أعلى
أعلى
جديد الموقع
 
الجمعة ... 14 – 5 – 2021 ... كيف حالك بعد رمضان؟؟
الجمعة ... 7 – 5 – 2021 ... مختصر أحكام زكاة الفطر والعيد
الجمعة ... 30 – 4 – 2021 ... ماذا علينا في العشر الأواخر
الجمعة ... 23 – 4 -2021... معنى " ايمانا واحتسابا "
الجمعة ... 16 – 4 – 2021 ... معنى " الصوم لي "
الجمعة ... 9 – 4 – 2021 ... بعض ما يتعلق بشهر رمضان
الجمعة ... 19- 3 – 2021 ... معانى عالية فى دعاء الجنازة
الجمعة ... 12 – 3 – 2021 ... من أداب اتباع الجنائز
الجمعة ... 5 – 3 – 2021.. كيف ندعو للمريض وبما؟؟
الجمعة ... 26 – 2 – 2021 ... ما هى أداب عيادة المريض؟؟
 
القناة الرسمية للدكتور سيد العربى..على اليوتيوب
فيديوهات د.السبد العربى
صفحة صوتيات السيد العربى على اسلام واى
ملتقى اهل الحديث
ملتقى اهل السنة
الشيخ ابو اسحاق الحوينى
الحور العين
 
لا طريق للمكارم العالية إلا رسول الله .. -
لا طريق للمكارم العالية إلا رسول الله ..
22 - 11 - 2020

لا طريق للمكارم العالية إلا رسول الله ..

الجمعة : 5 – 4 – 1442 هـ ... الموافق : 20 – 11 – 2020 م

للدكتور/ سيد العربي .. حفظه الله ..

إنَّ الحَمْدَ لله ، نَحْمَدُه، ونسْتَعِينه ونَسْتَغْفِره ، ونعوذ بالله تعالى من شُرُورِ أنفُسِنا، ومِن سيِّئات أعمالنا ، مَن يَهْدِهِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ، وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا، وأشْهَدُ أن لا إلهَ إلا الله وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ ، وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عبدهُ ورَسُولُه، وصَفِيّه من خَلْقِه، وخَلِيلُه، صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه ، وعلي من تَبِعَ هُدَاهُ بإحسانٍ إلي يومِ الدين ..

{ يَـٰٓأيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [ءال عمران: 102].

{ يَـٰٓأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا } [النساء :1]

{ يَـٰٓأيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وُيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا } [الأحزاب: 70-71] ..

وأُصَلِّي وأُسَلِّم على رسولِ اللهِ ، صلاةً نُحقِّق بها أمرَ ربِّنا حيث أنَّه قال  { إِنَّ اللَّهَ وَمَلَـٰٓئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَـٰٓأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } [الأحزاب:56] ... ثم أما بعد ..

لازلنا مع آيةٍ من كتاب الله ، تُبَيِّنُ لنا بعض ما يتعلّق بخُلُقِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الكريم ، وشمائله ، وكيف أنّه كَنزٌ من كنوز معالي الأمور ، وكيف أنه تَنَزَّه عن كل نقائص الأمور مهمًا دقَّت .. يقول الله تعالى { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ } [آل عمران:159] .. وقد عرفنا ما يتعلّق بابتداء الآية بقوله ( فَبِمَا ) ، وما فيها من معانٍ متعلقة بمقتضيات لغوية .. ( رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ ) .. عرفنا أن النَّبٍيّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – من حيث الخِلقَة الجسدية ، هو خُلق مما خَلَقَ اللهُ منه بني آدم ، إلا أنه أجود ما يكون وأنقى ما يكون وأكثر ما يكون بركة ، في التركيب الجسدي ، حتى أن عَرَقَهُ كان يُتَطَيَّبُ به وكان أطيب من المسك .. صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. ثُمَّ ، التركيب الأخلاقي أو المعنوي ، فهو – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – كان له تركيبٌ خاص ، ركَّبَه اللَّهُ عليه • بحيث يَكَوّن في هذا التركيب كل معالي الأمور وكل حَسَن الأخلاق وسموّها وكل ما يكون من صفاتٍ ، لا يمكن أن تكون إلّا في مُحَمَّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وكان فيها وحيد لا ثاني له ، كما ذكرت وبَيّنتُ في المقال السابق في غير هذا المحل المبارك .. ثُمَّ إِنّ الله سبحانه وتعالى ، قال ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ) أي أن الله عز وجل قد حَبَا مُحَمَّدًا – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بخُلُقٍ عظيمٍ ، عَلَاه الرحمة التي تستوعب كل ما يكون من إساءة مَن حوله ، وتستوعب كل ما يكون من أخطاء أتباعه وأصحابه ، بحيث يكون مردود ما يكون مِن فِعْلِ السوء منهم ، يكون مردوده عليهم هو اللين والعفو والاستغفار ، كما سيَبِين .. المهم هو أن نعلم أن الله سبحانه وتعالى قال ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ ) .. وكان نهاية الكلام في كيف أن محمدًا – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – رحمة .. أولًا ؛ لأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، الطريق الذي يؤدي إلى الجنة ويُباعِد عن النار ، ولا طريق سواه .. كتب الله عز وجل على المؤمنين أن يتَّبعوه ، بل وأمرهم بذلك فقال { وَمَآ ءَاتَـٰكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَـٰكُمْ عَنْهُ فَانتَهُواْ } [الحشر:7] .. • بل بَيَّنَ لهم أنهم إذا أرادوا الهداية إلى الطريق المستقيم ، وإذا أرادوا الأُسوة الحسنة في ذلك ؛ فلا أُسوة إلا في محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَنْ كَانَ يَرْجُواْ اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا }[الأحزاب:21] .. • والأُسْوَة هو ما يُقْتَدى به بغير أَمْر ، بمعنى أنك إذا ما بحثت عن مكارم تتحلَّى بها ، حتى وإن لم تكن قد أُمرت بأن تتحلّى بهذه المكارم من هذا الطريق ، فلا طريق إلى هذه المكارم إلا مُحَمَّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. ولذلك كل مَن تأسَّى به ، يعني كل مَن تَلَمَّسَ تكوينًا أخلاقيًّا ومسالكً طيبةً عاليةً ؛ لم يجد إلّا اتِّباع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتقليده والاحتذاء به في كل ما قال وفعل .. ثُمَّ إنه سبحانه وتعالى بَيَّنَ ذلك صراحةً ، بصريح النّص والكلام ، فقال { وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ } [الأنبياء:107] .. بمعنى ، أن كل مَن ائتسى به وسار على طريقه ؛ رُحِم .. لماذا يُرْحَم ؟؟ لأنه سيكون على ما يُرضِي الله عز وجل ، والله لا يرحم إلا مَن كان على مرضاته .. أما مَن كان في سخطه ومَن كان على ما يستوجب غضبه وما يستوجب عذابه ؛ فلن يرحمه الله عز وجل ؛ لأن الله عز وجل يكتب رحمته لِمَن اتَّقى ، ويكتب رحمته لِمَن آمَن به وآمن برسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. ولذلك كل مَن كفر بمحمد – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – حتى وإن آمن بالرسل أجمعين ، فهو غير مرحوم .. في الحديث " لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِه الأُمَّة ، وَلَا يَهُودِيٌّ ، وَلَا نَصْرَانِيٌّ ، ثُمَّ لَا يُؤْمِنُ بِي إِلَّا كَان مِن أَهْلِ النَّار " .. لأنه فقد سبيل الرحمة ، فَقَدَ سبيلَ النجاة .. وسبيل النجاة هو ماذا ؟ هو اتّباع محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. ولذلك أَمَرَ اللهُ عز وجل في ذلك أَمْرًا مباشرًا فقال { وَمَآ ءَاتَـٰكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَـٰكُمْ عَنْهُ فَانتَهُواْ } .. فكيف إذا كان لم يُثبت رسالة الرسول ، ولم يتّبع الرسول ، ولم يؤمن بالرسول ! فهو بذلك قد خرج من أسباب الرحمة ، وخرج من رحمة رب العالمين تمامًا .. ثم هو رحمةٌ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لأنه كان يُقابل الإساءة بالعفو .. ففي الحديث عن عائشة – رضي الله عنها – قالت " لَمْ يَكُن رسولُ الله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا وَلَا صَخَّابًا بِالْأَسْوَاق ولَا يَجْزِي بالسّيِّئَة مِثْلِهَا وَلَكِن يَعْفُو وَيَصْفَح " .. ( ولَا يَجْزِي بالسّيِّئَة مِثْلِهَا ) .. ( مِثْلِهَا ) من باب { فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ } [البقرة:194] .. يعني كان هذا عدل ، مسلك عدل وليس فيه تعدّي .. حتى هذا المسلك ، كان أرفع منه وأعلى منه ، وهو مقام العفو – وسنفهم معنى العفو – " لَمْ يَكُن رسولُ الله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا وَلَا صَخَّابًا بِالْأَسْوَاق " .. لم يكن من السفهاء ، ولم يكن من أهل التعدّي في الكلام ، ولا الفحش ولم يكن من أهل رفع الصوت في غير محله وفي غير الحق وفي غير ما يقتضيه الحق .. " ولا صَخَّابًا بِالْأَسْوَاق ، ولَا يَجْزِي بالسّيِّئَة مِثْلِهَا وَلَكِن يَعْفُو وَيَصْفَح " .. تخيل أن النَّبٍيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فُعِلَ به ما فُعِلَ ، وأرسل اللهُ عز وجل إليه مَلك الجبال ، وقال له إن شئت أطبقت على قومك الذين عادوك الأخشبين – جبلين عظيمين بمكة – فقال " لا ، فإني أحب أن يخرج من ظهورهم من يعبد الله لا يشرك به شيئًا " .. وفي الحديث ، يقول النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إِنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ وَقَدْ أَدْمَى قَوْمُه وجْهَه ، وهو يقول اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون " .. ( فَبِمَا رَحْمَةٍ ) ، وهنا لم يقل " فَبِمَا الرَّحْمَة " أو " فَبِالرَّحْمَة " ولكن قال ( رَحْمَةٍ ) بمعنى .. جاءت نكرة للعموم .. كل ما يمكن أن يكون وجه رحمة بين مخلوق ومخلوق ، كان في محمد وعند محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. ولك أن تتخيل ما كان في أُحُد ، وما كان من أمور الصحابة – لا أقول من المشركين والكفار – إنما كان من أمور الصحابة ، شارَهم وقَبِلَ مشورتهم ، ثم بعد ذلك خالف الرُّماة الذين كانوا يحمون ظهر المقاتلين أو ظهر النّبيّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وأصحابه الذين يقاتلون ويواجهون الصف يوم أُحُد ، وقد أمرهم ألَّا يبرحوا مكانهم ، وقال " وَلَوْ رَأَيْتُمُونا تَخَطَّفُنا الطَّيْر " ، وشدَّد عليهم وأَمَّرَ عليهم ابن جُبَيْر ، فلمّا كان الأمر في أول ساعة من أُحُد وكانت الغلبة للمسلمين ؛ خالفوا أمره وتركوا مكانهم طمعًا في الغنائم ، وكان ذلك سببًا لهزيمة المسلمين ، وأن دالت الدّولة فصارت الساعة الأخرى للمشركين .. وحتى لمّا سمعوا أن النَّبٍيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قُتِلَ ؛ فَرُّوا ؛ وأخذ يقول أنا رسول الله ، وينادي عليهم وهم لا يلتفتون ، حتى أنه اجتمع عليه الكفار لما قَرُبُوا منه ، وكسروا رُباعيته وشجُّوا رأسه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وأدخلوا حلق المغفر في وجهه مما لاقاه ورُمِي به صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. كل ذلك لم يُثِرْ حفيظته ، وكل ذلك لم يستدع الثأر عنده منهم ، كقائد ، وبالحق .. يعني ليس هذا من باب أنه يتعدّى .. كل ذلك ، لماذا ؟؟ لأنه قابل كل ما كان منهم من إساءة وأخطاء وتعدِّي وسقطات ومخالفات ، قابل ذلك بماذا ؟ بالرحمة التي جعلها الله فيه ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ) .. واللين ضد القسوة ، واللين هو الرفق وسعة الخلق .. اللين ضد القسوة ، تقول " لَانَ لِينًا وليانًا ، فهو لَيِّن " .. ونحن نقول في الرجل الذي يُوصَل إليه بِيُسْر، ويُبْذَل ويُخْرَج منه المعروف بيُسر ، نقول رجل هيّن ليّن ؛ وضده رجلٌ قاسٍ .. فكأن الله يقول له – وقد عرفنا ما يتعلّق بالسياق القرآني ، الإنشائي والخَبَري – لكن هنا قال له ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ) من جهة هو سياق خبري ؛ وكأنه يقول له ، إن الله قد ركَّب فيك ووضع فيك رحمة ، هذه الرحمة جعلتك تلين لأصحابك .. • أي أن هذه الرحمة ليست موضوعة في القلب لا أثر لها ؛ بل كان عظيم أثرها بَيِّن .. بَيِّن في ماذا ؟ بَيِّن ، في أنه لَانَ لهم ؛ بالرغم من أن تصرفاتهم تقتضي إثارة الحفيظة وتقتضي الغضب وتستدعي الثأر بالعدل ، إمّا تأديبًا وإما تعزيرًا ، هذا إن حصل فهو عدل ؛ لأنهم أخطأوا وتعدُّوا وخالفوا ؛ ولكن مع ذلك ، رَفَقَ بهم وتَأَوَّل لهم ، حتى أن الله عز وجل ، من مقتضى تلك الرحمة التي حملته على أن يلين لهم ، أَمَرَه – وإن كان السياق الأول أيضًا فيه أَمْر لأنه خبري إنشائي – فكأنه يقول له أنت قد رُكِّبت على رحمةٍ ، هذه الرحمة تستوعب كل ما يكون منهم من إساءة وهذه الرحمة تستوعب كل ما يكون منهم من سقطات ؛ فَلِنْ لهم .. فالسياق خبري لكنه إنشائي ، يحمل أمْرًا ، كقوله { وَالْوَٰلِدَٰتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَـٰدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ۖ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ }[البقرة:233] .. هذا خبر يحمل أمرًا ، إن كنتن تردن أن تُتْمِمْن الرضاعة ، فأرضعن أولادكن حولين كاملين .. فهذا يسمى خبري إنشائي .. فهنا أيضًا ، فكأن الله عز وجل يُعْلِمُهُ ويُعْلِمُ المؤمنين ، وهذا الإعلام فيه إعلام من جهة ، وفيه أَمْرٌ من جهة .. رُكِّبت على رحمة تجعلك مؤهل لأن تلين لأتباعك ورفاقك وأصحابك ؛ بالرغم من ما فعلوه ، مما يُثير الحفيظة ومما يُثير الغضب ومما يدعو إلى الثأر تأديبًا وتعزيرًا ، إنك عندك من الرحمة التي رَكَّبها اللهُ فيك ، ما يجعلك تلين .. فَلَان النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وكان خير قائدٍ رءاهُ مَقُود ، وخير متبوعٍ رءاه تابع ، وخير صاحب رءاه مَن صاحب ، وخير إمام رءاه مَن اتَّبعه .. صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. فكان خير الخلق بحق .. • ولذلك قالوا " معدن الرجل يَبِين عند الغضب " .. معدن الرجل ، شميلته ، خصائصه ، خُلُقه ، تَبِين عند الغضب .. فالنَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فُعِلَ ما يجعله ، لو قطع رقاب البعض لأصاب ، ولو عزَّر البعض بقطيعة العمر لأصاب وما ظلم ؛ ولكن مع ذلك ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ) ..

ثُمَّ بَيَّن له أنه مُنَزَّهٌ عن مقتضياتٍ موجودة في البَشَر .. موجودة في البَشَر لكنه مُنَزَّهٌ عنها ، من باب شمائله وحُسْن أخلاقه ، فقال ( وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ ) .. وهذا ما أُبَيِّنَه بعد الاستراحة إن شاء الله تعالى ...

—------------------------------------------------

الحمدُ للهِ وكفى، وسلامٌ على عبادِه الذين اصطفى، وأشهدُ أنْ لا إلـه إلا الله وحدَه لا شريكَ له ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه ...

• ( وَلَوْ ) حرف شرطي ولكن يأتي في سياق يفيد نفي جواب الشرط .. عندما تكون ممن يريد أن ينفي جواب الشرط عن المخاطب أو عن السامع أو فيما تذكر ، فيُستَعْمَل " لو " كحرف شرط .. بمعنى ، عندما تقول " إذا أنت أتيتَ ؛ أكلتَ " .. هذا يُسمى سياق شرطي طبيعي ، أو المعتاد ، والمستخدم في أداة الشرط " إذا " .. " إذا أنت أتيت " هذا فعل الشرط .. " أكلتَ " جواب الشرط .. أو " إذا أنت أتيتَ ؛ أخذتَ كتابًا " هذا أيضا فعل شرط ، ومتبوع بجواب شرط مُثبَت .. إذا أردت أن تنفي جواب الشرط ، باستشعار نفي فعل الشرط ، فتُستَخدَم " لو " كأداة شرط .. فهنا قال ( وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ ) هذا فعل الشرط ، جوابه ( لَانفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ ) بمعني لو استخدمنا غير " لَوْ " يبقى إذا أنتَ فَظّ غَلِيظَ الْقَلْبِ ، انفَضُّوا مِن حولك .. إذًا ، فعل الشرط مُثبَت ، وجواب الشرط مُثبَت .. لكن هنا ، المراد هو النفي ، فاسْتُخْدِمَت " لَوْ " كحرف شرط لنفي الفعل المترتب عليه نفي الجواب .. ( وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ ) المراد هنا نفي أم إثبات ؟ إثبات الفظاظة وغِلْظَة القلب أم نفيها ؟ نفيها .. فلذلك أتى بـ" لَوْ " حتى يُفهَم أنها " لو" بمعني نفي فعل الشرط .. أي أنك مَنْفِيٌّ عنك الفظاظة والغلظة ؛ لذلك لم ينفضّوا عنك .. إذًا المعنى المراد هنا ، طالما أن فعل الشرط سيُنفَى ، وجواب الشرط سيُنفَى ؛ إذًا المعنى المقابل هو الذي سيَثبُت .. ( وَلَوْ كُنتَ فَظًّا ) وكأنه يقول له ، أنتَ لستَ فَظًّا ولست غَلِيظ قلبٍ بدليل أنهم لم ينفضّوا من حولك ، فجاء السياق بسياق عالٍ جدا ، وهو سياق شرطي مستخدم فيه أداة الشرط المشعرة بنفي فعل الشرط المترتب عليه نفي جواب الشرط .. ( وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ ) .. ( وَلَوْ ) .. كما تقول لرجلٍ " لَوْ أتيت لأكلت " فيقول له " لَوْ .. أتيت " يعني لا يوجد سبيل إن أن آتي ، وبالتالي أنا لن آتي أصلًا ، وطالما أني لن آتي ، يبقى لن آكل .. ( وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ ) .. يبقى المعنى ماذا ؟ أنك لست فَظًّا ولست غليظ القلب ؛ ولذلك لم ينفضّوا من حولك ، بناءً على أنك من جهةٍ لٍنتَ لهم ، ومن جهةٍ رحمتهم بالرحمة التي أودعها الله فيك ، ومن جهةٍ تَأَلَّفْتَهُم ، ومن جهةٍ احتويتهم بحُسن خُلُقِك وسعة أخلاقك وسماحة جانبك .. كل ذلك ماذا ؟ كل ذلك كان سببًا لئلّا ينفضّوا من حولك ، كان سببًا لتأليفهم ، كان سببًا لاتِّباعك وسببًا لعدم التَّفرق عنك وعدم تركك .. ( وَلَوْ كُنتَ فَظًّا ) .. و" الفَظّ " ، كما قال الراغب وأهل اللغة ، هو ماء الكرش .. إذا شرب البعير ؛ شرب أكثر من حاجته وأعطاه الله عز وجل ، كرشًا كبيرًا .. الجمل كرشه كبير جدًا ، حجمه بالنسبة لغيره من الكرشيّات كبير ، لأن الكرشيات منها الخِرَاف ومنها البقر والجاموس ، ومنها الإبل " الجمال " .. هذه تُسَمَّى الكِرْشِيَّات .. أكبر واحد فيها ، صاحب كِرش كبير، هو الإبل " الجمل " ، يشرب أكثر من حاجته .. لماذا ؟ حتى إذا ما اشتدَّ العطش ، ولم يجد ماء ؛ استدعى الماء الذي في الكرش وشرب منه ، فيقولون " اجْتَرّ ماءه " .. اجْتَرّ ، يعني سَحَبَ من الماء الموجود في الكرش المدخر ليشرب منه .. ولذلك كانوا يرغمون البعير على مزيد شُرب إذا خرجوا للقتال ، واصطحبوا معهم الإبل لتكون من جهة طعامًا ، ومن جهة شرابًا .. بمعنى أنهم إذا كانوا في أماكن لا ماء فيها ، وطال بهم الطريق ، واشتد بهم الحر ، ذبحوا الإبل ليأخذوا الماء التي في كُرُوشها .. هذا الماء الذي في الكِرش يُسَمَّى " فَظ " ، وفي اللغة ، أصل التسمية " فَظ " ، وطبعًا باعتبار أنه إذا شُرِبَ كان مقزِّزًا ومُؤَفِّفًا وغير مستساغ ؛ ولكنه يروي ولكنه غير نجس ، فيروي مع شِدّة الظمأ . يعني ماء كرش أم تموت من العطش ؟ لا شك إن ماء الكرش أهون .. فهذا هو أصل التسمية ، ثم أُطلق على كل مَن كان مُنفِّرًا بأخلاقه ؛ كأنك ستشرب من أخلاقه ومن معاملته كماء الكرش .. هو من أخلاقه السيئة كماء الكرش ؛ لأن الفظ هو مَن ساء خُلُقه وفَحُشَ قوله ومنع خيره حيث لو قلتَ له أطعمني ؛ يرد عليك بفحش الكلام وسوء اللفظ . إذا قلت له أعطني حقي ؛ أجابك بشدة وغلظة .. هذا هو الفظ .. فقال له ( وَلَوْ كُنتَ فَظًّا ) .. أصلها في اللغة عرفته ، ثُم اسْتعمِلَت في كل ما يكون مما يُؤنَف منه ومما يُنَفِّر ومما يكون من سوء الكلام والعمل .. ( وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ ) نحن نستعمل دائمًا في اللغة " فَظًّا غَلِيظًا " لأن الفظ ، هو مَن إذا استدعيته ؛ تأفَّفت منه .. وأما الغليظ ، هو مَن يَبذل السوء قبل أن تستدعيه . بمعنى ، الفظ هو مَن إذا كلمته ردّ عليك بسوء ، مُتَعَدٍّ في قوله ، سيئ في معاملته ، فعندما تَحْتَكّ به ؛ ينضح عليك فظاظة .. أما الغليظ فهو يبذل من غير أن تستدعيه " من غير ما تتعامل معاه تلاقيه كده ماشي يجعر ، يخبط ، يشتم ، يفسق ، يفحش " .. هنا لم يقل " فَظًّا غَلِيظًا " ؛ بل قال ( فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ ) لأن غِلَظ القلب أشدّ مِن غِلَظ العمل أو من غِلَظ الظاهر .. فالفظاظة تظهر في الظاهر ، والغِلْظَة ، هي ضد اللين . والغِلْظَة ضد الرِّقَة ، تقول فلان رقيق وفلان غليظ ، يعني الرقيق يتكلّم بحُسْن ويبذل بحُسن ؛ لأنه رقيق .. أما الغليظ فيبذل بسوء ويتكلم بسوء ويبذل ما لا يَسُر .. • هنا قال ( غَلِيظَ الْقَلْبِ ) لأن القلب إذا انعدم إحساسه وعَلَت قساوته وقَلَّت رِقَّتُه ؛ انعدم حِسّه .. بمعنى إذا وجدت مَن عنده عذر ؛ لا تعذره .. إذا وجدت مَن عنده أَلَم ؛ لا تشعر بألمه .. إذا وجدت من عنده ما يستدعي العطف والشفقة ؛ لا تعطف عليه .. لماذا ؟ لأن قسوتك ليست في أفعالك وليست في أقوالك ؛ إنما هي في القلب .. فَطَهَّرَهُ ونَزَّهه أن يكون عنده قسوة في القلب ؛ لأن قسوة القلب تحمل على قسوة الظاهر . ولأن قسوة القلب تمنع الأحاسيس التي قد تكون عند المُتَبَلِّد .. هناك من الآدميين ما لو تعامل بخصيصته وتعامل بأخلاقه وتعامل بمكوناته ؛ ظهرت منه الغِلْظَة والقسوة ؛ ولكن إذا استدعيت لين قلبه ، ببكاءٍ أو تَعَطُّفٍ أو دعاءٍ أو انكسارٍ أو تذلل ؛ لعلَّه لَان .. فهذا معناه أنه ليس عنده في قلبه شديد قسوة ، ليس غَليظ قلب ؛ لأنه لمّا أردتَّ أن تستدعي عاطفته وشفقته بمقتضيات العاطفة والشفقة ؛ لَانَ .. أمّا غليظ القلب ، سواء تَعَطّفْتَ له أو تَرَقَّقتَ له أو تَذَلَّلْتَ له ؛ لا يلين .. لأن القسوة في ماذا ؟ ليست في قوله وليست في عمله ؛ بل القسوة في قلبه .. فلذلك هنا قال ( وَلَوْ كُنتَ فَظًّا ) بمعنى أن مكوّناتك وكلامك وتصرفاتك مُنَفِّرَة ، أو ( غَلِيظَ الْقَلْبِ ) بمعنى أنك مهمًا اسْتُعْطِفْتَ لا تعطف ومهمًا استشفقت لا تشفق ومهمًا استرحمت لا ترحم .. لأن القلب ماذا ؟ القلب قاسي ، تجده يرى الإنسان أمامه مُعَذَّب أو مريض أو فقير أو محتاج ؛ ومع ذلك لا يلين ولا يَرِق .. فلذلك نزَّهَهُ .. • وهنا سؤال مهم .. لماذا قال ( وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ ) بعد قوله ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ) .. لماذا لم يقل له ( وَأَنتَ رَقِيق ، وأنت حَسُن الخُلُق ) كما قال في موطن آخر { وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ } [القلم:4] ؟ لماذا هنا لم يذكر المناقب بالإيجاب ولكن ذكرها بنفي السلب ؟؟ خذها قاعدة .. • إذا أردت إثبات الكمال في الإيجاب ؛ طريقه الوحيد هو نفي السلب عنه .. إذا أردت إثبات الكمال في الإيجاب ، يعني إذا أردت أن تقول فلان كريم ، وتريد أن تثبت له تمام الكرم .. هذا إيجاب .. إذا قلت فلان كريم ؛ قد يكون عنده بعض الشح ولو يسير ، يداريه كرمه .. ولكن عندما تقول فلان لا يعرف البخل ؛ فيقفز إلى ذهنك أنه على تمام الكرم ؛ لأنك نفيت عنه شائبة البخل .. فعندما يقول له ( وَلَوْ كُنتَ فَظًّا ) التي معناها كما عرفنا من السياق أنه نفيٌّ لجواب الشرط تحقيقًا لنفي فعل الشرط .. ( وَلَوْ كُنتَ فَظًّا ) المراد أن يُقول ، إنك حَسن الخلق ، واسع الصدر ، رفيق .. يُراد أن يُقال ذلك .. فإذا قيل له " أنت رفيق ، أنت واسع الصدر ، أنت حسن الخلق ، أنت .. أنت .." هذا أَثْبَت للكمال أم عندما يُقال أنت لست فَظ  ؟ المثبت للكمال " لست فظ " .. إذًا القاعدة ، أن إثبات كمال الموجب ، طريقه ماذا ؟ نفي السالب .. • وهذه القاعدة ، قاعدة في الأسماء والصفات .. أصلها في الأسماء والصفات ، صفات الله العلي الكبير ، أن النفي في صفات الله ، عندما يقال { لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى } [طه:52] .. ليس المراد نفي الضلال ، ولا المراد نفي النسيان ؛ إنما المراد إثبات تمام الهُدى .. فعندما يُقال ( لَا يَضِلُّ رَبِّي ) ما المراد ؟ ليس نفي الضلال عن الله ؛ ولكن المراد هو إثبات كمال الهدى .. إذًا إثبات كمال الهدى في أن يُقال ( لَا يَضِلُّ رَبِّي ) أَثْبَت من أن يُقال " إن الله عز وجل على هدًى " .. فهذا أمر ينبغي أن نفهمه .. هنا قال ( وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ ) أي إنك لست فظًّا ولست غليظ القلب .. والمراد هو إثبات كمال الموجب ، بناءً على نفي السالب ..

( لَانفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ ) أي أنك لو كان عندك من المثالب شيء ؛ لكان ذلك مردوده أن ينفضّوا من حولك .. لماذا ؟ ستنفّرهم غلظتك ، وستنفّرهم غلظة قلبك ، وقسوة قلبك .. ستنفِّرهم .. وإذا نَفّرتهم بعدوا .. وإذا بعدوا تفرّقوا .. • ولكن من المعلوم المتقرر أن الصحابة كان الواحد منهم لا تقرّ له عين إلا أن يرى الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. ولذلك في الحديث عند مسلم من حديث أبي هريرة " إنّ أُناسًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ بَعْدِي يَوَدُّ أحَدُهُمْ لَو اشْتَرَى رُؤْيَتِي بأهْلِهِ ومالِهِ ".. يود أن يدفع ثمن أن يرى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أهله وماله .. يعني لو عنده ملايين وعنده عشرات الأولاد ، يتمنى لو أنفقهم ، من أجل أن يرى النّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. كان الصحابة رضوان الله عليهم ، لا يفرح أحدٌ إلّا إذا واجه بصفحة وجهه ، صفحة وجه النّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. لا يُفرحه شيءٌ في الدنيا بمثل ذلك ..أن يقابل بصفحة وجهه ، صفحة وجه النّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. ولذلك كانوا يرمقونه ويتتبعونه بأبصارهم ، كما لو كانوا كاميرات مراقبة تحصي عليه السكنة والحركة ؛ ليقتدوا بها وليفعلوها .. كان النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – إذا مَجَّ أو تنخّم ؛ كان الصحابة يتقاتلون من الاندفاع ، أيهم يلتقط مجته أو نخامته في يده ؛ لعلمهم بمدى البركة التي فيها ؛ لأنه كان مخلوقًا مباركًا ، على أتم ما يكون في الخلق الآدمي .. عليه الصّلاة والسّلام .. على أتم ما يكون من شأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. أختم كلامي بأن نعلم ، ما الذي يُستفاد ؟ المستفاد ، أن الله حَبَا نبيّه – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – برحمةٍ واسعةٍ عظيمةٍ ، لم يُحاب بها غيره ، حتى جعلته مؤهّلًا لأن يتعامل مع شِرار الخلق – لا الصحابة – فيتَأَلَّفهم .. ولذلك ، ليس فقط الصحابة الذين كانوا شأنهم معه عظيم ؛ بل إن أعداءه شهدوا له .. أعداؤه شهدوا له صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. فكان رحمة من وجوهٍ عدة ، ذكرتُ بعضها ؛ لأن الكلام على كيف أن محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، رحمة للعالمين ، لا ينتهي أبدًا .. • يكفي أن تعلم أن وجود النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، مانع من العذاب ؛ وهذا الذي فقدناه وحُرِمنا منه ؛ لكن الصحابة تنعّموا بهذه النعمة { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } [الأنفال:33] .. فبَقِيَ لنا الاستغفار .. أما هم ؛ تَنَعَّموا بالأمرين ، تَنَعَّموا بأن الله عز وجل وعدهم ورفع عنهم العذاب العام والأَخْذ العام ، لوجود الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيهم كسبب ، والاستغفار كسببٍ آخر .. حُرِمنا بموت النّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، من وجود النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فينا .. هم لم يُحرموا من ذلك .. هذا وجه من وجوه رحمة الله رب العالمين بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. ثم إنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَانَ لأصحابه ، وَتَأَلَّفَهم على خير وجه . ولم يكن من قائدٍ لمقودٍ ، ولا من متبوعٍ لتابعٍ ، ولا من إمامٍ لمُريد ، لم يكن أبدًا مثل محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. • ولذلك لك أن تعلم حقيقة إيمانية عظيمة .. ما أَحَبَّ مَخلوقٌ مخلوقًا ، كما أَحَبَّ الصحابةُ محمدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. ويا ليتنا نتعلّم ونتربّي ونتدرب على تلك المحبة ، التي ترفع العبد عند ربه قَدْرًا لا يعلم مداه إلا الله سبحانه وتعالى .. فمن أعظم الطرق الموصلة لمرضات الله ؛ مَحَبّة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. فأحبّوه الحبّ الإيماني الذي ينفعكم في الدنيا والآخرة .. في الدنيا يورث بركة من عند الله ، وفي الآخرة يُنجِي من عذابٍ أليم .. وللحديث بقية إن

شاء الله تعالى ...

أسأل اللهَ العلي الكبير أن يغفر لي ولكم وأن يتقبّل منّي ومنكم وأن يجعلنا وإياكم من أتباعِ محمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وأن يرزقنا محبته على الوجه الذي يرضيه عنّا ... اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثَبِّت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين .. اللهم كُن لنا ولا تكن علينا ، أَعِنّا ولا تُعِن علينا ، رُدّ بطش الكافرين عنّا ، وقِنا برحمتك سيئات مكرهم .. اللهم اثأر لنبيّك مُحَمَّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وأَرِنَا في المستهزئين آيات عِزّك وانتقامك وأَرِنَا فيهم عجائب قدرتك .. اللهم وأهلك الكافرين وأئمة الكفر جمعًا ، واشْف صدور قومٍ مؤمنين .. أعز الإسلام وانصر المسلمين ، وأهلك الكفرة أعداءك أعداء الدين .. اللهم اهدنا فيمن هديت وتولّنا فيمن توليت وقِنا واصرف عنا شرَّ ما قضيت .. فرّج كرب المكروبين وفُكّ أسر المأسورين ورُدّ الظلم عن المظلومين ورُدّ علينا الغائبين واشْف مَرْضَى المسلمين .. اشفنا وإياهم يا رحمـٰن يا رحيم .. اللهم وهب لنا من لدنك رحمة إنّك أنت الوهّاب .. وصلِّ  اللهم وسلِّم على مُحَمَّدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين .. أقول قولي هذا واستغفر اللهَ لي ولكم ... سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك ...

وكتبه : أسماء أحمد..

راجعه وصححه وضبطه:

د / سيد العربى..




واحة العقيدة - موقع فضيلة الدكتور السيد العربي بن كمال
 
الجمعة ... 14 – 5 – 2021 ... كيف حالك بعد رمضان؟؟
الجمعة ... 7 – 5 – 2021 ... مختصر أحكام زكاة الفطر والعيد
الجمعة ... 23 – 4 -2021... معنى " ايمانا واحتسابا "
الجمعة ... 30 – 4 – 2021 ... ماذا علينا في العشر الأواخر
الجمعة ... 16 – 4 – 2021 ... معنى " الصوم لي "
الجمعة ... 9 – 4 – 2021 ... بعض ما يتعلق بشهر رمضان
الجمعة ... 19- 3 – 2021 ... معانى عالية فى دعاء الجنازة
الجمعة ... 12 – 3 – 2021 ... من أداب اتباع الجنائز
الجمعة ... 5 – 3 – 2021.. كيف ندعو للمريض وبما؟؟
الجمعة ... 26 – 2 – 2021 ... ما هى أداب عيادة المريض؟؟
 
art4islam
جميع الحقوق محفوظة لموقع واحة العقيدة - 1431 هـ

فتاوى فى إنتظار الرد: 15