أعلى
أعلى
جديد الموقع
 
الجمعة ... 14 – 5 – 2021 ... كيف حالك بعد رمضان؟؟
الجمعة ... 7 – 5 – 2021 ... مختصر أحكام زكاة الفطر والعيد
الجمعة ... 30 – 4 – 2021 ... ماذا علينا في العشر الأواخر
الجمعة ... 23 – 4 -2021... معنى " ايمانا واحتسابا "
الجمعة ... 16 – 4 – 2021 ... معنى " الصوم لي "
الجمعة ... 9 – 4 – 2021 ... بعض ما يتعلق بشهر رمضان
الجمعة ... 19- 3 – 2021 ... معانى عالية فى دعاء الجنازة
الجمعة ... 12 – 3 – 2021 ... من أداب اتباع الجنائز
الجمعة ... 5 – 3 – 2021.. كيف ندعو للمريض وبما؟؟
الجمعة ... 26 – 2 – 2021 ... ما هى أداب عيادة المريض؟؟
 
القناة الرسمية للدكتور سيد العربى..على اليوتيوب
فيديوهات د.السبد العربى
صفحة صوتيات السيد العربى على اسلام واى
ملتقى اهل الحديث
ملتقى اهل السنة
الشيخ ابو اسحاق الحوينى
الحور العين
 
لابد أن نخاف من النفاق في محبتنا لرسول الله -
لابد أن نخاف من النفاق في محبتنا لرسول الله
8 - 12 - 2020

لابد أن نخاف من النفاق في محبتنا لرسول الله  

الجمعة : 19 – 4 – 1442 هـ ... الموافق : 4 – 12 – 2020 م

للدكتور/ سيد العربي .. حفظه الله ..

إنَّ الحَمْدَ لله ، نَحْمَدُه ، ونسْتَعِينه ونَسْتَغْفِره ، ونعوذ بالله تعالى من شُرُورِ أنفُسِنا ، ومِن سيِّئات أعمالنا ، مَن يَهْدِهِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ، وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا، وأشْهَدُ أن لا إلهَ إلا الله وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ ، وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عبدهُ ورَسُولُه ، وصَفِيّه من خَلْقِه ، وخَلِيلُه، صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه ، وعلي من تَبِعَ هُدَاهُ بإحسانٍ إلي يومِ الدين .. ثُمَّ أَمَّا بَعْد ..

لازال الكلام مستمرٌّ في ما ابتدأتُه في غير هذا المحل المبارك ، في تلك التربية العقدية المُبَيِّنَة لخصائص وأخلاق خير البرية ؛ وذلك في ظل قول الله تعالى ، أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ } [آل عمران:159] .. وقد عرفنا في المقالات السابقة ، كما قلت في غير هذا المحل المبارك ، ما يتعلّق بكثير من لغويات الآية وما فيها من إبداعٍ نحويٍّ ، وبديع القرآن المعهود ، الذي يجعل من كل حرفٍ في موقعه ، آية من الآيات وإعجاز من الإعجازات ، وبيان لا منتهى له .. كيف لا ، وهو كلام ربّ العالمين ، نزل به الروح الآمين على محمدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ ليكون هدايةً للعالمين ..

( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ ) .. وقف بنا الكلام عند معنى العفو ، وكيف أن الله أَمَرَ نبيَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ بكونه رحمة للعالمين وبكونه ربّاه الله تبارك وتعالى واختصَّه بنوعٍ من الرحمة ، تجعله دواءً لكل داءٍ في تعامله مع أصحابه وأتباعه ، وكيف دَاوَى كلَّ أدْوائهم ، وكيف عالج كل أمراضهم ؛ من أول الكفر والشرك وغِلّ القلوب ، إلى أن صاروا من أهل الإيمان والإحسان وبَذْل المعروف وإفدائه بأنفسهم .. كيف صاروا ، الأصحاب .. مِن عبدة أوثان وشاربي خمر وآكلي ربا ، ونعراتهم الجاهلية وتقاتلهم من أجل فرس غُلب أو غَلب ، أو امرأة طُلِبَت للنكاح فأَبَت .. كيف صاروا من هذا المقام الرذيل ومن هذا المستنقع القبيح ؛ كيف صار الواحد منهم أُمَّة ، يمشي على الأرض وهو من أهل الجنة ، ويعلم ذلك من نفسه ، ويعلم غيره عنه ذلك .. كيف تَحَوَّلوا ، والمعدن هو المعدن والتركيب هو التركيب والآدمية هي الآدمية ! .. كيف صاروا من أسوأ السوء إلى أحسن الحسن ! .. وكيف صاروا هُدَاةً يهدي اللهُ بهم من يشاء ! .. كان ذلك بسبب أمور كثيرة ؛ أعظمها وأجلها وأعلاها هو رحمة النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، التي جعلها الله له وأخلاقه الحميدة التي ما كان ينظر إليه أحد ويراه ، إلا وينشرح صدره للإسلام ، هذا عُمر هَمَّ أن يقتله وحرص على أن يذهب إليه قاتلًا ، لا مُتَّبِعًا ؛ مجرد أن رءاه ، وقبله قد سمع كلام ربه سبحانه وتعالى ؛ فانشرح صدره للإسلام وصار عُمَر ، بعدما كان من أعدى أعداء الإسلام ، وكان من أعدى أعداء محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ..

( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ) .. هذه آياتٌ أو هذه كلمات من الآيات ، حملت قضايا كثيرة جدًا بَيّنتُها في المقالات السابقة.. ( وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ ) .. وهذا حال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، شهد بأنه لم يكن فظًّا ولم يكن غليظًا ؛ بل كان رحيمًا ليِّنًا ، بل كان رءوفًا رحيمًا ، بل كان خير من يألف ويؤلَف – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – شهد له أحبابه ؛ بل شهد له أعداؤه .. ( وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ ) .. بما أنك قد رُكِّبت برحمةٍ تجعلك تتألّف حتى الحجر القاسي ، وتتألف حتى الحيوان الشارد ، وأنتم تعلمون أن النَّبٍيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، بكى عليه الحجر والشجر ، وسبَّح الحصى بين يديه ، وكان له جذعٌ مقطوع من شجرة ، يقف عليه إذا خاطب الناسَ وكلمهم ، قبل أن يجعل له أحد أصحابه نجارًا منبرًا ، فقبل أن يُجْعَل له – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – منبر يخطب عليه ، كان هناك جذعٌ مقطوع في الأرض يقف عليه ويُحدِّث الناس ، هذا الجذع بكى لمّا هجره النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى المنبر .. بكى ، وسُمِعَ لبكائه أنين .. الجماد – عباد الله – أَحَبَّه ، والجماد لَانَ له ، والجماد أَلِفَه ؛ بل أنطق اللهُ عز وجل ، الحيوانَ الأعجمي الذي لا ينطق بالعربية ، أنطقه ليشهد له بالنّبوّة والرسالة ..

( فَاعْفُ عَنْهُمْ ) .. اللهُ عز وجل بعدما بَيَّنَ لنا في سياقٍ خبريٍّ إنشائي ، أي أنه سياق خبري ، ولكنه يحمل أمرًا ونهيًا ، في قوله تعالى ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ ) هذا السياق يُسَمَّى خبري ولكنه إنشائي ، فيُسَمَّى خبري إنشائي .. يعني حكاية تحمل أَمْرًا ونهيًا .. على تفصيل بيَّنتُه في المقالات السابقة .. ( وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ ) أي أنك لست فَظًّا ولا غَلِيظ القلب ، بدليل أنهم لم ينفضّوا من حولك .. أحد المشركين الذين ذهبوا إليه ليعقدوا معه صُلح الحديبية ، لمّا رجع إلى قومه قال لهم والله لقد رأيت كسرى في ملكه ، وهرقل في مكانته ، والنجاشي حيث هو كمَلِكٍ ، ما رأيتُ أحدًا من أتباع أولئك الملوك يُعَظِّم مَلِكَه كما يُعَظِّم أصحابُ محمدٍ محمدًا .. والله – أو كما يقسم هو ، واللات – ما تَنَخَّمَ نُخَامَةً أو مَجَّ مَجَّةً إلَّا تقاتلوا مَن تقع في يده ليتبرّك بها لأنها من جسده المبارك ، ولأنهم يعلمون مدى بركته التي خلقه الله عليها  - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – هو مُركّبٌ بشري ولكن على أجود ما يكون .. أنتم تعلمون أن حتى الذهب منه ما هو جيد ومنه ما هو أجود ، وما من شيء إلا منه الجيد والأجود .. أجود البشري على الإطلاق الذي ليس له ثان ، هو محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ليس بتركيبٍ آخر ولم يُخلَق كما تُخلَق الملائكة من نور ؛ إنما خُلق من طين لأنه من بني آدم .. صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. ولكنه هو أجود بني آدم ، حيث كان له من التركيب الآدمي المبارك على أجود ما يكون .. حتى وإن كان للرسل عمومًا تركيب مبارك ، وحتى وإن كان للرسل عمومًا تركيبًا جيدًا من التركيب البشري ؛ إلا أن محمدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، واحد في نفسه وواحد في ذاته وواحد في مثله ، بحيث لا يستطيع أحد أن يقول هو رقم واحد ، وبالتالي هناك رقم اثنان ورقم ثلاثة ؛ بل هو رقم واحد الذي ليس له رقم بعده ، من حيث التركيب البشري ، سواء في تركيبه الجسدي المبارك أو في أخلاقه ومعنويته .. صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. وكما ذكرتُ أيضًا من قبل ، لك أن تتخيل أن محمدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان له من المقامات والمكانات ، وكان له من بحر الأخلاق ، وكنز الجوهر النفيس في علو مقامه ومقتضيات ( كبريائه ) ، ما يقتضي الواحد منها ، من هذا الخلق وهذا المقام ، من النسب مثلًا ، أو الحسب مثلًا ، أو الشرف مثلًا ، أو الأخلاق ، أو الحنو ، أو البِر ، أو علو القدر ، أو علو الذِّكْر ، أو غير ذلك ، أي مقام من المقامات ، الواحد منهم يقتضي ، لو كان لواحد من البشر سواه ؛ لاقتضى أن يتكبّر على الخلق أيّما تكبر ، ويكون محقًّا .. فلو تكبّر محمد – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بنسبه لكان محقًّا لأنه من أنسب الناس نسبًا ، ولو تكبّر بحسبه ، فهو كان من أشرف الناس حسبًا ، ولو تكبّر بعُلُو ذِكْرِه وشهادة الناس له وأنه لُقِّب بالصادق الأمين لعظيم خلقه لكان له ذلك ، وغير ذلك من المقامات .. عُدّ ، عُدّ .. من المقامات ؛ ومع ذلك بالرغم من أنه جمع هذه المقامات كلها ، بالرغم من ذلك لم يدعوه وجود هذه المقامات التي يدعو الواحد منها لو وُجِدَ في غيره إلى التفاخر والتكبّر ، لم يكن له ذلك ؛ بل كان ضارب المثل في التواضع .. إذا صافح أحدًا ، لا يسحب يده منه حتى يكون الآخر هو الساحب .. إذا جلس ، جلس كما يجلس العبد .. دخل أعرابي يومًا المسجد فقال من منكم محمد .. والشاهد من الحديث ، أنه لم يكن له شارة ولا علامة ولا أريكة ولا سرير ولا عرش مُلك ولا ثياب خاصّة لأنه عظيم قومه ولأنه كبير قومه وأفضلهم وإمامهم ؛ ولكنه شأنه شأن الناس ؛ بل شأنه شأن فقرائهم ، بل شأنه شأن العبيد فيهم .. فقال مَن منكم محمد ؛ فقال أنا محمد .. صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. وقالت له امرأة ، مالك تجلس كما يجلس العبد ؟! قال أنا كذلك أجلس كما يجلس العبد وآكل كما يأكل العبد ، أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد من مكة ..

عباد الله .. نحن لا نحب مُحَمّدًا – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بالقدر الذي ينبغي .. ولم نُنزله في أنفسنا المنزلة التي تليق به .. ربّى أصحابه خير تربية .. بل إن الله عز وجل ، بما ربّاه على شمائلٍ عِظام وعلى رحمة مهداة وعلى أخلاقٍ حميدة ، نهرها لا يجف .. نهر أخلاق محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يجف وإن ارتوى منه العالمين ، لأنه رحمة للعالمين .. فلو ارتوى العالم من رحمة محمد وأخلاقه – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ما جفّ نهرُ أخلاقه ؛ ولكن نحن لا ينال منا محمدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إلا الكلمات والنعرات ، لكن التربية العقدية التي تؤسس والتي تُلزِم والتي تهدي إلى أن نكون من أتباعه وأن نكون عاملين بما هدانا إليه وسَنَّه لنا وربَّانا عليه وأَمَرنا به ونهانا عنه ، كثير كثير منا غير مؤهل لذلك ، وكثير منا ليس لمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خير الخلق أجمعين ، ليس له نصيبٌ عند كثير منا إلا مجرد كلمات ، أو " صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أو " عليه الصّلاة والسّلام " ووقف الأمر عند ذلك .. لسنا مُطِيعين ولسنا أبرار ولا نَبَرُّ نبيّنا ولا نسْتَنّ بسُنَّتِه ولا نهتدي بهَدْيه .. لماذا ؟؟ لأننا لا نعطى الا مجرد كلمات ، نسترضي بها أنفسنا ونعتبر أننا قد وفَّينا الحق الذي علينا عندما يُقال محمد ، فنقول " عَلَيْهِ الصَّلَاةُ والسَّلَام " .. وانتهى الأمر عند ذلك .. واعلم أن النَّبٍيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَمَرَهُ ربُّنا – رغم أننا بهذه الصورة – أمره بأن يعفو عن أصحابه ، الذين كان منهم يوم أُحُد ما آذاه ، وخالفوا أمره ، ولم يطيعوه فيما أمرهم به ، وكانوا بسبب مخالفتهم واستزلال الشيطان لهم ، كان هذا موجب لغضبه ، وموجب لعقوبتهم والثأر منهم ، تأديبًا ؛ ولكنه عفا عنهم ولَانَ لهم وَتَأَلَّفَهم ، ووجد الحزن في أعينهم فلم يُزِد عليهم ؛ بل أَمَرَه ربُّه أن يلين لهم في سياقٍ خبري يحكي أنك تلين لهم وأن تتألَّفهم ؛ بل ( فَاعْفُ عَنْهُمْ ) أي بالرغم ما كان في نفس محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يوم أُحُد وما وقع من صحابته الكرام يوم أُحُد وما وقع من غيرهم يوم أُحُد ، بالرغم من أن ذلك استثار حفيظته واستثار غضبه ، ليس في دنيا ولا في حق نفس ؛ بل كان في حق الله سبحانه وتعالى .. ومع ذلك من مقتضى حُسن قيادته ومن مقتضى مدى تَأْلِيفه لهم ومن مقتضى رحمته المهداة ومن مقتضى نهر أخلاقه الذي لا يجف  ومن مقتضى جوهره النفيس الذي لا ثاني له ؛ لَان لهم وعفا عنهم ، وأمَّلَهم في أن يكون الغد خير والقادم أحسن وأن الله عز وجل عفوٌّ غفور ؛ بل وعفا عنهم .. وقد عرفنا الفرق بين العفو وكظم الغيظ ، في غير هذا المقام .. كظم الغيظ ، هو ألَّا تُعْمِل ما في قلبك من غيظٍ مع وجوده .. تكون مغتاظ من عبدٍ في حقّ ، فتكتم غيظك وتكظمه لا تُعْمله ؛ ولكن غيظك موجودً في قلبك .. أما العفو ، هو محو الغيظ من القلب ، ليس فقط عدم إعمال الغيظ ؛ بل محو ذلك الغيظ .. فلما أَمَرَه ، لم يأْمره بكظم الغيظ ، مع أن كظم الغيظ من البِر ؛ لأن الله عز وجل ذَكَرَه في موطن الثناء ، فقال { وَالْكَـٰظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } [آل عمران:134] .. تنبّه .. لكن هنا قال ( فَاعْفُ عَنْهُمْ ) أي لا تحمل عليهم في قلبك غيظًا بسبب إساءتهم ومخالفتهم أمرك وما كان منهم يوم أُحُد ، سواء في تركهم مقام الرماة ، أو سواء فرارهم بعدما سمعوا بموتك ، أو غير ذلك مما وقع منهم ، فأنت مطالب بأن يكون الأمر في حقهم على المقامات العُلا التي أنت مُرَبَّى عليها وأهلٌ لها .. فما كان بينك وبينهم ، بالرغم من أن ما بينك وبينهم ، في الله وليس في دنيا وليس في حق نفس ؛ فعامِلْهم بالأعلى ، وهو العفو ، ولم يقل له " واكظم غيظك " إنما قال ( فَاعْفُ عَنْهُمْ ) ؛ بل وأعلى من ذلك ( وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ ) اطلب لهم مقام العفو والمغفرة عند ربهم حتى يُمْحَى ما عليهم من ذنوبٍ .. فدعاه إلى أن يُخلِّي قلبه لهم وأن يمسح من قلبه ما يسوؤهم وأن يعفو عنهم ؛ بل ويطلب من الله العفو عنهم .. بل ويطلب من الله ، لِمَن ؟ لأُمَّتِهِ .. لِمَن هم من أُمَّته ؟ لخير أُمَّتِه ، الذين يستحقون ذلك .. وهذه تربية عقدية ينبغي أن نتعلّمها .. لأن هذه الآية ، أطلت في البيان فيها لأنها مملوءة من كنوز البيان ومملوءة من التربية العقدية التي تُبَيّن أخلاق وشمائل خير البرية عَلَيْهِ الصَّلاة والسَّلام .. كلما علا مقامك في اتباعه وكلما علا استنانك بسُنَّته وكلما علا اتباعك لأمره ، كلما علت العطايا من الله لك .. الصحابة الذين أمره الله تعالى بأن يعفو عنهم ويستغفر لهم ويُشاورهم ، هؤلاء هم الذين تركوا جبل الرماة وكانوا سببًا لهزيمة المسلمين في يوم أُحُد ، هؤلاء هم الذين فرُّوا لمّا سمعوا بموته ، وهو يقول لهم أنا رسول الله ، ويدعوهم إلى الثبات ، وهم لمّا سمعوا بموته انهار كثير منهم ، وغير ذلك مما وقع منهم .. بمعنى أنه لو عاقبهم وأدّبهم لكان محقًّا ، ولو عاقبهم وأدّبهم لكان في ذلك له وجه شرعي ، وليس ظالمًا .. حاشا وكلا .. ولكن مع ذلك لأنهم مِن خير مَن اتَّبَعوه ، ولأن الله عز وجل غافر الذنب و قابل التّوب سبحانه وتعالى ، ولأنهم تَأَوَّلُوا ولأنهم ناصروه وكانوا خير مَن ناصروه ؛ كان لهم النصيب الأوفى والأوفر مما يعطي الله عباده المؤمنين .. فأعطاهم اللهُ ماذا ؟ أن يلين لهم ، وأعطاهم الله أن يرحمهم نبيُّهم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. وأعطاهم ماذا ؟ أن يكون لينًا وألَّا يكون فَظًّا ولا غليظًا ؛ لأنه ليس كذلك أبدًا أبدًا .. وأعطاهم ماذا ؟ أن يعفو النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عنهم .. وأعطاهم أن طالبه بالاستغفار لهم .. وأنتم تعلمون أن استغفار النّبي –  صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مقبول ؛ لأن دعاء النّبيّ –  صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مقبول ، ولا يمكن أبدًا أن يدعو إلا ويقبله الله تعالى كرامة له وفضلًا من الله عز وجل .. فأَمَرَه أن يستغفر لهم .. كل تلك .. عطايا .. عطايا ماذا ؟ عطايا مجاملات ؟ أبدًا .. إنما عطايا ضريبة حُسن الاتّباع والاهتداء .. ولذلك قلت لكم نحن لا نحب نبيَّنَا كما ينبغي ؛ ولكنهم أحبُّوه كما ينبغي .. ولو قرأتَ في أَيٍّ من المقروءات ولو كان كُتيب صغير يسير قليل الورقات ، في كيف اتبع الصحابةُ رضوان الله عليهم نبيَّهم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وكيف أحبّوه وكيف اتبعوه وكيف اهتدوا به ؛ لوجدت عجب العجاب .. ولعل ذلك يكون له مقالات تُبَيّن الفارق الكبير بيننا وبينهم من خلال حُسن صنيعهم ومن خلال ما كانوا عليه ... ( فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ ) فأَمَرَه أن يُزيل من صدره كل ما كان فيه من تبعاتٍ عليهم ؛ بل وأَمَرَه أن يطلب من الله عز وجل أن يغفر لهم كل ما كان عليهم من تبعات بينهم وبين ربهم ، وذلك مما يُعطيه الله عز وجل لأهل اتّباعه .. جعلني الله وإياكم من أهل اتباع محمدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على خير وجه ...

 —------------------------------------------------

الحمدُ للهِ وكفى، وسلامٌ على عبادِه الذين اصطفى، وأشهدُ أنْ لا إلـه إلا الله وحدَه لا شريكَ له ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه ، وصَفِيُّه مِنْ خلقِه وخليلُه ، صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه ، صلاةً نحققُ بها أمرَ ربِّنا ، حيثُ أنَّه قال { إِنَّ اللَّهَ وَمَلَـٰٓئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَـٰٓأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } [الأحزاب:56]... فاللَّهمَّ صلِّ على محمدٍ النبيّ ، وأزواجِه أمهاتِ المؤمنين ، وذريَّته ، وآلِ بيته ، كما صلّيتَ على آلِ إبراهيمَ إنَّكَ حميدٌ مجيدٌ...

لو قال لك أحدٌ أو عُرِضَ علينا عَرْض ، بكم نشتري أن نكون من أصحاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ أو تكون لنا مكانتهم ؟ أو تكون لنا كمكانتهم ؟ .. بكم ؟ بكم تشتري ذلك ؟ أو كم تبذل في ذلك ؟ أن تكون لك مكانة كأصحاب النّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ .. لا أعتقد أن أحدًا منّا سيُنصِف أو سيذكر لذلك القيمة التي تليق به .. لا أعتقد .. لأن النَّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما قال في حديثٍ صحيحٍ أخرجه مسلم عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال " إنّ أُناساً مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ بَعْدِي يَوَدُّ أحَدُهُمْ لَو اشْتَرَى رُؤْيَتِي بأهْلِهِ ومالِهِ " .. اسمع الحديث .. " لَو اشْتَرَى رُؤْيَتِي بأهْلِهِ ومالِهِ " .. مجرد الرؤية ، وليس أن يكون صحابيًّا مناصرًا منافحًا مجاهدًا مؤازرًا مطيعًا محبًّا ناصرًا .. " " إنّ أُناساً مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ بَعْدِي يَوَدُّ أحَدُهُمْ لَو اشْتَرَى رُؤْيَتِي بأهْلِهِ ومالِهِ " .. ولذلك قلت لك مجرد الرؤية ، ثمنها ما يكون للإنسان من مالٍ وولد ، بحيث يعطي كل ما يملك عن بكرة أبيه .. فكيف إذا قيل لك ، بكم تشتري أن تكون صحابيًّا أو تكون لك مكانة الصحابي ؟ .. لن تستطيع أن تُقَيِّم ذلك .. إن كانت الرؤية فقط ، ثمنها يتمنى لو دفع " طبعا ممكن يكون الثمن هذا لن يحصل به الرؤية لأنها أعلى من ذلك أو أغلى من ذلك بكثير " لكن هو " يَتَمَنَّى " لو اشترى أن يرى النّبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بأهله وماله .. لماذا ؟ لأن الصحابة – رضوان الله عليهم – بلغوا مرتبةً لا يعلمها إلا الله ، من الخير والفضل .. كلهم عدول ، كلهم في الجنة إلا مَن نافق أو ارتدّ .. كلهم محبّين للنبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. كلهم يُحشَرون معه .. كلهم يُلْحَقون بالرفيق الأعلى .. وعُدّ في تلك المناقب ، عُدّ حتى تنتهي المناقب ولتجد المزيد .. لمن ؟ للصحابة رضوان الله عليهم .. ولذلك اتفقت الأمة ، وخاصّة أهل الحديث ، وخاصّة أهل الجرح والتعديل ؛ أن الصحابة كلهم عدول .. ولذلك لو جاء حديث ، ولم يُذْكَر فيه اسم الصحابي ، حديث اتصل إسناده ، وقيل عن واحدٍ من أصحاب النَّبِيّ ، يعني لم يُقال عن فلان عن فلان عن فلان عن أبي هريرة ، أو عن ابن مسعود أو عن ابن عباس – كما يُقال – إنما قال عن فلان وذُكر السند واحدًا تلو الآخر ، وجِيء عند الصحابي ، وقال " عن واحدٍ من أصحاب النَّبِيّ " ، " عن إحدى زوجات النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " عن امرأة من أصحاب النَّبِيّ " وقيل كذا " لم يذكر الاسم " .. متفق على أن هذا الحديث صحيح وأن جهالة الصحابي لا تضر وأن العلم بعين الصحابي ، لا يفارق بينه وبين الجهل بعينه .. لماذا ؟ لأنهم كلهم كعينٍ واحدة ، عدول .. كل هذا لأنهم قد حققوا حُسن معيته – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وحُسْن اتباعه وحُسن التأسي به .. قِس وقارن ، بين الصحابة رضوان الله عليهم وبين عموم الناس بعدهم .. أمثالنا .. قس على الصحابة ، ونحن .. لن تجد هناك جامع لجدول المقارنات ولن تجد هناك مقارنة أصلًا تُذْكَر ولن تجد تدريج ولا أرقام تُذْكَر في جدول المقارنة ما بيننا وبينهم .. أقول ذلك لماذا ؟ حتى نعلم من المفرِّطين فى حق رسولنا الكريم – عَلَيْه الصَّلاة والسَّلام – وأننا نسمع الاستهزاء وأننا نغتاظ لذلك ؛ ولكن لا يتترجم هذا الغيظ إلى أي شيء ، كأنه بخار .. انظر إلى القِدر الذي يغلي على النار ، وانظر إلى البخار الذي يخرج منه ، أين يتجمَّع ؟ ماذا يفيد ؟ ما حجمه ؟ في أي مكان يقف ؟ هذا البخار هباء .. والقِدر من الداخل يغلي .. عندما تكون كالقِدر الذي يغلي ، ولا يخرج منه إلا مجرد كلام وهباء وبخار ؛ فأنت لم تناصر محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. تنبّه .. ولكنك لا يقع منك إلا مجرد هباء لا يسمن ولا يغني من جوع .. هذا الكلام يُلزِمُنا بماذا ؟ يُلزِمنا بأن نراجع أنفسنا في محبّتنا لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. نراجع محبَّتنا .. هل تُصلِّي ؟ إن كنت لا تصلي ؛ فأنت في الكافرين ، ليس في المسلمين أصلًا ولست من محبي محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ بل أنت من مبغضيه ، بل أنت من منكري نبوته ؛ لأن الصلاة عماد الدين ، مَن أقامها أقام الدين – وهذا ليس بحديث ؛ ولكنها قاعدة أُخِذَت من عموم الأحاديث – يقول النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " بَيْن الرَّجُلِ والكُفْر تَرْكُ الصَّلَاة " .. هل تُزَكِّي مالك ؟ لا تُزَكِّي .. أنت أقرب للكفر منك للإيمان .. أنت ممن لا يُحب محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. هل تصوم ؟ لا تصوم .. كذلك .. لأن هذا من عماد الدين .. ولأن هذا من أركان الإسلام التي تعبّر بها عن محبّتك واتباعك وعن صدقك في قولك وأنت تشهد " أنَّ مُحَمَّدًا رَسُول الله " .. إن كثيرًا مِنَّا كاذبون في قولهم " وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُول الله ".. كاذبون ..{ إِذَا جَآءَكَ الْمُنَـٰفِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَـٰفِقِينَ لَكَـٰذِبُونَ } [المنافقون:1] .. ( إِذَا جَآءَكَ الْمُنَـٰفِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ) طيب هذه الكلمة حق أم باطل ؟ ( مُحَمَّدٌ رسول الله ) كلمة حق أم باطل ؟ كلمة حق .. ولكن إما أن تكون قلتَها بصدق ، وإمّا أن تكون قلتها وأنت كاذب .. هي الكلمة حق ، شئتَ أم أَبيت ، هي كلمة حق .. ( إِذَا جَآءَكَ الْمُنَـٰفِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ ) إذًا هم قالوا كلمة حق ؛ لكن ( وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَـٰفِقِينَ لَكَـٰذِبُونَ ) .. كاذبون في ماذا ؟ .. كلمة " مُحَمَّدٌ رسول الله " أليست كلمة حق ؟ بلي ، هي كلمة حق ؛ ولكنهم لم يقولوها بصدق .. قالوها وخالفوها .. قالوها وعادوه .. قالوها وجمعوا البغضاء في قلوبهم .. قالوها واستهزؤوا به .. كان ابن سلول كلما وجد من نبينا – صَلَّى اللَّهُ  عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وعد بالخير وبالحق ؛ استهزأ بذلك ، وقال " غَرَّ القَوْمَ دينُهم " .. { إِذْ يَقُولُ الْمُنَـٰفِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَـٰٓؤُلَآءِ دِينُهُمْ } [الأنفال:49] .. لأنه غير صادق في الإيمان بنبوة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. احذر .. احذر أن تكون من المنافقين .. تقول كلمة الحق وأنت غير صادقٌ فيها .. أنت مطالب بأن تقول كلمة الحق وأنت صادق فيها .. لأن الله عز وجل وصف المؤمنين بأنهم { فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَىٰ وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا } [الفتح:26] .. فالفارق الكبير بين المؤمنين والمنافقين ، أن المنافقين ما لهم ؟ كاذبون .. ( وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَـٰفِقِينَ لَكَـٰذِبُونَ ) .. ولكن المؤمنين ما لهم ؟ ( أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا ) أحق بكلمة الإيمان وأهل كلمة الإيمان .. لماذا ؟ لأنهم قالوها وهم صادقون .. لابد أن تقف مع نفسك .. لابد أن تعلم أن هناك يوم القيامة .. أختم بهذا .. يوم القيامة ، سيقف النّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – على حوضه ؛ ليسقي أُمَّتَه بيده الشريفة – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فيأتي أقوامٌ ، يُنسَبون إلى أُمَّتِه ، كانوا في الدنيا من المسلمين ، وكانوا في الدنيا يقولون " أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله " .. فتمنعهم الملائكةُ أن يقتربوا من النّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ويُذَادُ بهم ، أي يُمنَعون .. يُذَاد بهم عن الحوض .. فيقول النّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أُمَّتِي .. أُمَّتِي " أي اتركوا أُمَّتي .. يقول مخاطبًا الملائكة الذين يذودون بكثيرٍ من أُمَّته ممن ينتسبون إلى الأُمَّة ولكنهم غير صادقين .. فيُقال له " إِنَّكَ لا تَدْرِي ما أَحْدَثُوا بعدك " .. وروايات أخرى كثيرة تفيد بمعناها أنهم بدّلوا في دين الله ، أنهم لم يكونوا صادقين في دين الله .. أنهم لم يقوموا على الحق الذي تركهم عليه .. " تركتُكم على البيضاء ، ليلها كنهارها ، لا يزيغ عنها إلا هالك " .. وكما قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " تركْتُ فِيكُم ما إن تَمَسَّكْتُم به لن تضلّوا ، كتاب الله وسُنَّتي " .. هذا يعني أن هناك أُناس ستظهر حقيقتهم يوم القيامة .. في الدنيا " أنت اسمك عم أحمد الحج أحمد ، حسنين ، محمدين " لا يعلم الحقيقة إلا الله .. ولكن يوم القيامة ، يوم تَبيضّ وجوه وتسودّ وجوه .. هذه حقيقة .. وهذه الحقيقة لا تظهر في الدنيا .. حقيقة الوجوه وبياضها وسوادها ، لا تظهر في الدنيا ؛ ولكن تظهر في الآخرة ، بحسب ما يُقَدّم العبد .. { إِذَا جَآءَكَ الْمُنَـٰفِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَـٰفِقِينَ لَكَـٰذِبُونَ } ..اختر لنفسك وتدبّر أمرك واختر في أي صفٍّ تقف .. هل أنت ممن اتبع الصحابة واهتدى بهديهم وسار على نهجهم ؟ فيكون لك مما كان لهم ولو البعض .. اللهم ارزقنا مما رزقتهم وأعطنا مما أعطيتهم .. انظر أعطاهم ماذا ؟ ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) .. وسيأتي لهذا مزيد بيانٍ في مقالاتٍ أُخر إن شاء الله تعالى ... أسأل اللهَ العلي الكبير أن يغفر لي ولكم وأن يغفر لنا تقصيرنا وأن يغسل حوبتنا وأن يتقبّل توبتنا وأن يجعلنا هداة مهتدين .. اللهم اجعلنا من خير أتباع نبيِّك صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. اللهم احشرنا مع مَن صَدقوا وبرِّئنا ممن كذبوا .. اللهم احشرنا مع مَن صدقوا ، وبرِّئنا ممن كذبوا ، واجعلنا هُداة مهتدين ... اللهم اهدنا واهْد بنا واجعلنا سببًا لمن اهتدى .. اللهم اهدنا واهْد بنا واجعلنا سببًا لمن اهتدى .. اجعل خير أيامنا يوم لقائك واجعل خير أعمالنا خواتيمها ولا تُمتنا إلا وأنت راضٍ عنا .. خُذْ بنواصينا للبِرِّ والتقوى ومن العمل ما ترضى .. حبِّب إلينا الإيمان وزيِّنه في قلوبنا وكرّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين .. اللهم فرّج كرب المكروبين وفُكّ أسر المأسورين ورُدّ الظلم عن المظلومين .. اللهم رُدّ علينا الغائبين يا رحمـٰن يا رحيم .. اللهم هوِّن علينا برد الشتاء وعلى عبادك المسلمين في كل مكانٍ وفي المخيمات وفي دورهم وبيوتهم وفي كل مقامٍ يا أرحم الراحمين .. حبِّب إلينا حُبّك وحُب من يحبك وحب كل عملٍ يقرّبنا إلى حبّك .. اشفنا واشف مرضى المسلمين وارفع البأساء عنا يا رحمـٰن يا رحيم .. واقض الدَّين عنّا واجعلنا من الراشدين وحبّب إلينا الإيمان واجعلنا من المؤمنين ... وصلِّ اللهم وسلِّم على مُحَمَّدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين .. أقول قولي هذا واستغفر اللهَ لي ولكم ... سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك ...

وكتيه : أسماء أحمد..

راجعه وصححه وضبطه:

د / سيد العربى..

لابد أن نخاف من النفاق في محبتنا لرسول الله  

الجمعة : 19 – 4 – 1442 هـ ... الموافق : 4 – 12 – 2020 م

للدكتور/ سيد العربي .. حفظه الله ..

إنَّ الحَمْدَ لله ، نَحْمَدُه ، ونسْتَعِينه ونَسْتَغْفِره ، ونعوذ بالله تعالى من شُرُورِ أنفُسِنا ، ومِن سيِّئات أعمالنا ، مَن يَهْدِهِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ، وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا، وأشْهَدُ أن لا إلهَ إلا الله وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ ، وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عبدهُ ورَسُولُه ، وصَفِيّه من خَلْقِه ، وخَلِيلُه، صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه ، وعلي من تَبِعَ هُدَاهُ بإحسانٍ إلي يومِ الدين .. ثُمَّ أَمَّا بَعْد ..

لازال الكلام مستمرٌّ في ما ابتدأتُه في غير هذا المحل المبارك ، في تلك التربية العقدية المُبَيِّنَة لخصائص وأخلاق خير البرية ؛ وذلك في ظل قول الله تعالى ، أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ } [آل عمران:159] .. وقد عرفنا في المقالات السابقة ، كما قلت في غير هذا المحل المبارك ، ما يتعلّق بكثير من لغويات الآية وما فيها من إبداعٍ نحويٍّ ، وبديع القرآن المعهود ، الذي يجعل من كل حرفٍ في موقعه ، آية من الآيات وإعجاز من الإعجازات ، وبيان لا منتهى له .. كيف لا ، وهو كلام ربّ العالمين ، نزل به الروح الآمين على محمدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ ليكون هدايةً للعالمين ..

( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ ) .. وقف بنا الكلام عند معنى العفو ، وكيف أن الله أَمَرَ نبيَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ بكونه رحمة للعالمين وبكونه ربّاه الله تبارك وتعالى واختصَّه بنوعٍ من الرحمة ، تجعله دواءً لكل داءٍ في تعامله مع أصحابه وأتباعه ، وكيف دَاوَى كلَّ أدْوائهم ، وكيف عالج كل أمراضهم ؛ من أول الكفر والشرك وغِلّ القلوب ، إلى أن صاروا من أهل الإيمان والإحسان وبَذْل المعروف وإفدائه بأنفسهم .. كيف صاروا ، الأصحاب .. مِن عبدة أوثان وشاربي خمر وآكلي ربا ، ونعراتهم الجاهلية وتقاتلهم من أجل فرس غُلب أو غَلب ، أو امرأة طُلِبَت للنكاح فأَبَت .. كيف صاروا من هذا المقام الرذيل ومن هذا المستنقع القبيح ؛ كيف صار الواحد منهم أُمَّة ، يمشي على الأرض وهو من أهل الجنة ، ويعلم ذلك من نفسه ، ويعلم غيره عنه ذلك .. كيف تَحَوَّلوا ، والمعدن هو المعدن والتركيب هو التركيب والآدمية هي الآدمية ! .. كيف صاروا من أسوأ السوء إلى أحسن الحسن ! .. وكيف صاروا هُدَاةً يهدي اللهُ بهم من يشاء ! .. كان ذلك بسبب أمور كثيرة ؛ أعظمها وأجلها وأعلاها هو رحمة النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، التي جعلها الله له وأخلاقه الحميدة التي ما كان ينظر إليه أحد ويراه ، إلا وينشرح صدره للإسلام ، هذا عُمر هَمَّ أن يقتله وحرص على أن يذهب إليه قاتلًا ، لا مُتَّبِعًا ؛ مجرد أن رءاه ، وقبله قد سمع كلام ربه سبحانه وتعالى ؛ فانشرح صدره للإسلام وصار عُمَر ، بعدما كان من أعدى أعداء الإسلام ، وكان من أعدى أعداء محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ..

( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ) .. هذه آياتٌ أو هذه كلمات من الآيات ، حملت قضايا كثيرة جدًا بَيّنتُها في المقالات السابقة.. ( وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ ) .. وهذا حال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، شهد بأنه لم يكن فظًّا ولم يكن غليظًا ؛ بل كان رحيمًا ليِّنًا ، بل كان رءوفًا رحيمًا ، بل كان خير من يألف ويؤلَف – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – شهد له أحبابه ؛ بل شهد له أعداؤه .. ( وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ ) .. بما أنك قد رُكِّبت برحمةٍ تجعلك تتألّف حتى الحجر القاسي ، وتتألف حتى الحيوان الشارد ، وأنتم تعلمون أن النَّبٍيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، بكى عليه الحجر والشجر ، وسبَّح الحصى بين يديه ، وكان له جذعٌ مقطوع من شجرة ، يقف عليه إذا خاطب الناسَ وكلمهم ، قبل أن يجعل له أحد أصحابه نجارًا منبرًا ، فقبل أن يُجْعَل له – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – منبر يخطب عليه ، كان هناك جذعٌ مقطوع في الأرض يقف عليه ويُحدِّث الناس ، هذا الجذع بكى لمّا هجره النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى المنبر .. بكى ، وسُمِعَ لبكائه أنين .. الجماد – عباد الله – أَحَبَّه ، والجماد لَانَ له ، والجماد أَلِفَه ؛ بل أنطق اللهُ عز وجل ، الحيوانَ الأعجمي الذي لا ينطق بالعربية ، أنطقه ليشهد له بالنّبوّة والرسالة ..

( فَاعْفُ عَنْهُمْ ) .. اللهُ عز وجل بعدما بَيَّنَ لنا في سياقٍ خبريٍّ إنشائي ، أي أنه سياق خبري ، ولكنه يحمل أمرًا ونهيًا ، في قوله تعالى ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ ) هذا السياق يُسَمَّى خبري ولكنه إنشائي ، فيُسَمَّى خبري إنشائي .. يعني حكاية تحمل أَمْرًا ونهيًا .. على تفصيل بيَّنتُه في المقالات السابقة .. ( وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ ) أي أنك لست فَظًّا ولا غَلِيظ القلب ، بدليل أنهم لم ينفضّوا من حولك .. أحد المشركين الذين ذهبوا إليه ليعقدوا معه صُلح الحديبية ، لمّا رجع إلى قومه قال لهم والله لقد رأيت كسرى في ملكه ، وهرقل في مكانته ، والنجاشي حيث هو كمَلِكٍ ، ما رأيتُ أحدًا من أتباع أولئك الملوك يُعَظِّم مَلِكَه كما يُعَظِّم أصحابُ محمدٍ محمدًا .. والله – أو كما يقسم هو ، واللات – ما تَنَخَّمَ نُخَامَةً أو مَجَّ مَجَّةً إلَّا تقاتلوا مَن تقع في يده ليتبرّك بها لأنها من جسده المبارك ، ولأنهم يعلمون مدى بركته التي خلقه الله عليها  - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – هو مُركّبٌ بشري ولكن على أجود ما يكون .. أنتم تعلمون أن حتى الذهب منه ما هو جيد ومنه ما هو أجود ، وما من شيء إلا منه الجيد والأجود .. أجود البشري على الإطلاق الذي ليس له ثان ، هو محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ليس بتركيبٍ آخر ولم يُخلَق كما تُخلَق الملائكة من نور ؛ إنما خُلق من طين لأنه من بني آدم .. صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. ولكنه هو أجود بني آدم ، حيث كان له من التركيب الآدمي المبارك على أجود ما يكون .. حتى وإن كان للرسل عمومًا تركيب مبارك ، وحتى وإن كان للرسل عمومًا تركيبًا جيدًا من التركيب البشري ؛ إلا أن محمدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، واحد في نفسه وواحد في ذاته وواحد في مثله ، بحيث لا يستطيع أحد أن يقول هو رقم واحد ، وبالتالي هناك رقم اثنان ورقم ثلاثة ؛ بل هو رقم واحد الذي ليس له رقم بعده ، من حيث التركيب البشري ، سواء في تركيبه الجسدي المبارك أو في أخلاقه ومعنويته .. صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. وكما ذكرتُ أيضًا من قبل ، لك أن تتخيل أن محمدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان له من المقامات والمكانات ، وكان له من بحر الأخلاق ، وكنز الجوهر النفيس في علو مقامه ومقتضيات ( كبريائه ) ، ما يقتضي الواحد منها ، من هذا الخلق وهذا المقام ، من النسب مثلًا ، أو الحسب مثلًا ، أو الشرف مثلًا ، أو الأخلاق ، أو الحنو ، أو البِر ، أو علو القدر ، أو علو الذِّكْر ، أو غير ذلك ، أي مقام من المقامات ، الواحد منهم يقتضي ، لو كان لواحد من البشر سواه ؛ لاقتضى أن يتكبّر على الخلق أيّما تكبر ، ويكون محقًّا .. فلو تكبّر محمد – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بنسبه لكان محقًّا لأنه من أنسب الناس نسبًا ، ولو تكبّر بحسبه ، فهو كان من أشرف الناس حسبًا ، ولو تكبّر بعُلُو ذِكْرِه وشهادة الناس له وأنه لُقِّب بالصادق الأمين لعظيم خلقه لكان له ذلك ، وغير ذلك من المقامات .. عُدّ ، عُدّ .. من المقامات ؛ ومع ذلك بالرغم من أنه جمع هذه المقامات كلها ، بالرغم من ذلك لم يدعوه وجود هذه المقامات التي يدعو الواحد منها لو وُجِدَ في غيره إلى التفاخر والتكبّر ، لم يكن له ذلك ؛ بل كان ضارب المثل في التواضع .. إذا صافح أحدًا ، لا يسحب يده منه حتى يكون الآخر هو الساحب .. إذا جلس ، جلس كما يجلس العبد .. دخل أعرابي يومًا المسجد فقال من منكم محمد .. والشاهد من الحديث ، أنه لم يكن له شارة ولا علامة ولا أريكة ولا سرير ولا عرش مُلك ولا ثياب خاصّة لأنه عظيم قومه ولأنه كبير قومه وأفضلهم وإمامهم ؛ ولكنه شأنه شأن الناس ؛ بل شأنه شأن فقرائهم ، بل شأنه شأن العبيد فيهم .. فقال مَن منكم محمد ؛ فقال أنا محمد .. صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. وقالت له امرأة ، مالك تجلس كما يجلس العبد ؟! قال أنا كذلك أجلس كما يجلس العبد وآكل كما يأكل العبد ، أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد من مكة ..

عباد الله .. نحن لا نحب مُحَمّدًا – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بالقدر الذي ينبغي .. ولم نُنزله في أنفسنا المنزلة التي تليق به .. ربّى أصحابه خير تربية .. بل إن الله عز وجل ، بما ربّاه على شمائلٍ عِظام وعلى رحمة مهداة وعلى أخلاقٍ حميدة ، نهرها لا يجف .. نهر أخلاق محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يجف وإن ارتوى منه العالمين ، لأنه رحمة للعالمين .. فلو ارتوى العالم من رحمة محمد وأخلاقه – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ما جفّ نهرُ أخلاقه ؛ ولكن نحن لا ينال منا محمدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إلا الكلمات والنعرات ، لكن التربية العقدية التي تؤسس والتي تُلزِم والتي تهدي إلى أن نكون من أتباعه وأن نكون عاملين بما هدانا إليه وسَنَّه لنا وربَّانا عليه وأَمَرنا به ونهانا عنه ، كثير كثير منا غير مؤهل لذلك ، وكثير منا ليس لمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خير الخلق أجمعين ، ليس له نصيبٌ عند كثير منا إلا مجرد كلمات ، أو " صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أو " عليه الصّلاة والسّلام " ووقف الأمر عند ذلك .. لسنا مُطِيعين ولسنا أبرار ولا نَبَرُّ نبيّنا ولا نسْتَنّ بسُنَّتِه ولا نهتدي بهَدْيه .. لماذا ؟؟ لأننا لا نعطى الا مجرد كلمات ، نسترضي بها أنفسنا ونعتبر أننا قد وفَّينا الحق الذي علينا عندما يُقال محمد ، فنقول " عَلَيْهِ الصَّلَاةُ والسَّلَام " .. وانتهى الأمر عند ذلك .. واعلم أن النَّبٍيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَمَرَهُ ربُّنا – رغم أننا بهذه الصورة – أمره بأن يعفو عن أصحابه ، الذين كان منهم يوم أُحُد ما آذاه ، وخالفوا أمره ، ولم يطيعوه فيما أمرهم به ، وكانوا بسبب مخالفتهم واستزلال الشيطان لهم ، كان هذا موجب لغضبه ، وموجب لعقوبتهم والثأر منهم ، تأديبًا ؛ ولكنه عفا عنهم ولَانَ لهم وَتَأَلَّفَهم ، ووجد الحزن في أعينهم فلم يُزِد عليهم ؛ بل أَمَرَه ربُّه أن يلين لهم في سياقٍ خبري يحكي أنك تلين لهم وأن تتألَّفهم ؛ بل ( فَاعْفُ عَنْهُمْ ) أي بالرغم ما كان في نفس محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يوم أُحُد وما وقع من صحابته الكرام يوم أُحُد وما وقع من غيرهم يوم أُحُد ، بالرغم من أن ذلك استثار حفيظته واستثار غضبه ، ليس في دنيا ولا في حق نفس ؛ بل كان في حق الله سبحانه وتعالى .. ومع ذلك من مقتضى حُسن قيادته ومن مقتضى مدى تَأْلِيفه لهم ومن مقتضى رحمته المهداة ومن مقتضى نهر أخلاقه الذي لا يجف  ومن مقتضى جوهره النفيس الذي لا ثاني له ؛ لَان لهم وعفا عنهم ، وأمَّلَهم في أن يكون الغد خير والقادم أحسن وأن الله عز وجل عفوٌّ غفور ؛ بل وعفا عنهم .. وقد عرفنا الفرق بين العفو وكظم الغيظ ، في غير هذا المقام .. كظم الغيظ ، هو ألَّا تُعْمِل ما في قلبك من غيظٍ مع وجوده .. تكون مغتاظ من عبدٍ في حقّ ، فتكتم غيظك وتكظمه لا تُعْمله ؛ ولكن غيظك موجودً في قلبك .. أما العفو ، هو محو الغيظ من القلب ، ليس فقط عدم إعمال الغيظ ؛ بل محو ذلك الغيظ .. فلما أَمَرَه ، لم يأْمره بكظم الغيظ ، مع أن كظم الغيظ من البِر ؛ لأن الله عز وجل ذَكَرَه في موطن الثناء ، فقال { وَالْكَـٰظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } [آل عمران:134] .. تنبّه .. لكن هنا قال ( فَاعْفُ عَنْهُمْ ) أي لا تحمل عليهم في قلبك غيظًا بسبب إساءتهم ومخالفتهم أمرك وما كان منهم يوم أُحُد ، سواء في تركهم مقام الرماة ، أو سواء فرارهم بعدما سمعوا بموتك ، أو غير ذلك مما وقع منهم ، فأنت مطالب بأن يكون الأمر في حقهم على المقامات العُلا التي أنت مُرَبَّى عليها وأهلٌ لها .. فما كان بينك وبينهم ، بالرغم من أن ما بينك وبينهم ، في الله وليس في دنيا وليس في حق نفس ؛ فعامِلْهم بالأعلى ، وهو العفو ، ولم يقل له " واكظم غيظك " إنما قال ( فَاعْفُ عَنْهُمْ ) ؛ بل وأعلى من ذلك ( وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ ) اطلب لهم مقام العفو والمغفرة عند ربهم حتى يُمْحَى ما عليهم من ذنوبٍ .. فدعاه إلى أن يُخلِّي قلبه لهم وأن يمسح من قلبه ما يسوؤهم وأن يعفو عنهم ؛ بل ويطلب من الله العفو عنهم .. بل ويطلب من الله ، لِمَن ؟ لأُمَّتِهِ .. لِمَن هم من أُمَّته ؟ لخير أُمَّتِه ، الذين يستحقون ذلك .. وهذه تربية عقدية ينبغي أن نتعلّمها .. لأن هذه الآية ، أطلت في البيان فيها لأنها مملوءة من كنوز البيان ومملوءة من التربية العقدية التي تُبَيّن أخلاق وشمائل خير البرية عَلَيْهِ الصَّلاة والسَّلام .. كلما علا مقامك في اتباعه وكلما علا استنانك بسُنَّته وكلما علا اتباعك لأمره ، كلما علت العطايا من الله لك .. الصحابة الذين أمره الله تعالى بأن يعفو عنهم ويستغفر لهم ويُشاورهم ، هؤلاء هم الذين تركوا جبل الرماة وكانوا سببًا لهزيمة المسلمين في يوم أُحُد ، هؤلاء هم الذين فرُّوا لمّا سمعوا بموته ، وهو يقول لهم أنا رسول الله ، ويدعوهم إلى الثبات ، وهم لمّا سمعوا بموته انهار كثير منهم ، وغير ذلك مما وقع منهم .. بمعنى أنه لو عاقبهم وأدّبهم لكان محقًّا ، ولو عاقبهم وأدّبهم لكان في ذلك له وجه شرعي ، وليس ظالمًا .. حاشا وكلا .. ولكن مع ذلك لأنهم مِن خير مَن اتَّبَعوه ، ولأن الله عز وجل غافر الذنب و قابل التّوب سبحانه وتعالى ، ولأنهم تَأَوَّلُوا ولأنهم ناصروه وكانوا خير مَن ناصروه ؛ كان لهم النصيب الأوفى والأوفر مما يعطي الله عباده المؤمنين .. فأعطاهم اللهُ ماذا ؟ أن يلين لهم ، وأعطاهم الله أن يرحمهم نبيُّهم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. وأعطاهم ماذا ؟ أن يكون لينًا وألَّا يكون فَظًّا ولا غليظًا ؛ لأنه ليس كذلك أبدًا أبدًا .. وأعطاهم ماذا ؟ أن يعفو النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عنهم .. وأعطاهم أن طالبه بالاستغفار لهم .. وأنتم تعلمون أن استغفار النّبي –  صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مقبول ؛ لأن دعاء النّبيّ –  صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مقبول ، ولا يمكن أبدًا أن يدعو إلا ويقبله الله تعالى كرامة له وفضلًا من الله عز وجل .. فأَمَرَه أن يستغفر لهم .. كل تلك .. عطايا .. عطايا ماذا ؟ عطايا مجاملات ؟ أبدًا .. إنما عطايا ضريبة حُسن الاتّباع والاهتداء .. ولذلك قلت لكم نحن لا نحب نبيَّنَا كما ينبغي ؛ ولكنهم أحبُّوه كما ينبغي .. ولو قرأتَ في أَيٍّ من المقروءات ولو كان كُتيب صغير يسير قليل الورقات ، في كيف اتبع الصحابةُ رضوان الله عليهم نبيَّهم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وكيف أحبّوه وكيف اتبعوه وكيف اهتدوا به ؛ لوجدت عجب العجاب .. ولعل ذلك يكون له مقالات تُبَيّن الفارق الكبير بيننا وبينهم من خلال حُسن صنيعهم ومن خلال ما كانوا عليه ... ( فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ ) فأَمَرَه أن يُزيل من صدره كل ما كان فيه من تبعاتٍ عليهم ؛ بل وأَمَرَه أن يطلب من الله عز وجل أن يغفر لهم كل ما كان عليهم من تبعات بينهم وبين ربهم ، وذلك مما يُعطيه الله عز وجل لأهل اتّباعه .. جعلني الله وإياكم من أهل اتباع محمدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على خير وجه ...

 —------------------------------------------------

الحمدُ للهِ وكفى، وسلامٌ على عبادِه الذين اصطفى، وأشهدُ أنْ لا إلـه إلا الله وحدَه لا شريكَ له ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه ، وصَفِيُّه مِنْ خلقِه وخليلُه ، صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه ، صلاةً نحققُ بها أمرَ ربِّنا ، حيثُ أنَّه قال { إِنَّ اللَّهَ وَمَلَـٰٓئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَـٰٓأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } [الأحزاب:56]... فاللَّهمَّ صلِّ على محمدٍ النبيّ ، وأزواجِه أمهاتِ المؤمنين ، وذريَّته ، وآلِ بيته ، كما صلّيتَ على آلِ إبراهيمَ إنَّكَ حميدٌ مجيدٌ...

لو قال لك أحدٌ أو عُرِضَ علينا عَرْض ، بكم نشتري أن نكون من أصحاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ أو تكون لنا مكانتهم ؟ أو تكون لنا كمكانتهم ؟ .. بكم ؟ بكم تشتري ذلك ؟ أو كم تبذل في ذلك ؟ أن تكون لك مكانة كأصحاب النّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ .. لا أعتقد أن أحدًا منّا سيُنصِف أو سيذكر لذلك القيمة التي تليق به .. لا أعتقد .. لأن النَّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما قال في حديثٍ صحيحٍ أخرجه مسلم عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال " إنّ أُناساً مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ بَعْدِي يَوَدُّ أحَدُهُمْ لَو اشْتَرَى رُؤْيَتِي بأهْلِهِ ومالِهِ " .. اسمع الحديث .. " لَو اشْتَرَى رُؤْيَتِي بأهْلِهِ ومالِهِ " .. مجرد الرؤية ، وليس أن يكون صحابيًّا مناصرًا منافحًا مجاهدًا مؤازرًا مطيعًا محبًّا ناصرًا .. " " إنّ أُناساً مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ بَعْدِي يَوَدُّ أحَدُهُمْ لَو اشْتَرَى رُؤْيَتِي بأهْلِهِ ومالِهِ " .. ولذلك قلت لك مجرد الرؤية ، ثمنها ما يكون للإنسان من مالٍ وولد ، بحيث يعطي كل ما يملك عن بكرة أبيه .. فكيف إذا قيل لك ، بكم تشتري أن تكون صحابيًّا أو تكون لك مكانة الصحابي ؟ .. لن تستطيع أن تُقَيِّم ذلك .. إن كانت الرؤية فقط ، ثمنها يتمنى لو دفع " طبعا ممكن يكون الثمن هذا لن يحصل به الرؤية لأنها أعلى من ذلك أو أغلى من ذلك بكثير " لكن هو " يَتَمَنَّى " لو اشترى أن يرى النّبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بأهله وماله .. لماذا ؟ لأن الصحابة – رضوان الله عليهم – بلغوا مرتبةً لا يعلمها إلا الله ، من الخير والفضل .. كلهم عدول ، كلهم في الجنة إلا مَن نافق أو ارتدّ .. كلهم محبّين للنبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. كلهم يُحشَرون معه .. كلهم يُلْحَقون بالرفيق الأعلى .. وعُدّ في تلك المناقب ، عُدّ حتى تنتهي المناقب ولتجد المزيد .. لمن ؟ للصحابة رضوان الله عليهم .. ولذلك اتفقت الأمة ، وخاصّة أهل الحديث ، وخاصّة أهل الجرح والتعديل ؛ أن الصحابة كلهم عدول .. ولذلك لو جاء حديث ، ولم يُذْكَر فيه اسم الصحابي ، حديث اتصل إسناده ، وقيل عن واحدٍ من أصحاب النَّبِيّ ، يعني لم يُقال عن فلان عن فلان عن فلان عن أبي هريرة ، أو عن ابن مسعود أو عن ابن عباس – كما يُقال – إنما قال عن فلان وذُكر السند واحدًا تلو الآخر ، وجِيء عند الصحابي ، وقال " عن واحدٍ من أصحاب النَّبِيّ " ، " عن إحدى زوجات النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " عن امرأة من أصحاب النَّبِيّ " وقيل كذا " لم يذكر الاسم " .. متفق على أن هذا الحديث صحيح وأن جهالة الصحابي لا تضر وأن العلم بعين الصحابي ، لا يفارق بينه وبين الجهل بعينه .. لماذا ؟ لأنهم كلهم كعينٍ واحدة ، عدول .. كل هذا لأنهم قد حققوا حُسن معيته – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وحُسْن اتباعه وحُسن التأسي به .. قِس وقارن ، بين الصحابة رضوان الله عليهم وبين عموم الناس بعدهم .. أمثالنا .. قس على الصحابة ، ونحن .. لن تجد هناك جامع لجدول المقارنات ولن تجد هناك مقارنة أصلًا تُذْكَر ولن تجد تدريج ولا أرقام تُذْكَر في جدول المقارنة ما بيننا وبينهم .. أقول ذلك لماذا ؟ حتى نعلم من المفرِّطين فى حق رسولنا الكريم – عَلَيْه الصَّلاة والسَّلام – وأننا نسمع الاستهزاء وأننا نغتاظ لذلك ؛ ولكن لا يتترجم هذا الغيظ إلى أي شيء ، كأنه بخار .. انظر إلى القِدر الذي يغلي على النار ، وانظر إلى البخار الذي يخرج منه ، أين يتجمَّع ؟ ماذا يفيد ؟ ما حجمه ؟ في أي مكان يقف ؟ هذا البخار هباء .. والقِدر من الداخل يغلي .. عندما تكون كالقِدر الذي يغلي ، ولا يخرج منه إلا مجرد كلام وهباء وبخار ؛ فأنت لم تناصر محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. تنبّه .. ولكنك لا يقع منك إلا مجرد هباء لا يسمن ولا يغني من جوع .. هذا الكلام يُلزِمُنا بماذا ؟ يُلزِمنا بأن نراجع أنفسنا في محبّتنا لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. نراجع محبَّتنا .. هل تُصلِّي ؟ إن كنت لا تصلي ؛ فأنت في الكافرين ، ليس في المسلمين أصلًا ولست من محبي محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ بل أنت من مبغضيه ، بل أنت من منكري نبوته ؛ لأن الصلاة عماد الدين ، مَن أقامها أقام الدين – وهذا ليس بحديث ؛ ولكنها قاعدة أُخِذَت من عموم الأحاديث – يقول النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " بَيْن الرَّجُلِ والكُفْر تَرْكُ الصَّلَاة " .. هل تُزَكِّي مالك ؟ لا تُزَكِّي .. أنت أقرب للكفر منك للإيمان .. أنت ممن لا يُحب محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. هل تصوم ؟ لا تصوم .. كذلك .. لأن هذا من عماد الدين .. ولأن هذا من أركان الإسلام التي تعبّر بها عن محبّتك واتباعك وعن صدقك في قولك وأنت تشهد " أنَّ مُحَمَّدًا رَسُول الله " .. إن كثيرًا مِنَّا كاذبون في قولهم " وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُول الله ".. كاذبون ..{ إِذَا جَآءَكَ الْمُنَـٰفِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَـٰفِقِينَ لَكَـٰذِبُونَ } [المنافقون:1] .. ( إِذَا جَآءَكَ الْمُنَـٰفِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ) طيب هذه الكلمة حق أم باطل ؟ ( مُحَمَّدٌ رسول الله ) كلمة حق أم باطل ؟ كلمة حق .. ولكن إما أن تكون قلتَها بصدق ، وإمّا أن تكون قلتها وأنت كاذب .. هي الكلمة حق ، شئتَ أم أَبيت ، هي كلمة حق .. ( إِذَا جَآءَكَ الْمُنَـٰفِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ ) إذًا هم قالوا كلمة حق ؛ لكن ( وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَـٰفِقِينَ لَكَـٰذِبُونَ ) .. كاذبون في ماذا ؟ .. كلمة " مُحَمَّدٌ رسول الله " أليست كلمة حق ؟ بلي ، هي كلمة حق ؛ ولكنهم لم يقولوها بصدق .. قالوها وخالفوها .. قالوها وعادوه .. قالوها وجمعوا البغضاء في قلوبهم .. قالوها واستهزؤوا به .. كان ابن سلول كلما وجد من نبينا – صَلَّى اللَّهُ  عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وعد بالخير وبالحق ؛ استهزأ بذلك ، وقال " غَرَّ القَوْمَ دينُهم " .. { إِذْ يَقُولُ الْمُنَـٰفِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَـٰٓؤُلَآءِ دِينُهُمْ } [الأنفال:49] .. لأنه غير صادق في الإيمان بنبوة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. احذر .. احذر أن تكون من المنافقين .. تقول كلمة الحق وأنت غير صادقٌ فيها .. أنت مطالب بأن تقول كلمة الحق وأنت صادق فيها .. لأن الله عز وجل وصف المؤمنين بأنهم { فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَىٰ وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا } [الفتح:26] .. فالفارق الكبير بين المؤمنين والمنافقين ، أن المنافقين ما لهم ؟ كاذبون .. ( وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَـٰفِقِينَ لَكَـٰذِبُونَ ) .. ولكن المؤمنين ما لهم ؟ ( أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا ) أحق بكلمة الإيمان وأهل كلمة الإيمان .. لماذا ؟ لأنهم قالوها وهم صادقون .. لابد أن تقف مع نفسك .. لابد أن تعلم أن هناك يوم القيامة .. أختم بهذا .. يوم القيامة ، سيقف النّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – على حوضه ؛ ليسقي أُمَّتَه بيده الشريفة – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فيأتي أقوامٌ ، يُنسَبون إلى أُمَّتِه ، كانوا في الدنيا من المسلمين ، وكانوا في الدنيا يقولون " أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله " .. فتمنعهم الملائكةُ أن يقتربوا من النّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ويُذَادُ بهم ، أي يُمنَعون .. يُذَاد بهم عن الحوض .. فيقول النّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أُمَّتِي .. أُمَّتِي " أي اتركوا أُمَّتي .. يقول مخاطبًا الملائكة الذين يذودون بكثيرٍ من أُمَّته ممن ينتسبون إلى الأُمَّة ولكنهم غير صادقين .. فيُقال له " إِنَّكَ لا تَدْرِي ما أَحْدَثُوا بعدك " .. وروايات أخرى كثيرة تفيد بمعناها أنهم بدّلوا في دين الله ، أنهم لم يكونوا صادقين في دين الله .. أنهم لم يقوموا على الحق الذي تركهم عليه .. " تركتُكم على البيضاء ، ليلها كنهارها ، لا يزيغ عنها إلا هالك " .. وكما قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " تركْتُ فِيكُم ما إن تَمَسَّكْتُم به لن تضلّوا ، كتاب الله وسُنَّتي " .. هذا يعني أن هناك أُناس ستظهر حقيقتهم يوم القيامة .. في الدنيا " أنت اسمك عم أحمد الحج أحمد ، حسنين ، محمدين " لا يعلم الحقيقة إلا الله .. ولكن يوم القيامة ، يوم تَبيضّ وجوه وتسودّ وجوه .. هذه حقيقة .. وهذه الحقيقة لا تظهر في الدنيا .. حقيقة الوجوه وبياضها وسوادها ، لا تظهر في الدنيا ؛ ولكن تظهر في الآخرة ، بحسب ما يُقَدّم العبد .. { إِذَا جَآءَكَ الْمُنَـٰفِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَـٰفِقِينَ لَكَـٰذِبُونَ } ..اختر لنفسك وتدبّر أمرك واختر في أي صفٍّ تقف .. هل أنت ممن اتبع الصحابة واهتدى بهديهم وسار على نهجهم ؟ فيكون لك مما كان لهم ولو البعض .. اللهم ارزقنا مما رزقتهم وأعطنا مما أعطيتهم .. انظر أعطاهم ماذا ؟ ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) .. وسيأتي لهذا مزيد بيانٍ في مقالاتٍ أُخر إن شاء الله تعالى ... أسأل اللهَ العلي الكبير أن يغفر لي ولكم وأن يغفر لنا تقصيرنا وأن يغسل حوبتنا وأن يتقبّل توبتنا وأن يجعلنا هداة مهتدين .. اللهم اجعلنا من خير أتباع نبيِّك صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. اللهم احشرنا مع مَن صَدقوا وبرِّئنا ممن كذبوا .. اللهم احشرنا مع مَن صدقوا ، وبرِّئنا ممن كذبوا ، واجعلنا هُداة مهتدين ... اللهم اهدنا واهْد بنا واجعلنا سببًا لمن اهتدى .. اللهم اهدنا واهْد بنا واجعلنا سببًا لمن اهتدى .. اجعل خير أيامنا يوم لقائك واجعل خير أعمالنا خواتيمها ولا تُمتنا إلا وأنت راضٍ عنا .. خُذْ بنواصينا للبِرِّ والتقوى ومن العمل ما ترضى .. حبِّب إلينا الإيمان وزيِّنه في قلوبنا وكرّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين .. اللهم فرّج كرب المكروبين وفُكّ أسر المأسورين ورُدّ الظلم عن المظلومين .. اللهم رُدّ علينا الغائبين يا رحمـٰن يا رحيم .. اللهم هوِّن علينا برد الشتاء وعلى عبادك المسلمين في كل مكانٍ وفي المخيمات وفي دورهم وبيوتهم وفي كل مقامٍ يا أرحم الراحمين .. حبِّب إلينا حُبّك وحُب من يحبك وحب كل عملٍ يقرّبنا إلى حبّك .. اشفنا واشف مرضى المسلمين وارفع البأساء عنا يا رحمـٰن يا رحيم .. واقض الدَّين عنّا واجعلنا من الراشدين وحبّب إلينا الإيمان واجعلنا من المؤمنين ... وصلِّ اللهم وسلِّم على مُحَمَّدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين .. أقول قولي هذا واستغفر اللهَ لي ولكم ... سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك ...

وكتيه : أسماء أحمد..

راجعه وصححه وضبطه:

د / سيد العربى..

لابد أن نخاف من النفاق في محبتنا لرسول الله  

الجمعة : 19 – 4 – 1442 هـ ... الموافق : 4 – 12 – 2020 م

للدكتور/ سيد العربي .. حفظه الله ..

إنَّ الحَمْدَ لله ، نَحْمَدُه ، ونسْتَعِينه ونَسْتَغْفِره ، ونعوذ بالله تعالى من شُرُورِ أنفُسِنا ، ومِن سيِّئات أعمالنا ، مَن يَهْدِهِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ، وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا، وأشْهَدُ أن لا إلهَ إلا الله وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ ، وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عبدهُ ورَسُولُه ، وصَفِيّه من خَلْقِه ، وخَلِيلُه، صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه ، وعلي من تَبِعَ هُدَاهُ بإحسانٍ إلي يومِ الدين .. ثُمَّ أَمَّا بَعْد ..

لازال الكلام مستمرٌّ في ما ابتدأتُه في غير هذا المحل المبارك ، في تلك التربية العقدية المُبَيِّنَة لخصائص وأخلاق خير البرية ؛ وذلك في ظل قول الله تعالى ، أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ } [آل عمران:159] .. وقد عرفنا في المقالات السابقة ، كما قلت في غير هذا المحل المبارك ، ما يتعلّق بكثير من لغويات الآية وما فيها من إبداعٍ نحويٍّ ، وبديع القرآن المعهود ، الذي يجعل من كل حرفٍ في موقعه ، آية من الآيات وإعجاز من الإعجازات ، وبيان لا منتهى له .. كيف لا ، وهو كلام ربّ العالمين ، نزل به الروح الآمين على محمدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ ليكون هدايةً للعالمين ..

( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ ) .. وقف بنا الكلام عند معنى العفو ، وكيف أن الله أَمَرَ نبيَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ بكونه رحمة للعالمين وبكونه ربّاه الله تبارك وتعالى واختصَّه بنوعٍ من الرحمة ، تجعله دواءً لكل داءٍ في تعامله مع أصحابه وأتباعه ، وكيف دَاوَى كلَّ أدْوائهم ، وكيف عالج كل أمراضهم ؛ من أول الكفر والشرك وغِلّ القلوب ، إلى أن صاروا من أهل الإيمان والإحسان وبَذْل المعروف وإفدائه بأنفسهم .. كيف صاروا ، الأصحاب .. مِن عبدة أوثان وشاربي خمر وآكلي ربا ، ونعراتهم الجاهلية وتقاتلهم من أجل فرس غُلب أو غَلب ، أو امرأة طُلِبَت للنكاح فأَبَت .. كيف صاروا من هذا المقام الرذيل ومن هذا المستنقع القبيح ؛ كيف صار الواحد منهم أُمَّة ، يمشي على الأرض وهو من أهل الجنة ، ويعلم ذلك من نفسه ، ويعلم غيره عنه ذلك .. كيف تَحَوَّلوا ، والمعدن هو المعدن والتركيب هو التركيب والآدمية هي الآدمية ! .. كيف صاروا من أسوأ السوء إلى أحسن الحسن ! .. وكيف صاروا هُدَاةً يهدي اللهُ بهم من يشاء ! .. كان ذلك بسبب أمور كثيرة ؛ أعظمها وأجلها وأعلاها هو رحمة النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، التي جعلها الله له وأخلاقه الحميدة التي ما كان ينظر إليه أحد ويراه ، إلا وينشرح صدره للإسلام ، هذا عُمر هَمَّ أن يقتله وحرص على أن يذهب إليه قاتلًا ، لا مُتَّبِعًا ؛ مجرد أن رءاه ، وقبله قد سمع كلام ربه سبحانه وتعالى ؛ فانشرح صدره للإسلام وصار عُمَر ، بعدما كان من أعدى أعداء الإسلام ، وكان من أعدى أعداء محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ..

( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ) .. هذه آياتٌ أو هذه كلمات من الآيات ، حملت قضايا كثيرة جدًا بَيّنتُها في المقالات السابقة.. ( وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ ) .. وهذا حال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، شهد بأنه لم يكن فظًّا ولم يكن غليظًا ؛ بل كان رحيمًا ليِّنًا ، بل كان رءوفًا رحيمًا ، بل كان خير من يألف ويؤلَف – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – شهد له أحبابه ؛ بل شهد له أعداؤه .. ( وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ ) .. بما أنك قد رُكِّبت برحمةٍ تجعلك تتألّف حتى الحجر القاسي ، وتتألف حتى الحيوان الشارد ، وأنتم تعلمون أن النَّبٍيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، بكى عليه الحجر والشجر ، وسبَّح الحصى بين يديه ، وكان له جذعٌ مقطوع من شجرة ، يقف عليه إذا خاطب الناسَ وكلمهم ، قبل أن يجعل له أحد أصحابه نجارًا منبرًا ، فقبل أن يُجْعَل له – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – منبر يخطب عليه ، كان هناك جذعٌ مقطوع في الأرض يقف عليه ويُحدِّث الناس ، هذا الجذع بكى لمّا هجره النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى المنبر .. بكى ، وسُمِعَ لبكائه أنين .. الجماد – عباد الله – أَحَبَّه ، والجماد لَانَ له ، والجماد أَلِفَه ؛ بل أنطق اللهُ عز وجل ، الحيوانَ الأعجمي الذي لا ينطق بالعربية ، أنطقه ليشهد له بالنّبوّة والرسالة ..

( فَاعْفُ عَنْهُمْ ) .. اللهُ عز وجل بعدما بَيَّنَ لنا في سياقٍ خبريٍّ إنشائي ، أي أنه سياق خبري ، ولكنه يحمل أمرًا ونهيًا ، في قوله تعالى ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ ) هذا السياق يُسَمَّى خبري ولكنه إنشائي ، فيُسَمَّى خبري إنشائي .. يعني حكاية تحمل أَمْرًا ونهيًا .. على تفصيل بيَّنتُه في المقالات السابقة .. ( وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ ) أي أنك لست فَظًّا ولا غَلِيظ القلب ، بدليل أنهم لم ينفضّوا من حولك .. أحد المشركين الذين ذهبوا إليه ليعقدوا معه صُلح الحديبية ، لمّا رجع إلى قومه قال لهم والله لقد رأيت كسرى في ملكه ، وهرقل في مكانته ، والنجاشي حيث هو كمَلِكٍ ، ما رأيتُ أحدًا من أتباع أولئك الملوك يُعَظِّم مَلِكَه كما يُعَظِّم أصحابُ محمدٍ محمدًا .. والله – أو كما يقسم هو ، واللات – ما تَنَخَّمَ نُخَامَةً أو مَجَّ مَجَّةً إلَّا تقاتلوا مَن تقع في يده ليتبرّك بها لأنها من جسده المبارك ، ولأنهم يعلمون مدى بركته التي خلقه الله عليها  - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – هو مُركّبٌ بشري ولكن على أجود ما يكون .. أنتم تعلمون أن حتى الذهب منه ما هو جيد ومنه ما هو أجود ، وما من شيء إلا منه الجيد والأجود .. أجود البشري على الإطلاق الذي ليس له ثان ، هو محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ليس بتركيبٍ آخر ولم يُخلَق كما تُخلَق الملائكة من نور ؛ إنما خُلق من طين لأنه من بني آدم .. صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. ولكنه هو أجود بني آدم ، حيث كان له من التركيب الآدمي المبارك على أجود ما يكون .. حتى وإن كان للرسل عمومًا تركيب مبارك ، وحتى وإن كان للرسل عمومًا تركيبًا جيدًا من التركيب البشري ؛ إلا أن محمدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، واحد في نفسه وواحد في ذاته وواحد في مثله ، بحيث لا يستطيع أحد أن يقول هو رقم واحد ، وبالتالي هناك رقم اثنان ورقم ثلاثة ؛ بل هو رقم واحد الذي ليس له رقم بعده ، من حيث التركيب البشري ، سواء في تركيبه الجسدي المبارك أو في أخلاقه ومعنويته .. صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. وكما ذكرتُ أيضًا من قبل ، لك أن تتخيل أن محمدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان له من المقامات والمكانات ، وكان له من بحر الأخلاق ، وكنز الجوهر النفيس في علو مقامه ومقتضيات ( كبريائه ) ، ما يقتضي الواحد منها ، من هذا الخلق وهذا المقام ، من النسب مثلًا ، أو الحسب مثلًا ، أو الشرف مثلًا ، أو الأخلاق ، أو الحنو ، أو البِر ، أو علو القدر ، أو علو الذِّكْر ، أو غير ذلك ، أي مقام من المقامات ، الواحد منهم يقتضي ، لو كان لواحد من البشر سواه ؛ لاقتضى أن يتكبّر على الخلق أيّما تكبر ، ويكون محقًّا .. فلو تكبّر محمد – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بنسبه لكان محقًّا لأنه من أنسب الناس نسبًا ، ولو تكبّر بحسبه ، فهو كان من أشرف الناس حسبًا ، ولو تكبّر بعُلُو ذِكْرِه وشهادة الناس له وأنه لُقِّب بالصادق الأمين لعظيم خلقه لكان له ذلك ، وغير ذلك من المقامات .. عُدّ ، عُدّ .. من المقامات ؛ ومع ذلك بالرغم من أنه جمع هذه المقامات كلها ، بالرغم من ذلك لم يدعوه وجود هذه المقامات التي يدعو الواحد منها لو وُجِدَ في غيره إلى التفاخر والتكبّر ، لم يكن له ذلك ؛ بل كان ضارب المثل في التواضع .. إذا صافح أحدًا ، لا يسحب يده منه حتى يكون الآخر هو الساحب .. إذا جلس ، جلس كما يجلس العبد .. دخل أعرابي يومًا المسجد فقال من منكم محمد .. والشاهد من الحديث ، أنه لم يكن له شارة ولا علامة ولا أريكة ولا سرير ولا عرش مُلك ولا ثياب خاصّة لأنه عظيم قومه ولأنه كبير قومه وأفضلهم وإمامهم ؛ ولكنه شأنه شأن الناس ؛ بل شأنه شأن فقرائهم ، بل شأنه شأن العبيد فيهم .. فقال مَن منكم محمد ؛ فقال أنا محمد .. صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. وقالت له امرأة ، مالك تجلس كما يجلس العبد ؟! قال أنا كذلك أجلس كما يجلس العبد وآكل كما يأكل العبد ، أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد من مكة ..

عباد الله .. نحن لا نحب مُحَمّدًا – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بالقدر الذي ينبغي .. ولم نُنزله في أنفسنا المنزلة التي تليق به .. ربّى أصحابه خير تربية .. بل إن الله عز وجل ، بما ربّاه على شمائلٍ عِظام وعلى رحمة مهداة وعلى أخلاقٍ حميدة ، نهرها لا يجف .. نهر أخلاق محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يجف وإن ارتوى منه العالمين ، لأنه رحمة للعالمين .. فلو ارتوى العالم من رحمة محمد وأخلاقه – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ما جفّ نهرُ أخلاقه ؛ ولكن نحن لا ينال منا محمدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إلا الكلمات والنعرات ، لكن التربية العقدية التي تؤسس والتي تُلزِم والتي تهدي إلى أن نكون من أتباعه وأن نكون عاملين بما هدانا إليه وسَنَّه لنا وربَّانا عليه وأَمَرنا به ونهانا عنه ، كثير كثير منا غير مؤهل لذلك ، وكثير منا ليس لمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خير الخلق أجمعين ، ليس له نصيبٌ عند كثير منا إلا مجرد كلمات ، أو " صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أو " عليه الصّلاة والسّلام " ووقف الأمر عند ذلك .. لسنا مُطِيعين ولسنا أبرار ولا نَبَرُّ نبيّنا ولا نسْتَنّ بسُنَّتِه ولا نهتدي بهَدْيه .. لماذا ؟؟ لأننا لا نعطى الا مجرد كلمات ، نسترضي بها أنفسنا ونعتبر أننا قد وفَّينا الحق الذي علينا عندما يُقال محمد ، فنقول " عَلَيْهِ الصَّلَاةُ والسَّلَام " .. وانتهى الأمر عند ذلك .. واعلم أن النَّبٍيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَمَرَهُ ربُّنا – رغم أننا بهذه الصورة – أمره بأن يعفو عن أصحابه ، الذين كان منهم يوم أُحُد ما آذاه ، وخالفوا أمره ، ولم يطيعوه فيما أمرهم به ، وكانوا بسبب مخالفتهم واستزلال الشيطان لهم ، كان هذا موجب لغضبه ، وموجب لعقوبتهم والثأر منهم ، تأديبًا ؛ ولكنه عفا عنهم ولَانَ لهم وَتَأَلَّفَهم ، ووجد الحزن في أعينهم فلم يُزِد عليهم ؛ بل أَمَرَه ربُّه أن يلين لهم في سياقٍ خبري يحكي أنك تلين لهم وأن تتألَّفهم ؛ بل ( فَاعْفُ عَنْهُمْ ) أي بالرغم ما كان في نفس محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يوم أُحُد وما وقع من صحابته الكرام يوم أُحُد وما وقع من غيرهم يوم أُحُد ، بالرغم من أن ذلك استثار حفيظته واستثار غضبه ، ليس في دنيا ولا في حق نفس ؛ بل كان في حق الله سبحانه وتعالى .. ومع ذلك من مقتضى حُسن قيادته ومن مقتضى مدى تَأْلِيفه لهم ومن مقتضى رحمته المهداة ومن مقتضى نهر أخلاقه الذي لا يجف  ومن مقتضى جوهره النفيس الذي لا ثاني له ؛ لَان لهم وعفا عنهم ، وأمَّلَهم في أن يكون الغد خير والقادم أحسن وأن الله عز وجل عفوٌّ غفور ؛ بل وعفا عنهم .. وقد عرفنا الفرق بين العفو وكظم الغيظ ، في غير هذا المقام .. كظم الغيظ ، هو ألَّا تُعْمِل ما في قلبك من غيظٍ مع وجوده .. تكون مغتاظ من عبدٍ في حقّ ، فتكتم غيظك وتكظمه لا تُعْمله ؛ ولكن غيظك موجودً في قلبك .. أما العفو ، هو محو الغيظ من القلب ، ليس فقط عدم إعمال الغيظ ؛ بل محو ذلك الغيظ .. فلما أَمَرَه ، لم يأْمره بكظم الغيظ ، مع أن كظم الغيظ من البِر ؛ لأن الله عز وجل ذَكَرَه في موطن الثناء ، فقال { وَالْكَـٰظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } [آل عمران:134] .. تنبّه .. لكن هنا قال ( فَاعْفُ عَنْهُمْ ) أي لا تحمل عليهم في قلبك غيظًا بسبب إساءتهم ومخالفتهم أمرك وما كان منهم يوم أُحُد ، سواء في تركهم مقام الرماة ، أو سواء فرارهم بعدما سمعوا بموتك ، أو غير ذلك مما وقع منهم ، فأنت مطالب بأن يكون الأمر في حقهم على المقامات العُلا التي أنت مُرَبَّى عليها وأهلٌ لها .. فما كان بينك وبينهم ، بالرغم من أن ما بينك وبينهم ، في الله وليس في دنيا وليس في حق نفس ؛ فعامِلْهم بالأعلى ، وهو العفو ، ولم يقل له " واكظم غيظك " إنما قال ( فَاعْفُ عَنْهُمْ ) ؛ بل وأعلى من ذلك ( وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ ) اطلب لهم مقام العفو والمغفرة عند ربهم حتى يُمْحَى ما عليهم من ذنوبٍ .. فدعاه إلى أن يُخلِّي قلبه لهم وأن يمسح من قلبه ما يسوؤهم وأن يعفو عنهم ؛ بل ويطلب من الله العفو عنهم .. بل ويطلب من الله ، لِمَن ؟ لأُمَّتِهِ .. لِمَن هم من أُمَّته ؟ لخير أُمَّتِه ، الذين يستحقون ذلك .. وهذه تربية عقدية ينبغي أن نتعلّمها .. لأن هذه الآية ، أطلت في البيان فيها لأنها مملوءة من كنوز البيان ومملوءة من التربية العقدية التي تُبَيّن أخلاق وشمائل خير البرية عَلَيْهِ الصَّلاة والسَّلام .. كلما علا مقامك في اتباعه وكلما علا استنانك بسُنَّته وكلما علا اتباعك لأمره ، كلما علت العطايا من الله لك .. الصحابة الذين أمره الله تعالى بأن يعفو عنهم ويستغفر لهم ويُشاورهم ، هؤلاء هم الذين تركوا جبل الرماة وكانوا سببًا لهزيمة المسلمين في يوم أُحُد ، هؤلاء هم الذين فرُّوا لمّا سمعوا بموته ، وهو يقول لهم أنا رسول الله ، ويدعوهم إلى الثبات ، وهم لمّا سمعوا بموته انهار كثير منهم ، وغير ذلك مما وقع منهم .. بمعنى أنه لو عاقبهم وأدّبهم لكان محقًّا ، ولو عاقبهم وأدّبهم لكان في ذلك له وجه شرعي ، وليس ظالمًا .. حاشا وكلا .. ولكن مع ذلك لأنهم مِن خير مَن اتَّبَعوه ، ولأن الله عز وجل غافر الذنب و قابل التّوب سبحانه وتعالى ، ولأنهم تَأَوَّلُوا ولأنهم ناصروه وكانوا خير مَن ناصروه ؛ كان لهم النصيب الأوفى والأوفر مما يعطي الله عباده المؤمنين .. فأعطاهم اللهُ ماذا ؟ أن يلين لهم ، وأعطاهم الله أن يرحمهم نبيُّهم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. وأعطاهم ماذا ؟ أن يكون لينًا وألَّا يكون فَظًّا ولا غليظًا ؛ لأنه ليس كذلك أبدًا أبدًا .. وأعطاهم ماذا ؟ أن يعفو النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عنهم .. وأعطاهم أن طالبه بالاستغفار لهم .. وأنتم تعلمون أن استغفار النّبي –  صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مقبول ؛ لأن دعاء النّبيّ –  صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مقبول ، ولا يمكن أبدًا أن يدعو إلا ويقبله الله تعالى كرامة له وفضلًا من الله عز وجل .. فأَمَرَه أن يستغفر لهم .. كل تلك .. عطايا .. عطايا ماذا ؟ عطايا مجاملات ؟ أبدًا .. إنما عطايا ضريبة حُسن الاتّباع والاهتداء .. ولذلك قلت لكم نحن لا نحب نبيَّنَا كما ينبغي ؛ ولكنهم أحبُّوه كما ينبغي .. ولو قرأتَ في أَيٍّ من المقروءات ولو كان كُتيب صغير يسير قليل الورقات ، في كيف اتبع الصحابةُ رضوان الله عليهم نبيَّهم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وكيف أحبّوه وكيف اتبعوه وكيف اهتدوا به ؛ لوجدت عجب العجاب .. ولعل ذلك يكون له مقالات تُبَيّن الفارق الكبير بيننا وبينهم من خلال حُسن صنيعهم ومن خلال ما كانوا عليه ... ( فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ ) فأَمَرَه أن يُزيل من صدره كل ما كان فيه من تبعاتٍ عليهم ؛ بل وأَمَرَه أن يطلب من الله عز وجل أن يغفر لهم كل ما كان عليهم من تبعات بينهم وبين ربهم ، وذلك مما يُعطيه الله عز وجل لأهل اتّباعه .. جعلني الله وإياكم من أهل اتباع محمدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على خير وجه ...

 —------------------------------------------------

الحمدُ للهِ وكفى، وسلامٌ على عبادِه الذين اصطفى، وأشهدُ أنْ لا إلـه إلا الله وحدَه لا شريكَ له ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه ، وصَفِيُّه مِنْ خلقِه وخليلُه ، صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه ، صلاةً نحققُ بها أمرَ ربِّنا ، حيثُ أنَّه قال { إِنَّ اللَّهَ وَمَلَـٰٓئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَـٰٓأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } [الأحزاب:56]... فاللَّهمَّ صلِّ على محمدٍ النبيّ ، وأزواجِه أمهاتِ المؤمنين ، وذريَّته ، وآلِ بيته ، كما صلّيتَ على آلِ إبراهيمَ إنَّكَ حميدٌ مجيدٌ...

لو قال لك أحدٌ أو عُرِضَ علينا عَرْض ، بكم نشتري أن نكون من أصحاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ أو تكون لنا مكانتهم ؟ أو تكون لنا كمكانتهم ؟ .. بكم ؟ بكم تشتري ذلك ؟ أو كم تبذل في ذلك ؟ أن تكون لك مكانة كأصحاب النّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ .. لا أعتقد أن أحدًا منّا سيُنصِف أو سيذكر لذلك القيمة التي تليق به .. لا أعتقد .. لأن النَّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما قال في حديثٍ صحيحٍ أخرجه مسلم عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال " إنّ أُناساً مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ بَعْدِي يَوَدُّ أحَدُهُمْ لَو اشْتَرَى رُؤْيَتِي بأهْلِهِ ومالِهِ " .. اسمع الحديث .. " لَو اشْتَرَى رُؤْيَتِي بأهْلِهِ ومالِهِ " .. مجرد الرؤية ، وليس أن يكون صحابيًّا مناصرًا منافحًا مجاهدًا مؤازرًا مطيعًا محبًّا ناصرًا .. " " إنّ أُناساً مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ بَعْدِي يَوَدُّ أحَدُهُمْ لَو اشْتَرَى رُؤْيَتِي بأهْلِهِ ومالِهِ " .. ولذلك قلت لك مجرد الرؤية ، ثمنها ما يكون للإنسان من مالٍ وولد ، بحيث يعطي كل ما يملك عن بكرة أبيه .. فكيف إذا قيل لك ، بكم تشتري أن تكون صحابيًّا أو تكون لك مكانة الصحابي ؟ .. لن تستطيع أن تُقَيِّم ذلك .. إن كانت الرؤية فقط ، ثمنها يتمنى لو دفع " طبعا ممكن يكون الثمن هذا لن يحصل به الرؤية لأنها أعلى من ذلك أو أغلى من ذلك بكثير " لكن هو " يَتَمَنَّى " لو اشترى أن يرى النّبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بأهله وماله .. لماذا ؟ لأن الصحابة – رضوان الله عليهم – بلغوا مرتبةً لا يعلمها إلا الله ، من الخير والفضل .. كلهم عدول ، كلهم في الجنة إلا مَن نافق أو ارتدّ .. كلهم محبّين للنبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. كلهم يُحشَرون معه .. كلهم يُلْحَقون بالرفيق الأعلى .. وعُدّ في تلك المناقب ، عُدّ حتى تنتهي المناقب ولتجد المزيد .. لمن ؟ للصحابة رضوان الله عليهم .. ولذلك اتفقت الأمة ، وخاصّة أهل الحديث ، وخاصّة أهل الجرح والتعديل ؛ أن الصحابة كلهم عدول .. ولذلك لو جاء حديث ، ولم يُذْكَر فيه اسم الصحابي ، حديث اتصل إسناده ، وقيل عن واحدٍ من أصحاب النَّبِيّ ، يعني لم يُقال عن فلان عن فلان عن فلان عن أبي هريرة ، أو عن ابن مسعود أو عن ابن عباس – كما يُقال – إنما قال عن فلان وذُكر السند واحدًا تلو الآخر ، وجِيء عند الصحابي ، وقال " عن واحدٍ من أصحاب النَّبِيّ " ، " عن إحدى زوجات النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " عن امرأة من أصحاب النَّبِيّ " وقيل كذا " لم يذكر الاسم " .. متفق على أن هذا الحديث صحيح وأن جهالة الصحابي لا تضر وأن العلم بعين الصحابي ، لا يفارق بينه وبين الجهل بعينه .. لماذا ؟ لأنهم كلهم كعينٍ واحدة ، عدول .. كل هذا لأنهم قد حققوا حُسن معيته – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وحُسْن اتباعه وحُسن التأسي به .. قِس وقارن ، بين الصحابة رضوان الله عليهم وبين عموم الناس بعدهم .. أمثالنا .. قس على الصحابة ، ونحن .. لن تجد هناك جامع لجدول المقارنات ولن تجد هناك مقارنة أصلًا تُذْكَر ولن تجد تدريج ولا أرقام تُذْكَر في جدول المقارنة ما بيننا وبينهم .. أقول ذلك لماذا ؟ حتى نعلم من المفرِّطين فى حق رسولنا الكريم – عَلَيْه الصَّلاة والسَّلام – وأننا نسمع الاستهزاء وأننا نغتاظ لذلك ؛ ولكن لا يتترجم هذا الغيظ إلى أي شيء ، كأنه بخار .. انظر إلى القِدر الذي يغلي على النار ، وانظر إلى البخار الذي يخرج منه ، أين يتجمَّع ؟ ماذا يفيد ؟ ما حجمه ؟ في أي مكان يقف ؟ هذا البخار هباء .. والقِدر من الداخل يغلي .. عندما تكون كالقِدر الذي يغلي ، ولا يخرج منه إلا مجرد كلام وهباء وبخار ؛ فأنت لم تناصر محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. تنبّه .. ولكنك لا يقع منك إلا مجرد هباء لا يسمن ولا يغني من جوع .. هذا الكلام يُلزِمُنا بماذا ؟ يُلزِمنا بأن نراجع أنفسنا في محبّتنا لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. نراجع محبَّتنا .. هل تُصلِّي ؟ إن كنت لا تصلي ؛ فأنت في الكافرين ، ليس في المسلمين أصلًا ولست من محبي محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ بل أنت من مبغضيه ، بل أنت من منكري نبوته ؛ لأن الصلاة عماد الدين ، مَن أقامها أقام الدين – وهذا ليس بحديث ؛ ولكنها قاعدة أُخِذَت من عموم الأحاديث – يقول النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " بَيْن الرَّجُلِ والكُفْر تَرْكُ الصَّلَاة " .. هل تُزَكِّي مالك ؟ لا تُزَكِّي .. أنت أقرب للكفر منك للإيمان .. أنت ممن لا يُحب محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. هل تصوم ؟ لا تصوم .. كذلك .. لأن هذا من عماد الدين .. ولأن هذا من أركان الإسلام التي تعبّر بها عن محبّتك واتباعك وعن صدقك في قولك وأنت تشهد " أنَّ مُحَمَّدًا رَسُول الله " .. إن كثيرًا مِنَّا كاذبون في قولهم " وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُول الله ".. كاذبون ..{ إِذَا جَآءَكَ الْمُنَـٰفِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَـٰفِقِينَ لَكَـٰذِبُونَ } [المنافقون:1] .. ( إِذَا جَآءَكَ الْمُنَـٰفِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ) طيب هذه الكلمة حق أم باطل ؟ ( مُحَمَّدٌ رسول الله ) كلمة حق أم باطل ؟ كلمة حق .. ولكن إما أن تكون قلتَها بصدق ، وإمّا أن تكون قلتها وأنت كاذب .. هي الكلمة حق ، شئتَ أم أَبيت ، هي كلمة حق .. ( إِذَا جَآءَكَ الْمُنَـٰفِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ ) إذًا هم قالوا كلمة حق ؛ لكن ( وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَـٰفِقِينَ لَكَـٰذِبُونَ ) .. كاذبون في ماذا ؟ .. كلمة " مُحَمَّدٌ رسول الله " أليست كلمة حق ؟ بلي ، هي كلمة حق ؛ ولكنهم لم يقولوها بصدق .. قالوها وخالفوها .. قالوها وعادوه .. قالوها وجمعوا البغضاء في قلوبهم .. قالوها واستهزؤوا به .. كان ابن سلول كلما وجد من نبينا – صَلَّى اللَّهُ  عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وعد بالخير وبالحق ؛ استهزأ بذلك ، وقال " غَرَّ القَوْمَ دينُهم " .. { إِذْ يَقُولُ الْمُنَـٰفِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَـٰٓؤُلَآءِ دِينُهُمْ } [الأنفال:49] .. لأنه غير صادق في الإيمان بنبوة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. احذر .. احذر أن تكون من المنافقين .. تقول كلمة الحق وأنت غير صادقٌ فيها .. أنت مطالب بأن تقول كلمة الحق وأنت صادق فيها .. لأن الله عز وجل وصف المؤمنين بأنهم { فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَىٰ وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا } [الفتح:26] .. فالفارق الكبير بين المؤمنين والمنافقين ، أن المنافقين ما لهم ؟ كاذبون .. ( وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَـٰفِقِينَ لَكَـٰذِبُونَ ) .. ولكن المؤمنين ما لهم ؟ ( أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا ) أحق بكلمة الإيمان وأهل كلمة الإيمان .. لماذا ؟ لأنهم قالوها وهم صادقون .. لابد أن تقف مع نفسك .. لابد أن تعلم أن هناك يوم القيامة .. أختم بهذا .. يوم القيامة ، سيقف النّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – على حوضه ؛ ليسقي أُمَّتَه بيده الشريفة – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فيأتي أقوامٌ ، يُنسَبون إلى أُمَّتِه ، كانوا في الدنيا من المسلمين ، وكانوا في الدنيا يقولون " أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله " .. فتمنعهم الملائكةُ أن يقتربوا من النّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ويُذَادُ بهم ، أي يُمنَعون .. يُذَاد بهم عن الحوض .. فيقول النّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أُمَّتِي .. أُمَّتِي " أي اتركوا أُمَّتي .. يقول مخاطبًا الملائكة الذين يذودون بكثيرٍ من أُمَّته ممن ينتسبون إلى الأُمَّة ولكنهم غير صادقين .. فيُقال له " إِنَّكَ لا تَدْرِي ما أَحْدَثُوا بعدك " .. وروايات أخرى كثيرة تفيد بمعناها أنهم بدّلوا في دين الله ، أنهم لم يكونوا صادقين في دين الله .. أنهم لم يقوموا على الحق الذي تركهم عليه .. " تركتُكم على البيضاء ، ليلها كنهارها ، لا يزيغ عنها إلا هالك " .. وكما قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " تركْتُ فِيكُم ما إن تَمَسَّكْتُم به لن تضلّوا ، كتاب الله وسُنَّتي " .. هذا يعني أن هناك أُناس ستظهر حقيقتهم يوم القيامة .. في الدنيا " أنت اسمك عم أحمد الحج أحمد ، حسنين ، محمدين " لا يعلم الحقيقة إلا الله .. ولكن يوم القيامة ، يوم تَبيضّ وجوه وتسودّ وجوه .. هذه حقيقة .. وهذه الحقيقة لا تظهر في الدنيا .. حقيقة الوجوه وبياضها وسوادها ، لا تظهر في الدنيا ؛ ولكن تظهر في الآخرة ، بحسب ما يُقَدّم العبد .. { إِذَا جَآءَكَ الْمُنَـٰفِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَـٰفِقِينَ لَكَـٰذِبُونَ } ..اختر لنفسك وتدبّر أمرك واختر في أي صفٍّ تقف .. هل أنت ممن اتبع الصحابة واهتدى بهديهم وسار على نهجهم ؟ فيكون لك مما كان لهم ولو البعض .. اللهم ارزقنا مما رزقتهم وأعطنا مما أعطيتهم .. انظر أعطاهم ماذا ؟ ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) .. وسيأتي لهذا مزيد بيانٍ في مقالاتٍ أُخر إن شاء الله تعالى ... أسأل اللهَ العلي الكبير أن يغفر لي ولكم وأن يغفر لنا تقصيرنا وأن يغسل حوبتنا وأن يتقبّل توبتنا وأن يجعلنا هداة مهتدين .. اللهم اجعلنا من خير أتباع نبيِّك صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. اللهم احشرنا مع مَن صَدقوا وبرِّئنا ممن كذبوا .. اللهم احشرنا مع مَن صدقوا ، وبرِّئنا ممن كذبوا ، واجعلنا هُداة مهتدين ... اللهم اهدنا واهْد بنا واجعلنا سببًا لمن اهتدى .. اللهم اهدنا واهْد بنا واجعلنا سببًا لمن اهتدى .. اجعل خير أيامنا يوم لقائك واجعل خير أعمالنا خواتيمها ولا تُمتنا إلا وأنت راضٍ عنا .. خُذْ بنواصينا للبِرِّ والتقوى ومن العمل ما ترضى .. حبِّب إلينا الإيمان وزيِّنه في قلوبنا وكرّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين .. اللهم فرّج كرب المكروبين وفُكّ أسر المأسورين ورُدّ الظلم عن المظلومين .. اللهم رُدّ علينا الغائبين يا رحمـٰن يا رحيم .. اللهم هوِّن علينا برد الشتاء وعلى عبادك المسلمين في كل مكانٍ وفي المخيمات وفي دورهم وبيوتهم وفي كل مقامٍ يا أرحم الراحمين .. حبِّب إلينا حُبّك وحُب من يحبك وحب كل عملٍ يقرّبنا إلى حبّك .. اشفنا واشف مرضى المسلمين وارفع البأساء عنا يا رحمـٰن يا رحيم .. واقض الدَّين عنّا واجعلنا من الراشدين وحبّب إلينا الإيمان واجعلنا من المؤمنين ... وصلِّ اللهم وسلِّم على مُحَمَّدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين .. أقول قولي هذا واستغفر اللهَ لي ولكم ... سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك ...

وكتيه : أسماء أحمد..

راجعه وصححه وضبطه:

د / سيد العربى..




واحة العقيدة - موقع فضيلة الدكتور السيد العربي بن كمال
 
الجمعة ... 14 – 5 – 2021 ... كيف حالك بعد رمضان؟؟
الجمعة ... 7 – 5 – 2021 ... مختصر أحكام زكاة الفطر والعيد
الجمعة ... 23 – 4 -2021... معنى " ايمانا واحتسابا "
الجمعة ... 30 – 4 – 2021 ... ماذا علينا في العشر الأواخر
الجمعة ... 16 – 4 – 2021 ... معنى " الصوم لي "
الجمعة ... 9 – 4 – 2021 ... بعض ما يتعلق بشهر رمضان
الجمعة ... 19- 3 – 2021 ... معانى عالية فى دعاء الجنازة
الجمعة ... 12 – 3 – 2021 ... من أداب اتباع الجنائز
الجمعة ... 5 – 3 – 2021.. كيف ندعو للمريض وبما؟؟
الجمعة ... 26 – 2 – 2021 ... ما هى أداب عيادة المريض؟؟
 
art4islam
جميع الحقوق محفوظة لموقع واحة العقيدة - 1431 هـ

فتاوى فى إنتظار الرد: 15