبِعَ هُداه بإحسانٍ إلي يومِ الدين ، وأصلِّي وأُسلِّمُ على رسولِ اللّٰهِ صلاةً نحققُ بها أمرَ ربِّنا، حيثُ أنَّه قال { إِنَّ اللَّهَ وَمَلَـٰٓئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَـٰٓأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } [الأحزاب:56]... فاللَّهمَّ صلِّ على محمدٍ النَّبِيّ ، وأزواجِه أمهاتِ المؤمنين ، وذريَّته ، وآلِ بيته ، كما صلّيتَ على آلِ إبراهيمَ إنَّكَ حميدٌ مجيدٌ...

الله عز وجل قد جعل محمد – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مخلوقًا مما خلق منه آدم ، فصار من حيث التركيب الجسدي ، شأنه شأن جميع الخلق الذين خُلِقوا من نَسْل آدم ، من ماءٍ وطين ؛ ولكنه خُلُقً هذا الجسد من حيث الخلقة الجسدية ، على أطيب ما يكون .. فلو جمعتَ الخَلْقَ جميعًا من لدن آدم الذي سَوَّاه اللهُ عز وجل بيده وخلقه بيده ، إلى آخر نَفَسٍ وآخر نَسْمَة تقوم فيها الساعة أو تقوم بعدها الساعة ؛ فإنّك ستجد في مجموع الخَلْق شَرًّا كثيرًا ، وأَشَرّه إبليس .. أو إن كان في الآدميين ، وأشرّه شياطين الإنس الذين منهم ، مَن غَلَبوا إبليس .. وستجد خيرًا وبركةً في هذه المخلوقات في الآدميين ، أَبْرَكهم وأطيبهم وأحسنهم صورةً وتركيبًا جسديًّا ، محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. لك أن تتخيل أن عَرَقَهُ ، كان إذا نام عند أحد – وهكذا تحكي أم سَلَمَة رضي الله عنها – أن النَّبٍيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا نام تَفَصَّد العَرَقُ من جَبينه .. العرق كما لو كان حبَّات اللؤلؤ " مش العرق يبقى بَلَل " لا .. ولكن حبّات " زي ما الواحد يعرق بشدة شديدة جدا ، والعرق يبقى نقاط مجمعة على وجهه ويسيل " .. قالت " فكنت أجمعه في قارورة ، نَتَطَيَّب به ، ووالله إنه لأطيب من المسك " .. هذا تركيب بَشَرِي على خير ما يكون .. كما فيما بيننا ، هناك ناس ، رائحة عَرَقهم تجعلك تقفز من الدور الرابع من نتانه وجيفته .. تركيب .. وهناك من رائحة عرقه لا تَضُرّ من يشمه أو المخالط بأي صورة .. هذه درجة من الطِّيبة ، بحيث يكون عرقه كعرق الأطفال ، لا يكون فيه من الجيفة والنتان ما فيه .. وهذا آدمي وهذا آدمي .. لكن أطيب الطيب في خَلْق رب العالمين ، هو محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. فلك أن تتخيل هذا .. وكانت قوته - حتى في المعاملة البشرية – كان يأتي أهله ويطوف عليهن جميعًا في ليلة واحدة ، وأوتي قوة أربعين رجلًا في الجماع – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – تركيب بَشَرِي ، على أطيب ما يكون وأقوى ما يكون وأحسن ما يكون .. وغير ذلك كثير .. ليس المقام مقام ذكر ذلك التركيب ..

• وهناك التركيب المعنوي .. لأن الآدمي له تركيبٌ بَشَرِي جسدي ، وله تركيبٌ معنوي ، من الأخلاق والشمائل والسمات والرحمة والآناة  والبسمة والهدوء و.. و.. هذه الأمور أيضًا كان لِيَ منها نصيب ولك منها نصيب والآخر نصيب ، سواء كانت من حُسْن الخلق أو من سيئه .. النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لم يكن له سوء خُلُق .. يعني لم يكن عنده خُلُق واحد " يُقال والله ، محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَعَ الخير إلّا في كذا ، أو هو مِنْ أحسن الناس أخلاقًا لولا كذا .. كما نحن ، لا تجد أبدا إنسان بلا نقيصة .. لا يمكن أبدًا " .. لا يمكن أبدًا ، حتى وإن قلَّت .. محمدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، بلا نقيصة بَشَرية .. إذًا هو مخلوقٌ من طين ؟ نعم هو مخلوق من طين { قُلْ إِنَّمَآ أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ } [الكهف:110] .. لم يقل " بَشَرٌ " وكفى ؛ إنما قال " مِثْلُكُمْ " .. حتى لا تقولوا " بشر سوبر .. بشر درجة أولى .. بشر فينو " .. لا .. " بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ " .. يأكل ويشرب ويتغوّط ويجوع ويمرض ، مثل البشر تمامًا ؛ ولكن هو أنقى هذا البَشَر .. أنقاه أنقاه أنقاه .. النقاء التام .. فإذا قال قائل ، هل له سوءة أخلاقية ولو قليلة ؟ الجواب : لا .. لأنه أجود ما خلق الله تعالى وخير مَن وطئت قدمُه الأرض .. صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. فخُذ بالك .. أجود وأرقى وأعلى وأحسن وأفضل مَن وطئت قدمُه الأرض .. ولذلك أنا قلت لك ليس له ثاني .. " الدرجة الأولى هذه كام واحد ؟ واحد : محمد .. اثنان : أبو بكر .. ثلاثة : ..." .. لا.. هو ليس له ثان .. هو محمدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. ولذلك كانت مرتبته في الآخرة ومرتبته في جنة الآخرة ، أيضًا واحدة ، لأنه ليس له ثان .. لأنه  لو كان هناك ثان لكان له نفس الأجر ، والله لا يظلم أحدًا أبدًا ولا يحابي أحدًا أبدًا .. " وَسَلوا اللهَ لي الوسيلة ، فإنها مرتبة في الجنة لا تنبغي إلا لواحدٍ ، وأرجو أن أكون أنا هو " .. طيب لِمَ ذاك ؟ لأنه كان في الدنيا رقم واحد الذي ليس له ثاني ، وبالتالي في الأجر ، هيبقى رقم واحد الذي ليس له ثاني ؛ فتكون له الوسيلة التي هي مرتبة في الجنة لا تنبغي إلا لواحد ، عددًا .. ولذلك ، أنت ينبغي أن تسأل .. طيب التكوين الأخلاقي ؟ في التكوين الأخلاقي ، هناك أعجب العجب ، وهناك عجيبة لا يمكن أن يتصورها عقل .. ما هي ؟؟ • النفس البشرية مجبولة ومركَّبة على أنها إذا حازت شميلة مميزة ، اقتضى ذلك الشعور بالتّرفع على الآخرين .. " الراجل اللي ربنا وسّع عليه وعنده فرط كرم ، مش شحيح وبخيل وماسك في القرش وبيعض فيه ، وناقص يعمل له صنم يسجد له حتى يكون من عبدة الدرهم والدينار ، لمّا بيستشعر أنه كريم وبيستشعر أنه معاه وبيفيض على الآخرين ، وكل اللي داخل واكل ، وكل الخارج واكل ، من كرمه وكذا .." تجد أن الخليلة البشرية والخِلقة البشرية تقتضي أنه بهذه الشميلة وهذه الصفة تجعله يستشعر العُلُو على الآخرين .. " ابن الناس بيقعد في وسط الناس ، مستشعر تميزه .. اللي من قبيلة أو من عائلة مميزة يستشعر تميزه .. اللي من حَسَب معين ، المصاهر – المتزوج يعني – من ناس معينين لهم قدر وامرأة معينة لها قدر ، يستشعر التميز ، حتى وإن كان هذا التميز بيستشعره وبيتعامل به بشيء ما حتى وإن لم يحمله على السوءات وإن لم يحمله على السيئات ؛ إلا إنه يستشعره وترى دائمًا أنه يذكره " .. إذا نحن رجعنا إلى النبي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – نجد أنه ليس هناك من الحَسَب مثله ، وليس هناك في النَّسَب مثله ، وليس هناك في الخُلُق مثله ، وليس هناك في الطبع مثله ، وليس هناك في التركيب البشري مثله .. يعني معنى ذلك إنه ماذا ؟؟ كل مقتضيات التكبر والترفع .. كل .. كلمة " كل " بكل ما يمتلئ بها فمك .. كل مقتضيات الترفع والتكبر موجودة عنده .. إذًا هو لو كان له أن يتكبّر ، سيتّكِئ على أيِّ بابٍ من أبواب الرِّفعة ، سيجد أنه له منها النصيب الأوفر والنصيب الأعظم ؛ وبالتالي إذا قال مثلًا " أنا ابن فلان " هو سيقول " أنا قرشي هاشمي .. و" هاشم " من أرقى وأنقى بطون قريش .. إذا كان على الخُلُق ؛ كان خُلُقه معلومٌ بين الشباب قبل البعثة ، حتى لُقِّب بالصادق الأمين .. إذًا ، إذا أراد أن يتكئ على خُلَّةٍ معينة وصفة معينة ، تدعوه إلى التكبر والترفع والشعور بالمكانة ، فعنده من ذلك الآلآف أو أكثر أو يُعَدّ فلا يُحصَى ؛ ومع ذلك ، بلغ من التواضع ما لم يبلغ أحد تواضعه ؛ حتى كان في الناس كما لو كان أقلهم شأنًا .. " عارف أنت الغلبان اللي مالهوش حد ، المسكين اللي لما يقعد مع ناس يقعد في ركن .. " .. دخل أعرابي يومًا المسجد ، فقال" مَنْ منكم محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ " .. ما الذي تفهمه من هذا السؤال ؟ أنه لم يكن له شارة ، ولم يكن له عرش ، ولم يكن له متكأ ، ولم يكن له عباءة مخصوصة ، عباءة الأمير أو عباءة الكبير أو عباءة العظيم .. إنما كان يلبس ما يلبس الناسُ ؛ بل وأقلُّهم .. فلما دخل الأعرابي لم يجد شيئًا مميّزًا ، لم يجد شخصًا عليه علامات مخصوصة ، والناس حوله وهو جالس على " وسادة عالية، وهذا يقبل يده وهذا يقبل كتفه وهذا يقبل رأسه " !! .. " مَن فيكم محمد ؟ " .. صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. في رواية ، أُشِير إلى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. يعني " ناس قالت له ، هذا .. بالإشارة " .. وفي رواية – وهي الأصح – قال " أنا محمد " .. الشاهد ، أنه لم يكن له تَميّز ؛ بالرغم من أن عنده كل مقتضيات التميز .. كان يخيط نعله ويرقع ثوبه ويلبس المرقع .. هذا مَنْ الذي أحدثك عنه ؟!! .. هذا ليس أفقر واحد في الدنيا ولا أحقر واحد في الدنيا وأقل واحد في الدنيا !! ..هذا الذي تتمنى لو كنت أظفر في قدمه .. هذا الذي تتمنى لو كنت شعرة في بدنه حتى تنال من الشرف والمكانة والنجاة والجنة والعلو .. اسمع أنت تسمع عن مَن ، والكلام يصيب مَن ويُعْنَى به مَن !! .. كان يخيط نعله وكان في مهنة أهله وكان يفلي ثوبه ، وكان يخيطه ويرقعه .. بلغ من التواضع مبلغًا ، أن رَكِب الحمار ، بل وأردف معه مَن أردف ، أي ركب معه واحد آخر .. بلغ ما بلغ من تواضعه – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أنه ، جاءت امرأة وقالت : ما لك تجلس كما يجلس العبد ؟ قال : أنا عبد ، أجلس كما يجلس العبد وآكل كما يأكل العبد .. لما جاءه قومٌ وقالوا أنت سيدنا وابن سيدنا .. قال : على رسلكم ، قولوا بقولكم انما انا عبد الله ورسوله ؛ وكان يقول إنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد – والقديد هذا ، هو اللحم عندما كانوا يذبحون الذبائح ، فكانوا يعملوه مثل البسطرمة ، هذا يسمى القديد ، لحم مجفف في الشمس ، لأنه لم يكن هناك بالطبع ثلاجات . لحم مجفف في الشمس بطريقة معينة وملح وما شابه حتى يظل شهورًا مخزون ، ثم بعد ذلك يطبخوه بطريقة معينة ، كان هو أكل الفقراء ، لأن الأغنياء كانوا لا يأكلون إلا ما يذبحون ، يذبح ويأكل ؛ أما الفقراء يأكلون من القديد – فقال " أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد " .. لو تحدثتُ أنا إليكم عن شأنه فيما يقتضي التكبّر والترفع والشعور بالذات والتميّز عن الآخرين ؛ لطال الحديث وما انتهى .. ولو حدثتكم أيضًا عن مظاهر تواضعه – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ما انتهى الحديث أيضا .. فأنت أمام حدث لم يُكَرر في الكون .. حَدَثٌ أحْدَثه اللهُ عز وجل ليكون رحمةً للعالمين .. { لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ } [التوبة:128] .. هذا حَدَث ، أَحْدثه اللهُ عز وجل ، لم يتكرر .. سيقول قائل أليس هناك أنبياء أُخَر ؟ نعم .. صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِم وسلّم .. عليهم السّلام .. هناك أنبياء أخر وهناك أنبياء مفضّلون وهناك أنبياء لهم مقام عظيم وهناك أنبياء أولو عَزْمٍ ، الخمسة المشهورون بأولي العزم من الرسل ؛ ولكن أعلى كل هذا الصف { وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ } [القصص:68] .. خلق الله الأنبياء ، عموم الأنبياء والرسل وأولي العزم منهم ؛ ولكن جعل أعلى هؤلاء ، اختار منهم واصطفى المختار صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ..

( فَبِمَا ) .. عرفنا " فَـ" ، " بِـ" ، " مَا " .. ( رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ ) .. كنت أودّ أن أُبيِّن معنى ( رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ ) ؛ لكن هذا له مقالات أخر .. لأن هذه الآية ، كما قلت لكم فيها أسرار بديعة ومعانٍ عظيمة وبلاغة تحار فيها العقول .. ولكن حتى تعرف أن الرحمة المُهداة وأن الذي بعثه اللهُ رحمة للعالمين ؛ مِن سفاهة العالمين ومن وكسة العالمين ، أنهم بدلًا من أن يتقلبوا ويتنعموا بتلك الرحمة ؛ بأن يؤمنوا به ويؤازروه ويناصروه ويدافعوا عنه ويحبوه ويوالوه ؛ بدلًا من ذلك يستهزئون به !! .. لأن الله بعث محمدًا – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لجميع اليهود رحمة ، ولجميع النصارى رحمة ، ولجميع البوذيين رحمة ، ولجميع الهندوس رحمة ، ولجميع المسلمين رحمة ، ولغير المسلمين رحمة .. لأن هذه هي أمة الدعوة .. الخلق كلهم هؤلاء ، أمته .. وقد ذكرت لكم في مقالٍ سابق أن أُمَّة النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أُمَّتَان .. أُمَّة الدعوة ، وهي جميع المخلوقين من المكلّفين من بعد بعثته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. والأمّة الأخرى ، أُمَّة الاستجابة وهي الأُمَّة المرضية التي آمنت به وصدّقته واتبعته بإحسانٍ ، هذه الأُمّة سيكون مآلها الجنة وستَرِدُ على حوضه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أسأل الله أن يجعلني وإياكم ممن يَرِد على حوضه وأن يُسقينا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بيده شربة لا نظمأ بعدها أبدًا ... أسأل الله العلي الكبير أن يغفر لي ولكم وأن يعفو عني وعنكم وأن يجعلنا وإياكم من أتباعِ محمدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وأن يجعلنا ممن يُقْدره قَدْرَه ويُنزله منزلته ويُحِبّه الحب الذي يليق به .. اللهم شَفِّع فينا نَبيّك صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، واجعلنا من خَيْرِ أتْباعه يا رب العالمين .. اللهم إنَّا آمَنَّا به ولم نَره فاحشرنا معه يا رب العالمين .. واحشرنا تحت لوائه يوم القيامة يا أرحم الراحمين .. اغفر لنا وارحمنا وعافنا واعف عنا وأكرم نُزُلنا ووسّع مُدخلنا .. اللهم يا رب اغفر لنا واغفر لوالدينا وارحمهما كما ربيانا صغارا .. اللهم كُن لنا ولا تكن علينا .. أعِنَّا ولا تُعِن علينا .. اشفنا واشف مرضى المسلمين ..واصرف البأس عنّا يا رحمن يا رحيم .. ورُدّ الظلم عن المظلومين وفُكّ أسر المأسورين ورُدّ علينا الغائبين يا أرحم الراحمين .. ولك الحمد حتى ترضى .. والحمد لله رب العالمين .. وصلِّ  اللهم وسلِّم على مُحَمَّدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين .. أقول قولي هذا واستغفر اللهَ لي ولكم ... سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك ...

وكتبه : أسماء أحمد...

راجعه وصححه وضبطه:

د/ سيد العربى..




واحة العقيدة - موقع فضيلة الدكتور السيد العربي بن كمال
 
الجمعة ... 4 – 12 – 2020 ... لابد أن نخاف من النفاق في محبتنا لرسول الله
الجمعة ... 27 – 11 – 2020 ... نحن لا نحب رسول الله كما ينبغى!!
الجمعة ... 20 – 11 – 2020 ... لا طريق للمكارم العالية إلا رسول الله
الجمعة ... 13 – 11 – 2020 ... كيف أن محمد رسول الله رحمة؟؟
الجمعة ... 30 – 10 – 2020 ... إلا تنصروه فقد نصره الله
الجمعة ... 23 – 10 – 2020 ... كيف يبدل الدين ويصد عن سبيل الله؟؟
الجمعة ... 16 – 10 – 2020... كيف يبيع الظالم آيات الله؟؟
الجمعة ... 9 – 10 – 2020 ... لماذا نحن مع القرآن من الظالمين؟؟
الجمعة ... 2 – 10 – 2020 ... لماذا وصف القرآن بصائر؟؟
الجمعة ... 25 – 9 – 2020 ... حفظ القرآن حفظ سطور وصدور!!
 
art4islam
جميع الحقوق محفوظة لموقع واحة العقيدة - 1431 هـ

فتاوى فى إنتظار الرد: 15